Share

الفصل 4

Author: الغابة العميقة

ابتسمت حورية أيمن وهي تقف لتحيّيه:

"التقيت للتو بدانية، فدعوتها لنتناول الغداء معًا، لن تمانع، أليس كذلك يا أدهم؟"

رمق أدهم جمال دانية يوسف بنظرة باردة وقال:

"طالما أنتِ مسرورة، فلا بأس."

جلس بجانب حورية أيمن بكل طبيعيّة، وكأن زوجته ليست موجودة أصلًا.

سكبت له الشاي مبتسمة:

"كنتُ أتحدّث مع دانية منذ قليل، قالت إنكما تنويان الطلاق. كنت أفكّر أنه بعد طلاقكما، عليّ أن أقدّم لها شابًا جيدًا، لا يصح أن تضيع معها هذه السنوات بلا مقابل."

كان من المفترض أن يجلس بجوار زوجته، ومع ذلك جلس قرب حورية أيمن بكل أريحية.

أما نظراته لدانية يوسف فكانت دائمًا كمن يتجاوز عقبة في الطريق، يتفاداها فقط.

لم تعد دانية يوسف ترغب في الحساب أو الغيرة؛ فهي لا تملك أصلًا رصيدًا يسمح لها بذلك.

كل ما شعرت به هو الإحراج.

كان ينبغي أن تتوقع أنه طالما ظهرت حورية أيمن في الشركة، فلا بد أن لقاءها به كان مُرتّبًا.

قدّم النادل قائمة الطعام لأدهم جمال، فطلب بعض الأطباق، فذكّرته حورية أيمن:

"أدهم، لا تطلب فقط ما أحبه أنا، اطلب أيضًا ما تحبه دانية."

نظر إلى دانية يوسف وهو يحمل القائمة، وبدا في عينيه أن وجودها زائد عن الحاجة.

وكانت هي نفسها تشعر أنها غريبة على هذه الطاولة، فالتقطت هاتفها بخفية.

وما إن ناولها القائمة، حتى رنّ هاتفها الموضوع على الطاولة.

أسرعت بالرد، وجاءها صوت خديجة السباعي:

"سيدة دانية، وصل السيد نادر من شركة الريادة، يقول إن إجراءات مشروع "المرحلة الثانية" لم تكتمل بعد، والسيد أدهم لم يوقّع، ولا يمكنهم بدء العمل."

قالت دانية يوسف:

"حسنًا، سأعود فورًا."

بعد أن أغلقت الخط، نظرت إلى حورية أيمن قائلة:

"أخت حورية، هناك أمر طارئ في الشركة، سأعود الآن، استمتعا بالطعام."

أمسكت حقيبتها وهاتفها، وغادرت قبل أن يبادراها بأي كلمة.

وما إن خرجت من المطعم حتى شعرت بانقباض صدرها ينفكّ.

حتى السماء فوق رأسها بدت أوسع من ذي قبل.

……

في المطعم، التفتت حورية أيمن إلى أدهم جمال قائلة:

"هل ستُطلّقها فعلًا؟"

ابتسم بسخرية:

"تُصدّقين كل ما تقوله؟"

هي أكثر من يقدّس السلطة والمكانة، وأبعد شخص عن فكرة الطلاق في نظره.

حتى لو أرادت الطلاق جدًّا، فسيكون حسابها دقيقًا، وباب تقسيم الثروة وحده يكفي لتمديد الخلاف طويلًا.

قالت حورية أيمن:

"بدت جادة جدًا في كلامها. أم أنك أنت من تراجع ولا يريد الطلاق بعد الآن؟"

ضحك:

"أنتِ تتوهّمين كثيرًا. هيا، لنتناول الطعام."

ثم غيّر الموضوع:

"كيف حال صحتك الآن؟"

قالت:

"جيدة جدًا، الأخت العزيزة ما زالت ترعاني من السماء وتحنّ عليّ."

……

في مكتب دانية يوسف.

بعد انتهاء اجتماعها مع الشريك، وقفت تُشيّعه مبتسمة:

"لا تقلق يا سيد نادر، سأجعل الرئيس أدهم جمال يوقّع الاتفاقية فورًا، لن نتسبّب لكم بأي تأخير في بدء المشروع."

