Share

الفصل 4

Author: الغابة العميقة

ابتسمت حورية أيمن وهي تقف لتحيّيه:

"التقيت للتو بدانية، فدعوتها لنتناول الغداء معًا، لن تمانع، أليس كذلك يا أدهم؟"

رمق أدهم جمال دانية يوسف بنظرة باردة وقال:

"طالما أنتِ مسرورة، فلا بأس."

جلس بجانب حورية أيمن بكل طبيعيّة، وكأن زوجته ليست موجودة أصلًا.

سكبت له الشاي مبتسمة:

"كنتُ أتحدّث مع دانية منذ قليل، قالت إنكما تنويان الطلاق. كنت أفكّر أنه بعد طلاقكما، عليّ أن أقدّم لها شابًا جيدًا، لا يصح أن تضيع معها هذه السنوات بلا مقابل."

كان من المفترض أن يجلس بجوار زوجته، ومع ذلك جلس قرب حورية أيمن بكل أريحية.

أما نظراته لدانية يوسف فكانت دائمًا كمن يتجاوز عقبة في الطريق، يتفاداها فقط.

لم تعد دانية يوسف ترغب في الحساب أو الغيرة؛ فهي لا تملك أصلًا رصيدًا يسمح لها بذلك.

كل ما شعرت به هو الإحراج.

كان ينبغي أن تتوقع أنه طالما ظهرت حورية أيمن في الشركة، فلا بد أن لقاءها به كان مُرتّبًا.

قدّم النادل قائمة الطعام لأدهم جمال، فطلب بعض الأطباق، فذكّرته حورية أيمن:

"أدهم، لا تطلب فقط ما أحبه أنا، اطلب أيضًا ما تحبه دانية."

نظر إلى دانية يوسف وهو يحمل القائمة، وبدا في عينيه أن وجودها زائد عن الحاجة.

وكانت هي نفسها تشعر أنها غريبة على هذه الطاولة، فالتقطت هاتفها بخفية.

وما إن ناولها القائمة، حتى رنّ هاتفها الموضوع على الطاولة.

أسرعت بالرد، وجاءها صوت خديجة السباعي:

"سيدة دانية، وصل السيد نادر من شركة الريادة، يقول إن إجراءات مشروع "المرحلة الثانية" لم تكتمل بعد، والسيد أدهم لم يوقّع، ولا يمكنهم بدء العمل."

قالت دانية يوسف:

"حسنًا، سأعود فورًا."

بعد أن أغلقت الخط، نظرت إلى حورية أيمن قائلة:

"أخت حورية، هناك أمر طارئ في الشركة، سأعود الآن، استمتعا بالطعام."

أمسكت حقيبتها وهاتفها، وغادرت قبل أن يبادراها بأي كلمة.

وما إن خرجت من المطعم حتى شعرت بانقباض صدرها ينفكّ.

حتى السماء فوق رأسها بدت أوسع من ذي قبل.

……

في المطعم، التفتت حورية أيمن إلى أدهم جمال قائلة:

"هل ستُطلّقها فعلًا؟"

ابتسم بسخرية:

"تُصدّقين كل ما تقوله؟"

هي أكثر من يقدّس السلطة والمكانة، وأبعد شخص عن فكرة الطلاق في نظره.

حتى لو أرادت الطلاق جدًّا، فسيكون حسابها دقيقًا، وباب تقسيم الثروة وحده يكفي لتمديد الخلاف طويلًا.

قالت حورية أيمن:

"بدت جادة جدًا في كلامها. أم أنك أنت من تراجع ولا يريد الطلاق بعد الآن؟"

ضحك:

"أنتِ تتوهّمين كثيرًا. هيا، لنتناول الطعام."

ثم غيّر الموضوع:

"كيف حال صحتك الآن؟"

قالت:

"جيدة جدًا، الأخت العزيزة ما زالت ترعاني من السماء وتحنّ عليّ."

……

في مكتب دانية يوسف.

بعد انتهاء اجتماعها مع الشريك، وقفت تُشيّعه مبتسمة:

"لا تقلق يا سيد نادر، سأجعل الرئيس أدهم جمال يوقّع الاتفاقية فورًا، لن نتسبّب لكم بأي تأخير في بدء المشروع."

