Home / الرومانسية / حب بعد الموعد / الفصل الرابع: الشقوق تظهر

Share

الفصل الرابع: الشقوق تظهر

Author: غمام
last update publish date: 2026-07-28 20:47:30

الفصل الرابع: الشقوق تظهر 

مرت أسابيع. كانت نورا قد اعتادت على المنزل. على سيف. على ياسر. كانت قد بدأت — دون أن تدري — في بناء حياة. حياة صغيرة، بسيطة، لكنها حياة.

كان ياسر يعود مبكراً أكثر. كان يأكل معهم. كان يلعب مع سيف — بلهاء في البداية، ثم بجدية. كان يطلب من نورا أن تبقى بعد أن ينام سيف. كانا يتحدثان. عن سيف. عن العمل. عن الحياة.

في ليلة من الليالي، كانا جالسين في الصالة. كان ياسر يشرب قهوة. كانت نورا تشرب شايها.

"لماذا لم تتزوجي؟" سأل ياسر فجأة.

نظرت إليه نورا. كانت السؤال — الذي سمعته مئات المرات — يبدو مختلفاً هذه المرة. ليس كسؤال مجاملة. بل كسؤال حقيقي.

"لماذا تسأل؟"

"لأنكِ... لأنكِ امرأة جميلة. ذكية. حنونة. لماذا لا يوجد رجل في حياتكِ؟"

شعرت نورا بحرارة تتصاعد إلى وجهها. لم تكن تتوقع هذا السؤال. لم تكن تتوقع أن يقول إنها "جميلة". لم تكن تسمع هذه الكلمة منذ سنوات.

"لم أجد الشخص المناسب. و... وربما لم يجدني أحد."

"أنا أجدكِ."

صمت. صمت طويل. كان ياسر ينظر إليها. كانت نورا تنظر إلى كوب الشاي. كانت تفكر في أنها يجب أن تقف. أن تذهب إلى غرفتها. أن تنهي هذه المحادثة قبل أن تذهب إلى مكان لا تريد الذهاب إليه.

لكنها لم تقف.

"أنت تجدني مربية جيدة. هذا كل شيء."

"لا. أجدكِ... أجدكِ مختلفة. عن كل النساء اللواتي قابلتهن. أنتِ لا تطلبين شيئاً. لا تتظاهرين. لا تكذبين. أنتِ... حقيقية."

"أنت لا تعرفني. أنت تعرف نورا المربية. لكنك لا تعرف نورا المرأة."

"أريد أن أعرفها."

نظرت إليه نورا. كانت عيناه بنيتان، عميقتان، تحملان شيئاً يشبه الجوع. جوعاً لم تكن تستطيع تسميته. جوعاً كانت تعرفه. لأنها كانت تحمله أيضاً.

"لا تقل هذا،" قالت بهدوء. "أنا أعمل لديك. أنا مربية ابنك. لا يجب أن..."

"لماذا لا يجب؟"

"لأنني... لأنني لا أريد أن أكون خياراً ثانوياً. لأنني لا أريد أن تكون هذه — ما تقوله — مجرد لحظة ضعف. لأنني..."

توقفت. لأنها كانت على وشك البكاء. ولم تكن تريد أن تبكي أمامه.

"أنا ذاهبة إلى فراشي. تصبح على خير."

قامت. ومشت. ولم تنظر خلفها.

في غرفتها، جلست على سريرها. كانت تفكر في كلماته. في "أنا أجدكِ". في "أريد أن أعرفها". كانت تفكر في أنها — رغم كل شيء — قد تكون سعيدة. وأن السعادة قد تكون أقرب مما ظنت.

لكنها كانت تفكر أيضاً في أنها كبيرة في السن. في أنها "العانس". في أن ياسر رجل ثري، مشهور، يستطيع أن يحصل على أي امرأة يريدها. في أنها — إذا سمحت لنفسها بالحلم — قد تستيقظ على كابوس.

نامت تلك الليلة بصعوبة. وفي المنام، رأت قطاراً. كان القطار يذهب بعيداً. وكانت تقف على الرصيف. وكان هناك شخص — لا تستطيع رؤية وجهه — يمد يده إليها. وكانت تريد أن تمسك بيده. لكنه

ا كانت خائفة. خائفة من أن تسقط. خائفة من أن تفشل.