قال وهو يصافحها:

"أُكلّفك العناء إذًا، سيدة دانية."

"لا عناء في ذلك، كلنا نعمل من أجل مصلحة المشروع."

ثم أضاف مبتسمًا:

"وجد الرئيس أدهم جمال زوجة مثلك تعينه في العمل، ما أجمل حظّه."

ابتسمت وهي تودّعه عند الباب.

بعد مغادرته، جاءت خديجة السباعي تحمل لها الغداء:

"سيدة دانية، كيف كانت نتائج الفحوصات اليوم؟"

فتحت دانية يوسف علبة الطعام وقالت مبتسمة:

"كل شيء طبيعي، لا مشكلة."

قالت خديجة السباعي:

"مع ذلك عليك أن تعتني بنفسك، حتى لو كنتِ صغيرة وتتحملين الآن، إلا أن الجسم يُستنزف مع الوقت."

أجابت:

"أعرف، سأنتبه."

لن تُرهق نفسها طويلًا بعد الآن—هكذا قالت.

لكن ما إن أنهت طعامها حتى غاصت مرة أخرى في العمل.

حلّ المساء، وبقيت تعمل لساعات إضافية كعادتها.

ليست عاشقة للعمل، لكنها حين تعود لا تجد سوى غرفة باردة، فاختارت أن تشغل نفسها بدل أن تشعر بالفراغ.

في تلك الأثناء، كان لدى أدهم جمال مأدبة عمل، وبينما هو على الطاولة يناقش بعض الأمور، رن هاتفه.

كانت يسرى العوضي.

أمسك هاتفه وخرج إلى الممر للرد.

قالت بصوت ممتعض:

"أدهم، هل رأيت الساعة؟ لماذا لم تعد بعد؟ ألا يمكنك أن تهدأ بضعة أيام؟ ألا يمكنك أن تكون زوجًا محترمًا ولو لفترة؟"

أطفأ نصف السيجارة المتبقي في سلة المهملات قربه، وقال بكسل:

"أمي، هل ذهبتِ إلى فيلا السدر؟"

"نعم، أنوي الإقامة هنا فترة. عد فورًا إلى البيت."

ثم أوصت:

"ما زالت دانية تعمل لوقت متأخر، خذها معك حين تعود."

صمت لحظة، ثم قال بلا اكتراث واضح:

"حسنًا، فهمت."

وبعد أن أنهت المكالمة، فرك صدغيه وكأن رأسه يؤلمه.

ثم أخذ هاتفه وبدأ يقلب في جهات الاتصال.

بحث طويلًا… ولم يجد رقم دانية يوسف.

لم يحفظه أصلًا.

وبات لا يتذكر الرقم كاملًا.

وبما أن الطريق إلى المنزل يمرّ من أمام الشركة، فقد قرّر ألّا يتّصل، بل يتوجه مباشرة إلى هناك.

……

في تلك الأثناء، كانت دانية يوسف لا تزال تعمل.

تجاوزت الساعة التاسعة، وبالنسبة لها ما زال "الدوام الليلي" في بدايته.

لم تكن منشغلة بأعمال جديدة، بل كانت تنظّم ملفات تسليم الأعمال.

فما دامت ستطلّق، فلن تبقى في منصبها.

ومنذ أن تُدير هذا الكم من المشاريع، فلا بد أن تُعدّ كل شيء مسبقًا.

غادر معظم الموظفين، ولم يبق سوى عدد قليل من المكاتب المضيئة.

المبنى كله هادئ، وقد اعتادت منذ زمن هذه العزلة.

انهمكت في الكتابة على لوحة المفاتيح وهي تُحدّق في الشاشة، حتى سمعت طرقًا على الباب.

قالت بهدوء:

"تفضل."

انفتح الباب، فرفعت رأسها لترى أدهم جمال.

تجمّدت للحظة، ثم قالت:

"لم تنتهِ من عملك بعد؟"

وقفت بسرعة، والتقطت ملفًا من على مكتبها، وتقدّمت نحوه قائلة:

"سيبدأ مشروع التعاون مع شركة الريادة قريبًا، لكن لم تكتمل إجراءات الاتفاقية. ذهبت إلى مكتبك مرتين بعد الظهر ولم أجدك.

هل يمكنك التوقيع الآن؟"

نظر إليها برهة، ثم أخذ الاتفاقية وبدأ يراجعها.

لم تعد تخاطبه إلا في العمل منذ زمن، ولا تفتح أي موضوع آخر.

لم يجد في العقد ما يستدعي المناقشة، فأخذ قلم التوقيع من فوق مكتبها، وانحنى ليوقّع اسمه تحت مواضع الطرف الأول.

استلمت منه الأوراق، وتفحّصتها سريعًا، ثم قالت بنبرة رسمية:

"أنا الآن أتابع هذا المشروع فقط، وبعدها سأسلّم مهامي لماهر قيس.

حين أنتهي من تنظيم كل ملفات التسليم، سأقدّم استقالتي لك ولأعضاء مجلس الإدارة."

ثم أضافت:

"أعددت أيضًا اتفاقية سرية، بعد خروجي من الشركة لن أعمل في أي مجال منافس، وسأحافظ على سرية جميع معلومات مجموعة الصفوة. إذا كان هناك أي بنود أخرى يجب إضافتها، سأعدّها خلال الأيام المقبلة."

لم تكن متخرّجة من المالية أو الإدارة، بل من قسم الروبوتات الصناعية في تخصص الأتمتة، مع مساقات في التحكم الذكي.

دخلت جامعة الكاظمي وهي في السادسة عشرة، محققة أعلى معدل في دفعتها، وكانت فخر أساتذتها.

في المرحلة الإعدادية كانت قادرة على تصميم نماذج روبوتات بنفسها، وشاركت في مسابقات كثيرة، ونالت جوائز وبراءات اختراع.

في سنتها الرابعة، حصلت على عروض دراسة عليا من جامعة الكاظمي ومن جامعتين محليتين، وحتى عدة جامعات أجنبية قدّمت لها دعوات لمتابعة الدراسة لديها.

لكنها رفضت كل شيء… من أجل أدهم جمال.

كانت تنوي العودة إلى مجالها الأصلي بعد الطلاق ومتابعة دراستها.

كانت تفضّل التعامل مع الروبوتات والتكنولوجيا المتقدمة، لا مع مناصب الإدارة، ولا مع الاجتماعات والابتسامات المصطنعة.

لم تكن في هيئة زوجة وهي تتحدث معه الآن، بل في هيئة موظفة تخاطب مديرها.

نظر إليها بوجه بلا تعبير، وشعر فجأة وكأن شخصًا آخر يقف أمامه.

لم تعد تلك الفتاة التي تحوم حوله، ولا تلك التي تحاول إرضاءه دومًا.

لم يُعلّق على كل ما قالته، بل اكتفى بأن يقول ببرود:

"أمي في فيلا السدر الآن، لِنعد أولًا ثم نتحدث لاحقًا."

كانت تريد أن تُكمل الحديث، لكن ما إن سمعت كلماته حتى اكتفت بـ:

"حسنًا."

ووضعت الملف من يدها ببطء:

"سأرتّب أغراضي وألحق بك."

أغلقت الكمبيوتر، جمعت الأوراق في الدرج، ثم لاحظت أنه لم يغادر بعد، فاستغربت.

لم تتوقع أن ينتظرها.

رفعت رأسها إليه، فرآه يستدير نحو الباب.

التقطت هاتفها وحقيبتها ولحقت به حين خرج.

كان يقف ويداه في جيبي بنطاله كعادته في المصعد، بينما وقفت هي إلى جانبه تحدّق في باب المصعد.

انعكست صورتهما على الباب المعدني مشوّهة… وكأنهما غريبان تمامًا.

توقفت سيارة المايباخ السوداء أمام بوابة الشركة في الطابق الأول.

اقتربا منها، ففتحت دانية يوسف باب المقعد الخلفي.

أما هو ففتح باب السائق.

جلوسها في المقعد الخلفي لم يكن صدفة؛ فقبل سنوات، في بداية زواجهما، طلبت منها الجدة أن تصحبه إلى البيت القديم لتناول العشاء.

وحين فتحت باب المقعد الأمامي لتجلس بجواره، قفل الباب في وجهها.

وقضت الطريق كلها في حرج قاتل.

ومنذ ذلك اليوم، لم تركب سيارته مجددًا.

أما الليلة… فهي مجرّد صدفة أخرى.

ما إن تحركت السيارة، حتى شبكت ذراعيها أمام صدرها، وأمسكت الهاتف بيدها الأخرى تقرأ الأخبار.

لم تنظر إليه، ولم تبادر بأي حديث.

صمت تام.

كانت في الماضي ترغب في مشاركته عن كل تفاصيل حياتها، وتودّ أن يكون أوّل من يسمع أخبارها، لكن منذ أن أدركت أنه يرفض الرد على مكالماتها عمدًا ويتجاهل رسائلها، تعلمت الصمت.

وهو كذلك لم يفتح أي موضوع، فبقي الصمت يملأ السيارة حتى وصلا إلى الفيلا ودخلا المنزل.

تغيّر الجو هناك فقط، عندما جاءت يسرى العوضي بابتسامة واسعة:

"دانية، عدتِ! أعددت لكِ حساءً ساخنًا، تعالي واشربي بعضه."

"حسنًا، أمي."

استقبلت كنّتها بحرارة، وتجاهلت ابنها تقريبًا.

أما هو فذهب مباشرة إلى غرفة الطعام، وجلس دون تكلّف.

بدأت الخادمات بإحضار الأطباق إلى الطاولة.

جلست يسرى العوضي بجوار دانية يوسف وقالت:

"دانية، أنوي البقاء في الفيلا لعدة أيام، لا مشكلة لديكِ، أليس كذلك؟"

أمسكت دانية يوسف بالإناء، ثم نظرت إليها بسرعة قائلة:

"بالطبع لا مشكلة. ابقي ما شئتِ من الوقت يا أمي."

حالما سمعت موافقتها، انفرجت أسارير يسرى العوضي.

ثم نظرت إلى أدهم جمال، الذي لم يكن يبدو سعيدًا، وقالت له:

"لا تنظر إليّ بهذه الطريقة، حتى لو لم يعجبك الأمر."

ثم أضافت بلهجة حازمة:

"من الآن فصاعدًا، انتهِ من عملك وعد إلى البيت لتناول العشاء كل ليلة. لا تبقَ خارجًا طوال الوقت."

كانت تقول إنها ستقيم هنا فترة… لكنها في الحقيقة جاءت لمراقبته.

بل وقد عقدت النية على البقاء حتى تحمل دانية يوسف.

كانت واثقة أنها قادرة على التعامل مع حورية أيمن.

رفع هو رأسه بلا مبالاة وقال ببرود:

"ومن سيجني المال إذًا؟ أنتِ لن تنفقي بعد اليوم؟"

ردت:

"ومن هذا الذي يخرج آخر الليل ليجني المال؟ لا تتحجّج، عد إلى البيت مثل أي شخص طبيعي."

كانت حازمة إلى درجة أنه لم يجد فائدة من مجادلتها.

ففي النهاية، ما إن يخرج من هذا الباب حتى يعود حرًّا كما يشاء.

نظرت دانية يوسف إليه وهي تفكّر:

ما دام الطلاق لم يتم، فلن تكون حياته سهلة.

جلس الثلاثة قليلًا في الطابق السفلي بعد العشاء، ثم طلبت يسرى العوضي من "الزوجين الشابين" الصعود للراحة، ورافقتهما بنفسها حتى باب غرفتهما، قبل أن تعود أدراجها.

ما إن أُغلق الباب، خلع أدهم جمال سترته ورماها على الأريكة، ولفّ كمّي قميصه.

بشرته بيضاء، وعروق ذراعه الزرقاء تمتد من ظاهر يده نحو الأعلى.

في تلك اللحظة، رنّ هاتفه.

لم يردّ فورًا، بل أخذ سيجارة وأشعلها، ثم اتجه نحو النافذة الطويلة وهو يحمل الهاتف.

نفث الدخان ببطء، ثم أجاب:

"جاءت أمي، لن أستطيع المجيء الليلة."

جاءه الصوت من الطرف الآخر:

"حسنًا، عدّ باكرًا للراحة إذًا."

"حسنًا، فهمت."

"حسنًا."

كان صوته لطيفًا ورقيقًا، نبرة لم يسمعها أحد منه… سوى الطرف الآخر.

أما دانية يوسف، فما عرفته يومًا بهذه الطريقة.

لم يُحاول حتى أن يخفي الموضوع عنها، بل أنهى المكالمة وعاد إلى الطاولة ليطفئ السيجارة وكأن شيئًا لم يحدث.

كانت رائحة الدخان تعبق في المكان، ودانية يوسف في وضعٍ لا تُحسد عليه—إن بقيت تشعر بالحرج، وإن خرجت تخشى أن تكتشفها يسرى العوضي.

فهي ليست سهلة الخداع مثل الخالة إلهام.

أما هو فتابع حياته كالمعتاد؛

سيجارة، مكالمة، ثم فتح الكمبيوتر ليشغل نفسه.

وجدت دانية يوسف أنها لا تستطيع البقاء في هذا الوضع المعلق، فاستجمعت شجاعتها وقالت:

"تقول الأخبار إن الطلاق الآن لا يحتاج إلى دفتر القيد العائلي. ما رأيك أن نذهب لإنهاء الإجراءات، وبعدها نخبر والديك ووالديّ؟"

صدرت السياسة الجديدة مؤخرًا.

وما إن قرأت الخبر حتى شعرت وكأن جبلًا أزيح عن صدرها.

فهذا يعني أن الأمر لم يعد بيد العائلتين، بل بقرارهما وحدهما.

رفع أدهم جمال عينيه ونظر إليها.

حدّق فيها برهة، ثم ابتسم ساخرًا وسأل بلا مبالاة:

"مستعجلة إلى هذا الحد على الطلاق؟ هل هناك رجل آخر في حياتكِ؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حبٌّ يخرج عن السيطرة، وقلبٌ يتوسل البقاء   الفصل 300

    وضعت قدميها على الأرض ونهضت من السرير، وقالت دانية بلباقة: "آه، شكرًا لك."ألقى أدهم عليها نظرة خفيفة وقال: "مصطفى قال إنكِ ترتاحين اليوم في البيت، والعمل يُؤجَّل إلى يوم الاثنين."أومأت دانية برأسها وقالت: "حسنًا، فهمت."قال أدهم: "اذهبي أولًا لتغتسلي، الخالة إلهام أعدّت لكِ الفطور."ردّت دانية: "حسنًا."، ثم أخذت بعض الملابس التي كانت تركتها هنا سابقًا، وتوجّهت إلى الحمّام.أمام المرآة، نظرت دانية إلى الآثار على عنقها وعظمتي الترقوة، وبدت ملامحها ثقيلة.هي في العادة لا تشرب الكحول، لكن مناسبة الأمس فرضت عليها المجاملة قليلًا، حفاظًا على خاطر الزملاء والقادة.ولحسن الحظ، لم يحدث شيء فعلي، وإلا لكان الندم كافيًا ليلاحقها طويلًا.نظرت إلى نفسها في المرآة، ثم أبعدت يدها عن عنقها.كانت ذكريات الليلة الماضية ضبابية، متقطّعة.تذكّرت أن أدهم، في الليلة السابقة، بدا وكأنه ذكر دفتر يومياتها، وكأنه سألها عمّن تحب.ومع هذه الفكرة، تسارع نبض قلبها فجأة.لكنها على الأرجح لم تقل شيئًا.هي تعرف نفسها جيدًا؛ مهما كانت الظروف، لا تُفصح بسهولة عن مشاعرها.ولا سيما إذا كان من يسألها هو أدهم.بعد قليل، اغ

  • حبٌّ يخرج عن السيطرة، وقلبٌ يتوسل البقاء   الفصل 299

    ماذا تظنّ به؟مهما بلغ به الانحطاط، فلن ينحطّ إلى حدّ أن يستغلّ دانية وهي غير واعية لينام معها.إلا إذا كان لا يريد الاستمرار، ولا يريد أي مستقبل على الإطلاق.رمى الهاتف الذي أغلقه على الخزانة، وتراجعت دانية من بين ذراعيه، ونظرت إليه وقالت: "كان اتصال من صفية، أليس كذلك؟ سأذهب لأبحث عنها."ما إن أنهت كلامها حتى جذبها أدهم نحوه، ونظر إليها وسأل: "لماذا تتهرّبين دائمًا؟ هل حتى العناق لم يعد مسموحًا لي؟"رفعت دانية رأسها ونظرت إليه، لكنها لم تعرف ماذا تقول.وحين لم تنطق بشيء، أعاد أدهم احتضانها بخفّة، وأسند ذقنه على كتفها، وقال: "صفية مشغولة الآن، سنذهب لرؤيتها غدًا."طوال الوقت، كانت دانية وصفية متعلّقتين ببعضهما بشدّة، تفعلان كل شيء معًا، حتى دخول الحمّام كانتا تذهبان معًا، وفي طفولتهما جلستا معًا في المرحاض نفسه.وبالمقارنة مع هبة وحورية، كانتا أقرب إلى توأم حقيقي.بعد أن قال ذلك، طبع أدهم قبلة خفيفة على خدّ دانية.حين سمعت كلامه، لم تعد تدفعه بعيدًا، لكنها شعرت أن أدهم اليوم ليس على طبيعته.احتضنها على هذا النحو لبعض الوقت، ثم تنفّس أدهم بخفّة وقال بصوت منخفض: "دانية، أنا متعب في هذه

  • حبٌّ يخرج عن السيطرة، وقلبٌ يتوسل البقاء   الفصل 298

    دفتر يوميات؟نظرت دانية إليه وقالت: "أيّ دفتر يوميات؟"مرّر إبهامه على خدّها برفق، وقال أدهم بصوت منخفض: "دفتر اليوميات الأبيض على الرفّ الثاني في مكتبة غرفتك. من هو الشخص الذي تحبّينه وكتبتِ عنه هناك؟"ذكر أدهم لون دفترها ومكانه بدقّة تامّة، فارتبكت دانية للحظة، ثم انحرفت بنظرها على الفور.رفعت يدها اليمنى وأمسكت بمعصمه، وغيّرت الموضوع قائلة بنبرة هادئة: "سأخرج لأبحث عن صفية."وبينما تقول ذلك، أبعدت يده عن وجهها ونهضت من الأريكة.لم يخطر ببالها أبدًا أن أدهم قد اطّلع على دفترها.وحين همّت بالمغادرة، أمسك أدهم بمعصمها، وشدّه قليلًا ليعيدها إليه.تعثّرت واصطدمت بصدره، فرفعت رأسها ونظرت إليه مجددًا.تلاقى نظرهما، فأمسك أدهم بمؤخرة عنقها، وحدّق في عينيها وقال: "لا تستطيعين إخباري"تجنّبت دانية نظره.كان تعبيرها جادًا، وبدا عليها التفكير العميق. حاولت أكثر من مرة أن تقول شيئًا، لكنها تردّدت في كل مرة، وكأن الكلمات علقت في حلقها.أطرق أدهم بنظره إلى دانية، وتذكّر تلك العبارة: الزواج مظهر، والحب في الأعماق.كانت يده اليمنى تضغط قليلًا على عنقها من الخلف، وهو ينتظر جوابها.تحت ضغط قبضته، قالت

  • حبٌّ يخرج عن السيطرة، وقلبٌ يتوسل البقاء   الفصل 297

    نظر ماهر قيس إلى المشهد، ثم ألقى نظرة على أدهم عبر المرآة الداخلية وسأله: "سيد أدهم، لماذا لا تجلس وتتحدّث مع الآنسة دانية بهدوء؟"رفع أدهم عينيه وقال بهدوء: "وضعها خاص، وأنا كنت قاسيًا معها في السابق."وبما أنه قال ذلك، لم يعد ماهر قيس يتابع الحديث.لكن في هذه اللحظة بالذات، شعر أدهم بالندم.ندم لا يوصف.وهناك أيضًا ذلك الشخص الذي تخبّئه دانية في قلبها… من يكون؟بعد نصف ساعة، توقّفت السيارة في فيلا السدر. حمل أدهم دانية النائمة وصعد بها إلى غرفة النوم في الطابق الثاني.وعندما نزل ليحضر لها ماءً ثم عاد، وجد دانية قد نهضت من السرير وجلست بجدّية على الأريكة.رآها مستيقظة، فشعر أدهم بصداع.خاف.خاف أن يتجدّد الشجار بعد قليل بسبب العودة إلى فيلا السدر.كثرت الخلافات في الآونة الأخيرة، وهو في الحقيقة قد أنهكه الأمر.خفّف خطواته، وحمل كأس الماء واقترب منها، فإذا بها ترفع رأسها وتنظر إليه، وتسأله بصوت جميل: "أدهم، أين نحن؟"ما إن سمع سؤالها حتى تنفّس الصعداء.كانت قد شربت حتى انقطعت ذاكرتها، ولم تعد تميّز بين الماضي والحاضر.اقترب منها، ثم جلس القرفصاء أمامها ووضع الكأس في يدها، وأمسك بيدها ق

