Share

الفصل ٣

Author: اليف
last update publish date: 2026-07-20 16:06:33

ارتسمت على شفتي شمس ابتسامة لطيفة، دافئة كسرت برودة الجو المحيط بهما، ثم التفت نحو لمار وسألها بنبرة هادئة:

"هل تناولتِ إفطاركِ بعد؟"

هزت لمار رأسها نفيّاً، وأنزلت عينيها نحو الأرض وهي تعبث بأصابعها:

"لا.. لقد نسيت تماماً. البارحة استدعتني أمي للمنزل، كانت حازمة في اتصالها وأرادتني هناك قبل المساء، ولم أستطع رفض طلبها أو التفكير في شيء آخر."

بابتسابته المعهودة، رفع شمس إصبعه وطرق جبهتها برفق مداعباً إياها:

"لا تزال فتاتنا ساذجة كما هي! وما علاقة اتصال والدتكِ بإهمال إفطاركِ؟ أخبرتكِ أن تذهبي إلى منزل عائلتكِ، لا أن تذهبي بجسدٍ خاوٍ وجائعة!"

فركت لمار جبهتها مكان ضربته الخفيفة، وجمعت حواجبها بتذمر ساخر تخفي وراءه ضحكة:

"آه.. لقد كان هذا مؤلماً حقاً!"

انطلقت ضحكة شمس الهادئة، ثم مد ذراعه ليضم كتفها برفق، دافعاً إياها للمشي بجانبه:

"دعينا نتناول الإفطار أولاً، ثم نذهب لتنفيذ أوامر الملكة!"

توقفت لمار فجأة في مكانها، ولمعت عيناها ببريق فكرة مباغتة. استدارت نحوه وبوجهٍ مشرق سألته بحماس:

"هل تملك وسيلة نقل اليوم؟ أم أننا سنضطر لاستخدام دراجتي النارية؟"

رفع شمس حاجبيه بذهول وصدمة، وتراجع خطوة للخلف وهو يتأملها:

"دراجتكِ النارية؟! ومنذ متى أصبحتِ مهووسة بالدراجات والقيادة؟"

أدخلت لمار يدها في حقيبتها بزهو، وأخرجت سلسلة مفاتيحها ولوّحت بها في الهواء ليرنّ معدنها بوضوح:

"هيا بنا.. دعني أريك، وسأقوم بإيصالك بنفسي اليوم!"

تقدمت نحو دراجتها النارية المركونة قريباً؛ كانت دراجة سوداء فاحمة، شاهقة وهجومية من طراز (Yamaha MT) بأحدث إصداراتها. صعدت فوق مقعدها الجلدي بسلاسة، وارتدت خوذتها المحكمة قبل أن تمد يدها بالخوذة الأخرى البيضاء نحو شمس.

اتسعت عينا شمس بدهشة حقيقية وهو يدور حول الدراجة، يلمس هيكلها المعدني المصقول ويتفحص ميكانيكيتها بتمعن:

"يا فتاة.. من أين لكِ ثمن هذا الوحش؟! بالتأكيد سرقتِ مصرفاً ما.. إنها باهظة الثمن بشكل جنوني!"

ضمت لمار شفتيها بعبوس طفولي حزين، وحركت رأسها يميناً وشمالاً هرباً من سؤاله:

"دعنا نذهب الآن فحسب.. الملكة لا تزال تنتظر، ولا نريد إغضابها."

ركب شمس خلفها مستسلماً، وأحكم إغلاق خوذته البيضاء، وما هي إلا ثوانٍ حتى هدر المحرك بقوة وانطلقا يشقان الشارع.

وفي الجانب الآخر من المدينة، داخل أروقة عيادة طبية خاصة وهادئة، جلست امرأة شابة في ركن الانتظار البعيد. لم تكن بارعة الجمال لدرجة تلفت الأنظار، لكنها لم تكن قبيحة بأي حال. كانت ترتدي ملابس سوداء فاخرة وأنيقة، وتضع قبعة عريضة الحواف تخفي نصف وجهها العلوي، ملقية بظلالها على عينيها لتضفي عليها هالة غامضة ومريبة.

كانت تقبض بيدين متوترتين على بعض الأوراق الطبية، وكأنها تنتظر دورها لمقابلة الطبيب. طوال الوقت، لم تنطق بكلمة واحدة، لكن نظراتها الخفية الحادة كانت تلاحق موظفة الاستقبال بنوع من الحسد والغيرة المكتومة.