---

الابتعاد

في الأيام التالية، ابتعدت نورا. كانت تتحدث مع ياسر بشكل مهني فقط. كانت تتجنب الجلوس معه بعد أن ينام سيف. كانت تذهب إلى غرفتها مبكراً.

لاحظ ياسر. لكنه لم يقل شيئاً. كان يحترم مساحتها. أو ربما كان يخاف. كان يخاف من أن يقول شيئاً خاطئاً. من أن يخسر ما بدأ يبنيه.

في ليلة، كان سيف مريضاً. كان يبكي. كان يتلوى. كانت نورا تجلس بجانبه، تهدئه. كان ياسر يقف في الباب، ينظر إليهما. كان يبدو عاجزاً. كان يبدو كأنه يريد أن يفعل شيئاً، لكنه لا يعرف ماذا.

"تعال،" قالت نورا له. "اجلس هنا. امسك يده."

جلس ياسر. بجانب سرير سيف. أخذ يده. كان سيف يهمهم بكلمات لا تفهم. كان يبدو — للحظة — طفلاً عادياً. طفلاً يحتاج أباه.

"أنا لا أعرف ماذا أفعل،" قال ياسر بهدوء.

"أنت تفعل. أنت هنا. هذا كل ما يحتاجه."

نظر إليها ياسر. كانت عيناها حنونتان. كانت تحمل شيئاً يشبه الحب. لكنه — كان يعرف — ليس حباً رومانسياً. بل حباً أعمق. حباً يشبه الرحمة. والرحمة أحياناً أقوى من الحب.

"شكراً،" قال. "على كل شيء."

لم يرد. لكنها — للمرة الأولى — لم تبتعد. بقيت. جلست بجانبه. حتى نام سيف. حتى نام ياسر — بجانب سرير ابنه — وهو يمسك يده.

نظرت إليهما. إلى الرجل والطفل. إلى الأب والابن. إلى ما كانت — دون أن تدري — قد أصبحت جزءاً منه. وشعرت بشيء ينمو في داخلها. شيء كانت تخاف من تسميته. شيء كان يشبه... البيت.

---

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حب بعد الموعد    الفصل السادس: العقد

    الفصل السادس العقد في الأسبوع التالي، كان ياسر في مكتبه. كان يفكر. كان يفكر في سيف. في سارة. في نورا. كان يفكر في أن حياته — التي بناها بعناية — تتداعى. وأنه لا يعرف كيف يمنع ذلك.في تلك الليلة، دعا نورا إلى مكتبه. كان جالساً خلف مكتبه. كان يبدو رسمياً. أكثر رسمية من المعتاد."أريد أن أقترح شيئاً،" قال."ماذا؟""سارة... سارة قد تعود. قد تحاول أن تأخذ سيف. أنا بحاجة إلى حمايته. إلى حماية حقوقه. أنا بحاجة إلى..."توقف. ثم قال:"أنا بحاجة إلى أن تكوني هنا. رسمياً. بشكل قانوني.""ماذا تقصد؟""أقصد... زواجاً."صمت. صمت طويل. كانت نورا تنظر إليه. كانت تفكر في أنها قد تكون نائمة. في أنها قد تكون تحلم. في أن هذا — الزواج — هو الشيء الذي انتظرته طوال حياتها. لكنه — في هذه اللحظة — يبدو مختلفاً. يبدو... بارداً."زواجاً؟" قالت بهدوء."زواجاً صورياً. عقداً. أنتِ تكونين أمّاً لسيف رسمياً. لدي الحق في منع سارة من أخذه. وأنتِ...""وأنا ماذا؟""وأنتِ تحصلين على استقرار. على بيت. على...""على ماذا؟ على لقب؟ على أن أكون 'السيدة المنيف' بدلاً من 'المربية نورا'؟"نظر إليها ياسر. كانت نظراته تحمل شيئاً ي

