Share

الفصل 4

Author: الغابة العميقة

ابتسمت حورية أيمن وهي تقف لتحيّيه:

"التقيت للتو بدانية، فدعوتها لنتناول الغداء معًا، لن تمانع، أليس كذلك يا أدهم؟"

رمق أدهم جمال دانية يوسف بنظرة باردة وقال:

"طالما أنتِ مسرورة، فلا بأس."

جلس بجانب حورية أيمن بكل طبيعيّة، وكأن زوجته ليست موجودة أصلًا.

سكبت له الشاي مبتسمة:

"كنتُ أتحدّث مع دانية منذ قليل، قالت إنكما تنويان الطلاق. كنت أفكّر أنه بعد طلاقكما، عليّ أن أقدّم لها شابًا جيدًا، لا يصح أن تضيع معها هذه السنوات بلا مقابل."

كان من المفترض أن يجلس بجوار زوجته، ومع ذلك جلس قرب حورية أيمن بكل أريحية.

أما نظراته لدانية يوسف فكانت دائمًا كمن يتجاوز عقبة في الطريق، يتفاداها فقط.

لم تعد دانية يوسف ترغب في الحساب أو الغيرة؛ فهي لا تملك أصلًا رصيدًا يسمح لها بذلك.

كل ما شعرت به هو الإحراج.

كان ينبغي أن تتوقع أنه طالما ظهرت حورية أيمن في الشركة، فلا بد أن لقاءها به كان مُرتّبًا.

قدّم النادل قائمة الطعام لأدهم جمال، فطلب بعض الأطباق، فذكّرته حورية أيمن:

"أدهم، لا تطلب فقط ما أحبه أنا، اطلب أيضًا ما تحبه دانية."

نظر إلى دانية يوسف وهو يحمل القائمة، وبدا في عينيه أن وجودها زائد عن الحاجة.

وكانت هي نفسها تشعر أنها غريبة على هذه الطاولة، فالتقطت هاتفها بخفية.

وما إن ناولها القائمة، حتى رنّ هاتفها الموضوع على الطاولة.

أسرعت بالرد، وجاءها صوت خديجة السباعي:

"سيدة دانية، وصل السيد نادر من شركة الريادة، يقول إن إجراءات مشروع "المرحلة الثانية" لم تكتمل بعد، والسيد أدهم لم يوقّع، ولا يمكنهم بدء العمل."

قالت دانية يوسف:

"حسنًا، سأعود فورًا."

بعد أن أغلقت الخط، نظرت إلى حورية أيمن قائلة:

"أخت حورية، هناك أمر طارئ في الشركة، سأعود الآن، استمتعا بالطعام."

أمسكت حقيبتها وهاتفها، وغادرت قبل أن يبادراها بأي كلمة.

وما إن خرجت من المطعم حتى شعرت بانقباض صدرها ينفكّ.

حتى السماء فوق رأسها بدت أوسع من ذي قبل.

……

في المطعم، التفتت حورية أيمن إلى أدهم جمال قائلة:

"هل ستُطلّقها فعلًا؟"

ابتسم بسخرية:

"تُصدّقين كل ما تقوله؟"

هي أكثر من يقدّس السلطة والمكانة، وأبعد شخص عن فكرة الطلاق في نظره.

حتى لو أرادت الطلاق جدًّا، فسيكون حسابها دقيقًا، وباب تقسيم الثروة وحده يكفي لتمديد الخلاف طويلًا.

قالت حورية أيمن:

"بدت جادة جدًا في كلامها. أم أنك أنت من تراجع ولا يريد الطلاق بعد الآن؟"

ضحك:

"أنتِ تتوهّمين كثيرًا. هيا، لنتناول الطعام."

ثم غيّر الموضوع:

"كيف حال صحتك الآن؟"

قالت:

"جيدة جدًا، الأخت العزيزة ما زالت ترعاني من السماء وتحنّ عليّ."

……

في مكتب دانية يوسف.

بعد انتهاء اجتماعها مع الشريك، وقفت تُشيّعه مبتسمة:

"لا تقلق يا سيد نادر، سأجعل الرئيس أدهم جمال يوقّع الاتفاقية فورًا، لن نتسبّب لكم بأي تأخير في بدء المشروع."