وفجأة، ما إن تناهى إلى مسامعها صوت الممرضة وهي تتحدث في الهاتف الداخلي وتعتذر عن تأخر الطبيب، حتى تبدلت ملامح المرأة الهادئة، واشتعل وجهها بغضب صريح حاد.

نهضت من مكانها بخطوات سريعة، واندفعت نحو مكتب الاستقبال، ليخترق صوتها الحاد هدوء المكان المعقم:

"ألم تؤكدي لي أن الطبيب 'تيم' سيكون هنا في هذا الوقت؟! لقد انتظرتُ لأكثر من ساعة كاملة، ولا يزال غائباً!"

شحب وجه موظفة الاستقبال من الخوف أمام هجومها المفاجئ، وتلعثمت بارتباك وهي تتراجع للخلف:

"أنا.. أنا آسفة جداً يا سيدة.. سأحاول التواصل معه مجدداً عبر خطه الخاص لأعرف موعد قدومه بدقة."

لكن المرأة قاطعتها بعنف، ومدت يدها لتنتزع أوراقها الطبية من فوق الطاولة الخشبية بقوة كادت تمزقها، وصرخت بوعيد:

"اشكري السماء أنكِ لا تعملين في شركتي وتحت إمرتي.. وإلا لما رحمتكِ ولألقيتُ بكِ في الشارع!"

استدارت وغادرت المبنى مسرعة، يتدلى خلفها وشاحها الأسود، وهي تتمتم بفحيح خافت:

"حفنة من الجهلة والأغبياء!"

راقبتها موظفة الاستقبال بعينين متسعتين حتى اختفى ظلها تماماً وراء الباب الزجاجي، ثم زفرت تنهيدة ارتياح طويلة، ووضعت يدها على صدرها وهي تهمس لنفسها:

"أوه.. أخيرًا ذهبت! كادت بنظراتها تلك أن تخرج قلبي من مكانه!"

عند خروج هذه المرأة من مبنى العيادة المكون من طابقين، استقبلتها أشعة الشمس، فسحبت هاتفها من حقيبتها وضغطت على زر الاتصال بسرعة، ثم تحدثت بنبرة حادة، جافة وقاطعة:

"هل لا يزال تحت أنظاركم؟"

جاءها صوت رجولي خشن وغليظ عبر السماعة:

"لا تقلقي أبداً، سيدة تالا. لا تزال كل تحركاته تحت مراقبتنا المشددة، ولم يغب عنا لحظة."

ارتسمت على شفتي تالا ابتسامة ثقة ورضا، ابتسامة باردة وغموضها يحمل من الرعب أكثر مما يحمل من الطمأنينة، وقالت:

"أحسنتم.. لا تدعوه يغيب عن ناظريكم ثانية واحدة. أرسلوا لي موقعه الحالي فوراً، سألحق به الآن."

أغلقت الخط بقسوة، وعيناها تلمعان بنوايا خبيثة لا تبشر بخير أبداً.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حروف بلا صوت    الفصل ٧١

    رمقته لمار بنظرة طويلة ومتأملة قبل أن تستقر في مقعدها الوثير.التف زياد لمقعد السائق، ربط حزام الأمان، وأدار المحرك بانسيابية، ثم التفت متسائلاً:"سيدتي، هل ترغبين في التوجه مباشرة إلى القصر، أم هناك محطة أخرى تريدين قضاءها؟"أومأت بالنفي وهي تضع يدها برفق لتحك رأسها بتعب:"رجاءً.. إلى المنزل مباشرة."نظر زياد إليها عبر المرآة الأمامية بقلق:"هل حدث شيء؟"قوّست شفتيها بخمول بعد أن أطلقت زفرة طويلة:"لا شيء.. مجرد الروتين المعتاد."وبعد صمت طويل ساد المقصورة، قال زياد بنبرة جادة وهو يلاحظ استسلامها للنوم:"هل تعانين من مرض ما؟"صدمها سؤاله المفاجئ، ففتحت عينيها باتساع وأجابت بصوت مرتبك:"لِـ.. لماذا تسأل هذا؟!"قال مبرراً بحذر لتجنب التطفل:"أعتذر إن بدا سؤالي تدخلاً، لكن رغبتكِ العارمة في النوم وطريقتكِ في الاستغراق فيه طوال الطريق، لفتت انتباهي.. حتى حين نصل تبقين نائمة إن لم نوقظكِ. لاحظت ذلك طوال الأيام الماضية."ابتسمت لمار براحة خفية في صدرها وقالت:"لا، صحتي على ما يرام تماماً، لكني ببساطة لم أعتد على السيارات." ثم أردفت بضحكة خفيفة: "واجهت هذه المشكلة قديماً حين سُرق هاتفي وأن

