Se connecterساد المجلس صمتٌ ثقيل، وانعقدت أنظار الجميع على والد أمينة، ينتظرون كلمته الأخيرة.
كان على وشك أن يجيب، لكنه لمح زوجته تقف عند عتبة الباب، ترمقه بنظراتٍ حادة، وهي تهز رأسها بخفة، وكأنها تقول له: لا... لا توافق. تردد للحظات، ثم تنحنح وقال: "يا أبا أحمد، والله إن ابنكم بمنزلة ابني، وكان يشرفني أن أصاهركم، ولكن أمينة ما زالت صغيرة على الزواج. أسأل الله أن يرزق ابنكم بفتاةٍ تكون خيرًا له، وتناسبه." ساد الذهول أرجاء المجلس. اتسعت عينا أحمد، وبقي يحدق في وجه والد أمينة غير مصدق ما سمعه. أما والده وبقية أفراد عائلته، فقد بدت الصدمة واضحة على وجوههم. وحدها زوجة الأب أخفت ابتسامة انتصارها، بينما كان قلبها يرقص فرحًا، فقد نجحت خطتها. نهض أحمد من مكانه، وقد اشتعل الغضب في عينيه، وقال بصوتٍ امتزج بالألم: "لكن يا عمي... أنا أحب أمينة، وأنتظرها منذ سنوات، ولن أتزوج غيرها." رفع والده يده برفق، وقال: "اجلس يا أحمد." ثم التفت إلى والد أمينة وقال بهدوء: "يا أبا عبد الله، أعد التفكير في الأمر، ولا تتعجل. سننتظر ردك، فلا تكن سببًا في التفريق بين قلبين جمعهما الحب." وما إن سمع والد أمينة كلمة الحب حتى انتفض من مكانه، وحدّق في ابنته بنظرةٍ غاضبة، وصاح: "ماذا قلت؟! يحبّان بعضهما؟! منذ متى يحدث هذا؟" ثم استدار نحو والد أحمد وقال بحزم: "لقد قلت كلمتي يا أبا أحمد. أسأل الله أن يرزق ابنكم فتاةً غير ابنتي، ليس لدي بنات للزواج" في تلك اللحظة، شعرت أمينة بأن الأرض تميد تحت قدميها. لم تعد قادرة على الوقوف أو احتمال نظرات الحاضرين، فاندفعت إلى داخل البيت وهي تكتم شهقاتها، وما إن ابتعدت عن المجلس حتى انفجرت بالبكاء. أما أمها، فكانت تنظر إليها وقلبها يتمزق حسرةً. لقد كانت تشعر أن شيئًا سيئًا سيقع، وها هو ذلك الشعور يتحول أمام عينيها إلى حقيقةٍ مؤلمة، بينما كان الخوف يهمس في قلبها بأن ما حدث اليوم لن يكون نهاية المصيبة، بل بدايته كان والد أحمد ينظر إلى ابنه بحزن، ثم وضع يده على كتفه وقال بصوتٍ هادئ: "هيا يا أحمد... يبدو أن الله لم يكتب لنا نصيبًا عندهم." تردد أحمد، وألقى نظرةً أخيرة نحو باب البيت، وكأنه ينتظر أن يحدث شيء يغيّر ما جرى، لكن الصمت كان أقسى من أي جواب. تنهد بحسرة، ثم انصرف مع عائلته. وقف والد أمينة عند الباب وقال ببرود: "الله معكم." وما إن ابتعدت عائلة السعدي عن المنزل، حتى تبدلت ملامحه، واشتعل الغضب في عينيه. اندفع إلى داخل البيت وهو يصرخ: "أين أنتِ يا أمينة؟ أين أنتِ أيتها الحقيرة؟! أتخفين عني أنكِ تحبين وتتلاقين مع الشباب؟!" كانت أمينة قد احتمت بإحدى زوايا الغرفة، لكن قبل أن تنطق بكلمة، أمسكها من شعرها بعنف، وأخذ ينهال عليها ضربًا وهو يصرخ بكل ما في قلبه من قسوة. هرعت أمها وهي تبكي، تحاول أن تُبعده عنها، وتستجديه أن يرحمها، لكنه دفعها بقوة، ثم اعتدى عليها هي الأخرى، غير آبهٍ بدموعها ولا بصراخها. تعالت شهقات أمينة، وامتلأ البيت بصوت بكائها، لكن لم يكن هناك من يجرؤ على التدخل. وبعد أن أنهكها الضرب، رفعت رأسها بصعوبة، وقالت بصوتٍ متقطع، وقد امتزجت دموعها بالألم: "ليتني أموت... وأرتاح منك. ما رأيت في حياتي إنسانًا أقسى منك." تجمد للحظة، ثم ازداد غضبه اشتعالًا، فأمسك بها بعنف، وجرّها إلى غرفةٍ صغيرة في آخر المنزل، وأغلق الباب عليها بإحكام. ثم التفت إلى أمها وقال بلهجةٍ لا تعرف الرحمة: "إياكِ أن تعطيها طعامًا أو شرابًا حتى آذن لك." ألقى كلماته ورحل، تاركًا خلفه بيتًا غارقًا في الصمت والدموع. كانت أمينة ملقاة على الأرض الباردة، ترتجف من شدة الألم. لم تعد تشعر إلا بأن جسدها كله يؤلمها، وكأن كل عظمة فيه تصرخ من الوجع. أما أمها، فجلست خلف الباب تبكي بصمت، تتمنى لو تستطيع أن تضم ابنتها إلى صدرها، لكنها كانت أعجز من أن تكسر ظلمًا طالما خنق ذلك البيت. وفي تلك الليلة، لم تكن أمينة تبكي لأنها خسرت أحمد فحسب... بل لأنها أدركت أن أقسى المعارك قد تبدأ داخل البيت، قبل أن تبدأ في ساحات الحرب.حاولت أمينة النهوض، غير أن والدها كان أشد منها قوة. أمسكها من شعرها بعنف، وسحبها حتى ألقى بها داخل إحدى الغرف. وقف أمامها وهو يلهث من شدة غضبه، وقال بلهجةٍ آمرة: – ستفسخين خطبتك من أحمد، وستتزوجين أبا عبدو. لديه زوجتان، وسيتخذك زوجةً ثالثة، وهذا أنسب لك من ذلك الشاب. رفعت أمينة رأسها، وقد امتزج الألم بالإصرار في عينيها، وقالت بثبات: – والله لو قتلتني، فلن يحدث ما تريد. وفي تلك اللحظة، دخلت زوجة أبيها، وعلى وجهها ابتسامة ساخرة، وقالت: – ما زلتِ عنيدة يا أمينة بعد كل هذه السنين! اسمعي كلام أبيك، فلعل الله يرزقك ولدًا يسندك في آخر عمرك. نظرت إليها أمينة باحتقار، ثم قالت بهدوءٍ لاذع: – أتقصدين كما أسندك ابنك؟ لقد سمعت أن زوجته طردتك من بيتها. أسأل الله أن يريكِ جزاء ظلمك قبل الآخرة. تبدلت ملامح المرأة، واشتعل الغضب في وجهها. ولم يمهلها والدها لحظة، إذ رفع يده وصفع أمينة صفعةً قوية، حتى ارتطم رأسها بالجدار. ساد الصمت للحظات. أغمضت أمينة عينيها، وشعرت أن سنوات الظلم كلها تجثم فوق صدرها. أدركت أن الجراح التي خلّفها والدها في قلبها لم تكن آثار ضربٍ فحسب، بل كانت ندوبًا