قال وهو يصافحها:

"أُكلّفك العناء إذًا، سيدة دانية."

"لا عناء في ذلك، كلنا نعمل من أجل مصلحة المشروع."

ثم أضاف مبتسمًا:

"وجد الرئيس أدهم جمال زوجة مثلك تعينه في العمل، ما أجمل حظّه."

ابتسمت وهي تودّعه عند الباب.

بعد مغادرته، جاءت خديجة السباعي تحمل لها الغداء:

"سيدة دانية، كيف كانت نتائج الفحوصات اليوم؟"

فتحت دانية يوسف علبة الطعام وقالت مبتسمة:

"كل شيء طبيعي، لا مشكلة."

قالت خديجة السباعي:

"مع ذلك عليك أن تعتني بنفسك، حتى لو كنتِ صغيرة وتتحملين الآن، إلا أن الجسم يُستنزف مع الوقت."

أجابت:

"أعرف، سأنتبه."

لن تُرهق نفسها طويلًا بعد الآن—هكذا قالت.

لكن ما إن أنهت طعامها حتى غاصت مرة أخرى في العمل.

حلّ المساء، وبقيت تعمل لساعات إضافية كعادتها.

ليست عاشقة للعمل، لكنها حين تعود لا تجد سوى غرفة باردة، فاختارت أن تشغل نفسها بدل أن تشعر بالفراغ.

في تلك الأثناء، كان لدى أدهم جمال مأدبة عمل، وبينما هو على الطاولة يناقش بعض الأمور، رن هاتفه.

كانت يسرى العوضي.

أمسك هاتفه وخرج إلى الممر للرد.

قالت بصوت ممتعض:

"أدهم، هل رأيت الساعة؟ لماذا لم تعد بعد؟ ألا يمكنك أن تهدأ بضعة أيام؟ ألا يمكنك أن تكون زوجًا محترمًا ولو لفترة؟"

أطفأ نصف السيجارة المتبقي في سلة المهملات قربه، وقال بكسل:

"أمي، هل ذهبتِ إلى فيلا السدر؟"

"نعم، أنوي الإقامة هنا فترة. عد فورًا إلى البيت."

ثم أوصت:

"ما زالت دانية تعمل لوقت متأخر، خذها معك حين تعود."

صمت لحظة، ثم قال بلا اكتراث واضح:

"حسنًا، فهمت."

وبعد أن أنهت المكالمة، فرك صدغيه وكأن رأسه يؤلمه.

ثم أخذ هاتفه وبدأ يقلب في جهات الاتصال.

بحث طويلًا… ولم يجد رقم دانية يوسف.

لم يحفظه أصلًا.

وبات لا يتذكر الرقم كاملًا.

وبما أن الطريق إلى المنزل يمرّ من أمام الشركة، فقد قرّر ألّا يتّصل، بل يتوجه مباشرة إلى هناك.

……

في تلك الأثناء، كانت دانية يوسف لا تزال تعمل.

تجاوزت الساعة التاسعة، وبالنسبة لها ما زال "الدوام الليلي" في بدايته.

لم تكن منشغلة بأعمال جديدة، بل كانت تنظّم ملفات تسليم الأعمال.

فما دامت ستطلّق، فلن تبقى في منصبها.

ومنذ أن تُدير هذا الكم من المشاريع، فلا بد أن تُعدّ كل شيء مسبقًا.

غادر معظم الموظفين، ولم يبق سوى عدد قليل من المكاتب المضيئة.

المبنى كله هادئ، وقد اعتادت منذ زمن هذه العزلة.

انهمكت في الكتابة على لوحة المفاتيح وهي تُحدّق في الشاشة، حتى سمعت طرقًا على الباب.

قالت بهدوء:

"تفضل."

انفتح الباب، فرفعت رأسها لترى أدهم جمال.

تجمّدت للحظة، ثم قالت:

"لم تنتهِ من عملك بعد؟"

وقفت بسرعة، والتقطت ملفًا من على مكتبها، وتقدّمت نحوه قائلة:

"سيبدأ مشروع التعاون مع شركة الريادة قريبًا، لكن لم تكتمل إجراءات الاتفاقية. ذهبت إلى مكتبك مرتين بعد الظهر ولم أجدك.