  • حروف بلا صوت    الفصل ٧٠

    قالت سارة بقلق بالغ ونبرة متسائلة ترتجف:"وماذا حدث بعدها؟! وكيف تم إنقاذك ؟ أو كيف انتهى بكِ الأمر متزوجة بهذه السرعة؟! أخبرينا بالتفاصيل، رجاءً!"انخرطت لمار في سرد الخطوط العريضة لما جرى معها طوال الشهر الماضي، حريصة على انتقاء كلماتها بدقة؛ فتحدثت بنبرة تتناسب مع صديقاتها دون الدخول في تفاصيل قد تخدش حياءها، ومخفية تماماً حقيقة الخلافات الحادة وبشاعة العلاقة التي تجمعها بيمان، أو ذلك التناقض المعقد الذي يعيشانه داخل جدران القصر.وفي ذات اللحظة، كان يمان في مكتبه الفخم، يدقق في الملفات والتقارير التي تراكمت كالجبال بسبب انشغاله القسري بزفافه، مترنحاً بين الانشغال بالعمل ومحاولة إزعاج لمار بين الحين والآخر.كان المكتب يعج برائحة الأوراق المكدسة، وعبق دخان سيجارة موضوعة على منفضة بلورية بجواره، متداخلة مع نفحات عطر نسائي فواخر.وقفت قمر بقربه، تقلّب بأسلوب مدروس صفحات الملف الذي كان يدرسه بعناية. وكعادتها، كانت متألقة حتى حد الكمال، ترتدي فستاناً أحمر يقطع نَفَس الغرفة. كانت ترمش بطرف عينيها متلصصة نحو ذلك الشيء اللامع في إصبعه.. الخاتم الذي لم يكن يرتديه حين أتاها يوم زفافه. وبينما

  • حروف بلا صوت    الفصل ٦٩

    اتسعت حدقتا سارة بصدمة، وارتدّ بصرها نحو الأستاذ بملامح منقبضة، ثم تتبعت نظراته لتصطدم بلمار الجالسة إلى جوارها مباشرة! كانت لمار قد أخبرتهن بموعد عودتها مسبقاً دون تحديد اليوم الدقيق، فبقيت سارة متسمرة مكانها لبرهة من الزمن دون أي ردة فعل.بادلت لمار الأستاذ ابتسامته وقالت بصوت مسموع ملأ أرجاء القاعة الواسعة:"نعم يا معلمي، لقد أطلتُ هذه المرة."قال الأستاذ وهو يقلب صفحات كتابه بذات النبرة الدافئة:"آمل أن يكون كل شيء على ما يرام، وأن يكون غيابكِ لسبب سعيد."أحنت لمار رأسها لتخفي وميض الحزن في عينيها، وقالت بخفوت:"أعتقد أنه لسبب سعيد.. شكرًا على اهتمامك معلمي."هنا أدارت لمار بصرها نحو سارة التي خلعت نظارتها الطبية ببطء، ولا تزال تحدق بها بنظرات تعج بالمشاعر المتضاربة. لم تتحمل سارة طويلاً، فهمّت باحتضانها بفرحة غامرة دون أن تنطق بحرف. بادرتها لمار العناق بسعادة وهي تربت على ظهرها بحنان، فشعرت أن دفء العالم قد عاد ليسكن قلبها من جديد. كانت أعين الجميع في القاعة تحوم نحوهما، بينما ترسم ابتسامة عريضة على وجه الأستاذ وهو يشهد هذا اللقاء.بدأ الجميع يهمسون بالتهاني لعودتها سالمة، وكانت