قال وهو يصافحها:

"أُكلّفك العناء إذًا، سيدة دانية."

"لا عناء في ذلك، كلنا نعمل من أجل مصلحة المشروع."

ثم أضاف مبتسمًا:

"وجد الرئيس أدهم جمال زوجة مثلك تعينه في العمل، ما أجمل حظّه."

ابتسمت وهي تودّعه عند الباب.

بعد مغادرته، جاءت خديجة السباعي تحمل لها الغداء:

"سيدة دانية، كيف كانت نتائج الفحوصات اليوم؟"

فتحت دانية يوسف علبة الطعام وقالت مبتسمة:

"كل شيء طبيعي، لا مشكلة."

قالت خديجة السباعي:

"مع ذلك عليك أن تعتني بنفسك، حتى لو كنتِ صغيرة وتتحملين الآن، إلا أن الجسم يُستنزف مع الوقت."

أجابت:

"أعرف، سأنتبه."

لن تُرهق نفسها طويلًا بعد الآن—هكذا قالت.

لكن ما إن أنهت طعامها حتى غاصت مرة أخرى في العمل.

حلّ المساء، وبقيت تعمل لساعات إضافية كعادتها.

ليست عاشقة للعمل، لكنها حين تعود لا تجد سوى غرفة باردة، فاختارت أن تشغل نفسها بدل أن تشعر بالفراغ.

في تلك الأثناء، كان لدى أدهم جمال مأدبة عمل، وبينما هو على الطاولة يناقش بعض الأمور، رن هاتفه.

كانت يسرى العوضي.

أمسك هاتفه وخرج إلى الممر للرد.

قالت بصوت ممتعض:

"أدهم، هل رأيت الساعة؟ لماذا لم تعد بعد؟ ألا يمكنك أن تهدأ بضعة أيام؟ ألا يمكنك أن تكون زوجًا محترمًا ولو لفترة؟"

أطفأ نصف السيجارة المتبقي في سلة المهملات قربه، وقال بكسل:

"أمي، هل ذهبتِ إلى فيلا السدر؟"

"نعم، أنوي الإقامة هنا فترة. عد فورًا إلى البيت."

ثم أوصت:

"ما زالت دانية تعمل لوقت متأخر، خذها معك حين تعود."

صمت لحظة، ثم قال بلا اكتراث واضح:

"حسنًا، فهمت."

وبعد أن أنهت المكالمة، فرك صدغيه وكأن رأسه يؤلمه.

ثم أخذ هاتفه وبدأ يقلب في جهات الاتصال.

بحث طويلًا… ولم يجد رقم دانية يوسف.

لم يحفظه أصلًا.

وبات لا يتذكر الرقم كاملًا.

وبما أن الطريق إلى المنزل يمرّ من أمام الشركة، فقد قرّر ألّا يتّصل، بل يتوجه مباشرة إلى هناك.

……

في تلك الأثناء، كانت دانية يوسف لا تزال تعمل.

تجاوزت الساعة التاسعة، وبالنسبة لها ما زال "الدوام الليلي" في بدايته.

لم تكن منشغلة بأعمال جديدة، بل كانت تنظّم ملفات تسليم الأعمال.

فما دامت ستطلّق، فلن تبقى في منصبها.

ومنذ أن تُدير هذا الكم من المشاريع، فلا بد أن تُعدّ كل شيء مسبقًا.

غادر معظم الموظفين، ولم يبق سوى عدد قليل من المكاتب المضيئة.

المبنى كله هادئ، وقد اعتادت منذ زمن هذه العزلة.

انهمكت في الكتابة على لوحة المفاتيح وهي تُحدّق في الشاشة، حتى سمعت طرقًا على الباب.

قالت بهدوء:

"تفضل."

انفتح الباب، فرفعت رأسها لترى أدهم جمال.

تجمّدت للحظة، ثم قالت:

"لم تنتهِ من عملك بعد؟"

وقفت بسرعة، والتقطت ملفًا من على مكتبها، وتقدّمت نحوه قائلة:

"سيبدأ مشروع التعاون مع شركة الريادة قريبًا، لكن لم تكتمل إجراءات الاتفاقية. ذهبت إلى مكتبك مرتين بعد الظهر ولم أجدك.

