LOGINالفصل الثالث الأيام الأولى
مرت الأيام الأولى ببطء. كانت نورا تستيقظ مع سيف. تُعد له الإفطار. تأخذه إلى المدرسة. تعود معه. تلعب معه. تضعه في فراشه. ثم تجلس في غرفتها، تقرأ، تصلي، تفكر.
كان ياسر يغادر المنزل في الصباح الباكر. كان يعود متأخراً. كانا يلتقيان — إذا التقيا — في المطبخ. كان يتحدث عن سيف. عن عمله. عن سفره القادم. كان لا يسألها عن نفسها. كان لا يعرف — أو ربما لا يهتم — من هي نورا خارج كونها "مربية".
في اليوم السابع، حدث شيء.
كان سيف في المدرسة. كانت نورا في المنزل، تنظف غرفته. وجدت — تحت سريره — صندوقاً صغيراً. كانت غريزة المربية المحترفة تقول لها: لا تفتحي. لكن الفضول كان أقوى.
فتحت الصندوق. كانت هناك صور. صور لامرأة جميلة. شقراء. تبتسم. كانت تحمل طفلاً صغيراً — سيفاً عندما كان رضيعاً. كانت هناك صور لياسر. كان يبدو أصغر. كان يبتسم. كان يبدو... سعيداً.
في قاع الصندوق، كانت هناك رسالة. مكتوبة بخط يد:
"ياسر، أنا آسفة. لا أستطيع. أنا بحاجة إلى حياة. حياة حقيقية. مع طفل عادي. مع عائلة عادية. أنا أحبك. لكنني لا أستطيع أن أحب هذا الطفل. هو ليس طفلي. هو طفل غريب. أنا أذهب. لا تبحث عني."
نورا أغلقت الصندوق. وضعته تحت السرير. وخرجت من الغرفة.
كانت تفكر في تلك المرأة. في المرأة التي تركت طفلها لأنه "غريب". كانت تفكر في ياسر. في الرجل الذي قرأ هذه الكلمات وظل واقفاً. كانت تفكر في سيف. في الطفل الذي يحتفظ بصور أمه تحت سريره، رغم أنها تركته.
في تلك الليلة، عندما عاد ياسر، كانت نورا تنتظره. كانت جالسة في الصالة. كانت تبدو جادة.
"يجب أن نتحدث،" قالت.
نظر إليها ياسر. كان يبدو متعباً. لكنه جلس.
"ماذا حدث؟"
"وجدت صندوقاً. تحت سرير سيف. فيه صور. ورسالة."
تغير لون وجه ياسر. من الأبيض إلى الرمادي.
"لم يكن يجب أن ترينها."
"أنا أعرف. لكنني رأيتها. وأريد أن أعرف: هل سيف يعرف أن أمه تركته لأنه 'غريب'؟"
وقف ياسر. بعنف. "لا! لا يعرف! وسيف لا يعرف أنني قرأت الرسالة أيضاً. أنا... أنا أخفيتها. لم أريد أن يراها. لم أريد أن يعرف أن أمه لم تكن تريده."
"لكنه يعرف. الأطفال يعرفون. حتى الأطفال الذين لا يتكلمون. يشعرون. يشعرون بالرفض."
نظر إليها ياسر. كانت عيناه حمراوين. كان يبدو — للحظة — كأنه سيبكي.
"ماذا تريدين مني؟" سأل بهدوء مكبوت.
"أريدك أن تكون هنا. ليس فقط جسداً. بل روحاً. أريدك أن تأكل مع سيف. أن تلعب معه. أن تنام بجانبه إذا احتاج. أريدك أن تكون أباً، لا مجرد ممول."
"أنا لا أستطيع. أنا مشغول. أنا..."
"أنت خائف. خائف من أنك إذا اقتربت منه، ستفشل. كما فشلت مع زوجتك. كما فشلت في إبقاء عائلتك معاً."
صمت. صمت طويل. كان ياسر ينظر إليها. كانت نظراته تحمل شيئاً يشبه الغضب. ثم — ببطء — تحول الغضب إلى شيء آخر. شيء يشبه الاعتراف.
"أنتِ... أنتِ لا تعرفين شيئاً عني."
"أعرف أنك رجل يحب ابنه لكنه لا يعرف كيف يُظهر هذا الحب. أعرف أنك تعتقد أن المال يعوض عن كل شيء. أعرف أنك وحيد. وأنك تكره الوحدة."
نظر إليها ياسر. طويلاً. ثم — للمرة الأولى — لم ينظر إليها كـ"مربية". نظر إليها كامرأة. كشخص. كإنسان.
"من أنتِ؟" سأل بهدوء.
"أنا نورا. مربية أطفال. وأكثر من ذلك — إذا سمحتَ لي."
لم يرد. غادر إلى مكتبه. لكنه — تلك الليلة — لم يغلق الباب. كان الباب مفتوحاً. وكانت نورا تسمعه يتحدث في الهاتف. يلغي اجتماعاً. يقول: "لا، غداً لن أسافر. ابني يحتاجني."
كانت هذه الليلة. الليلة التي بدأ فيها شيء ما يتغير.
---
## الإفطار الأول
في صباح اليوم التالي، كان ياسر في المطبخ. كان يرتدي بيجاما — لم تكن قد رأته في بيجاما من قبل. كان يحاول أن يعد الفطور.
"أحتاج مساعدة،" قال وهو ينظر إليها بابتسامة خجولة.
"في ماذا؟"
"لا أعرف كيف أقلي البيض. سيف لا يأكل البيض. لكنني لا أعرف ماذا يأكل."
نورا ابتسمت. "سيف يأكل الفول. والطعمية. والعيش باللبن. هل تستطيع أن تُعد هذه الأشياء؟"
"أستطيع أن أحضرها من الخارج."
"لا. اليوم، ستُعدها بنفسك."
نظرت إليه نورا. كانت نظراتها تحمل تحدياً. كان ياسر ينظر إليها. ثم هز كتفيه.
"حسناً. أين المطبخ؟"
"أنت في المطبخ."
ضحك. ضحكة حقيقية. لم تكن كبيرة. لكنها كانت — للمرة الأولى — صادقة.
قضوا الصباح في المطبخ. كان ياسر يحترق في الفول. كان سيف — الذي استيقظ على رائحة الطعام — يقف في الباب، ينظر إليهما بفضول. كان يبدو — للحظة — طفلاً عادياً. طفلاً يرى أباه وأمه في المطبخ.
"سيف!" قال ياسر. "تعال. سأساعدك في الفطور."
لم يتحرك سيف. لكنه — للمرة الأولى — ابتسم. ابتسامة صغيرة. خجولة. لكنها كانت هناك.
أكل الثلاثة معاً. كان الفطور بسيطاً: فول، طعمية، عيش باللبن. لكنه كان — كما قالت نورا فيما بعد — "أغلى فطور في حياتي". لأنه كان أول فطور يأكلونه معاً. كعائلة.
الفصل السادس العقد في الأسبوع التالي، كان ياسر في مكتبه. كان يفكر. كان يفكر في سيف. في سارة. في نورا. كان يفكر في أن حياته — التي بناها بعناية — تتداعى. وأنه لا يعرف كيف يمنع ذلك.في تلك الليلة، دعا نورا إلى مكتبه. كان جالساً خلف مكتبه. كان يبدو رسمياً. أكثر رسمية من المعتاد."أريد أن أقترح شيئاً،" قال."ماذا؟""سارة... سارة قد تعود. قد تحاول أن تأخذ سيف. أنا بحاجة إلى حمايته. إلى حماية حقوقه. أنا بحاجة إلى..."توقف. ثم قال:"أنا بحاجة إلى أن تكوني هنا. رسمياً. بشكل قانوني.""ماذا تقصد؟""أقصد... زواجاً."صمت. صمت طويل. كانت نورا تنظر إليه. كانت تفكر في أنها قد تكون نائمة. في أنها قد تكون تحلم. في أن هذا — الزواج — هو الشيء الذي انتظرته طوال حياتها. لكنه — في هذه اللحظة — يبدو مختلفاً. يبدو... بارداً."زواجاً؟" قالت بهدوء."زواجاً صورياً. عقداً. أنتِ تكونين أمّاً لسيف رسمياً. لدي الحق في منع سارة من أخذه. وأنتِ...""وأنا ماذا؟""وأنتِ تحصلين على استقرار. على بيت. على...""على ماذا؟ على لقب؟ على أن أكون 'السيدة المنيف' بدلاً من 'المربية نورا'؟"نظر إليها ياسر. كانت نظراته تحمل شيئاً ي
