LOGIN# الفصل الثاني البداية الجديدة
دخلت نورا منزل ياسر المنيف في صباح بارد من صباحات يناير. كانت تحمل حقيبة كبيرة — ملابسها، كتبها، ذكرياتها. كانت قد أخبرت أمها أنها ستنتقل للعيش في منزل "عائلة" تعمل معها. لم تقل "منزل رجل أعمال". لم تقل "منزل طفل ذي احتياجات خاصة". قالت "عائلة"، لأنها كانت تريد أن تصدق — ولو للحظة — أنها ذاهبة إلى عائلة.
كان ياسر في المطار. كان قد سافر إلى دبي لاجتماعات عمل. كان قد ترك لها مفتاح المنزل، وتعليمات مكتوبة بخط يده — خط جميل، مائل، يحمل في طياته شيئاً من العجلة:
"سيف يستيقظ في الساعة السادسة. لا يأكل البيض. يشرب الحليب دافئاً. يحب أن يلعب بالقطار قبل الذهاب إلى المدرسة. لا تلمسي القطار إلا إذا عرض عليك. لا تفرضي نفسك. انتظري."
انتظري. كانت هذه الكلمة الوحيدة التي تكررت في التعليمات. "انتظري حتى يأكل. انتظري حتى يلبس. انتظري حتى يتكلم. انتظري."
كانت نورا تعرف كيف تنتظر. كانت قد انتظرت طوال حياتها.
استيقظت في الساعة الخامسة — قبل سيف بساعة. كانت قد نامت في غرفة صغيرة بجانب غرفة سيف. كانت الغرفة بسيطة: سرير، خزانة، مكتب، نافذة تطل على الشارع. كانت قد أحضرت معها بساط صلاة، ومصحفاً صغيراً، وصورة لوالدها — الرجل الوحيد الذي أحبته حقاً.
في الساعة السادسة، سمعت صوتاً. لم يكن صراخاً. كان صوتاً خفيفاً — كأن أحداً يتحدث مع نفسه. ذهبت إلى غرفة سيف. كان جالساً على سريره، يلعب بقطار صغير. كان يرتدي بيجاما زرقاء. كان شعره منكوشاً. كان لا ينظر إليها.
"صباح الخير، سيف."
لم يرد. استمر في لعبته.
نورا جلست على حافة سريره. بهدوء. كانت تعلم أن عليها أن تنتظر. كانت تعلم أنه سيأتي إليها — إذا أراد — في وقته هو، لا في وقتها.
بعد عشرين دقيقة، توقف سيف عن اللعب. نظر إلى نورا. نظرة سريعة، خاطفة، كأنها نظرة طائر. ثم نظر بعيداً.
"الحليب،" قال.
كانت هذه أول كلمة يرددها في وجودها. كانت نورا تعلم أنها ليست دعوة للصداقة. كانت مجرد طلب. لكنها كانت بداية.
"الحليب الدافئ. حسناً."
ذهبت إلى المطبخ. كان المطبخ كبيراً، حديثاً، فارغاً. كانت الثلاجة مليئة بالأطعمة المجهزة. كانت هناك زجاجات حليب منظمة في الرف. سخنت الحليب. جلبته إلى سيف.
شربه بهدوء. ثم قال: "القطار."
"القطار؟"
أشار إلى نافذة. كان هناك — على الرف — قطار كبير. قطار خشبي، قديم، يبدو أنه من عهد آخر.
"تريد أن تلعب بالقطار الكبير؟"
لم يرد. لكنه نزل من السرير. ومشى نحو النافذة. وأخذ القطار. وجلس على الأرض. وبدأ يلعب.
نورا جلست بجانبه. لم تلمس القطار. كانت فقط تراقب. كانت تلاحظ كيف يحرك سيف القطار بعناية فائقة. كيف يهمهم بكلمات لا تفهم. كيف يبتسم — ابتسامة صغيرة، خفية — عندما يصل القطار إلى "محطته".
"أين يذهب القطار؟" سألت نورا بهدوء.
توقف سيف. نظر إليها. كانت هذه أول مرة ينظر فيها إليها مباشرة. كانت عيناه بنيتان، عميقتان، تحملان شيئاً يشبه الحكمة الطفولية.
