LOGINكانت تظن أن السجن نهاية عذابها، لكنها لم تدرك أن الخروج منه سيكون بداية انتقام رجل فقد أغلى ما يملك، ولا يؤمن إلا بالعقاب حادث واحد كان كافيًا ليقلب حياة أروى رأسًا على عقب من فتاة بسيطة تحلم بحياة هادئة، إلى سجينة تنتظر مصيرًا مجهولًا. وبين الماضي والحاضر، يقف رائد حاملًا وعدًا واحدًا... الانتقام.
View Moreطــــاخ...
اهتزت جدران الممر الضيق على وقع الباب الحديدي الذي أُغلق خلفها بقوة، حتى ارتد صداه في كل زاوية من زوايا السجن. ارتجف جسد أروى بعنف. شعرت وكأن ذلك الصوت لم يغلق بابًا فحسب... بل أغلق حياتها كلها. ثبتت قدماها في مكانهما، بينما راحت عيناها تتجولان بذهول بين الجدران الإسمنتية الباهتة، والأسلاك الحديدية، والأبواب الثقيلة التي تشبه أبواب القبور. اختلطت روائح الرطوبة بالمطهرات، حتى أصبح التنفس مؤلمًا. حاولت أن تستوعب ما يحدث. لكن عقلها كان يرفض الاعتراف بالحقيقة. قبل ساعات قليلة فقط... كانت فتاة عادية، تحمل أحلامًا صغيرة، وتنتظر بداية حياتها العملية. أما الآن... فهي سجينة. رفعت يدها المرتجفة نحو صدرها. شعرت بأن أنفاسها تضيق شيئًا فشيئًا. تمتمت بصوت بالكاد سمعته هي نفسها. ــ لا... هذا ليس حقيقيًا... لكن الحقيقة كانت أقسى من أن تُنكر. جاءها صوت العسكرية الحاد من خلفها. ــ تحركي. لم تتحرك. وقفت تحدق في الفراغ. اقتربت العسكرية منها، وأمسكت ذراعها بقوة. ــ هل فقدتِ سمعك؟ قلت تحركي. انتفضت أروى كمن استيقظ من غيبوبة. أومأت برأسها بسرعة، ثم بدأت تمشي بخطوات متثاقلة. كانت تشعر أن كل خطوة تبعدها أكثر عن حياتها السابقة. على جانبي الممر، كانت السجينات يراقبن الوافدة الجديدة بفضول. لم تمض ثوانٍ حتى بدأت الهمسات. ــ انظرن إليها... ــ تبدو صغيرة جدًا. ــ هل قتلت زوجها؟ انطلقت ضحكة عالية. ــ أي زوج؟ هذه تبدو وكأنها لم تتجاوز الجامعة. ردت أخرى بسخرية. ــ ربما سرقت بنكًا. ــ أو نصبت على رجل غني. تعالت الضحكات. أما أروى... فلم ترفع رأسها. كانت كلماتهن تمر فوق قلبها كالسكاكين. توقفت العسكرية أمام زنزانة في آخر الممر. أخرجت مفتاحًا كبيرًا. أدارته داخل القفل. ثم دفعت الباب بقوة. ــ هذه زنزانتك. ابتلعت أروى ريقها. نظرت إلى الداخل. غرفة ضيقة. سريران حديديان. نافذة صغيرة تعلوها قضبان صدئة. وضوء أصفر باهت يزيد المكان كآبة. ترددت. لكن دفعة قوية من العسكرية جعلتها تدخل رغماً عنها. وفي اللحظة التالية... أُغلق الباب مرة أخرى. هذه المرة كان الصوت أقسى. وكأنه إعلان رسمي بانتهاء حريتها. التفتت ببطء. كانت ثلاث سجينات ينظرن إليها. إحداهن امرأة في الخمسين من عمرها، تطرز قطعة قماش بصمت. والثانية مستلقية على سريرها، تضع ذراعها فوق عينيها. أما الثالثة، فكانت تراقبها بعينين حادتين دون أن تنطق بكلمة. لم تحتمل أروى تلك النظرات. سارت إلى أبعد زاوية. جلست على الأرض. ثم ضمت ركبتيها إلى صدرها. وأخفت وجهها بين ذراعيها. صمدت لدقائق. تحاول منع دموعها. تحاول أن تكون قوية. لكن... انهارت. خرجت شهقة مكتومة من صدرها. ثم بدأت الدموع تنهمر دون توقف. لم يكن بكاءً بسبب الزنزانة. ولا بسبب السجينات. بل بسبب سؤال واحد كان يمزقها من الداخل. كيف انتهى بها المطاف هنا؟ أغمضت عينيها بقوة. كأنها تريد الهروب من الواقع. لكن ما إن أغلقت جفنيها... حتى عادت إليها الأصوات. ضحكات. موسيقى. كلمات دافئة. وجه مألوف يبتسم لها. فتحت عينيها بسرعة. هزت رأسها بقوة. ــ لا... لا أريد أن أتذكر... لكن الذكريات لا تستأذن أحدًا. تسللت إلى عقلها رغمًا عنها. سحبتها بعيدًا عن برودة الزنزانة. بعيدًا عن القضبان. بعيدًا عن دموعها. وأعادتها إلى صباح ذلك اليوم... اليوم الذي استيقظت فيه وهي تؤمن أن القدر قرر أخيرًا أن يبتسم لها. لم تكن تعلم... أن القدر نفسه كان يخبئ لها أسوأ ليلة في حياتها تقلب الموازين حياتها المستقرة في غمضة عينــ أتمنى فقط أن تصلني في أقرب وقت. نظر إليها. ــ لماذا؟ ــ لأن حقيبتي تحتوي على أشياء مهمة. ثم قالت: ــ بطاقتي البنكية، وأوراقي الشخصية، وبعض الأغراض التي أحتاج إليها يوميًا. أومأ رائد إيماءة بسيطة. ــ سأهتم بالأمر. ــ شكرًا لك. صمتت أروى. كان من المفترض أن تغادر لكن شيئًا بداخلها لم يسمح لها بذلك. ظلت واقفة للحظات، ثم استدارت نحو الباب. وضعت يدها على المقبض. توقفت. ترددت طويلًا. ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تجمع شجاعتها. التفتت إليه. ــ سيد رائد؟ رفع رأسه. ــ ماذا؟ ترددت أروى. ــ أريد أن أسألك سؤالًا. ظل ينظر إليها دون أن يجيب. قالت بهدوء ــ هل فعلت شيئًا خاطئًا في تلك الليلة؟ توقفت يد رائد فوق الورقة. رفع عينيه إليها ببطء. ــ ماذا تقصدين؟ ــ منذ أن عدنا من الفندق وأنت تتصرف معي بطريقة مختلفة. صمتت لحظة. ثم تابعت: ــ وفي تلك الليلة... تركتني دون أن تخبرني أنك ستغادر. خفضت عينيها للحظة. ــ إذا كنت قد أخطأت في شيء، فأنا أريد فقط أن أعرف. لم يجب. ساد الصمت بينهما. وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي إجابة. رفع را
استيقظت أروى في وقت متأخر من النهار. لم يكن صوت المنبه هو ما أخرجها من نومها هذه المرة، بل ألم حاد تسلل إلى قدميها مع أول محاولة للحركة. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في سقف الغرفة دون أن تتذكر أين هي. ثم حاولت تحريك ساقيها. تأوهت بخفة. ــ آه... جلست على حافة الأريكة، ومدت يديها نحو قدميها. كانتا متورمتين بشكل واضح، وعلى مؤخرة كعبيها ظهرت جروح حمراء خلّفها الحذاء الذي اضطرت إلى المشي به لساعات طويلة. حدقت فيهما بدهشة. ثم تمتمت: ــ يا إلهي... مررت أصابعها حول أحد الجروح بحذر، فتراجعت يدها سريعًا من شدة الألم. وبدأت ذكريات