هل يمكنك التوقيع الآن؟"

نظر إليها برهة، ثم أخذ الاتفاقية وبدأ يراجعها.

لم تعد تخاطبه إلا في العمل منذ زمن، ولا تفتح أي موضوع آخر.

لم يجد في العقد ما يستدعي المناقشة، فأخذ قلم التوقيع من فوق مكتبها، وانحنى ليوقّع اسمه تحت مواضع الطرف الأول.

استلمت منه الأوراق، وتفحّصتها سريعًا، ثم قالت بنبرة رسمية:

"أنا الآن أتابع هذا المشروع فقط، وبعدها سأسلّم مهامي لماهر قيس.

حين أنتهي من تنظيم كل ملفات التسليم، سأقدّم استقالتي لك ولأعضاء مجلس الإدارة."

ثم أضافت:

"أعددت أيضًا اتفاقية سرية، بعد خروجي من الشركة لن أعمل في أي مجال منافس، وسأحافظ على سرية جميع معلومات مجموعة الصفوة. إذا كان هناك أي بنود أخرى يجب إضافتها، سأعدّها خلال الأيام المقبلة."

لم تكن متخرّجة من المالية أو الإدارة، بل من قسم الروبوتات الصناعية في تخصص الأتمتة، مع مساقات في التحكم الذكي.

دخلت جامعة الكاظمي وهي في السادسة عشرة، محققة أعلى معدل في دفعتها، وكانت فخر أساتذتها.

في المرحلة الإعدادية كانت قادرة على تصميم نماذج روبوتات بنفسها، وشاركت في مسابقات كثيرة، ونالت جوائز وبراءات اختراع.

في سنتها الرابعة، حصلت على عروض دراسة عليا من جامعة الكاظمي ومن جامعتين محليتين، وحتى عدة جامعات أجنبية قدّمت لها دعوات لمتابعة الدراسة لديها.

لكنها رفضت كل شيء… من أجل أدهم جمال.

كانت تنوي العودة إلى مجالها الأصلي بعد الطلاق ومتابعة دراستها.

كانت تفضّل التعامل مع الروبوتات والتكنولوجيا المتقدمة، لا مع مناصب الإدارة، ولا مع الاجتماعات والابتسامات المصطنعة.

لم تكن في هيئة زوجة وهي تتحدث معه الآن، بل في هيئة موظفة تخاطب مديرها.

نظر إليها بوجه بلا تعبير، وشعر فجأة وكأن شخصًا آخر يقف أمامه.

لم تعد تلك الفتاة التي تحوم حوله، ولا تلك التي تحاول إرضاءه دومًا.

لم يُعلّق على كل ما قالته، بل اكتفى بأن يقول ببرود:

"أمي في فيلا السدر الآن، لِنعد أولًا ثم نتحدث لاحقًا."

كانت تريد أن تُكمل الحديث، لكن ما إن سمعت كلماته حتى اكتفت بـ:

"حسنًا."

ووضعت الملف من يدها ببطء:

"سأرتّب أغراضي وألحق بك."

أغلقت الكمبيوتر، جمعت الأوراق في الدرج، ثم لاحظت أنه لم يغادر بعد، فاستغربت.

لم تتوقع أن ينتظرها.

رفعت رأسها إليه، فرآه يستدير نحو الباب.

التقطت هاتفها وحقيبتها ولحقت به حين خرج.

كان يقف ويداه في جيبي بنطاله كعادته في المصعد، بينما وقفت هي إلى جانبه تحدّق في باب المصعد.

انعكست صورتهما على الباب المعدني مشوّهة… وكأنهما غريبان تمامًا.

توقفت سيارة المايباخ السوداء أمام بوابة الشركة في الطابق الأول.

اقتربا منها، ففتحت دانية يوسف باب المقعد الخلفي.

أما هو ففتح باب السائق.

جلوسها في المقعد الخلفي لم يكن صدفة؛ فقبل سنوات، في بداية زواجهما، طلبت منها الجدة أن تصحبه إلى البيت القديم لتناول العشاء.

وحين فتحت باب المقعد الأمامي لتجلس بجواره، قفل الباب في وجهها.

وقضت الطريق كلها في حرج قاتل.

ومنذ ذلك اليوم، لم تركب سيارته مجددًا.