هل يمكنك التوقيع الآن؟"

نظر إليها برهة، ثم أخذ الاتفاقية وبدأ يراجعها.

لم تعد تخاطبه إلا في العمل منذ زمن، ولا تفتح أي موضوع آخر.

لم يجد في العقد ما يستدعي المناقشة، فأخذ قلم التوقيع من فوق مكتبها، وانحنى ليوقّع اسمه تحت مواضع الطرف الأول.

استلمت منه الأوراق، وتفحّصتها سريعًا، ثم قالت بنبرة رسمية:

"أنا الآن أتابع هذا المشروع فقط، وبعدها سأسلّم مهامي لماهر قيس.

حين أنتهي من تنظيم كل ملفات التسليم، سأقدّم استقالتي لك ولأعضاء مجلس الإدارة."

ثم أضافت:

"أعددت أيضًا اتفاقية سرية، بعد خروجي من الشركة لن أعمل في أي مجال منافس، وسأحافظ على سرية جميع معلومات مجموعة الصفوة. إذا كان هناك أي بنود أخرى يجب إضافتها، سأعدّها خلال الأيام المقبلة."

لم تكن متخرّجة من المالية أو الإدارة، بل من قسم الروبوتات الصناعية في تخصص الأتمتة، مع مساقات في التحكم الذكي.

دخلت جامعة الكاظمي وهي في السادسة عشرة، محققة أعلى معدل في دفعتها، وكانت فخر أساتذتها.

في المرحلة الإعدادية كانت قادرة على تصميم نماذج روبوتات بنفسها، وشاركت في مسابقات كثيرة، ونالت جوائز وبراءات اختراع.

في سنتها الرابعة، حصلت على عروض دراسة عليا من جامعة الكاظمي ومن جامعتين محليتين، وحتى عدة جامعات أجنبية قدّمت لها دعوات لمتابعة الدراسة لديها.

لكنها رفضت كل شيء… من أجل أدهم جمال.

كانت تنوي العودة إلى مجالها الأصلي بعد الطلاق ومتابعة دراستها.

كانت تفضّل التعامل مع الروبوتات والتكنولوجيا المتقدمة، لا مع مناصب الإدارة، ولا مع الاجتماعات والابتسامات المصطنعة.

لم تكن في هيئة زوجة وهي تتحدث معه الآن، بل في هيئة موظفة تخاطب مديرها.

نظر إليها بوجه بلا تعبير، وشعر فجأة وكأن شخصًا آخر يقف أمامه.

لم تعد تلك الفتاة التي تحوم حوله، ولا تلك التي تحاول إرضاءه دومًا.

لم يُعلّق على كل ما قالته، بل اكتفى بأن يقول ببرود:

"أمي في فيلا السدر الآن، لِنعد أولًا ثم نتحدث لاحقًا."

كانت تريد أن تُكمل الحديث، لكن ما إن سمعت كلماته حتى اكتفت بـ:

"حسنًا."

ووضعت الملف من يدها ببطء:

"سأرتّب أغراضي وألحق بك."

أغلقت الكمبيوتر، جمعت الأوراق في الدرج، ثم لاحظت أنه لم يغادر بعد، فاستغربت.

لم تتوقع أن ينتظرها.

رفعت رأسها إليه، فرآه يستدير نحو الباب.

التقطت هاتفها وحقيبتها ولحقت به حين خرج.

كان يقف ويداه في جيبي بنطاله كعادته في المصعد، بينما وقفت هي إلى جانبه تحدّق في باب المصعد.

انعكست صورتهما على الباب المعدني مشوّهة… وكأنهما غريبان تمامًا.

توقفت سيارة المايباخ السوداء أمام بوابة الشركة في الطابق الأول.

اقتربا منها، ففتحت دانية يوسف باب المقعد الخلفي.

أما هو ففتح باب السائق.

جلوسها في المقعد الخلفي لم يكن صدفة؛ فقبل سنوات، في بداية زواجهما، طلبت منها الجدة أن تصحبه إلى البيت القديم لتناول العشاء.

وحين فتحت باب المقعد الأمامي لتجلس بجواره، قفل الباب في وجهها.

وقضت الطريق كلها في حرج قاتل.

ومنذ ذلك اليوم، لم تركب سيارته مجددًا.