الليلة الماضية تعود إليها تدريجيًا. الحفل... رائد... انتظارها الطويل. اتصالاتها التي لم يجب عنها. ثم خروجها من الفندق وعودتها سيرًا على الأقدام حتى اقترب الفجر. تنفست ببطء. لم تكن تملك حتى الطاقة الكافية لتغضب. كل ما كانت تشعر به هو الإرهاق. نهضت بصعوبة واتجهت إلى الحمام. أخذت حمامًا طويلًا، ثم اعتنت بجروح قدميها قدر استطاعتها، وارتدت ملابس مريحة. تناولت شيئًا خفيفًا، لكنها لم تستطع البقاء مستيقظة طويلًا. عادت إل
وقفت أروى في الممر للحظات. كانت تحاول استيعاب ما حدث. ثم أخرجت هاتفها مرة أخرى. اتصلت برائد. لا جواب. تنفست ببطء. ــ حسنًا... قالتها لنفسها. ــ سأعود وحدي. لكن عندما تذكرت حقيبتها... توقفت. حقيبتها الكبيرة وأغراضها الشخصية ما زالت في غرفة تبديل الملابس. اتجهت إليها بسرعة. لكنها وجدت الباب مغلقًا. توقفت أمامه، ثم التفتت إلى إحدى الموظفات القريبات. ــ عذرًا، أريد أخذ أشيائي من الداخل. ابتسمت الموظفة باعتذار. ــ بالطبع، لكن الغرفة مغلقة حاليًا. ــ هل يمكنكِ فتحها؟ هزت رأسها. ــ للأسف، لا أستطيع. ــ لماذا؟ ــ هذه الغرفة تحت مسؤولية السيد رائد، ولا يمكنني فتحها دون إذنه. نظرت أروى إليها بعدم تصديق. ــ لكنه غادر. ــ أعلم. ثم أضافت بلطف: ــ لكن التعليمات واضحة. تنهدت أروى. ــ حسنًا... شكرًا. ابتعدت. وقفت للحظات في الممر، تنظر إلى هاتفها. اتصلت برائد مرة أخرى. رن الهاتف... ثم انقطع. هذه المرة لم تحاول الاتصال. شعرت بشيء من الغضب. ــ لماذا يجب أن أتحمل كل هذا؟ وضعت الهاتف في حقيبتها الصغيرة. ثم نظرت إلى الساعة. كان الليل قد تقدم كثيرًا. لم يعد بإمكانها
لم تكن أروى تعرف كم مرّ من الوقت منذ ابتعد رائد عنها. في البداية، لم تهتم كثيرًا. كانت تجلس بهدوء إلى إحدى الطاولات الجانبية، تراقب الحاضرين من حولها، وتحاول أن تبدو منشغلة بأي شيء حتى لا تشعر بأنها غريبة عن المكان. كانت الموسيقى تنساب في أرجاء القاعة بهدوء، بينما تتعالى بين الحين والآخر ضحكات خافتة وأحاديث عن صفقات ومشاريع واستثمارات. أما أروى... فلم تكن تفهم معظم ما يدور حولها. رفعت عينيها نحو الجهة التي ذهب إليها رائد. كان يقف هناك ويتحدث مع رجل لم تعرفه. تنفست ببطء، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد. "سأنتظره فقط." كان ذلك كل ما تفكر فيه. فهي لم تأتِ إلى هنا بإرادتها أصلًا. ولم تكن تعرف أحدًا سوى رائد. لذلك لم يكن أمامها سوى أن تنتظر عودته. --- في الجهة الأخرى من القاعة، كان رائد يقف أمام الرجل الذي أشارت إليه سماء. قال الرجل بابتسامة: ــ يبدو أنك مهتم بمشروع النقل والخدمات اللوجستية. أجابه رائد: ــ سمعت عن المشروع، لكنني أريد أن أعرف تفاصيله منك مباشرة. ابتسم الرجل. ــ هذا يسعدني. ما زلت أعمل على بعض التفاصيل، لكن لدي خطة للتوسع خلال الفترة الق
reviews