"إلى بعيد،" قال.
"إلى أين بعيداً؟"
"إلى حيث لا أحد يرحل."
شعرت نورا بشيء يرتجف في داخلها. كانت هذه الجملة — "إلى حيث لا أحد يرحل" — جملة لا تُقال من طفل في السادسة. كانت جملة تُقال من شخص عاش الوحدة. من شخص يعرف معنى الرحيل.
"أنا لن أرحل،" قالت نورا. ولم تكن تعلم لماذا قالتها. كانت مجرد كلمات خرجت منها، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات.
نظر إليها سيف. ثم عاد إلى قطاره. لكنه — للمرة الأولى — حرك القطار نحوها. حتى وصل إلى قدميها. وتركه هناك.
---
## المدرسة والعالم الخارجي
في الساعة الثامنة، كان يجب أن يذهب سيف إلى المدرسة. كانت المدرسة خاصة — مدرسة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة — في حي المعادي. كان سائقاً خاصاً يأخذه كل يوم. لكن نورا أرادت أن تذهب معه.
"لا داعي،" قال السائق — رجل في الخمسينيات، يدعى عبد الله. "أنا أأخذه كل يوم."
"أريد أن أرى المدرسة. أريد أن أعرف معلميه."
نظر إليها عبد الله. ثم هز كتفيه. "كما تريدين."
كانت المدرسة مبنى صغيراً، مليئاً بالألوان. كانت هناك أطفال يركضون في الفناء. كانت هناك معلمة شابة تستقبلهم بابتسامة. كان هناك — في زاوية — طفل يبكي، وآخر يلتف حول نفسه، وثالث ينظر إلى السماء.
"سيف!" صاحت المعلمة. "أهلاً بك!"
لم يرد سيف. لكنه مشى نحوها. ودخل إلى الفصل.
"أنتِ المربية الجديدة؟" سألت المعلمة نورا.
"نعم. نورا."
"أنا منى. معلمة سيف. هو طفل ذكي جداً. لكنه... منغلق. لا يتحدث كثيراً. لا يلعب مع الأطفال الآخرين. يفضل أن يكون وحده."
نظرت نورا إلى سيف من النافذة. كان جالساً في زاوية، يلعب بقطار صغير أحضره معه.
"هل يأتي أبوه أحياناً؟" سألت.
تغير وجه منى. كانت هناك نظرة — شيء يشكل الحزن والاحترام.
"السيد ياسر؟ نعم، يأتي أحياناً. لكنه... مشغول. جداً. لقد جاء مرة واحدة هذا العام. في يوم الميلاد."
"يوم ميلاد سيف؟"
"نعم. جاء بسيارة فاخرة، وهدايا كثيرة. لكنه لم يبقِ إلا نصف ساعة. ثم ذهب إلى اجتماع."
شعرت نورا بغضب يتصاعد في داخلها. لم تكن غضبتها على ياسر. كانت غضبتها على كل الآباء الذين يعتقدون أن الهدايا تعوض عن الحضور. أن المال يعوض عن الحب.
"شكراً،" قالت لمنى. "سأكون هنا كل يوم. إذا احتجتِ أي شيء."
عادت إلى المنزل. كانت الشقة فارغة. كانت الصمت يملأ كل زاوية. جلست في غرفتها. فتحت المصحف. قرأت. ثم نامت.
في المساء، استيقظت على صوت باب ينفتح. كان ياسر قد عاد.
---
## العودة الأولى
كان ياسر يبدو متعباً. كان بدلة السفر تبدو مكرمشة. كانت عيناه حمراوين. لكنه — عندما رأى نورا — توقف. كأنه نسي أنها موجودة.
"نورا. أنتِ هنا."
"نعم. منذ الصباح."
"كيف كان سيف؟"
"جيد. ذهب إلى المدرسة. لعب بالقطار. قال لي: إلى حيث لا أحد يرحل."
تغير وجه ياسر. كانت هناك نظرة — شيء يشبه الألم والاعتراف.
"هو يقول هذا دائماً. منذ أن تركتنا أمه."
صمت. ثم أضاف: "أريد أن أشرب قهوة. هل تريدين شيئاً؟"
"شاي. لو سمحت."
