Share

الفصل ٤

Author: اليف
last update publish date: 2026-07-20 16:06:36

على مسافة بعيدة، في قرية صغيرة هادئة تغفو عند أطراف المدينة، كان هناك منزل متواضع يستقر بأمان على سفح جبل، تحيط به أشجار كثيفة متشابكة تحجب عنه صخب العالم. رغم بساطة جدرانه، إلا أن موقعه كان يخطف الألباب بفضل تلك الإطلالة الطبيعية الساحرة التي يشرف عليها. وخلف المنزل، كانت تقع مزرعة صغيرة لتربية الدواجن والحيوانات، تملأ الأجواء بطابع ريفي دافئ وأصيل.

انفتح باب المنزل الخشبي، ودخلت فتاة مراهقة، ذات بشرة سمراء ناعمة وقامة قصيرة. ورغم صغر ملامحها التي جعلت الجميع في القرية يطلق عليها لقب "الطفلة"، إلا أنها كانت تملك جمالاً مميزاً وجاذبية خاصة تختلف تماماً عن شقيقتها الكبرى ذات البشرة الفاتحة والملامح الحادة اللافتة.

خلعت حذاءها المدرسي ووضعته بعناية في الخزانة الخشبية المخصصة قرب الباب، ونادت بصوت رقيق خافت:

"أمي.. لقد عدت!"

كان المنزل يفوح برائحة المعجنات الشهية والأطباق المطهوة الطازجة، ليمتلئ المكان بدفء عائلي حميم. وفي عمق المطبخ، كانت "هِيَة" (والدتها) تنهمك بوجه متعرق في إعداد أصناف الحلويات التي اشتهرت بصناعتها في المنطقة بأسرها؛ لم يكن هذا مجرد شغف بالنسبة لها، بل كان مصدر دخل إضافي تكافح به لتعين عائلتها على أعباء ومصاريف الحياة الثقيلة.

لكنها كانت تبدو مجهدة بشكل ملحوظ ذلك اليوم؛ فالطلبات المتراكمة كثيرة، وهناك ضيوف مهمون سيحضرون في المساء. جاء صوت الأم مرهقاً ومستعجلاً من وسط بخار المطبخ:

"تعالي بسرعة يا فتاة! اخرجي صينية الحلويات من الفرن قبل أن تحترق!"

ضربت هية جبينها بخفة وشهقت:

"أوه.. لقد نسيتها تماماً!"

اندفعت ليلى نحو الفرن، وأمسكت بالقطعة القماشية لتخرج الصينية الساخنة بحذر شديد، ثم التفتت وسألت:

"أين أضعها الآن يا أمي؟"

أشارت "هِيَة" بيدها المتعبة نحو الطاولة الكبيرة التي كانت تعجّ بالصحون وأطباق الحلويات المتنوعة:

"هناك.. وضعيها على طرف الطاولة، ثم انتظري حتى تبرد تماماً وغلّفيها بإحكام، فالزبون الذي طلبها سيأتي لأخذها بعد قليل."

في تلك اللحظة، دخلت "ليلى" المطبخ وهي لا تزال ترتدي ثياب المدرسة. اقتربت بخطوات هادئة من والدتها المنشغلة بقلي السمك وتصاعد أبخرته الزيتية، وأسندت رأسها بتعب وحنان على كتف أمها قائلة:

"لقد تعبتِ كثيراً اليوم يا أمي.. ولا يزال هناك ضيوف سيحضرون في المساء.. بالمناسبة، من هؤلاء الضيوف الذين قلبوا المنزل رأساً على عقب؟"

ابتسمت الأم بالتفاتة سريعة، ونظرت في عيني ليلى:

"لا داعي لكل هذا الفضول الطفولي، لكن يمكنني أن أخبركِ بشيء واحد.. هؤلاء الضيوف قد يكونون بوابة الحظ السعيد لعائلتنا."

ثم عادت الأم لتقليب السمك في المقلاة، تاركة ليلى غارقة في دوامة من الحيرة والقلق. أخذت ليلى تفكر بوجل: لمَ كل هذا الغموض؟ وما الذي يجعل أمي تتصرف بهذه الطريقة المبهمة؟

قطعت الأم حبل أفكارها قائلة بصوت حازم:

"لا تنسي أن تتصلي بشقيقتكِ لمار وتخبريها أن تعود إلى المنزل مبكراً اليوم، لا نريد منها أي تأخير كعادتها."