ودّعت أمينة إخوتها وعينيها تفيضان بالدموع، بينما كانت زوجاتُهم يودعن أزواجهن بقلوبٍ يعتصرها الخوف. اجتمعت النسوة في ساحة المنزل، ورفعن أكفّهن إلى السماء، يسألن الله أن يحفظ أبناءهن وأزواجهن، وأن يكتب النصر للمظلومين، وأن يرفع عن البلاد ما حلّ بها من بلاء. كانت أمينة قد احتفظت بالهاتف الذي اشترته حين كانت في قرية كرمين، وأخفته عن الجميع خشية أن يقع في الأيدي الخطأ. ولم يكن يضم سوى رقم أحمد، فقد كان وسيلتها الوحيدة للاطمئنان عليه وعلى إخوتها. ومع كل مساء، كانت تبحث عن مكانٍ بعيد عن الأنظار، ثم تتصل به. وما إن تسمع صوته حتى يهدأ اضطراب قلبها. كان يحدثها عن أحوال الجبهات، وعن الليالي الطويلة التي يقضيها مع رفاقه، وعن القرى التي تتعرض للقصف، ثم يوصيها في نهاية كل اتصال أن تعتني بوالدتها، وألا تقلق عليه، مؤكدًا لها أن الله خير حافظ. أما هي، فكانت تبعث إليه برسائل صوتية كل يوم، تملؤها الدعوات وكلمات الشوق، فيرد عليها كلما سنحت له الفرصة، لتظل تلك الرسائل خيطًا رفيعًا يصل بين قلبين فرّقت بينهما الحرب. ومضت الأيام ثقيلة، ولم يتبدل حال البلاد. كانت المعارك تزداد ضراوة، والقصف لا يكا
بعد أن اتخذوا قرار العودة إلى قريتهم، شرعوا في جمع أمتعتهم على عجل، بينما كانت أصوات الطائرات الحربية تهز السماء، ويتردد دوي القصف في القرى المجاورة. استقلوا سيارةً أقلّتهم نحو المنارة، وقد خيّم الصمت على الجميع. جلس أحمد إلى جوار أمينة، وأمسك بيدها في هدوء، وكأن تلك اللمسة تبعث الطمأنينة في قلبيهما. كانا يرفعان أبصارهما إلى السماء بين الحين والآخر، ويرددان في سرهما الدعاء أن يحفظهم الله، وأن ينجّي الأطفال والأبرياء من أهوال الحرب. وبعد رحلةٍ ثقيلة، وصلوا إلى منزلهم. توقف الجميع أمامه وقد عقدت الصدمة ألسنتهم. كانت الأبواب مخلوعة، والنوافذ محطمة، وآثار العبث والخراب تملأ المكان، بينما نمت الأعشاب اليابسة في أرجاء الدار، شاهدةً على شهور الهجران. تنهدت أمينة، ثم دخلت بصمت، وتبعتها والدتها وزوجتا أخويها، وبدأن بتنظيف المنزل رغم الألم الذي كان يعصر قلوبهن مع كل زاويةٍ يعثرن فيها على أثرٍ من آثار الخراب. وبعد ساعاتٍ من العمل، أعادوا ترتيب ما استطاعوا، وأدخلوا أمتعتهم إلى الداخل. وعلى الرغم من كل ما أصاب منزلهم، فقد كان حاله أهون من كثيرٍ من بيوت القرى المجاورة التي سوِّيت بالأرض
ارتعش قلبها لكلماته، لكنها قالت بصوتٍ يملؤه التردد: – أنت لا تعرف ما الذي حدث... ولا تعرف لماذا افترقنا. ابتسم ابتسامةً هادئة، ثم قال بثقة: – بل عرفت كل شيء... عرفت الحقيقة كاملة، ولهذا جئت إلى هنا. رفعت رأسها تنظر إليه في دهشة، واتسعت عيناها وهي تهمس: – عرفت... ماذا؟ نظر إليها طويلًا، ثم قال: – عرفت السبب الذي جعل والدك يرفض زواجنا، وعرفت السر الذي أخفاه كل تلك السنين... ولم أعد مستعدًا لأن أسمح لتلك الأكاذيب بأن تسرق ما تبقى من عمرنا ابتسم أحمد وهو ينظر إليها، ثم قال بصوتٍ هادئ: – دعينا نؤجل هذا الحديث الآن... لقد سرق منا الفراق أعوامًا طويلة، ولا أريد لهذه الليلة أن يفسدها شيء. اقترب منها خطوة، وأمسك يديها برفق، وكأنه يخشى أن تفلت منه مرةً أخرى. كانت تشعر بحرارة أنفاسه، وترى في عينيه شوقًا اختزنته السنوات. رفع يدها ببطء، وطبع عليها قبلةً خفيفة، ثم قال مبتسمًا: – كنت أحلم بهذه اللحظة منذ أعوام. احمرّ وجه أمينة، وسحبت يدها بخجل، وأطرقت برأسها، حتى خُيّل إليها أن قلبها سيغادر صدرها من شدة اضطرابه. استدارت مسرعة لتعود إلى داخل المنزل، لكنها سمعت صوته يناديها: – أم