أما الليلة… فهي مجرّد صدفة أخرى.

ما إن تحركت السيارة، حتى شبكت ذراعيها أمام صدرها، وأمسكت الهاتف بيدها الأخرى تقرأ الأخبار.

لم تنظر إليه، ولم تبادر بأي حديث.

صمت تام.

كانت في الماضي ترغب في مشاركته عن كل تفاصيل حياتها، وتودّ أن يكون أوّل من يسمع أخبارها، لكن منذ أن أدركت أنه يرفض الرد على مكالماتها عمدًا ويتجاهل رسائلها، تعلمت الصمت.

وهو كذلك لم يفتح أي موضوع، فبقي الصمت يملأ السيارة حتى وصلا إلى الفيلا ودخلا المنزل.

تغيّر الجو هناك فقط، عندما جاءت يسرى العوضي بابتسامة واسعة:

"دانية، عدتِ! أعددت لكِ حساءً ساخنًا، تعالي واشربي بعضه."

"حسنًا، أمي."

استقبلت كنّتها بحرارة، وتجاهلت ابنها تقريبًا.

أما هو فذهب مباشرة إلى غرفة الطعام، وجلس دون تكلّف.

بدأت الخادمات بإحضار الأطباق إلى الطاولة.

جلست يسرى العوضي بجوار دانية يوسف وقالت:

"دانية، أنوي البقاء في الفيلا لعدة أيام، لا مشكلة لديكِ، أليس كذلك؟"

أمسكت دانية يوسف بالإناء، ثم نظرت إليها بسرعة قائلة:

"بالطبع لا مشكلة. ابقي ما شئتِ من الوقت يا أمي."

حالما سمعت موافقتها، انفرجت أسارير يسرى العوضي.

ثم نظرت إلى أدهم جمال، الذي لم يكن يبدو سعيدًا، وقالت له:

"لا تنظر إليّ بهذه الطريقة، حتى لو لم يعجبك الأمر."

ثم أضافت بلهجة حازمة:

"من الآن فصاعدًا، انتهِ من عملك وعد إلى البيت لتناول العشاء كل ليلة. لا تبقَ خارجًا طوال الوقت."

كانت تقول إنها ستقيم هنا فترة… لكنها في الحقيقة جاءت لمراقبته.

بل وقد عقدت النية على البقاء حتى تحمل دانية يوسف.

كانت واثقة أنها قادرة على التعامل مع حورية أيمن.

رفع هو رأسه بلا مبالاة وقال ببرود:

"ومن سيجني المال إذًا؟ أنتِ لن تنفقي بعد اليوم؟"

ردت:

"ومن هذا الذي يخرج آخر الليل ليجني المال؟ لا تتحجّج، عد إلى البيت مثل أي شخص طبيعي."

كانت حازمة إلى درجة أنه لم يجد فائدة من مجادلتها.

ففي النهاية، ما إن يخرج من هذا الباب حتى يعود حرًّا كما يشاء.

نظرت دانية يوسف إليه وهي تفكّر:

ما دام الطلاق لم يتم، فلن تكون حياته سهلة.

جلس الثلاثة قليلًا في الطابق السفلي بعد العشاء، ثم طلبت يسرى العوضي من "الزوجين الشابين" الصعود للراحة، ورافقتهما بنفسها حتى باب غرفتهما، قبل أن تعود أدراجها.

ما إن أُغلق الباب، خلع أدهم جمال سترته ورماها على الأريكة، ولفّ كمّي قميصه.

بشرته بيضاء، وعروق ذراعه الزرقاء تمتد من ظاهر يده نحو الأعلى.

في تلك اللحظة، رنّ هاتفه.

لم يردّ فورًا، بل أخذ سيجارة وأشعلها، ثم اتجه نحو النافذة الطويلة وهو يحمل الهاتف.

نفث الدخان ببطء، ثم أجاب:

"جاءت أمي، لن أستطيع المجيء الليلة."

جاءه الصوت من الطرف الآخر:

"حسنًا، عدّ باكرًا للراحة إذًا."

"حسنًا، فهمت."

"حسنًا."

كان صوته لطيفًا ورقيقًا، نبرة لم يسمعها أحد منه… سوى الطرف الآخر.