تفاجأت ليلى واتسعت عيناها:

"حقاً؟! هل ستأتي لمار أيضاً؟"

ردت الأم بحماس وجدية:

"نعم، لقد تحدثتُ معها بالأمس وأمرتها بالقدوم. لكن لا بأس أن تذكّريها أنتِ أيضاً عبر الهاتف، حتى لا تتذرع بأي حجة دراسية وتتأخر."

لمعت فكرة مبهجة في رأس ليلى، وانفرجت أساريرها بابتسامة سعادة غامرة، وقالت بحماس بالغ وهي تقفز بابتهاج:

"هذا يعني أن لمار ستكون برفقة شمس! سأخبرها حالاً!"

واندفعت خارجة من المطبخ بخطوات راكضة نحو غرفتها، وهي الغرفة ذاتها التي تقيم فيها لمار عندما تعود لزيارة المنزل.

وفي أحد الأحياء الراقية بالمدينة، حيث الشوارع العريضة النظيفة والمباني الشاهقة، كان الشاب "تيم" يقود سيارته السوداء الفارهة من طراز "بنتلي". كان يقبض على عجلة القيادة بقلق، وعيناه تلتفتان يميناً ويساراً كمن يبحث عن مخرج مفقود، أو ربما كان يحاول الفرار بجلده من قدر محتوم يلاحقه.

وفجأة، لمح في مرآته الخلفية طيفاً مألوفاً؛ سيارة حمراء رياضية تلتهم الأسفلت نحوه بسرعة جنونية تقترب منه كالسهم. زفر تيم بضيق شديد، وضرب مقود السيارة بخيبة أمل لاذعة وهو يتمتم بمرارة:

"اللعنة.. إنها تالا مجدداً!"

ضغط على دواسة الوقود بكل قوته، ليزأر محرك البنتلي محاولاً التملص والهرب من قبضة مطاردتها، لكن السيارة الحمراء خلفه كانت تلاحقه بإصرار شرس لا يلين، وكأنها ظله الذي التصق بمساره ويرفض الانفكاك عنه. ومع مرور الدقائق الشاقة، شعر تيم بالإنهاك وفقد حماسه للمقاومة، مستسلماً للأمر الواقع المرير الذي فرضته تالا عليه.

في المقابل، كانت تالا تجلس خلف مقود سيارتها الحمراء بثبات، وابتسامة انتصار خبيثة مشحونة بالمتعة ترتسم على شفتيها. كانت تستمتع بهذه المطاردة الجامحة وتعتبرها وسيلة ممتازة لتبديد رتابة يومها الممل. رفعت يدها بعفوية لترفع شعرها الأسود الداكن إلى الأعلى، وثبتت نظارتها الشمسية خفيفة اللون التي تكشف عن عينيها الحادتين. كانت عيناها تشعان بوميض جنون وعناد متقد، وهي تصر على أسنانها وتهمس بنبرة حادة:

"وأخيراً وجدتك.. لا تفكر بالهرب مني مجدداً يا تيم."

بعد بضع دقائق من هذه المطاردة الشرسة والخطرة بين السيارات، خفف تيم من . بل ضغطت على الوقود واصطدمت بسيارته من الخلف عمداً، بضربة قوية مدبرة أحدثت صوتاً معدنياً مدوياً!

كانت الصدمة مباغتة وعنيفة هزت كيان السيارة وجسد تيم بالكامل؛ اندفع جسده للأمام ليرتطم رأسه بمقود السيارة بقوة. شعر بثقل مباغت ودوار أسود يلف رأسه. وعندما رفع رأسه المثقل بالألم، كانت بقعة دم حمراء قانئة قد بدأت تنساب من شق فوق حاجبه، تتسلل بين ملامحه ببطء رتيب.

لمس تيم الجرح بأصابعه المرتجفتين، وعندما رأى لون الدم على كفه، زمجر بغضب عارم ومكتوم:

"اللعنة على هذه المجنونة!.. إنها تريد قتلي حقاً!"

ترجلت تالا من سيارتها بكل برود، وعلى وجهها ابتسامة انتصار صريح. تقدمت نحوه بخطوات واثقة متبخترة، ورأسها مرفوع كمن كسب معركة مصيرية. طرقت زجاج نافذته بلطف مصطنع مستفز، لكن تيم تجاهلها تماماً، مغلقاً عينيه وهو ينبش علبة الإسعافات منشغلاً بآلام جروحه ونزيفه.

