Share

الفصل 5

Author: باقة الزهور
كان الألم يمزق قلبها، وانهمرت دموعها بلا توقف. وظلت تضغط بيدها على صدرها لبعض الوقت حتى هدأت قليلا.

بعد ذلك مباشرة، رن هاتفها فجأة. كان اتصالا من شركة الطيران لتأكيد معلومات التذكرة.

"السيدة قمر، صدرت تذكرة الرحلة ذات الاتجاه الواحد التي حجزتها إلى مدينة السحاب. هل ترغبين أن نختار لك مقعدا؟"

"بجانب النافذة، شكرا." مسحت قمر دموعها بارتباك، وكان صوتها خافتا حتى كاد لا يُسمع.

ما إن أنهت المكالمة حتى انفتح باب غرفتها في المستشفى.

دخل نادر بخطوات ثابتة، مرتديا بدلة مكوية بعناية، وكان كل شيء في مظهره، حتى أساور قميصه، مرتبا بلا أدنى خلل.

سألها بفتور: "مع من كنت تتحدثين؟"

وضعت قمر الهاتف جانبا. "صديقة."

لم يواصل نادر السؤال، بل وقف إلى جانب السرير، ونظر إليها من عل. "اتضح أننا أخطأنا بشأن ما حدث المرة الماضية. بيان هي التي قدمت لهما عصير المانجو."

كانت نبرته هادئة كأنه يتحدث عن الطقس. "لكنها لم تكن على علم بحساسيتهما تجاه المانجو، فلنعتبر الأمر منتهيا."

شعرت قمر كأن يدا خفية قبضت على قلبها بعنف، حتى كاد الألم يخنقها.

حين ظن أنها هي من أعطتهما العصير، كاد يقتلها. أما حين اتضح أن بيان هي من فعلت ذلك، فقد اختصر الأمر كله ببرود في عبارة: لم تكن على علم.

فتحت فمها. أرادت أن تواجهه وتطالبه بتفسير، وأن تصرخ في وجهه، وأن تفرغ كل ما تراكم في صدرها من ظلم وقهر ومرارة.

لكن ما إن بلغت الكلمات طرف لسانها حتى لم يخرج منها سوى همسة خافتة بالكاد وصلت إلى مسامعه:

"حسنا."

وكأن جسدها قد فرغ من كل قوة. كانت منهكة إلى حد أنها لم تعد تملك حتى الرغبة في الجدال.

كل ما أرقها من مظالم، وكل ما تراكم في قلبها من قهر يوما بعد يوم، تحول في تلك اللحظة إلى ابتسامة ساخرة مريرة ارتسمت على شفتيها.

إذن، هكذا بكل بساطة يكون الفرق بين من يحب ومن لا يحب.

بدا أن نادر فوجئ برد فعلها قليلا. توقف لحظة، ثم قال: "سيذهب الطفلان إلى المخيم الصيفي الأسبوع القادم، وسأرافقهما أنا وبيان. أما أنت فعودي وحدك."

كان ينتظر منها أن تتوسل إليه أو تبكي وتثير ضجة كما كانت تفعل من قبل، لكن قمر اكتفت بأن أومأت بهدوء وقالت: "فهمت."

قطب نادر حاجبيه، وشعر أن رد فعلها غير طبيعي، لكن هاتفه رن في تلك اللحظة. ألقى نظرة على شاشة الهاتف وقال: "هناك أمر في الشركة، يجب أن أذهب الآن."

بعد أن أُغلق الباب، أرخت قمر أخيرا قبضتها المشدودة. وفي كفها ظهرت بوضوح أربعة آثار دموية على شكل أهلة صغيرة.

خلال الأيام التالية، أخذ هاتف قمر يهتز مرة تلو الأخرى، وكانت كلها رسائل من بيان.

سلسلة طويلة من الصور ومقاطع الفيديو، تسجل أوقاتا سعيدة في المخيم الصيفي.

في الفيديو، كان نور ولؤلؤة يقدمان بيان إلى زملائهما بفخر. "هذه أمنا!"

تعالت صيحات إعجاب الأطفال من كل جانب.

"واو! أمكما جميلة جدا!"

"أبوكما وسيم وأمكما جميلة، أنتما محظوظان جدا!"

سأل أحد الأطفال بفضول: "فمن الذي يوصلكما إلى المدرسة ويعيدكما منها عادة؟"

في المقطع، تجمدت ملامح نور ولؤلؤة للحظة.

"آه، إنها... المربية التي تعتني بنا."

ارتجفت يد قمر، فسقط كوب الماء من يدها على الأرض.