أما الليلة… فهي مجرّد صدفة أخرى.

ما إن تحركت السيارة، حتى شبكت ذراعيها أمام صدرها، وأمسكت الهاتف بيدها الأخرى تقرأ الأخبار.

لم تنظر إليه، ولم تبادر بأي حديث.

صمت تام.

كانت في الماضي ترغب في مشاركته عن كل تفاصيل حياتها، وتودّ أن يكون أوّل من يسمع أخبارها، لكن منذ أن أدركت أنه يرفض الرد على مكالماتها عمدًا ويتجاهل رسائلها، تعلمت الصمت.

وهو كذلك لم يفتح أي موضوع، فبقي الصمت يملأ السيارة حتى وصلا إلى الفيلا ودخلا المنزل.

تغيّر الجو هناك فقط، عندما جاءت يسرى العوضي بابتسامة واسعة:

"دانية، عدتِ! أعددت لكِ حساءً ساخنًا، تعالي واشربي بعضه."

"حسنًا، أمي."

استقبلت كنّتها بحرارة، وتجاهلت ابنها تقريبًا.

أما هو فذهب مباشرة إلى غرفة الطعام، وجلس دون تكلّف.

بدأت الخادمات بإحضار الأطباق إلى الطاولة.

جلست يسرى العوضي بجوار دانية يوسف وقالت:

"دانية، أنوي البقاء في الفيلا لعدة أيام، لا مشكلة لديكِ، أليس كذلك؟"

أمسكت دانية يوسف بالإناء، ثم نظرت إليها بسرعة قائلة:

"بالطبع لا مشكلة. ابقي ما شئتِ من الوقت يا أمي."

حالما سمعت موافقتها، انفرجت أسارير يسرى العوضي.

ثم نظرت إلى أدهم جمال، الذي لم يكن يبدو سعيدًا، وقالت له:

"لا تنظر إليّ بهذه الطريقة، حتى لو لم يعجبك الأمر."

ثم أضافت بلهجة حازمة:

"من الآن فصاعدًا، انتهِ من عملك وعد إلى البيت لتناول العشاء كل ليلة. لا تبقَ خارجًا طوال الوقت."

كانت تقول إنها ستقيم هنا فترة… لكنها في الحقيقة جاءت لمراقبته.

بل وقد عقدت النية على البقاء حتى تحمل دانية يوسف.

كانت واثقة أنها قادرة على التعامل مع حورية أيمن.

رفع هو رأسه بلا مبالاة وقال ببرود:

"ومن سيجني المال إذًا؟ أنتِ لن تنفقي بعد اليوم؟"

ردت:

"ومن هذا الذي يخرج آخر الليل ليجني المال؟ لا تتحجّج، عد إلى البيت مثل أي شخص طبيعي."

كانت حازمة إلى درجة أنه لم يجد فائدة من مجادلتها.

ففي النهاية، ما إن يخرج من هذا الباب حتى يعود حرًّا كما يشاء.

نظرت دانية يوسف إليه وهي تفكّر:

ما دام الطلاق لم يتم، فلن تكون حياته سهلة.

جلس الثلاثة قليلًا في الطابق السفلي بعد العشاء، ثم طلبت يسرى العوضي من "الزوجين الشابين" الصعود للراحة، ورافقتهما بنفسها حتى باب غرفتهما، قبل أن تعود أدراجها.

ما إن أُغلق الباب، خلع أدهم جمال سترته ورماها على الأريكة، ولفّ كمّي قميصه.

بشرته بيضاء، وعروق ذراعه الزرقاء تمتد من ظاهر يده نحو الأعلى.

في تلك اللحظة، رنّ هاتفه.

لم يردّ فورًا، بل أخذ سيجارة وأشعلها، ثم اتجه نحو النافذة الطويلة وهو يحمل الهاتف.

نفث الدخان ببطء، ثم أجاب:

"جاءت أمي، لن أستطيع المجيء الليلة."

جاءه الصوت من الطرف الآخر:

"حسنًا، عدّ باكرًا للراحة إذًا."

"حسنًا، فهمت."

"حسنًا."

كان صوته لطيفًا ورقيقًا، نبرة لم يسمعها أحد منه… سوى الطرف الآخر.