طرقت النافذة مرة ثانية، ثم ثالثة بقوة أكبر، وعندما لم تجد استجابة، اشتعلت ملامحها غضباً جامحاً وفقدت السيطرة على هدوئها المزيف. بدأت تطرق الزجاج بقبضتها بعنف وهي تصرخ بصوت جنوني اخترق الشارع:

"تيم! افتح هذا الباب اللعين! افتح حالاً!"

كانت كمن يفقد عقله تماماً، بدأت تضرب بقدمها وكعب حذائها العالي على باب السيارة بعصبية مفرطة وهي تصرخ:

"اللعنة عليك وعلى برودك!"

استدارت وعادت إلى سيارتها الحمراء، فتحت الصندوق الخلفي بقسوة، وامتدت يدها لتخرج منه مطرقة حديدية ثقيلة! كان وجهها قد شحب تماماً من فرط الانفعال، لكن عينيها كانتا تتوهجان بالغضب المتقد كالجمر.

تقدمت نحو سيارته مجدداً وكأنها إعصار جارف يريد تحطيم كل شيء في طريقه. حدق بها تيم من خلال المرآة الجانبية بمزيج من الذهول والرعب الحقيقي، وابتلع ريقه بصعوبة وهو يتمتم بذعر:

"اللعنة.. هذه المجنونة ستكسر الزجاج وتقتلني بالمطرقة! يجب أن أهرب فوراً!"

أدار محرك سيارته بسرعة جنونية، وضغط بكامل قدمه على الوقود لينطلق مبتعداً كالسهم مخلفاً وراءه غبار الطريق. توقفت تالا في مكانها، ولم ترتعد؛ بل شبكت ذراعيها فوق صدرها، ووقفت تراقب سيارته البنتلي وهي تختفي في الأفق، ثم انفرجت شفتاها عن ابتسامة مكر باردة ومخيفة. مالت برأسها قليلاً إلى كتفها وهمست لنفسها بصوت خافت:

"ليس هناك أي متعة في اصطياد فريسة تستسلم بسهولة.. ألم تفهم هذا بعد يا تيمي؟"

ركبت سيارتها مجدداً، وأشعلت المحرك. نظرت بنظرة جانبية نحو شاشة الملاحة المثبتة في السيارة، والتي أظهرت نقطة حمراء صغيرة وامضة تتحرك بدقة، متتبعةً مسار سيارة تيم. تذكرت تالا تلك اللحظة عندما انحنت فوق عجلة سيارته حين كان غافلاً عنهامنذ قليل بينما هو يحاول علاج جراحه ، وتسللت لتضع جهاز تعقب مغناطيسي صغير جداً لا يكاد يُرى بالعين المجردة. ضحكت بسخرية مريرة ومليئة بالثقة:

"تظن أنك تستطيع الإفلات مني لمجرد أنك أسرعت؟ مستحيل.. أنت في قبصتي."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حروف بلا صوت    الفصل ٧٤

    ما إن دخلت الحمام وأغلقت الباب، حتى تناهت إليها أصوات خطوات يمان وهي تبتعد فوق السجاد، تلاها صفير الباب الخارجي يعلن خروجه من الغرفة.في تلك اللحظة بالذات، انكفأت على ركبتيها وسقطت على الأرضية الكتيمة، لتنفجر نوبة بكاء جديدة هزت أضلاعها بعنف. كتمت فمها بكفها وهي تشهق باختناق، وتتساءل بصوت متقطع:"يقولون إن البكاء يغسل الألم.. فلماذا يزداد هذا الحريق ضراوة كلما انهمرت دموعي؟!"طوّقت ساقيها ببراعيها، ودفنت رأسها بين ركبتيها تترك للشهقات أن تعصف بجسدها المنهك.بعد برهة، رفعت رأسها، ومسحت وجهها بظهر كمها. واجهت انعكاسها في المرآة؛ كانت حدقتاها محتقنتين بحمرة قانئة، ووجنتاها متورمتين بشدة.عدّلت أزرار كنزتها الصوفية السوداء، وسرّحت خصلات شعرها المتناثرة بأصابع مرتجفة، ثم فتحت الصنبور ووضعت كفيها تحت الماء المنسكب، لتغسل وجهها بالماء البارد علّه يطفئ وهج التورم.نزلت السلم بخطوات متثاقلة متجهة نحو المائدة الضخمة حيث يجلس الجميع.ما إن أطلّت في أطراف القاعة، حتى تهللت وجوه الجالسين. رفع يمان رأسه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة طفيفة، ثم مدّ يده وأزاح المقعد الخشبي المبطن المجاور له بمهل لتجلس عل