دوّى طرقٌ خفيف على الباب، فارتجف قلب أمينة واشتدت خفقاته، وشعرت بأن شيئًا ما يخبرها أن خلف ذلك الباب خبرًا انتظرته طويلًا. تقدمت بخطوات مترددة، ثم سألت بصوتٍ امتزج فيه القلق والرجاء: – من الطارق؟ فجاءها صوت عبد الله من الخارج: – أنا يا أمينة... نحن إخوتك. ما إن سمعت صوته حتى اتسعت عيناها، وغمرتها فرحة عارمة لم تستطع كتمانها، فصاحت بأعلى صوتها: – أمي... أمي... لقد عاد إخوتي! فتحت الباب مسرعة، وألقت بنفسها في أحضانهم، تعانقهم بحرارة وتجهش بالبكاء، وكأنها تحاول أن تعوض بتلك اللحظات سنوات الفراق والخوف. خرجت الأم على عجل، ولحقت بها زوجتا حسن وحسين، وتعالت الزغاريد ممزوجة بدموع الفرح، بعدما أيقن الجميع أن الله قد استجاب دعاءهم، وردّ إليهم أبناءهم سالمين. طال العناق، وتعالت كلمات الحمد والثناء، وامتلأ المنزل بمشاعر لم تعرفها جدرانه منذ زمن. وحين هدأت العاصفة قليلًا، رفعت أمينة رأسها، فوقعت عيناها على أحمد. كان يقف إلى جانب الجدار في صمت، يراقبها بعينين تختزلان أعوامًا من الشوق والحنين، بينما كانت يده لا تزال معصوبة إثر الجرح الذي أصابه. تجمدت في مكانها، وتسارعت أنفاسها
بعد أن ابتعدوا عن الفرع وساروا مسافة طويلة على الطريق، وصلوا إلى مفترق يفصل بين طريق القرية والطريق المؤدي إلى المدينة. توقف أحمد فجأة، ثم نظر إلى الإخوة الثلاثة، وقال بصوت حاول أن يخفي فيه ألمه: "إلى هنا سأودعكم يا شباب." نظر إليه عبد الله باستغراب، وقال: "وماذا تقصد؟ ألم تكن ستأتي معنا إلى القرية؟" ابتسم أحمد ابتسامة باهتة، ثم هز رأسه وقال: "لن أستطيع... سأعود إلى أهلي، سأغادر سوريا من جديد. يبدو أن هذه البلاد لم يعد فيها مكان لنا." ساد الصمت للحظات، ثم اقترب أحمد من عبد الله وقال: "عبد الله... هل يمكن أن أكلمك على انفراد؟" أومأ عبد الله برأسه، وابتعدا قليلًا عن حسن وحسين. تنهد أحمد طويلًا، ثم قال: "قد تكون هذه آخر مرة أراك فيها. وربما لن تجمعنا الأيام مرة أخرى، لذلك أريد منك جوابًا صريحًا." قال عبد الله: "اسأل، ولن أخفي عنك شيئًا." نظر أحمد إلى عينيه وقال: "يوم سألتك عن موقف والدك من موضوعي مع أمينة، رأيتك ارتبكت وغيرت الحديث. أنت تعرف كم أحب أمينة، وأنني كنت مستعدًا أن أهبها عمري كله. أخبرني... ماذا كان يخفى عني؟" خفض عبد الله رأسه، وبقي صامتًا لثوانٍ، ثم قال بحزن:







