LOGINعلى مسافة بعيدة، في قرية صغيرة هادئة تغفو عند أطراف المدينة، كان هناك منزل متواضع يستقر بأمان على سفح جبل، تحيط به أشجار كثيفة متشابكة تحجب عنه صخب العالم. رغم بساطة جدرانه، إلا أن موقعه كان يخطف الألباب بفضل تلك الإطلالة الطبيعية الساحرة التي يشرف عليها. وخلف المنزل، كانت تقع مزرعة صغيرة لتربية الدواجن والحيوانات، تملأ الأجواء بطابع ريفي دافئ وأصيل.
انفتح باب المنزل الخشبي، ودخلت فتاة مراهقة، ذات بشرة سمراء ناعمة وقامة قصيرة. ورغم صغر ملامحها التي جعلت الجميع في القرية يطلق عليها لقب "الطفلة"، إلا أنها كانت تملك جمالاً مميزاً وجاذبية خاصة تختلف تماماً عن شقيقتها الكبرى ذات البشرة الفاتحة والملامح الحادة اللافتة. خلعت حذاءها المدرسي ووضعته بعناية في الخزانة الخشبية المخصصة قرب الباب، ونادت بصوت رقيق خافت: "أمي.. لقد عدت!" كان المنزل يفوح برائحة المعجنات الشهية والأطباق المطهوة الطازجة، ليمتلئ المكان بدفء عائلي حميم. وفي عمق المطبخ، كانت "هِيَة" (والدتها) تنهمك بوجه متعرق في إعداد أصناف الحلويات التي اشتهرت بصناعتها في المنطقة بأسرها؛ لم يكن هذا مجرد شغف بالنسبة لها، بل كان مصدر دخل إضافي تكافح به لتعين عائلتها على أعباء ومصاريف الحياة الثقيلة. لكنها كانت تبدو مجهدة بشكل ملحوظ ذلك اليوم؛ فالطلبات المتراكمة كثيرة، وهناك ضيوف مهمون سيحضرون في المساء. جاء صوت الأم مرهقاً ومستعجلاً من وسط بخار المطبخ: "تعالي بسرعة يا فتاة! اخرجي صينية الحلويات من الفرن قبل أن تحترق!" ضربت هية جبينها بخفة وشهقت: "أوه.. لقد نسيتها تماماً!" اندفعت ليلى نحو الفرن، وأمسكت بالقطعة القماشية لتخرج الصينية الساخنة بحذر شديد، ثم التفتت وسألت: "أين أضعها الآن يا أمي؟" أشارت "هِيَة" بيدها المتعبة نحو الطاولة الكبيرة التي كانت تعجّ بالصحون وأطباق الحلويات المتنوعة: "هناك.. وضعيها على طرف الطاولة، ثم انتظري حتى تبرد تماماً وغلّفيها بإحكام، فالزبون الذي طلبها سيأتي لأخذها بعد قليل." في تلك اللحظة، دخلت "ليلى" المطبخ وهي لا تزال ترتدي ثياب المدرسة. اقتربت بخطوات هادئة من والدتها المنشغلة بقلي السمك وتصاعد أبخرته الزيتية، وأسندت رأسها بتعب وحنان على كتف أمها قائلة: "لقد تعبتِ كثيراً اليوم يا أمي.. ولا يزال هناك ضيوف سيحضرون في المساء.. بالمناسبة، من هؤلاء الضيوف الذين قلبوا المنزل رأساً على عقب؟" ابتسمت الأم بالتفاتة سريعة، ونظرت في عيني ليلى: "لا داعي لكل هذا الفضول الطفولي، لكن يمكنني أن أخبركِ بشيء واحد.. هؤلاء الضيوف قد يكونون بوابة الحظ السعيد لعائلتنا." ثم عادت الأم لتقليب السمك في المقلاة، تاركة ليلى غارقة في دوامة من الحيرة والقلق. أخذت ليلى تفكر بوجل: لمَ كل هذا الغموض؟ وما الذي يجعل أمي تتصرف بهذه الطريقة المبهمة؟ قطعت الأم حبل أفكارها قائلة بصوت حازم: "لا تنسي أن تتصلي بشقيقتكِ لمار وتخبريها أن تعود إلى المنزل مبكراً اليوم، لا نريد منها أي تأخير كعادتها." تفاجأت ليلى واتسعت عيناها: "حقاً؟! هل ستأتي لمار أيضاً؟" ردت الأم بحماس وجدية: "نعم، لقد تحدثتُ معها بالأمس وأمرتها بالقدوم. لكن لا بأس أن تذكّريها أنتِ أيضاً عبر الهاتف، حتى لا تتذرع بأي حجة دراسية وتتأخر." لمعت فكرة مبهجة في رأس ليلى، وانفرجت أساريرها بابتسامة سعادة غامرة، وقالت بحماس بالغ وهي تقفز بابتهاج: "هذا يعني أن لمار ستكون برفقة شمس! سأخبرها حالاً!" واندفعت خارجة من المطبخ بخطوات راكضة نحو غرفتها، وهي الغرفة ذاتها التي تقيم فيها لمار عندما تعود لزيارة المنزل. وفي أحد الأحياء الراقية بالمدينة، حيث الشوارع العريضة النظيفة والمباني الشاهقة، كان الشاب "تيم" يقود سيارته السوداء الفارهة من طراز "بنتلي". كان يقبض على عجلة القيادة بقلق، وعيناه تلتفتان يميناً ويساراً كمن يبحث عن مخرج مفقود، أو ربما كان يحاول الفرار بجلده من قدر محتوم يلاحقه. وفجأة، لمح في مرآته الخلفية طيفاً مألوفاً؛ سيارة حمراء رياضية تلتهم الأسفلت نحوه بسرعة جنونية تقترب منه كالسهم. زفر تيم بضيق شديد، وضرب مقود السيارة بخيبة أمل لاذعة وهو يتمتم بمرارة: "اللعنة.. إنها تالا مجدداً!" ضغط على دواسة الوقود بكل قوته، ليزأر محرك البنتلي محاولاً التملص والهرب من قبضة مطاردتها، لكن السيارة الحمراء خلفه كانت تلاحقه بإصرار شرس لا يلين، وكأنها ظله الذي التصق بمساره ويرفض الانفكاك عنه. ومع مرور الدقائق الشاقة، شعر تيم بالإنهاك وفقد حماسه للمقاومة، مستسلماً للأمر الواقع المرير الذي فرضته تالا عليه. في المقابل، كانت تالا تجلس خلف مقود سيارتها الحمراء بثبات، وابتسامة انتصار خبيثة مشحونة بالمتعة ترتسم على شفتيها. كانت تستمتع بهذه المطاردة الجامحة وتعتبرها وسيلة ممتازة لتبديد رتابة يومها الممل. رفعت يدها بعفوية لترفع شعرها الأسود الداكن إلى الأعلى، وثبتت نظارتها الشمسية خفيفة اللون التي تكشف عن عينيها الحادتين. كانت عيناها تشعان بوميض جنون وعناد متقد، وهي تصر على أسنانها وتهمس بنبرة حادة: "وأخيراً وجدتك.. لا تفكر بالهرب مني مجدداً يا تيم." بعد بضع دقائق من هذه المطاردة الشرسة والخطرة بين السيارات، خفف تيم من . بل ضغطت على الوقود واصطدمت بسيارته من الخلف عمداً، بضربة قوية مدبرة أحدثت صوتاً معدنياً مدوياً! كانت الصدمة مباغتة وعنيفة هزت كيان السيارة وجسد تيم بالكامل؛ اندفع جسده للأمام ليرتطم رأسه بمقود السيارة بقوة. شعر بثقل مباغت ودوار أسود يلف رأسه. وعندما رفع رأسه المثقل بالألم، كانت بقعة دم حمراء قانئة قد بدأت تنساب من شق فوق حاجبه، تتسلل بين ملامحه ببطء رتيب. لمس تيم الجرح بأصابعه المرتجفتين، وعندما رأى لون الدم على كفه، زمجر بغضب عارم ومكتوم: "اللعنة على هذه المجنونة!.. إنها تريد قتلي حقاً!" ترجلت تالا من سيارتها بكل برود، وعلى وجهها ابتسامة انتصار صريح. تقدمت نحوه بخطوات واثقة متبخترة، ورأسها مرفوع كمن كسب معركة مصيرية. طرقت زجاج نافذته بلطف مصطنع مستفز، لكن تيم تجاهلها تماماً، مغلقاً عينيه وهو ينبش علبة الإسعافات منشغلاً بآلام جروحه ونزيفه. طرقت النافذة مرة ثانية، ثم ثالثة بقوة أكبر، وعندما لم تجد استجابة، اشتعلت ملامحها غضباً جامحاً وفقدت السيطرة على هدوئها المزيف. بدأت تطرق الزجاج بقبضتها بعنف وهي تصرخ بصوت جنوني اخترق الشارع: "تيم! افتح هذا الباب اللعين! افتح حالاً!" كانت كمن يفقد عقله تماماً، بدأت تضرب بقدمها وكعب حذائها العالي على باب السيارة بعصبية مفرطة وهي تصرخ: "اللعنة عليك وعلى برودك!" استدارت وعادت إلى سيارتها الحمراء، فتحت الصندوق الخلفي بقسوة، وامتدت يدها لتخرج منه مطرقة حديدية ثقيلة! كان وجهها قد شحب تماماً من فرط الانفعال، لكن عينيها كانتا تتوهجان بالغضب المتقد كالجمر. تقدمت نحو سيارته مجدداً وكأنها إعصار جارف يريد تحطيم كل شيء في طريقه. حدق بها تيم من خلال المرآة الجانبية بمزيج من الذهول والرعب الحقيقي، وابتلع ريقه بصعوبة وهو يتمتم بذعر: "اللعنة.. هذه المجنونة ستكسر الزجاج وتقتلني بالمطرقة! يجب أن أهرب فوراً!" أدار محرك سيارته بسرعة جنونية، وضغط بكامل قدمه على الوقود لينطلق مبتعداً كالسهم مخلفاً وراءه غبار الطريق. توقفت تالا في مكانها، ولم ترتعد؛ بل شبكت ذراعيها فوق صدرها، ووقفت تراقب سيارته البنتلي وهي تختفي في الأفق، ثم انفرجت شفتاها عن ابتسامة مكر باردة ومخيفة. مالت برأسها قليلاً إلى كتفها وهمست لنفسها بصوت خافت: "ليس هناك أي متعة في اصطياد فريسة تستسلم بسهولة.. ألم تفهم هذا بعد يا تيمي؟" ركبت سيارتها مجدداً، وأشعلت المحرك. نظرت بنظرة جانبية نحو شاشة الملاحة المثبتة في السيارة، والتي أظهرت نقطة حمراء صغيرة وامضة تتحرك بدقة، متتبعةً مسار سيارة تيم. تذكرت تالا تلك اللحظة عندما انحنت فوق عجلة سيارته حين كان غافلاً عنهامنذ قليل بينما هو يحاول علاج جراحه ، وتسللت لتضع جهاز تعقب مغناطيسي صغير جداً لا يكاد يُرى بالعين المجردة. ضحكت بسخرية مريرة ومليئة بالثقة: "تظن أنك تستطيع الإفلات مني لمجرد أنك أسرعت؟ مستحيل.. أنت في قبصتي."قالت إحدى الموظفات الجدد بنبرة ودودة ولطيفة وهي ترتدي معطفها: "لمار... ألن تذهبي لتناول وجبة الغداء معنا؟" هزت لمار رأسها بابتسامة ناعمة: "اذهبي أنتِ يا عزيزتي... لدي القليل من المهام، سأنهيها ثم ألحق بكم لاحقاً." ابتسمت الموظفة وغادرت برفقة زميلاتها. وقفت لمار بجوار مكتبها الصغير، تحك رأسها بتفكير... ثم نظرت مطولاً إلى الخاتم الأسود الأنيق الملتف حول سبابتها؛ الخاتم الذي طالما جذب انتباهها وجعلها تبحلق فيه بحيرة كلما وقعت عينها عليه، تسأله عن أسرار لا يعلم إجابتها أحد سواه! رمقته بإعجاب وشجن، وتمتمت بصوت خفيض: "لا أعرف ما الذي يفعله صاحبه الآن... ولكنني لن أنكر أنك أصبحتَ جزءاً مهماً ودافئاً في حياتي." أخذت حقيبتها الجلدية وحصليتها، وخرجت من البناء المكتبي. بحدقتين تلمعان بالبريق، كانت تراقب أشرطة المطر الساقطة من السماء كخيوط شفافة ولامعة تضرب الأرض. مدّت كفها من تحت مظلتها تلتقط قطرات المطر الباردة بتبسم حنون.:" أنظري ...لقد حل شتاءاً أخراً ." بأبتسامة مائلة .. وعلى عكس الموظفين الذين هرعوا للمطاعم، كانت هي ترقص برقة مع المطر! تلف المظلة حول نفسها بسعادة طفولية وهي تتأمل تناثر
كانت لمار تقف في غرفة المديرة، تضع كوباً من القهوة الساخنة المصحوبة برائحة زكية على الطاولة الخشبية... بينما كان أحد الموظفين متوسطي العمر يجلس على المقعد المقابل للمديرة، يتناقشان بتوتر واضح حول أفكار جديدة لمشروع التسويق الذي فشل حتى اللحظة في نيل إعجاب رئيس مجلس إدارة الشركة الكبرى التي يتعاونون معها. قالت المديرة بنبرة غاضبة: "هل هذا أقصى ما توصلت إليه عقولكم الفذة؟! المدير التنفيذي بشخصه سيحضر بعد قليل لمراجعة سير العمل بعد أن لاحظ البطء القاتل في أدائكم... أعتقد أنه يظننا نتكاسل ولا نولي مشروعه أي أهمية!" رد الموظف المرتعد بلهفة: "يا سيدتي... نحن نحاول قدر الإمكان! لقد وظفتُ شباباً من الجيل الجديد لنستلهم من طاقاتهم وأفكارهم الجامعية بعض اللمسات المبتكرة علّها تعجب المدير التنفيذي..." ضربت المديرة بكفها على الطاولة بعصبية مفرطة، ففزع الموظف وتراجع في مقعده، بينما تعالي صوت صراخها الحاد في أرجاء المكتب. كان الباب المفتوح يفضح الموقف؛ إذ لم تغلقه لمار لأنها كانت تهم بالخروج. صرخت المديرة: "نحن لا نملك الوقت لنصحح زلات المبتدئين! نحن نريد فكرة عبقرية غير مسبوقة تكتسح السوق... ن
أدركت فاتن التحول المرعب في هيئة يمان... وحاجبيه اللذين يرتجفان بقسوة، حين أحكم قبضتيه على أذنيه وصرخ بفزع وجنون زلزل جدران الغرفة: "أصمتي!... أصمتي لا أريد سماع أي حرف!" جفلت فاتن وتراجعت بخوف شديد، وكذلك فعلت قمر التي شهقت وراجعت خطوات للخلف ويدها المرتعشة على صدرها، بينما تحدقان بحدقتين متسعتين في يمان الذي جثى فجأة على ركبتيه فوق السجاد، وكأنه يخوض صراعاً أليماً مع الموت داخل عقله! تقدمت فاتن بخطى بطيئة ومترددة وقالت بصوت خفيض: "يمان... هل أنت بخير يا بني؟" رفع رأسه نحوها فجأة... كانت عيناه حمراوين كالجمر المشتعل، وفكه ينقبض بشدة وصوت أسنانه يصطك بغل حارق: "لماذا هي هنا?!" ورفع سبابته المرتعشة مشيراً إلى قمر التي ارتمت للخلف من هول الصدمة. ردت فاتن بكلمات متلعثمة: "هي... هي زوجتك يا يمان!" قاطعها يمان بصرخة نارية قبل أن تكمل: "هي ليست زوجتي!... لمار... لمار وحدها هي زوجتي!" صرخت فاتن بحدة: "عليك أن تنسى تلك الفتاة كلياً! لقد رحلت وانتهى أمرها، وعليك تقبل الواقع!" رد يمان وهو ينهض بصلابة مرعبة: "لم ينتهِ شيء... ولن ينتهي أبداً! هي زوجتي وستبقى كذلك ما حييت!" قالت فاتن بغضب:
في الطابق العلوي... كانت "فاتن" تقف في الغرفة بملامح مشرقة وعينين تلمعان حماساً وهي تشرف على اللمسات الأخيرة، بعد أن أبدلت أثاث الغرفة بالكامل ورمت كل ما يمت للمار بصلة. كانت تنتظر بشغف رؤية ردة فعل يمان حين يعلم أنه قد تم التخلص من أطلال الماضي، واستبدالها بديكور حديث يفرضه الحاضر! اتسعت عينا يمان المظلمتان عند عتبة الباب... لم يلاحظ التغيير الصادم في البداية لكثرة الخمر في رأسه، ثم التف حول نفسه يلقي نظرة مطولة على أركان الغرفة الفسيحة، وكأنه يحاول التأكد مما تراه عيناه! رفع يده المرتعشة وفرك عينيه بحدة علّه يكون تحت تأثير الوهم، أو أن ما يراه مجرد كابوس ثقيل سيفيق منه بعد قليل... بالتأكيد هو يحلم! فهذا التغيير الشامل لم يأمر به أحداً، ولم يكن يجرؤ أحد على العبث بملكيتها؛ فقد كان ينوي ترك كل شيء كما تركته هي تماماً... كان يرغب في الحفاظ على أثر ملموس يخصها، طالما أنه عجز عن الاستحواذ عليها هي، لتبقى متعلقاتها مصفوفة في مكانها حتى يتمكن من العثور عليها ومواجهتها مجدداً. على الجانب الآخر، كانت "قمر" ترتب ملابسها الفاخرة في الخزانة بملامح تفيض سعادة وفرحاً يغمر قلبها، بعد أن طلبت منه
في الطرف الآخر من المدينة... في مطعم فاخر تنبعث منه موسيقى هادئة ورائحة القهوة والمخبوزات الطازجة... كانت "تالا" تجلس بكبرياء أمام الواجهة الزجاجية، تتلذذ بارتشاف كأس من عصير البرتقال الطازج... أو هكذا بدا عليها للعيان. كانت تخفي في أسرار صدرها بركاناً حارقاً على وشك الانفجار، إلا أنها كانت تحافظ ببراعة على هدوء وجهها وثبات ورصانة ملامحها. سحبت "لانا" المقعد الخشبي المصقول وأخذت مكانها أمام تالا دون أن تنطق بكلمة. وعلى الفور، أحضرت النادلة الطلب المعتاد دون أن تطلبه لانا: فنجان كبير من القهوة الساخنة المحلاة بالسكر، بجواره قطعة أنيقة من الكعك. أمالت تالا رأسها وقالت بسخرية لاذعة: "ألم تغيري عاداتكِ بعد يا لانا؟" سألتها لانا وهي تقطع قطعة صغيرة من الكعك بالشوكة: "أي عادة تقصدين؟" ارتشفت تالا من عصيرها وقالت بتهكم: "قهوتكِ المُحلاة جداً مع الكعك السكري! هل لا يزال هناك شخص راشد يشرب القهوة حلوة في هذا الزمن؟" ردت لانا بذكاء ومكر هادئ وهي ترفع فنجانها: "ألا تظنين أننا بحاجة ماسة لبعض الأشياء الحلوة في حياتنا... لتقينا من مرارة الأيام التي نعيشها؟" أعادت تالا ظهرها إلى الم
تقدم أمجد بسرعة وأمسك بكفيها المرتعشتين: "ماذا تفعلين بحق السماء؟! هل جننتِ وركبتكِ الشياطين?!" نزل يمان خطوتين على الدرج الرخامي، وقال بنبرة هادئة وباردة كالثلج وهو ينظر إلى أسفل نحو والديه: "تلك الفتاة اسمها لمار... لا تنسي هذا الاسم ثانيةً يا أمي." قالت فاتن وهي ترفع رأسها بنبرة تحدٍ ممزوجة بالغل: "أوتظنني لا أعرف اسم الخائنة ؟! ولكنها كانت وستبقى بالنسبة لي تلك الفتاة التي لا اسم لها سوى... المشؤومة!" أشار أمجد بعينيه إليها كي تصمت فوراً وتكف عن إشعال الفتيل، لكن فاتن كانت تواصل الحديث برغبة عارمة في سكب جام غضبها المكتوم منذ سنوات في وجه يمان... كانت تجد في هذه اللحظة فرصتها المثالية لكسر كبريائه، وكأن من واجبه المطلق أن يخضع لكلامها ويطيع أوامرها. قال يمان بنبرة مفعمة بالمرارة والمرض النفسي: "أمي... أعتقد أنه لم يعد بإمكاني العيش معكم في هذا القصر المظلم بعد اليوم. أعتقد أنني سأنقل إقامتي كلياً." ارتاح وجه فاتن بقناعة مزيفة وقالت بثقة: "منذ البداية وأنا أخبرك أن تعيش في الشقة مع زوجتك قمر وابنك!" ضحك يمان ضحكة باهتة وميتة وهو يواصل نزول السلم بخطى ثابتة: "وهل تعتقد