أما دانية يوسف، فما عرفته يومًا بهذه الطريقة.

لم يُحاول حتى أن يخفي الموضوع عنها، بل أنهى المكالمة وعاد إلى الطاولة ليطفئ السيجارة وكأن شيئًا لم يحدث.

كانت رائحة الدخان تعبق في المكان، ودانية يوسف في وضعٍ لا تُحسد عليه—إن بقيت تشعر بالحرج، وإن خرجت تخشى أن تكتشفها يسرى العوضي.

فهي ليست سهلة الخداع مثل الخالة إلهام.

أما هو فتابع حياته كالمعتاد؛

سيجارة، مكالمة، ثم فتح الكمبيوتر ليشغل نفسه.

وجدت دانية يوسف أنها لا تستطيع البقاء في هذا الوضع المعلق، فاستجمعت شجاعتها وقالت:

"تقول الأخبار إن الطلاق الآن لا يحتاج إلى دفتر القيد العائلي. ما رأيك أن نذهب لإنهاء الإجراءات، وبعدها نخبر والديك ووالديّ؟"

صدرت السياسة الجديدة مؤخرًا.

وما إن قرأت الخبر حتى شعرت وكأن جبلًا أزيح عن صدرها.

فهذا يعني أن الأمر لم يعد بيد العائلتين، بل بقرارهما وحدهما.

رفع أدهم جمال عينيه ونظر إليها.

حدّق فيها برهة، ثم ابتسم ساخرًا وسأل بلا مبالاة:

"مستعجلة إلى هذا الحد على الطلاق؟ هل هناك رجل آخر في حياتكِ؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حبٌّ يخرج عن السيطرة، وقلبٌ يتوسل البقاء   الفصل 100

    لذلك، كانت هي من دفعت المال لتصعيد تلك الموجة من المواضيع الرائجة.أرادت أن تجعل دانية يوسف تعتقد أن حنان أدهم جمال البارحة لم يكن حقيقيًا، بل كان كان استغلالًا جديدًا، وأنه لا يزال يتحكم بالرأي العام كما اعتاد دائمًا.كانت تعرف أن دانية يوسف لن تشك، لأن هذا تمامًا ما كان يفعله دائمًا؛ يضعها في الواجهة لتُعالج تداعيات نزواته.لكن… ما لم تتوقّعه، هو أن أدهم جمال لم يعجبه ما فعلته.مع أنها لم تفعل سوى استخدام أسلوبه القديم، وكانت تفعل ذلك من أجله، لأنها قلقت عليه.نظرت إليه طويلًا، وعندما شعرت بالجمود، ابتسمت وسألته بنبرة خفيفة: "أدهم، سمعت أنك نقلت ١٠٪؜ من أسهم مجموعة الصفوة لدانية… هل هذا صحيح؟"أجابها: "صحيح."كانت تمسك السكين والشوكة بيديها، وعندما سمعت جوابه، تجمّدت في مكانها.نظرت إليه طويلًا، ورأته يتابع تناول طعامه بلا مبالاة.فقالت بابتسامة مجاملة: "أدهم، إذًا… هل ما زلتما تنويان الطلاق؟ أم أنك بدأت تتردّد؟"صمت أدهم جمال لبرهة، كأنه يفكّر، ثم رفع رأسه ونظر إليها وقال بصوت بارد: "حورية أيمن، من الآن فصاعدًا… لا تحاولي معرفة أي شيء يخصّني، ولا تتدخّلي في شؤوني."حدّقت حورية أيمن