جلست القرفصاء ببطء، ونظرت إلى الشظايا المتناثرة على الأرض، ثم ضحكت فجأة.

اتضح أنها طوال هذه السنوات لم تكن سوى مربية مجانية.

لكن لا بأس، فهذه المربية ستتوقف قريبا عن أداء هذا الدور.

ومن الآن فصاعدا، فلتتول "أمهما" الحبيبة أمر رعايتهما.

بعد أسبوع، أعاد رئيس الخدم نور ولؤلؤة إلى الفيلا.

ما إن دخلا من الباب حتى اندفعا مباشرة إلى المطبخ، وعلى وجهيهما زهو لا يمكن إخفاؤه.

صاحت لؤلؤة بصوت حاد: "أمي! هل تعلمين؟ التوى كاحل الخالة بيان في اليوم الرياضي العائلي، وكان أبي قلقا عليها جدا!"

وسارع نور إلى الإضافة بلهفة: "أبي حجز مستشفى بأكمله من أجل علاج الخالة بيان، حتى إنه أجل اجتماعات الشركة وبقي إلى جانبها طوال الوقت!"

وقفت قمر أمام الفرن، تستمع بهدوء إلى تباهي الطفلين، وبيدين ثابتتين ارتدت قفازي الفرن.

"أمي، أما زلت تسمعينني؟" دبدبت لؤلؤة بقدمها ساخطة. "أبي يعامل الخالة بيان بلطف شديد، بل أفضل مما يعاملك..."

وفجأة رن الفرن، فقطع ثرثرتها المتواصلة.

انتشرت الرائحة الحلوة في المطبخ كله في لحظة. لمعت عينا الطفلين، واقتربا منها فورا.

"إنها كعكة!" وقف نور على أطراف أصابعه. "أريد أن آكل منها!"

أخرجت قمر الصينية. كانت أطراف الكعكة محروقة قليلا.

قطبت حاجبيها، ثم أفرغت الصينية مباشرة في سلة المهملات.

صرخت لؤلؤة: "آه! لماذا رميتها؟"

قالت قمر بهدوء: "احترقت. لا يمكن أكلها."

قال نور بغضب وهو يركل سلة المهملات: "أنت تكذبين! أنت فعلت ذلك عمدا! أنت ما زلت غاضبة منا بسبب ما حدث في المرة الماضية، لذلك لا تريدين أن تعطينا منها. أنت أم سيئة!"

احمر وجه لؤلؤة الصغير بشدة. "لا أم لنا مثلك!"

خلعت قمر قفاز العزل الحراري، وشعرت كأن يدا خفية قبضت على قلبها بعنف.

نظرت إلى الطفلين أمامها، هذين الطفلين اللذين أنجبتهما بعد أن عانت حتى كادت تفقد حياتها، وفجأة شعرت أنهما غريبان عنها إلى حد لا يوصف.

قالت بصوت خافت: "حسنا إذن، ولا أبناء لي من أمثالكما."

"من الآن فصاعدا، اذهبا إلى بيان."

بعد أن قالت ذلك، استدارت ومشت نحو الدرج.

ومن خلفها، انطلقت صرخات الطفلين الهستيرية.

"نحن نكرهك! سنكرهك إلى الأبد!"

توقفت قمر للحظة، لكنها لم تلتفت.

وحين صعدت إلى الدرجة الثالثة، تلقت فجأة دفعة قوية في ظهرها—

"موتي!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 23

    وقفت قمر على الشرفة، تنظر إلى توتة في الفناء وهي تسقي حوض الزهور.كانت الصغيرة ترتدي فستانا أصفر فاتحا، وتدندن أغنية أطفال بلا لحن واضح، وتقفز هنا وهناك، ويبدو عليها أنها سعيدة جدا."فيم تفكرين؟"أحاطها غيث بذراعيه الدافئتين من الخلف، وأسند ذقنه برفق إلى كتفها.كانت رائحة مطهرات المستشفى لا تزال تفوح من ثيابه، مما دل على أنه عاد لتوه من نوبته.قالت قمر قبل أن تلتفت، ولم تستطع منع نفسها من الابتسام: "كنت أفكر...""كنت أفكر في أول مرة التقينا فيها، حين جئت بتوتة لشراء الكتب المصورة."ضحك غيث بخفوت، وكانت عيناه خلف النظارة ذات الإطار الذهبي ممتلئتين بالحنان."قلت في نفسي آنذاك: كيف بقيت زميلتي الأصغر مني بهذا الجمال بعد كل هذه السنوات؟"قالت قمر وهي تضرب كتفه بخفة، وقد انفجرت ضاحكة: "كم تجيد الكلام المعسول!"أثار ضحكهما انتباه توتة في الفناء.ألقت الصغيرة إبريق الماء جانبا، واندفعت إلى الطابق العلوي كفراشة صغيرة."خالي! أختي قمر! بماذا تتهامسان؟"انحنى غيث وحمل ابنة أخته، ثم قبلها على خدها الصغير الملطخ بالطين."خالك كان يسأل أختك قمر هل تريد أن تبقى معنا إلى الأبد."أضاءت عينا توتة في لح