الفصل الخامس الزوجة السابقةفي صباح أحد الأيام، جاءت زوجة ياسر السابقة.كانت نورا في المطبخ. كانت تعد الفطور. سمعت صوت باب ينفتح. ثم صوت امرأة. صوت عالٍ، واثق، يحمل لكنة أجنبية."أين سيف؟ أريد أن أراه."خرجت نورا. كانت هناك امرأة في الصالة. امرأة جميلة. شقراء. ترتدي بدلة أنيقة. تحمل حقيبة يد باهظة. كانت تبدو — كما قالت نورا فيما بعد — "كأنها نزلت من مجلة"."من أنتِ؟" سألت المرأة بنبرة تحقيق."أنا نورا. مربية سيف.""أها. المربية الجديدة."كانت هناك نظرة — شيء يشبه الازدراء. كأن "مربية" كلمة تدل على وضع اجتماعي منخفض."أنا سارة. أم سيف. أريد أن أراه.""سيف في غرفته. لكنه...""لكنه ماذا؟""لكنه قد لا يرد عليكِ. قد لا ينظر إليكِ. كما قال سيد ياسر."تغير وجه سارة. من الواثق إلى الغاضب."أنا أمه. أنا أعرف كيف أتعامل معه."ذهبت إلى غرفة سيف. نورا تبعتها. كانت سارة تدخل بثقة. كانت تتوقع أن يركض إليها. أن يحتضنها. أن يقول "أمي".لكن سيف لم يفعل شيئاً. كان جالساً في زاويته، يلعب بقطاره. لم ينظر إليها. لم يتحرك."سيف! حبيبي! أمي هنا!"لم يرد. استمر في لعبته."سيف! انظر إلي!"ذهبت إليه. أخذت القط
الفصل الرابع: الشقوق تظهر مرت أسابيع. كانت نورا قد اعتادت على المنزل. على سيف. على ياسر. كانت قد بدأت — دون أن تدري — في بناء حياة. حياة صغيرة، بسيطة، لكنها حياة.كان ياسر يعود مبكراً أكثر. كان يأكل معهم. كان يلعب مع سيف — بلهاء في البداية، ثم بجدية. كان يطلب من نورا أن تبقى بعد أن ينام سيف. كانا يتحدثان. عن سيف. عن العمل. عن الحياة.في ليلة من الليالي، كانا جالسين في الصالة. كان ياسر يشرب قهوة. كانت نورا تشرب شايها."لماذا لم تتزوجي؟" سأل ياسر فجأة.نظرت إليه نورا. كانت السؤال — الذي سمعته مئات المرات — يبدو مختلفاً هذه المرة. ليس كسؤال مجاملة. بل كسؤال حقيقي."لماذا تسأل؟""لأنكِ... لأنكِ امرأة جميلة. ذكية. حنونة. لماذا لا يوجد رجل في حياتكِ؟"شعرت نورا بحرارة تتصاعد إلى وجهها. لم تكن تتوقع هذا السؤال. لم تكن تتوقع أن يقول إنها "جميلة". لم تكن تسمع هذه الكلمة منذ سنوات."لم أجد الشخص المناسب. و... وربما لم يجدني أحد.""أنا أجدكِ."صمت. صمت طويل. كان ياسر ينظر إليها. كانت نورا تنظر إلى كوب الشاي. كانت تفكر في أنها يجب أن تقف. أن تذهب إلى غرفتها. أن تنهي هذه المحادثة قبل أن تذهب إلى
الفصل الثالث الأيام الأولىمرت الأيام الأولى ببطء. كانت نورا تستيقظ مع سيف. تُعد له الإفطار. تأخذه إلى المدرسة. تعود معه. تلعب معه. تضعه في فراشه. ثم تجلس في غرفتها، تقرأ، تصلي، تفكر.كان ياسر يغادر المنزل في الصباح الباكر. كان يعود متأخراً. كانا يلتقيان — إذا التقيا — في المطبخ. كان يتحدث عن سيف. عن عمله. عن سفره القادم. كان لا يسألها عن نفسها. كان لا يعرف — أو ربما لا يهتم — من هي نورا خارج كونها "مربية".في اليوم السابع، حدث شيء.كان سيف في المدرسة. كانت نورا في المنزل، تنظف غرفته. وجدت — تحت سريره — صندوقاً صغيراً. كانت غريزة المربية المحترفة تقول لها: لا تفتحي. لكن الفضول كان أقوى.