  • حروف بلا صوت    الفصل ٧٣

    استمرت لمار في انتحابها حتى جفت دموعها، وساد الغرفة سكون تام. غطت في نوم عميق وهي ممددة على البلاط البارد، غير أبهة بالقسوة التي تسري في جسدها، وعيناها متورمتان وممتلئتان بالحمرة.استيقظت فجأة على صوت مقبض الباب وهو يتحرك بحذر، محاولاً دفع جسدها المستلقي خلفه. انتفضت واقفت بتهيج، وابتعدت خطوات إلى الخلف تتفحص قادماً بقلق.أطلّ يمان. كان يرتدي هيئته الهادئة، وبدلته الأنيقة الخالية من أي أثر، وكأن حادثة الممر لم تقع قط. لكن صدر لمار كان يضيق بالهواء، وشعرت بوخز حاد في كفيها المجروحتين، بينما عادت صورة الشفقة في أعين الجميع لتعتصر أحشاءها.أدار يمان عينيه في الغرفة حتى استقرا عليها. أطدأت لمار رأسها فوراً، واستدارت تعطي ظهرها له، مبتعدة خطوتين نحو النافذة.قال يمان بنبرة خفيضة:"لمار."لم تتحرك ولم تتفوه بحرف.سُمِع صوت خطواته وهي تتقدم فوق السجاد. قال بنبرة أكثر دعة:"لمار."أغمضت عينيها المرتعشتين، وعصرت قبضتيها بقوة حتى انغرست أظافرها في راحتها المجروحة لتمنع نوبة بكاء جديدة من الانفجار.اقتربت خطواته أكثر، حتى أصبح خلفها مباشرة، ثم انبعث صوته المتردد:"لمار.. لم أكن أقصد ذلك، فقدتُ ا

  • حروف بلا صوت    الفصل ٧٣

    جاءها النداء هادئاً ومواسياً: "لمار..." شددت لمار على الهاتف حتى ابيضت مفصل أصابعها، وقالت بصوت متهدج: "لماذا أكون دائماً الحجر الثقيل الذي يرغب الجميع في إزاحته عن طريقهم؟ أردتُ أن أجد مكاناً في قلبه.. لكنه صلب كالبقية." ردت ليلى برقة عارمة: "أنا أحبكِ." ارتسمت على شفتي لمار انحناءة مريرة: "نعم.. أنتِ هنا. لولا وجودكِ لكان جسدي تحت التراب منذ زمن.. أنتِ منفذي الوحيد." أنهت المكالمة فجأة، وسقطت يدها على الأرضية الصلبة لتهوي بجوارها الحقيبة. دفنت وجهها بين ركبتيها، وانطلقت منها شهقات متتابعة هزت كتفيها بعنف. ارتفع صوت بكائها في أرجاء الغرفة المغلقة، يرافقه نوبات سعال متكررة جراء احتباس أنفاسها. كانت تمسح سيل أنفها بكم قميصها، وتغرق في موجة من انتحابٍ حاد يسحب كل ذرة طاقة من جسدها. صدح صوت طرقات متزنة على الباب الخشبي لمكتب يمان. رفع رأسه عن الأوراق المكدسة أمامه، وأصدر أمراً جافاً بالدخول. أطلّ زياد من العتبة. كانت ملامحه ممتقعة وثابتة، غير أن أوردة عنقه كانت بارزة كحبال مشدودة، وقبضتاه ينقبضان عند جانبيه كمن يمتنع بالقوة عن توجيه ضربة خاطفة نحو الوجه المائل ببرود أمامه. كان