أما دانية يوسف، فما عرفته يومًا بهذه الطريقة.

لم يُحاول حتى أن يخفي الموضوع عنها، بل أنهى المكالمة وعاد إلى الطاولة ليطفئ السيجارة وكأن شيئًا لم يحدث.

كانت رائحة الدخان تعبق في المكان، ودانية يوسف في وضعٍ لا تُحسد عليه—إن بقيت تشعر بالحرج، وإن خرجت تخشى أن تكتشفها يسرى العوضي.

فهي ليست سهلة الخداع مثل الخالة إلهام.

أما هو فتابع حياته كالمعتاد؛

سيجارة، مكالمة، ثم فتح الكمبيوتر ليشغل نفسه.

وجدت دانية يوسف أنها لا تستطيع البقاء في هذا الوضع المعلق، فاستجمعت شجاعتها وقالت:

"تقول الأخبار إن الطلاق الآن لا يحتاج إلى دفتر القيد العائلي. ما رأيك أن نذهب لإنهاء الإجراءات، وبعدها نخبر والديك ووالديّ؟"

صدرت السياسة الجديدة مؤخرًا.

وما إن قرأت الخبر حتى شعرت وكأن جبلًا أزيح عن صدرها.

فهذا يعني أن الأمر لم يعد بيد العائلتين، بل بقرارهما وحدهما.

رفع أدهم جمال عينيه ونظر إليها.

حدّق فيها برهة، ثم ابتسم ساخرًا وسأل بلا مبالاة:

"مستعجلة إلى هذا الحد على الطلاق؟ هل هناك رجل آخر في حياتكِ؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حبٌّ يخرج عن السيطرة، وقلبٌ يتوسل البقاء   الفصل 720

    أصبحت صفية الآن مذهلة حقًا.ظل صوت ضحكاتهما يتردد داخل الفناء وخارجه، حتى أوشكت الشمس على المغيب، وحتى قاربتا على إنهاء كل الحلويات التي طلبتها صفية، عندها انتهى أدهم من عمله وجاء إليهما.ثم أعادهما بالسيارة إلى البيت القديم لتناول العشاء، وبعد أن جلست دانية لبعض الوقت تتحدث مع الجدة، اصطحبها أدهم عائدًا إلى شقتها.كانت يسرى ترغب في أن تبقى دانية في البيت القديم الليلة، لكنها خافت أن يضعها ذلك في موقف محرج، لذلك لم تقل شيئًا.في طريق العودة، كان أدهم يمسك المقود بكلتا يديه، وعندما التفت نحو دانية الجالسة بجانبه، وجدها قد غرقت في النوم.فهي لم تنم ظهرًا اليوم، لذلك شعرت بالنعاس مباشرة بعد العشاء.رفع يده اليمنى عن المقود، وزاد درجة حرارة السيارة قليلًا، ثم وضع معطفه فوقها، وبعدها أمسك يدها برفق.ورغم أنهما كانا يكتفيان بقيادة السيارة بصمت، ودون أي حديث بينهما، فإن أدهم كان يشعر براحة ورضا كبيرين.وكأنه امتلك العالم كله.وبعد نصف ساعة، توقفت السيارة أسفل مبنى شقة دانية.ولأنها كانت لا تزال نائمة، لم يوقظها، بل اكتفى بالإمساك بيدها والتحديق إليها بوجه مليء بالرضا.ظل ممسكًا بيدها اليمنى ق