  • حب بعد الموعد    الفصل الخامس : الزوجة السابقة

    الفصل الخامس الزوجة السابقةفي صباح أحد الأيام، جاءت زوجة ياسر السابقة.كانت نورا في المطبخ. كانت تعد الفطور. سمعت صوت باب ينفتح. ثم صوت امرأة. صوت عالٍ، واثق، يحمل لكنة أجنبية."أين سيف؟ أريد أن أراه."خرجت نورا. كانت هناك امرأة في الصالة. امرأة جميلة. شقراء. ترتدي بدلة أنيقة. تحمل حقيبة يد باهظة. كانت تبدو — كما قالت نورا فيما بعد — "كأنها نزلت من مجلة"."من أنتِ؟" سألت المرأة بنبرة تحقيق."أنا نورا. مربية سيف.""أها. المربية الجديدة."كانت هناك نظرة — شيء يشبه الازدراء. كأن "مربية" كلمة تدل على وضع اجتماعي منخفض."أنا سارة. أم سيف. أريد أن أراه.""سيف في غرفته. لكنه...""لكنه ماذا؟""لكنه قد لا يرد عليكِ. قد لا ينظر إليكِ. كما قال سيد ياسر."تغير وجه سارة. من الواثق إلى الغاضب."أنا أمه. أنا أعرف كيف أتعامل معه."ذهبت إلى غرفة سيف. نورا تبعتها. كانت سارة تدخل بثقة. كانت تتوقع أن يركض إليها. أن يحتضنها. أن يقول "أمي".لكن سيف لم يفعل شيئاً. كان جالساً في زاويته، يلعب بقطاره. لم ينظر إليها. لم يتحرك."سيف! حبيبي! أمي هنا!"لم يرد. استمر في لعبته."سيف! انظر إلي!"ذهبت إليه. أخذت القط

  • حب بعد الموعد    الفصل الرابع: الشقوق تظهر

    الفصل الرابع: الشقوق تظهر مرت أسابيع. كانت نورا قد اعتادت على المنزل. على سيف. على ياسر. كانت قد بدأت — دون أن تدري — في بناء حياة. حياة صغيرة، بسيطة، لكنها حياة.كان ياسر يعود مبكراً أكثر. كان يأكل معهم. كان يلعب مع سيف — بلهاء في البداية، ثم بجدية. كان يطلب من نورا أن تبقى بعد أن ينام سيف. كانا يتحدثان. عن سيف. عن العمل. عن الحياة.في ليلة من الليالي، كانا جالسين في الصالة. كان ياسر يشرب قهوة. كانت نورا تشرب شايها."لماذا لم تتزوجي؟" سأل ياسر فجأة.نظرت إليه نورا. كانت السؤال — الذي سمعته مئات المرات — يبدو مختلفاً هذه المرة. ليس كسؤال مجاملة. بل كسؤال حقيقي."لماذا تسأل؟""لأنكِ... لأنكِ امرأة جميلة. ذكية. حنونة. لماذا لا يوجد رجل في حياتكِ؟"شعرت نورا بحرارة تتصاعد إلى وجهها. لم تكن تتوقع هذا السؤال. لم تكن تتوقع أن يقول إنها "جميلة". لم تكن تسمع هذه الكلمة منذ سنوات."لم أجد الشخص المناسب. و... وربما لم يجدني أحد.""أنا أجدكِ."صمت. صمت طويل. كان ياسر ينظر إليها. كانت نورا تنظر إلى كوب الشاي. كانت تفكر في أنها يجب أن تقف. أن تذهب إلى غرفتها. أن تنهي هذه المحادثة قبل أن تذهب إلى

  • حب بعد الموعد    الفصل الثالث: الايام الاولى

    الفصل الثالث الأيام الأولىمرت الأيام الأولى ببطء. كانت نورا تستيقظ مع سيف. تُعد له الإفطار. تأخذه إلى المدرسة. تعود معه. تلعب معه. تضعه في فراشه. ثم تجلس في غرفتها، تقرأ، تصلي، تفكر.كان ياسر يغادر المنزل في الصباح الباكر. كان يعود متأخراً. كانا يلتقيان — إذا التقيا — في المطبخ. كان يتحدث عن سيف. عن عمله. عن سفره القادم. كان لا يسألها عن نفسها. كان لا يعرف — أو ربما لا يهتم — من هي نورا خارج كونها "مربية".في اليوم السابع، حدث شيء.كان سيف في المدرسة. كانت نورا في المنزل، تنظف غرفته. وجدت — تحت سريره — صندوقاً صغيراً. كانت غريزة المربية المحترفة تقول لها: لا تفتحي. لكن الفضول كان أقوى.فتحت الصندوق. كانت هناك صور. صور لامرأة جميلة. شقراء. تبتسم. كانت تحمل طفلاً صغيراً — سيفاً عندما كان رضيعاً. كانت هناك صور لياسر. كان يبدو أصغر. كان يبتسم. كان يبدو... سعيداً.في قاع الصندوق، كانت هناك رسالة. مكتوبة بخط يد:"ياسر، أنا آسفة. لا أستطيع. أنا بحاجة إلى حياة. حياة حقيقية. مع طفل عادي. مع عائلة عادية. أنا أحبك. لكنني لا أستطيع أن أحب هذا الطفل. هو ليس طفلي. هو طفل غريب. أنا أذهب. لا تبحث عن