  • حروف بلا صوت    الفصل ٦٨

    جاءه صوتها الحاد والواضح من خلف باب الحمام: "اخرس وارتدِ ثيابك! ولا تظهر أمامي هكذا مجدداً!" مرت الأيام تباعاً، وحان الموعد المنتظر للمار كي تعود إلى مقاعد جامعتها. كان الحماس يغلف كل ملامحها، وبدت وكأنها تطير فرحاً وهي تمشي؛ كانت بشرتها تتوهج سعادة، وتبدو أجمل بكثير في هذا اليوم الذي انتظرته بفارغ الصبر منذ أن تزوجت وأُجبرت على البقاء في القصر كي لا تثير الشبهات أمام العائلة، بينما يمان لا يعود إلى القصر إلا متأخراً بعد منتصف الليل متسللاً، يقضي جل وقته في مكتبه وبالكاد يريان بعضهما. كانت رفيقات لمار في انتظار عودتها بشوق. وبما أنها كانت تمكث في قصر العائلة الفاخر، لم يتجرأن على زيارتها سابقاً كي لا يتسببن في الإزعاج، ولكي لا يحرجنها مع عائلتها الجديدة كونها لا تزال العضو الأحدث فيها. "حريتي الجميلة.. أخيراً سأستعيدكِ!" كانت لمار تشعر بالسعادة العارمة في ذلك الصباح؛ فقد اشتاقت للجامعة وأجوائها كثيراً، عدا عن أنها ستبعدها عن جو القصر الخانق وعن يمان لبعض الوقت. لم تهتم حتى بكون يمان هو من سيوصلها بسيارته في يومها الأول؛ فحماس العودة كان طاغياً تماماً على عجرفته المعهودة. كان كل

  • حروف بلا صوت    الفصل ٦٧

    كانت أعين الجميع متجهة نحوهما في الصالة؛ بعضهم بإعجاب صريح، وبعضهم بنظرات حسد مكتومة. الناس كثيرون والنظرات متباينة؛ الفتيات الصغيرات اللاتي كن في سن مناسبة للزواج كن ينظرن إلى يمان بإعجاب وتودد، وفي المقابل، كانت هناك همسات خفية تنطلق من خلف ظهر لمار تقول بتهكم إنه أفضل منها بكثير وأنها لا تستحقه، وكان أغلب الموجودين يترددون هذه الشائعات بين بعضهم.لم يتكلما مع أحد لفترة طويلة، واقتصر الأمر على إلقاء التحيات الرسمية؛ كان كامل انتباه الجميع منصباً على أصحاب القصر. وتجاهل الغالبية لمار، فبقيت تجلس وحدها على أريكة المخمل البعيدة عن الحشد المنهمك في الوقوف والأحاديث الصاخبة، وكأنهم يمارسون طقساً اجتماعياً يعتادونه جيداً.لكن من بين جميع أفراد ذلك الحشد المزدحم، كانت هناك عين واحدة تراقب لمار بدقة؛ عين واحدة تقف بعيداً ترصد قلة حيلتها وغربتها في مكان مليء بالمكائد والهمسات. نظرت لمار نحو مصدر تلك النظرة، فأومأ لها برأسه بلطف ومواساة.. إنه زياد، يراقبها بأمان.وقبل اقتراب انتهاء التجمع، نهضت لمار وذهبت نحو السيدة فاتن وأخبرتها برقة أنها تشعر بالتعب وترغب في الذهاب إلى غرفتها للراحة.أومأت

  • حروف بلا صوت    الفصل ٦٦

    رفعت لمار رأسها ووجّهت نظراتها الغاضبة نحو عينيه مباشرة:"أعتقد بأنك نسيتَ أنني لم أكن أرغب في هذا الزواج إطلاقاً.. لهذا لا تحاول الاقتراب مني!"وفي ثانية واحدة، دفعها يمان بقوة حتى ارتطم ظهرها بالحائط، وضغط بصلابة جسده ضد جسدها الرقيق! تثبتت يداه على الحائط الرخامي بجوار رأسها كالسجن، وكانت أنفاسه الغاضبة الحارة تحرق بشرة وجنتها وعنقها، يوجه نظراته المشتعلة نحو عينيها مباشرة، وصدره العريض يعلو ويهبط بقوة واضطراب:"لا يصيبكِ الغرور وتظني أنني أرغب فيكِ! أنتِ حتى لستِ بتلك المثالية لتكوني مغرورة إلى هذه الدرجة!"ابتسمت لمار بثقة باردة ولم تتراجع:"إذن، نحن الاثنان متفقان على هذه النقطة تماماً."تباعدت شفتا يمان بذهول، وحرك حاجبه باستفهام:"أي نقطة؟"أكملت لمار والابتسامة الثابتة تتشكل على شفتيها:"أننا نحن الاثنان تزوجنا فقط من أجل عائلتينا."ودفعت صدره هذه المرة بلطف ومرونة، ومشت إلى الأمام تمر بجواره كالملكة، ثم أضافت بنبرة هادئة ورزينة:"آمل أن تحافظ على المسافة الفاصلة بيننا.."ثم أردفت بنبرة صارمة وحاسمة:"لا أريد تكرار ذلك الأمر مرة أخرى!"أمسكها يمان بسرعة مرة أخرى من كتفها وسحب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status