  • حبٌّ يخرج عن السيطرة، وقلبٌ يتوسل البقاء   الفصل 99

    لكن هذه المرة… كانت المرة الأولى التي لم يُخبرها فيها أدهم جمال مسبقًا، كان سيناريو من تأليفه وإخراجه بالكامل.بات استخدامه لها أمرًا طبيعيًا، معتادًا عليه، وسهلًا عليه للغاية.بعد أن أنهت دانية يوسف الغداء، رتّبت بقايا الطعام، ثم ذهبت مع بشار عماد والبقية إلى مختبر الحديقة التكنولوجية.كان لديهم مشروع مشترك مع الجيش سيبدأ تجريبه الشهر المقبل، فذهبوا للاستعداد له.وانشغلوا به حتى الساعة الثامنة مساءً، وهم يضبطون البيانات، ويجرون محاكاة تجريبية.واستمرّوا حتى تجاوزت الساعة التاسعة مساءً، حينها فقط أنهوا العمل وعاد كلٌّ إلى منزله.عادت دانية يوسف إلى المنزل وهي تقود سيارتها، وحين وصلت، كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلًا.تناولت القليل من الطعام الذي أعدّته لها الخالة إلهام، ثم صعدت إلى الطابق العلوي.ولم يكن أدهم جمال قد عاد بعد.غالبًا ما يكون عند حورية أيمن، فقد اتفقا البارحة على اللقاء اليوم.لم تُفكر في الأمر كثيرًا.استحمت، ثم التقطت هاتفها، وفتحت تطبيق فيسبوك بعشوائية… وظهرت أمامها منشورات حورية أيمن. (أجمل لحظاتنا سويًا)كلمات قصيرة، دافئة، مرفقة بصور: صورتان لعشاء رومانسي، وفي

  • حبٌّ يخرج عن السيطرة، وقلبٌ يتوسل البقاء   الفصل 98

    واصل أدهم جمال التحديق في شاشة الحاسوب، وقال بهدوء ودون استعجال: "تظنين أنني حقًا لا أشعر بالحزن؟ ولا أتألم؟ حتى العناق لا تسمحين لي به؟"نظرت دانية يوسف إليه ولم تجد ما تقول.أدركت أن أدهم جمال يُجيد أحيانًا التظاهر بالضعف والتقرب منها بحجج غير مباشرة.لاحظ أدهم جمال أنها تحدّق فيه، فبادلها النظرات.وبينما لم يبدو عليه أن احتضانها كان أمرًا غير مناسب، نظرت دانية يوسف مباشرة في عينيه وسألته: "هل يعني هذا أنني سأضطر لاحقًا إلى… مواساتك في السرير أيضًا؟"نادِرًا ما كانت دانية يوسف تمزح بهذا الأسلوب، مما جعل أدهم جمال ينفجر ضاحكًا ويقول: "إن كنتِ تفكرين بهذه الطريقة، فبالطبع سأكون أكثر سعادة.""هه." ضحكت باستهزاء وقالت: "أحلامك جميلة جدًا."كانت على وشك إبعاد يديه عن خصرها، لكن رنّ فجأة هاتفه الموضوع بجانب الفأرة.نظر أدهم جمال إلى الشاشة، وكذلك فعلت دانية يوسف بشكل غريزي.الاسم المعروض على الشاشة: حورية أيمن.في تلك اللحظة، اختفت الابتسامة عن وجه أدهم جمال، وارتخت يده التي كانت تحتضن خصرها.نظرت دانية يوسف إليه، فقال أدهم جمال: "سأتلقى مكالمة."ففهمت هي، ونهضت من فوق ساقيه بهدوء، وابتعدت

  • حبٌّ يخرج عن السيطرة، وقلبٌ يتوسل البقاء   الفصل 97

    من مزاح أدهم جمال، قالت دانية يوسف بنبرة مستاءة: "أنت لا تتكلم بجدية أبدًا."لكن كان أدهم جمال لا يزال ممسكًا بيدها، يمشي بخطوات بطيئة تحمل شيئًا من الكسل، وتكلّم بصوت هادئ: "دانية يوسف، أنا ما زلت في السادسة والعشرين من عمري، في ذروة الشباب، وأنتِ تنامين فورًا كل ليلة، ألا ترين أن هذا نوع من الإهمال بحقي؟"كلماته… قد تبدو منطقية نوعًا ما.نظرت إليه، فرأته مرتاحًا ومرِح المزاج.ثم حوّلت نظرها نحو الزهور والنباتات على جانب الطريق، دون أن ترد عليه.فليكن إهمالًا إذًا؛ فهي نفسها عانت من الإهمال طوال ثلاث سنوات.ولما لم تجبه، ترك أدهم جمال يدها، ومدّ ذراعه ليحيط بكتفيها، ثم قرّب يده إلى ذقنها وقال: "قولي شيئًا."وبدأ يداعب عنقها بنوع من الغموض والحنان.وحين وصلت يده إلى عظمة الترقوة، وبدأ يتجه إلى الأسفل، أمسكت به دانية يوسف بسرعة وحذّرته بجدية: "أدهم جمال، كفّ عن هذا، هناك كاميرات مراقبة في الحديقة."أضحكته ملامحها الجادة.انحنى قليلًا، واقترب من أذنها وهمس بنبرة ذات مغزى: "لا توجد كاميرات في غرفة النوم."أصاب أذنها شعور بالوخز من نبرته، فحكّت أذنها، وأبعدت يده قائلة: "ألا ترى أنك مزعج؟"