  • حب بعد الموعد    الفصل الثاني: البداية الجديدة

    # الفصل الثاني البداية الجديدةدخلت نورا منزل ياسر المنيف في صباح بارد من صباحات يناير. كانت تحمل حقيبة كبيرة — ملابسها، كتبها، ذكرياتها. كانت قد أخبرت أمها أنها ستنتقل للعيش في منزل "عائلة" تعمل معها. لم تقل "منزل رجل أعمال". لم تقل "منزل طفل ذي احتياجات خاصة". قالت "عائلة"، لأنها كانت تريد أن تصدق — ولو للحظة — أنها ذاهبة إلى عائلة.كان ياسر في المطار. كان قد سافر إلى دبي لاجتماعات عمل. كان قد ترك لها مفتاح المنزل، وتعليمات مكتوبة بخط يده — خط جميل، مائل، يحمل في طياته شيئاً من العجلة:"سيف يستيقظ في الساعة السادسة. لا يأكل البيض. يشرب الحليب دافئاً. يحب أن يلعب بالقطار قبل الذهاب إلى المدرسة. لا تلمسي القطار إلا إذا عرض عليك. لا تفرضي نفسك. انتظري."انتظري. كانت هذه الكلمة الوحيدة التي تكررت في التعليمات. "انتظري حتى يأكل. انتظري حتى يلبس. انتظري حتى يتكلم. انتظري."كانت نورا تعرف كيف تنتظر. كانت قد انتظرت طوال حياتها.استيقظت في الساعة الخامسة — قبل سيف بساعة. كانت قد نامت في غرفة صغيرة بجانب غرفة سيف. كانت الغرفة بسيطة: سرير، خزانة، مكتب، نافذة تطل على الشارع. كانت قد أحضرت معها

  • حب بعد الموعد    الفصل الأول: الموعد الذي لم يأت

    الفصل الأول الموعد الذي لم يأتِ كانت نورا تجلس على حافة النافذة، تنظر إلى الشارع من الطابق الثاني عشر، وترى الناس يمشون في الأسفل صغاراً كالنمل. لم تكن تنتظر أحداً، ولم تكن تنتظر شيئاً. كانت مجرد تتأمل — كما تفعل المرأة التي اعتادت أن تنتظر دون أن تنتظر، أن تأمل دون أن تأمل.كانت الساعة تقترب من المغرب، وضوء الشمس يميل نحو البرتقالي الباهت. في الشقة المجاورة، سمعت صراخ طفل صغير. ابتسمت ابتسامة حزينة. كانت تعرف هذا الصراخ جيداً. كانت قد سمعته آلاف المرات في بيوت الآخرين. كانت قد هدأت من روعه آلاف المرات. كانت قد نامت معه آلاف المرات.نورا عبد الرحمن. ثمان وثلاثون عاماً. لم تتزوج. لم تخطب. لم تحب — على الأقل، لم تحب بشكل يُذكر. كانت تعمل مربية أطفال منذ اثنتي عشرة سنة. كانت قد ربت أطفالاً كثيرين: أطفالاً بكوا في حضنها، وضحكوا على كتفها، وناموا بين ذراعيها. ثم كبروا. ونسوها. وذهب آباؤهم يبحثون عن مربية أخرى لأطفال آخرين.كانت تعرف أنها "العانس". كانت تسمع هذا اللفظ في صمت الناس، وفي نظراتهم، وفي تبريراتهم لها: "نورا حرة، نورا مستقلة، نورا ناجحة في عملها". كانت تعلم أن كل هذه الكلمات مج

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status