  • حبٌّ يخرج عن السيطرة، وقلبٌ يتوسل البقاء   الفصل 719

    كان الطقس اليوم جميلًا على نحو خاص، وكانت أشعة الشمس مشرقة للغاية.جلستا الاثنتان تحت عريشة العنب في الفناء، وقد طلبت صفية فواكه وحلويات ومكسرات عبر خدمة التوصيل.وبينما كانتا تستمتعان بأشعة الشمس وتتناولان الحلوى، رأت صفية أن دانية بدت في حيرة شديدة، فقالت: "أخي أربك قلبكِ، أليس كذلك؟ والآن لم تعودي تعرفين ماذا تفعلين."فقد نشأتا معًا منذ الصغر، ولذلك استطاعت صفية أن ترى هموم دانية الصغيرة من نظرة واحدة.عندما سمعت دانية سؤال صفية، نظرت إليها وقالت: "نعم، بالفعل، خلال اليومين الماضيين أصبحت مشاعري مضطربة، وأشعر وكأن كل ما حدث في الماضي كان في حياة سابقة. ولا أعرف إن كان يجب عليّ أن أترك الماضي خلفي، وأن أثق بأخيك مرة أخرى، وأصدق أنه كان فقط شابًا مغرورًا في ذلك الوقت."ثم التفتت إليها وأضافت: "لذلك… أنا فعلاً محتارة."لم تكن دانية تخفي شيئًا عن صفية.وصراحتها جعلت صفية تضحك فورًا.ثم قالت: "أنتِ ما زلتِ صغيرة، فلماذا تتصرفين وكأنكِ عجوز؟ أنتِ في الخامسة والعشرين فقط، ولستِ في الخامسة والثلاثين أو الخامسة والأربعين، لذلك لا تفكري كثيرًا، ولا تقيدي نفسكِ، ولا تحمّلي نفسكِ كل هذه الأعباء

  • حبٌّ يخرج عن السيطرة، وقلبٌ يتوسل البقاء   الفصل 718

    عندما وصلت إلى هذا الحد من الكلام، لم ترغب دانية في متابعة الموضوع، فقالت: "سأدخل لأبدّل ملابسي أولًا، ما زال علينا الذهاب إلى البيت القديم لتناول الغداء."قال أدهم: "حسنًا، اذهبي."راقبها وهي تعود إلى غرفة النوم، وفي الحقيقة كان قد فهم بالفعل.فهم أن دانية تهتم به كثيرًا، وتهتم خصوصًا بكرامته.ابتسم بهدوء، وشعر أن قيامه بكل تلك الأعمال المنزلية كان يستحق العناء.وبعد فترة قصيرة، خرجت دانية بعد أن بدّلت ملابسها ورتبت نفسها، فأمسك أدهم بيدها ونزلا معًا.كانت تسير بجانبه بشكل طبيعي، بينما يمسك يدها، دون أن تدرك أنها نسيت تناول حبوب منع الحمل.فمنذ الصباح الباكر، كان أدهم قد أربك إيقاعها بالكامل.لكنها لم تستطع إنكار أنها كلما بقيت معه، شعرت بإحساس قوي بالانتماء.وعندما وصلا إلى البيت القديم، كان الجد والجدة قد أتيا من الحديقة الخلفية، وحتى جمال ربيع حضر اليوم.باستثناء الأخ الأكبر، كان الجميع موجودين.وكان المنزل يعج بالحيوية.وبعد أن انشغلت يسرى في المطبخ لفترة، خرجت مبتسمة ونظرت إلى دانية قائلة: "دانية، ستقضين عيد رأس السنة هذا العام في مدينة الصفاء، أليس كذلك؟ بما أن الأمر كذلك، فلنجع

  • حبٌّ يخرج عن السيطرة، وقلبٌ يتوسل البقاء   الفصل 717

    منذ عودتها، كانت دانية ترى كل ما يفعله أدهم بعينيها.فلو أنها في البداية ظنت أنه يحاول فقط أن يشعر بالراحة تجاه نفسه ويخفف من شعوره بالذنب، فإن كل ما حدث بينهما خلال هذه الفترة الطويلة، وكل تصرفاته معها، جعلها تدرك بوضوح أن الأمر لم يعد مجرد شعور بالذنب.لقد كان يريد حقًا أن يكون معها، ويريد حقًا أن يعيش معها علاقة حقيقية.عندما سمع مزحتها وهي بين النوم واليقظة، التفت إليها أدهم مبتسمًا وقال: "هل فكرتِ بالأمر أخيرًا؟"وصل صوته من فوق رأسها، فاستعادت دانية وعيها بالكامل.أبعدت وجهها عن ظهره، ثم سحبت يديها من حول خصره، ورفعت رأسها نحوه قائلة: "اطبخ الشوربة، سأذهب لأغسل وجهي."ثم تثاءبت واستدارت عائدة إلى غرفة النوم.راقب أدهم ظهرها وهي تبتعد، ثم ابتسم وقال: "يا لكِ من مشاكسة… منذ الصباح وأنتِ تمازحينني."في الحقيقة، عندما عانقته دانية قبل قليل، ظن حقًا أنها تأثرت به أخيرًا، وظن أنها حسمت أمرها.لكن يبدو أنها ما زالت لم تفعل.أما دانية، فبعد أن عادت إلى غرفة النوم، اختفى عنها النعاس تمامًا.وعندما تذكرت منظر أدهم وهو مشغول في المطبخ، توقفت خطواتها فجأة.حدقت طويلًا في الطاولة الصغيرة بجان