  • حبٌّ يخرج عن السيطرة، وقلبٌ يتوسل البقاء   الفصل 96

    سألها: "هل اعتدتِ على العمل في شركة النجم؟"وما إن تكلّم، حتى تحوّل انتباه دانية يوسف إليه، فأجابت بابتسامة: "نعم، اعتدت عليه. مصطفى شخص لطيف جدًا، وبشار عماد والبقية أيضًا رائعون. كما أنني أحب هذه الوظيفة كثيرًا."في كل مرة تتحدث فيها عن وظيفتها الجديدة، كانت دانية يوسف تبدو وكأنها شخص مختلف؛ مفعمة بالحيوية ومشرقة.رآها أدهم جمال سعيدة، فابتسم ابتسامة خفيفة، ولم يُكمل الحديث.كان قد مضى وقت طويل منذ أن مشيا معًا هكذا.في الماضي، خلال أيام الدراسة، كانا أحيانًا يعودان إلى المنزل معًا بعد انتهاء الدوام، خاصة بعد أن قفزت دانية يوسف صفًّا دراسيًا، فكانا كثيرًا ما يعودان بمفردهما.ساد الصمت للحظة، وأحسّت دانية يوسف بقوة يد أدهم وهي تمسك بيدها، رغم أنه لم يكن يشدّ عليها كثيرًا.في الحديقة، كانت أصوات الحشرات ونقيق الضفادع تملأ الأجواء. وبينما كانت دانية يوسف تفكر في اضطراب سوق الأسهم في مجموعة الصفوة اليوم، شعرت وكأن كل ما حدث مجرد حلم، وكل ذلك بسبب هدوء أدهم جمال، الذي جعل الأمر يبدو وكأنه لم يحدث قط.لكن في الحقيقة، كانت مشاعر أدهم جمال دائمًا مستقرة منذ الصغر.كانت الليلة هادئة، وكانت خط

  • حبٌّ يخرج عن السيطرة، وقلبٌ يتوسل البقاء   الفصل 95

    طريقة أدهم جمال المتساهلة في الرد جعلت صفية جمال ننظر إليه بنفور شديد.أما دانية يوسف، فكانت تأكل بصمت، لم تعلّق على شيء.بعد العشاء، استدعى الجد أدهم جمال إلى المكتب ليحادثه على انفراد، بينما بقيت دانية يوسف مع صفية جمال في الطابق السفلي، تواسيان الجدة.لكن لم تكن الجدة بحاجة لمن يواسيها، فقد ارتدت نظاراتها وجلست في غرفة الجلوس الصغيرة تشاهد مسلسلًا قصيرًا على هاتفها.وفي كل مرة تظهر فيها الشخصية النسائية الشريرة في المسلسل، كانت الجدة تغضب وتكزّ على أسنانها، وترى أن حورية أيمن هي تلك الشريرة، وأن حفيدها هو البطل المغفّل المخدوع بها.ثم تأخذ هاتفها وتأتي إلى دانية يوسف وصفية جمال، تطلب منهما أن يعلّماها كيف ترسل هذه المقاطع القصيرة إلى أدهم جمال.جديتها في ذلك الموقف جعلت دانية يوسف وصفية جمال ينفجران ضحكًا.لكن رغم ذلك، قامتا بتعليمها كيف تشارك الفيديوهات مع أدهم جمال.بل وذهبت صفية جمال إلى حد تعديل إعدادات التطبيق على هاتفها، لتعرض لها مقاطع تحت تصنيف "مكافحة العشيقات"، ثم جعلتها ترسل إلى أدهم جمال أربع أو خمس فيديوهات يوميًا لتذكّره ألا يقع ضحية امرأة خبيثة.أربع أو خمس؟بل فقط في

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status