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 22

    هطلت أمطار كثيرة على مدينة السحاب في الفترة الأخيرة، حتى إن الإقبال على "مكتبة القمر الصافي" صار أقل بكثير.لكن سيارة مايباخ ظلت متوقفة أمام الباب أياما متتالية، وبقي من فيها يترقبون عند المدخل من دون أن يغادروا."أختي قمر، انظري إلى الرسم الذي رسمته!" رفعت توتة رسمة بالألوان الشمعية، وأقبلت نحوها بخطوات وثابة مفعمة بالفرح، لكنها توقفت فجأة عندما رأت تعبير وجهها.سألتها توتة بحذر: "أختي، هل أنت حزينة مرة أخرى؟"تكلفت قمر ابتسامة، ولم تجب، بل أخذت الورقة منها وقالت: "رسم جميل جدا. هل هذا أرنب صغير؟""نعم!" أومأت توتة بقوة، ثم أدارت يدها الصغيرة وأشارت إلى خارج النافذة."هل أنت حزينة لأن أولئك الأشرار عادوا مرة أخرى؟"خرج غيث من خلف رفوف الكتب، وفي يده كوب من شاي الزهور يتصاعد منه البخار.وقف بهدوء أمام النافذة، حاجبا قمر عن أنظار من في السيارة المقابلة.سأل بصوت خافت، وقد اتجه نظره إلى تلك السيارة الفارهة التي كانت متوقفة هناك منذ أسبوع كامل: "هل تريدين أن نتصل بالشرطة؟"ومن خلال ستار المطر، كان يمكنهما أن يلمحا طفلين صغيرين ملتصقين بزجاج السيارة، يتطلعان بلهفة نحو المكتبة.هزت قمر رأسه

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 21

    داخل استوديو الخزف، كان كل شيء قد عاد إلى الهدوء.كانت قمر تعبث بالطين بين يديها بحركات آلية، وقد ابيضت مفاصل أصابعها من شدة ما كانت تضغط عليه.جلست توتة بهدوء إلى جانبها، تنظر إليها بين حين وآخر بقلق.لم تستطع الصغيرة أن تصمت أكثر، فنادتها وقد ارتسم القلق في عينيها اللامعتين: "أختي قمر...""هل أنت حزينة جدا؟ أختي، تبدين غير سعيدة."توقفت يد قمر لحظة، ثم أجبرت نفسها على ابتسامة. "لا يا توتة. لا تقلقي على. تابعي صنع وعائك الصغير."مد غيث إليها كوبا من الماء الدافئ في صمت، ووضعه برفق إلى جانبها، ثم قال: "هل تريدين أن تستريحي قليلا؟"هزت رأسها، واستقر نظرها على الوعاء الخزفي الذي لم تكمل تشكيله بعد.كان شكله ملتويا وغير متناسق، تماما كحالها المضطربة في تلك اللحظة.لم تفارق مخيلتها صورة عيني نور ولؤلؤة المحمرتين من البكاء، فشعرت بضيق مكتوم في صدرها.قالت بصوت خافت، كأنها تحدث نفسها أكثر مما تحدث غيرها: "إنهما... يبدوان أنحف من قبل."لم يرد غيث، بل بقي إلى جانبها بهدوء.تسللت أشعة الشمس عبر النافذة الزجاجية، وانسكبت على طاولة العمل. وكان الوعاء الصغير الذي صنعته توتة يتلألأ بلمعان خافت تحت