  • حبٌّ يخرج عن السيطرة، وقلبٌ يتوسل البقاء   الفصل 716

    عند سماع كلام أدهم، أدركت دانية فجأة أن الواقي قد نفد من المنزل، وأنه هذه المرة أيضًا لم يستخدم شيئًا.ومع شعورها بأنفاسه الدافئة قرب أذنها، استدارت لتنظر إليه بعينيها الصافيتين وسألته: "أدهم، هل ترغب فعلًا بأن تصبح أبًا إلى هذه الدرجة؟"وعندما التفتت نحوه، رفع يده وربّت على وجهها برفق وقال مبتسمًا: "ليس لأنني أرغب بشدة في أن أصبح أبًا، بل لأن الشخص الذي أريد أن أكون معه هو أنتِ."منذ طفولته، لم يكن أدهم يحب الأطفال كثيرًا.باستثناء دانية.فقد كانت دائمًا هادئة، مطيعة، جميلة ونظيفة المظهر.وبعد أن كبر، أصبح يكره الأطفال أكثر، إذ كان يجدهم مزعجين وصاخبين للغاية.لكن لأنه يحب دانية، ويريد أن يكون معها، فقد أراد منزلًا صغيرًا يخصهما وحدهما، وأراد طفلًا يجمعهما.وعندما قال إن السبب هو لأنها هي، ظلت دانية تنظر إليه بصمت.تبادلا النظرات طويلًا، ثم قالت أخيرًا: "لقد تأخر الوقت، لننم الآن."أما موضوع الأطفال، فلم تكن قد فكرت فيه، على الأقل ليس الآن.شعر أدهم بالتغير الطفيف في مشاعرها، فضمها إليه أكثر، ثم طبع قبلة خفيفة على جبينها وقال: "حسنًا."أسندت دانية جبينها إلى صدره برفق، وأغمضت عينيها،

  • حبٌّ يخرج عن السيطرة، وقلبٌ يتوسل البقاء   الفصل 715

    رغم أن دانية عقدت حاجبيها، فإن صوتها ظل لطيفًا، ولم يكن هناك أي أثر لغضب حقيقي.أخذ أدهم الكتاب من يدها وقال: "كل يوم إما تعملين أو تقرئين، متى ستنظرين إليّ بجدية ولو قليلًا؟"وأثناء حديثه، وضع الكتاب جانبًا بشكل طبيعي.كانت نبرته هادئة، وبينما كانت دانية جالسة فوق ساقيه، وقعت عيناها على الجرح عند جبهته، فرفعت يدها تلمسه دون وعي.وعندما رآها تفعل ذلك، أمسك يدها برفق وهو يبتسم وقال: "هل شعرتِ بالشفقة عليّ؟"سحبت يدها من بين يديه، ثم أمسكت أذنه بخفة وقالت ردًا على كلامه السابق: "أنت لست زهرة حتى أبقى أحدق بك طوال الوقت."قبل عودتها إلى مدينة الصفاء، لم تجرؤ دانية يومًا على تخيل أن يأتي يوم تجلس فيه مع أدهم بهذه الطريقة، بل إنها في الماضي لم تجلس حتى على ساقيه من قبل، أما الآن فأصبحت تجلس هكذا وتتحدث معه بكل قرب.كانت المسافة بينهما قريبة جدًا، ومع رائحة دانية الخفيفة، قال أدهم: "إذًا ما زلتِ لا تحبينني؟"وبينما كان يحاول التمادي معها قليلًا، شدّت دانية أذنه وقالت: "يكفي يا أدهم، لقد سمحت لك بالبقاء هنا، فلا تكن طماعًا."وما إن أنهت كلامها حتى احتضنها، ثم استدار بها لتصبح بين ذراعيه، وشبك

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status