فتحت الصندوق. كانت هناك صور. صور لامرأة جميلة. شقراء. تبتسم. كانت تحمل طفلاً صغيراً — سيفاً عندما كان رضيعاً. كانت هناك صور لياسر. كان يبدو أصغر. كان يبتسم. كان يبدو... سعيداً.في قاع الصندوق، كانت هناك رسالة. مكتوبة بخط يد:"ياسر، أنا آسفة. لا أستطيع. أنا بحاجة إلى حياة. حياة حقيقية. مع طفل عادي. مع عائلة عادية. أنا أحبك. لكنني لا أستطيع أن أحب هذا الطفل. هو ليس طفلي. هو طفل غريب. أنا أذهب. لا تبحث عن
# الفصل الثاني البداية الجديدةدخلت نورا منزل ياسر المنيف في صباح بارد من صباحات يناير. كانت تحمل حقيبة كبيرة — ملابسها، كتبها، ذكرياتها. كانت قد أخبرت أمها أنها ستنتقل للعيش في منزل "عائلة" تعمل معها. لم تقل "منزل رجل أعمال". لم تقل "منزل طفل ذي احتياجات خاصة". قالت "عائلة"، لأنها كانت تريد أن تصدق — ولو للحظة — أنها ذاهبة إلى عائلة.كان ياسر في المطار. كان قد سافر إلى دبي لاجتماعات عمل. كان قد ترك لها مفتاح المنزل، وتعليمات مكتوبة بخط يده — خط جميل، مائل، يحمل في طياته شيئاً من العجلة:"سيف يستيقظ في الساعة السادسة. لا يأكل البيض. يشرب الحليب دافئاً. يحب أن يلعب بالقطار قبل الذهاب إلى المدرسة. لا تلمسي القطار إلا إذا عرض عليك. لا تفرضي نفسك. انتظري."انتظري. كانت هذه الكلمة الوحيدة التي تكررت في التعليمات. "انتظري حتى يأكل. انتظري حتى يلبس. انتظري حتى يتكلم. انتظري."كانت نورا تعرف كيف تنتظر. كانت قد انتظرت طوال حياتها.استيقظت في الساعة الخامسة — قبل سيف بساعة. كانت قد نامت في غرفة صغيرة بجانب غرفة سيف. كانت الغرفة بسيطة: سرير، خزانة، مكتب، نافذة تطل على الشارع. كانت قد أحضرت معها
الفصل الأول الموعد الذي لم يأتِ كانت نورا تجلس على حافة النافذة، تنظر إلى الشارع من الطابق الثاني عشر، وترى الناس يمشون في الأسفل صغاراً كالنمل. لم تكن تنتظر أحداً، ولم تكن تنتظر شيئاً. كانت مجرد تتأمل — كما تفعل المرأة التي اعتادت أن تنتظر دون أن تنتظر، أن تأمل دون أن تأمل.كانت الساعة تقترب من المغرب، وضوء الشمس يميل نحو البرتقالي الباهت. في الشقة المجاورة، سمعت صراخ طفل صغير. ابتسمت ابتسامة حزينة. كانت تعرف هذا الصراخ جيداً. كانت قد سمعته آلاف المرات في بيوت الآخرين. كانت قد هدأت من روعه آلاف المرات. كانت قد نامت معه آلاف المرات.نورا عبد الرحمن. ثمان وثلاثون عاماً. لم تتزوج. لم تخطب. لم تحب — على الأقل، لم تحب بشكل يُذكر. كانت تعمل مربية أطفال منذ اثنتي عشرة سنة. كانت قد ربت أطفالاً كثيرين: أطفالاً بكوا في حضنها، وضحكوا على كتفها، وناموا بين ذراعيها. ثم كبروا. ونسوها. وذهب آباؤهم يبحثون عن مربية أخرى لأطفال آخرين.كانت تعرف أنها "العانس". كانت تسمع هذا اللفظ في صمت الناس، وفي نظراتهم، وفي تبريراتهم لها: "نورا حرة، نورا مستقلة، نورا ناجحة في عملها". كانت تعلم أن كل هذه الكلمات مج