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 20

    فتحت فمها قليلا، ثم سألت بابتسامة مريرة:"ألم تكونا أنتما من دفعني من أعلى الدرج واتهماني بأنني أطعمتكما المانجو؟ ألم تفعلا كل ذلك بنفسيكما؟""ألم تقولا بنفسيكما إنكما لا تريدانني أما لكما، وإنكما لا تريدان سوى بيان أما؟""قد لا أكون أما مثالية، لكنني كنت دائما أبذل كل ما في وسعي لأعتني بكما بإخلاص وأحبكما.""ولا أدري لماذا كان هذا هو ما جنيته في النهاية."احمر وجهاهما خجلا، وعجزا عن الكلام. لكن نور لم يرد أن يستسلم، فتوسل مرة أخرى:"أمي، كنا في السابق صغيرين طائشين ولم نكن ندرك ما نفعله... أما الآن فقد عرفت أنني أخطأت. أرجوك، سامحينا."قبل أن تتمكن قمر من الكلام، قالت توتة فجأة بصوت خجول متردد:"أختي قمر..."كانت يدها الصغيرة تقبض بقوة على طرف ثوب قمر، وكانت عيناها الكبيرتان الجميلتان ممتلئتين بالدموع."هل سترحلين؟"انحنى غيث وحمل ابنة أخته، وواساها بصوت خافت: "توتة، لا تخافي. أختك قمر لن تتخلى عنك... وأيا كان المكان الذي تختار الذهاب إليه، فعلينا أن نحترم اختيارها.""وحتى إن لم تبق هنا، فستأتي كثيرا لزيارتك واللعب معك."نظر نادر إلى هذا المشهد، فاشتعل في صدره غضب لا يعرف مصدره.بأي ح

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 19

    هبطت طائرة نادر الخاصة في مطار مدينة السحاب في ذلك اليوم نفسه.كانت الشمس حارقة وشديدة السطوع حتى آلمت العينين. ضيق نادر عينيه وهو يراقب الحارسين الشخصيين يحملان الطفلين وينزلان بهما من الطائرة.رفعت لؤلؤة وجهها الصغير وسألته: "أبي، هل سنرى أمي حقا؟"كانت عيناها تلمعان بالترقب والقلق.قال نادر وهو يرتب ثيابه، بصوت هادئ واثق: "بالتأكيد.""ستفرح أمكما كثيرا حين تراكما."جاء المساعد بخطوات سريعة، وقدم له ملفا. "السيد نادر، تمكنا من تحديد مكان السيدة قمر. إنها الآن في استوديو طين ومرح للخزف شرقي المدينة، برفقة... ذينك الشخصين."كان في الملف صورة ملتقطة خلسة.كانت قمر تجلس القرفصاء أمام طفلة صغيرة، وتمسح برفق بقع الطين عن وجهها.وإلى جوارها وقف رجل طويل ممشوق القوام يرتدي نظارة، يراقبهما بابتسامة.تسللت أشعة الشمس عبر النافذة الزجاجية وغمرت الثلاثة، فبدا المشهد حميميا ودافئا على نحو آلمه.اشتدت قبضة نادر على الصورة من غير قصد، حتى تجعدت حافتها بين أصابعه.كان نادر يعرف جيدا معنى النظرة التي رمق بها ذلك الرجل قمر؛ فقد كان ذلك هو الحنان الذي لم يمنحها إياه قط.قال ببرود: "جهزوا السيارة.""سنذ

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 18

    وقف نادر أمام النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف في غرفة المكتب، يطرق سطح المكتب المصنوع من خشب الماهوجني بمفاصل أصابعه.تناثرت الصور التي أحضرها المساعد للتو على سطح المكتب. وكانت كل صورة منها كأنها سكين تنغرس في عينيه.سأل بصوت منخفض مخيف: "هل تأكدت أنها هي؟"مسح المساعد العرق عن طرف جبينه وقال: "نعم، بلا أدنى شك. افتتحت السيدة قمر مكتبة في مدينة السحاب، وتلقى المكتبة إقبالا جيدا. هذه الصور التقطناها الأسبوع الماضي."في الصور، كانت قمر واقفة أمام مكتبة اسمها "مكتبة القمر الصافي".تسلل ضوء الشمس عبر أوراق أشجار الدلب، فرسم عليها بقعا متداخلة من الضوء والظل.كانت ترتدي فستانا بسيطا من الكتان، وكان شعرها أقصر قليلا مما كان عليه حين غادرت. وكانت منحنية تحدث فتاة صغيرة في الخامسة أو السادسة من عمرها.وكان قد ارتسم على ملامحها لطف لم يره منذ زمن طويل.لكن أكثر ما وخز عينيه كان الرجل الواقف إلى جوارها.كان طويل القامة ممشوق القوام، وكانت نظراته من خلف نظارته ذات الإطار الذهبي تستقر على قمر بلطف.كان الرجل يحمل تلك الفتاة الصغيرة بين ذراعيه. أما مشهدهم الثلاثة واقفين معا، فبدا متناغما إلى حد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status