جلستا في المطبخ. كان ياسر يحضر القهوة بيداه. كان لا ينظر إليها. كان يتحدث — كأنه يتحدث مع نفسه.
"أنا لا أعرف كيف أكون أباً. أنا أعرف كيف أدير شركات. أعرف كيف أوقع عقوداً. أعرف كيف أسافر وأتفاوض. لكنني لا أعرف كيف أتحدث مع طفلي. لا أعرف ما يفكر فيه. لا أعرف لماذا يحب القطارات."
"لأن القطارات تذهب إلى أماكن بعيدة،" قالت نورا بهدوء. "وأماكن بعيدة أفضل من هنا."
نظر إليها ياسر. كانت نظراته تغيرت. من التعب إلى شيء آخر. شيء يشبه الدهشة.
"قلتِ نفس الكلمات."
"قلتها لأن سيف قالها لي. وهو قالها لأنه يشعر بها."
شرب ياسر قهوته. بصمت. ثم قال: "زوجتي... زوجتي السابقة. كانت تريد طفلاً عادياً. طفلاً يلعب كرة القدم. طفلاً يذهب إلى مدرسة عادية. طفلاً يقول 'أبي' و'أمي'. عندما اكتشفنا أن سيف مختلف... لم تستطع التعامل مع الأمر. قالت إنها تريد حياة طبيعية. فذهبت."
"وأنت؟" سألت نورا. "هل تريد حياة طبيعية؟"
نظر إليها ياسر. طويلاً. كأنه يسأل نفسه هذا السؤال لأول مرة.
"أنا لا أعرف ما هي الحياة الطبيعية. أنا فقط أعرف أنني لا أريد أن أفقد سيف. أنني سأفعل أي شيء لأجعله سعيداً."
"السعادة لا تأتي من القطارات الكبيرة والهدايا. تأتي من أن يكون هناك شخص يجلس معه. يلعب معه. ينتظره."
"أنا لا أستطيع الانتظار. أنا..."
توقف. وضع كوب القهوة. وقام.
"شكراً لكِ، نورا. على ما فعلتِه اليوم."
ثم غادر. إلى مكتبه. إلى عالمه. إلى الوحدة التي كان يعيش فيها قبل أن تأتي هي.
نورا بقيت في المطبخ. تشرب شايها. كانت تفكر في ياسر. في رجل يملك كل شيء ولا يملك شيئاً. كانت تفكر في أنها — ربما — كانت تشبهه. كانت تفكر في أن الوحدة قد تكون أقوى رابط بين اثنين
الفصل السادس العقد في الأسبوع التالي، كان ياسر في مكتبه. كان يفكر. كان يفكر في سيف. في سارة. في نورا. كان يفكر في أن حياته — التي بناها بعناية — تتداعى. وأنه لا يعرف كيف يمنع ذلك.في تلك الليلة، دعا نورا إلى مكتبه. كان جالساً خلف مكتبه. كان يبدو رسمياً. أكثر رسمية من المعتاد."أريد أن أقترح شيئاً،" قال."ماذا؟""سارة... سارة قد تعود. قد تحاول أن تأخذ سيف. أنا بحاجة إلى حمايته. إلى حماية حقوقه. أنا بحاجة إلى..."توقف. ثم قال:"أنا بحاجة إلى أن تكوني هنا. رسمياً. بشكل قانوني.""ماذا تقصد؟""أقصد... زواجاً."صمت. صمت طويل. كانت نورا تنظر إليه. كانت تفكر في أنها قد تكون نائمة. في أنها قد تكون تحلم. في أن هذا — الزواج — هو الشيء الذي انتظرته طوال حياتها. لكنه — في هذه اللحظة — يبدو مختلفاً. يبدو... بارداً."زواجاً؟" قالت بهدوء."زواجاً صورياً. عقداً. أنتِ تكونين أمّاً لسيف رسمياً. لدي الحق في منع سارة من أخذه. وأنتِ...""وأنا ماذا؟""وأنتِ تحصلين على استقرار. على بيت. على...""على ماذا؟ على لقب؟ على أن أكون 'السيدة المنيف' بدلاً من 'المربية نورا'؟"نظر إليها ياسر. كانت نظراته تحمل شيئاً ي