  • حبٌّ يخرج عن السيطرة، وقلبٌ يتوسل البقاء   الفصل 296

    عند مدخل الفندق، وبعد أن أوكل مصطفى أمر السيد حاتم إلى رافع، أوكل دانية إلى أدهم قائلًا: "سيد أدهم، أترك دانية بعهدتك لتوصلها إلى المنزل."في هذه اللحظة، لم يكن مصطفى يعلم أن دانية وأدهم قد قدّما طلب الطلاق، بل كان يعرف فقط أنهما زوجان.أمسك أدهم بدانية، التي لم تكن قادرة حتى على الوقوف بثبات، وأسندها إلى صدره، ثم قال: "لا تقلق يا سيد مصطفى، دانية معي."قال مصطفى: "حسنًا. إن لم تكن دانية في حالة جيدة غدًا، فلا حاجة لحضورها إلى الشركة، يمكن تأجيل العمل إلى الأسبوع المقبل."أجاب أدهم: "حسنًا، سأخبرها."ما إن أنهى كلامه حتى قاد ماهر قيس السيارة إلى المكان، وفتح باب المقعد الخلفي، ونادى: "سيد أدهم."دون تردّد، حمل أدهم دانية، التي كانت ثملة لا تعي شيئًا، ووضعها في السيارة.في الحقيقة، ما إن رفعت دانية الكأس الأولى حتى أرسلت رسالة إلى صفية، تطلب منها أن تأتي لتأخذها.وقد ردّت صفية بأنها ستصل في أسرع وقت.لكن حتى بعد انتهاء مأدبة الاحتفال، لم تظهر صفية، فسلّمها مصطفى إلى أدهم...........بعد مغادرة الفندق، انطلقت السيارة بسلاسة.رأى أدهم دانية تهزّ رأسها وهي تغفو، فوضع رأسها على كتفه، ثم انح

  • حبٌّ يخرج عن السيطرة، وقلبٌ يتوسل البقاء   الفصل 295

    "كنت فقط أفكّر في أن أقرّب بينكما قليلًا، وأساعدك على الارتباط في أقرب وقت، فكيف خطر ببالكِ أن تفهمي الأمر على هذا النحو؟"في الحقيقة، لم تكن تخشى فقط ألا تطلّق دانية بأدهم، بل كانت تخشى أكثر أن تتزوّج دانية زواجًا أفضل، وتخشى أن ترتبط فعلًا برافع في المستقبل.لذلك أرادت أن تجد لها شخصًا سريعًا وتدفعها إليه.أمام تظاهر حورية بالبراءة، قالت دانية ببرود: "أنتِ تعرفين جيدًا ما الذي يدور في بالك. لديّ عمل، فلا تزعجيني."ما إن أنهت دانية كلامها حتى وصل أدهم.رأت حورية ذلك، فسارعت بالإمساك بذراع أدهم، وقالت له بنبرة مظلومة: "أدهم."أبعد أدهم يدها بهدوء، ثم نظر إلى دانية وقال بلطف: "تعالي نتناول الغداء معًا."كانت دانية منحنية الرأس تقلّب ملفات العمل بين يديها، ولم ترفع عينيها إليه حتى، وقالت بنبرة هادئة: "لا يزال لديّ عمل، اذهبا أنتما."وما إن انتهت من كلامها حتى جاء شادي مسرعًا وهو يقول: "سيد أدهم، الفندق بدأ بتقديم الطعام، والجميع ينتظرك."عند سماع كلام شادي، سحب أدهم نظره من دانية، ثم توجّه أولًا إلى هناك.في هذه اللحظة، لم يبقَ في المتحف تقريبًا سوى موظفي شركة النجم.لم تذهب دانية مع الج

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status