  • حروف بلا صوت    الفصل ٧٢

    تسمّر زياد مكانه، وانعقد لسانه من هول الصدمة. أما يمان، فما إن أدرك ما جرى حتى انحنى بظهره هلعاً إلى الخلف، ممدداً ذراعيه للأمام بابتلاع مقرف وعينين جاحظتين متسعتين، وصرخ باختناق وقرف هائل وهو يشير إلى بدلته الجديدة المدمرة: "مجنونةةة! ماذا فعلتِ بحق الجحيم؟!" سعلت لمار بعنف من أثر الاستفراغ، ثم رفعت يدها تمسح فمها براحة بالغة. رفعت بصرها نحو يمان المتقزز والمنزعج، الواقف بملامح مقطبة بانتظار عقابها. تقدمت نحوه ببرود مستفز، وأخرجت من حقيبتها منديلاً ورقياً تحاول العبث بمسح الثياب الملطخة قائلة: "أنتَ من منعني من الوصول إلى الحمام في الوقت المناسب." صاح بغضب هادر يشير بيده لنفسه: "يعني أنا المخطئ الآن بحق السماء؟!" ردت بلا مبالاة تتابع المسح: "بالتأكيد." دفعها بقوة عارمة بعيداً عنه، وعيناه تشتعلان بحلكة مرعبة، صارخاً بتهديد: "إياكِ أن تقتربي مني مرة أخرى!" أفلتت قدمها وسقطت أرضاً بقوة على أثر دفعته القاسية. قطبت حاجبيها متألمة وهي تتحسس كفها المجروح ومؤخرتها التي اصطدمت بالأرض بقسوة. وانطلق زياد فزعاً لنجدتها. انحنى زياد بكامل ثقله فوقها، وانقبضت ملامح وجهه و

  • حروف بلا صوت    الفصل ٧١

    رمقته لمار بنظرة طويلة ومتأملة قبل أن تستقر في مقعدها الوثير.التف زياد لمقعد السائق، ربط حزام الأمان، وأدار المحرك بانسيابية، ثم التفت متسائلاً:"سيدتي، هل ترغبين في التوجه مباشرة إلى القصر، أم هناك محطة أخرى تريدين قضاءها؟"أومأت بالنفي وهي تضع يدها برفق لتحك رأسها بتعب:"رجاءً.. إلى المنزل مباشرة."نظر زياد إليها عبر المرآة الأمامية بقلق:"هل حدث شيء؟"قوّست شفتيها بخمول بعد أن أطلقت زفرة طويلة:"لا شيء.. مجرد الروتين المعتاد."وبعد صمت طويل ساد المقصورة، قال زياد بنبرة جادة وهو يلاحظ استسلامها للنوم:"هل تعانين من مرض ما؟"صدمها سؤاله المفاجئ، ففتحت عينيها باتساع وأجابت بصوت مرتبك:"لِـ.. لماذا تسأل هذا؟!"قال مبرراً بحذر لتجنب التطفل:"أعتذر إن بدا سؤالي تدخلاً، لكن رغبتكِ العارمة في النوم وطريقتكِ في الاستغراق فيه طوال الطريق، لفتت انتباهي.. حتى حين نصل تبقين نائمة إن لم نوقظكِ. لاحظت ذلك طوال الأيام الماضية."ابتسمت لمار براحة خفية في صدرها وقالت:"لا، صحتي على ما يرام تماماً، لكني ببساطة لم أعتد على السيارات." ثم أردفت بضحكة خفيفة: "واجهت هذه المشكلة قديماً حين سُرق هاتفي وأن

  • حروف بلا صوت    الفصل ٧٠

    قالت سارة بقلق بالغ ونبرة متسائلة ترتجف:"وماذا حدث بعدها؟! وكيف تم إنقاذك ؟ أو كيف انتهى بكِ الأمر متزوجة بهذه السرعة؟! أخبرينا بالتفاصيل، رجاءً!"انخرطت لمار في سرد الخطوط العريضة لما جرى معها طوال الشهر الماضي، حريصة على انتقاء كلماتها بدقة؛ فتحدثت بنبرة تتناسب مع صديقاتها دون الدخول في تفاصيل قد تخدش حياءها، ومخفية تماماً حقيقة الخلافات الحادة وبشاعة العلاقة التي تجمعها بيمان، أو ذلك التناقض المعقد الذي يعيشانه داخل جدران القصر.وفي ذات اللحظة، كان يمان في مكتبه الفخم، يدقق في الملفات والتقارير التي تراكمت كالجبال بسبب انشغاله القسري بزفافه، مترنحاً بين الانشغال بالعمل ومحاولة إزعاج لمار بين الحين والآخر.كان المكتب يعج برائحة الأوراق المكدسة، وعبق دخان سيجارة موضوعة على منفضة بلورية بجواره، متداخلة مع نفحات عطر نسائي فواخر.وقفت قمر بقربه، تقلّب بأسلوب مدروس صفحات الملف الذي كان يدرسه بعناية. وكعادتها، كانت متألقة حتى حد الكمال، ترتدي فستاناً أحمر يقطع نَفَس الغرفة. كانت ترمش بطرف عينيها متلصصة نحو ذلك الشيء اللامع في إصبعه.. الخاتم الذي لم يكن يرتديه حين أتاها يوم زفافه. وبينما

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status