الفصل الخامس الزوجة السابقةفي صباح أحد الأيام، جاءت زوجة ياسر السابقة.كانت نورا في المطبخ. كانت تعد الفطور. سمعت صوت باب ينفتح. ثم صوت امرأة. صوت عالٍ، واثق، يحمل لكنة أجنبية."أين سيف؟ أريد أن أراه."خرجت نورا. كانت هناك امرأة في الصالة. امرأة جميلة. شقراء. ترتدي بدلة أنيقة. تحمل حقيبة يد باهظة. كانت تبدو — كما قالت نورا فيما بعد — "كأنها نزلت من مجلة"."من أنتِ؟" سألت المرأة بنبرة تحقيق."أنا نورا. مربية سيف.""أها. المربية الجديدة."كانت هناك نظرة — شيء يشبه الازدراء. كأن "مربية" كلمة تدل على وضع اجتماعي منخفض."أنا سارة. أم سيف. أريد أن أراه.""سيف في غرفته. لكنه...""لكنه ماذا؟""لكنه قد لا يرد عليكِ. قد لا ينظر إليكِ. كما قال سيد ياسر."تغير وجه سارة. من الواثق إلى الغاضب."أنا أمه. أنا أعرف كيف أتعامل معه."ذهبت إلى غرفة سيف. نورا تبعتها. كانت سارة تدخل بثقة. كانت تتوقع أن يركض إليها. أن يحتضنها. أن يقول "أمي".لكن سيف لم يفعل شيئاً. كان جالساً في زاويته، يلعب بقطاره. لم ينظر إليها. لم يتحرك."سيف! حبيبي! أمي هنا!"لم يرد. استمر في لعبته."سيف! انظر إلي!"ذهبت إليه. أخذت القط
الفصل الرابع: الشقوق تظهر مرت أسابيع. كانت نورا قد اعتادت على المنزل. على سيف. على ياسر. كانت قد بدأت — دون أن تدري — في بناء حياة. حياة صغيرة، بسيطة، لكنها حياة.كان ياسر يعود مبكراً أكثر. كان يأكل معهم. كان يلعب مع سيف — بلهاء في البداية، ثم بجدية. كان يطلب من نورا أن تبقى بعد أن ينام سيف. كانا يتحدثان. عن سيف. عن العمل. عن الحياة.في ليلة من الليالي، كانا جالسين في الصالة. كان ياسر يشرب قهوة. كانت نورا تشرب شايها."لماذا لم تتزوجي؟" سأل ياسر فجأة.نظرت إليه نورا. كانت السؤال — الذي سمعته مئات المرات — يبدو مختلفاً هذه المرة. ليس كسؤال مجاملة. بل كسؤال حقيقي."لماذا تسأل؟""لأنكِ... لأنكِ امرأة جميلة. ذكية. حنونة. لماذا لا يوجد رجل في حياتكِ؟"شعرت نورا بحرارة تتصاعد إلى وجهها. لم تكن تتوقع هذا السؤال. لم تكن تتوقع أن يقول إنها "جميلة". لم تكن تسمع هذه الكلمة منذ سنوات."لم أجد الشخص المناسب. و... وربما لم يجدني أحد.""أنا أجدكِ."صمت. صمت طويل. كان ياسر ينظر إليها. كانت نورا تنظر إلى كوب الشاي. كانت تفكر في أنها يجب أن تقف. أن تذهب إلى غرفتها. أن تنهي هذه المحادثة قبل أن تذهب إلى
الفصل الثالث الأيام الأولىمرت الأيام الأولى ببطء. كانت نورا تستيقظ مع سيف. تُعد له الإفطار. تأخذه إلى المدرسة. تعود معه. تلعب معه. تضعه في فراشه. ثم تجلس في غرفتها، تقرأ، تصلي، تفكر.كان ياسر يغادر المنزل في الصباح الباكر. كان يعود متأخراً. كانا يلتقيان — إذا التقيا — في المطبخ. كان يتحدث عن سيف. عن عمله. عن سفره القادم. كان لا يسألها عن نفسها. كان لا يعرف — أو ربما لا يهتم — من هي نورا خارج كونها "مربية".في اليوم السابع، حدث شيء.كان سيف في المدرسة. كانت نورا في المنزل، تنظف غرفته. وجدت — تحت سريره — صندوقاً صغيراً. كانت غريزة المربية المحترفة تقول لها: لا تفتحي. لكن الفضول كان أقوى.فتحت الصندوق. كانت هناك صور. صور لامرأة جميلة. شقراء. تبتسم. كانت تحمل طفلاً صغيراً — سيفاً عندما كان رضيعاً. كانت هناك صور لياسر. كان يبدو أصغر. كان يبتسم. كان يبدو... سعيداً.في قاع الصندوق، كانت هناك رسالة. مكتوبة بخط يد:"ياسر، أنا آسفة. لا أستطيع. أنا بحاجة إلى حياة. حياة حقيقية. مع طفل عادي. مع عائلة عادية. أنا أحبك. لكنني لا أستطيع أن أحب هذا الطفل. هو ليس طفلي. هو طفل غريب. أنا أذهب. لا تبحث عن
# الفصل الثاني البداية الجديدةدخلت نورا منزل ياسر المنيف في صباح بارد من صباحات يناير. كانت تحمل حقيبة كبيرة — ملابسها، كتبها، ذكرياتها. كانت قد أخبرت أمها أنها ستنتقل للعيش في منزل "عائلة" تعمل معها. لم تقل "منزل رجل أعمال". لم تقل "منزل طفل ذي احتياجات خاصة". قالت "عائلة"، لأنها كانت تريد أن تصدق — ولو للحظة — أنها ذاهبة إلى عائلة.كان ياسر في المطار. كان قد سافر إلى دبي لاجتماعات عمل. كان قد ترك لها مفتاح المنزل، وتعليمات مكتوبة بخط يده — خط جميل، مائل، يحمل في طياته شيئاً من العجلة:"سيف يستيقظ في الساعة السادسة. لا يأكل البيض. يشرب الحليب دافئاً. يحب أن يلعب بالقطار قبل الذهاب إلى المدرسة. لا تلمسي القطار إلا إذا عرض عليك. لا تفرضي نفسك. انتظري."انتظري. كانت هذه الكلمة الوحيدة التي تكررت في التعليمات. "انتظري حتى يأكل. انتظري حتى يلبس. انتظري حتى يتكلم. انتظري."كانت نورا تعرف كيف تنتظر. كانت قد انتظرت طوال حياتها.استيقظت في الساعة الخامسة — قبل سيف بساعة. كانت قد نامت في غرفة صغيرة بجانب غرفة سيف. كانت الغرفة بسيطة: سرير، خزانة، مكتب، نافذة تطل على الشارع. كانت قد أحضرت معها
الفصل الأول الموعد الذي لم يأتِ كانت نورا تجلس على حافة النافذة، تنظر إلى الشارع من الطابق الثاني عشر، وترى الناس يمشون في الأسفل صغاراً كالنمل. لم تكن تنتظر أحداً، ولم تكن تنتظر شيئاً. كانت مجرد تتأمل — كما تفعل المرأة التي اعتادت أن تنتظر دون أن تنتظر، أن تأمل دون أن تأمل.كانت الساعة تقترب من المغرب، وضوء الشمس يميل نحو البرتقالي الباهت. في الشقة المجاورة، سمعت صراخ طفل صغير. ابتسمت ابتسامة حزينة. كانت تعرف هذا الصراخ جيداً. كانت قد سمعته آلاف المرات في بيوت الآخرين. كانت قد هدأت من روعه آلاف المرات. كانت قد نامت معه آلاف المرات.نورا عبد الرحمن. ثمان وثلاثون عاماً. لم تتزوج. لم تخطب. لم تحب — على الأقل، لم تحب بشكل يُذكر. كانت تعمل مربية أطفال منذ اثنتي عشرة سنة. كانت قد ربت أطفالاً كثيرين: أطفالاً بكوا في حضنها، وضحكوا على كتفها، وناموا بين ذراعيها. ثم كبروا. ونسوها. وذهب آباؤهم يبحثون عن مربية أخرى لأطفال آخرين.كانت تعرف أنها "العانس". كانت تسمع هذا اللفظ في صمت الناس، وفي نظراتهم، وفي تبريراتهم لها: "نورا حرة، نورا مستقلة، نورا ناجحة في عملها". كانت تعلم أن كل هذه الكلمات مج







