Share

الفصل 6

Author: باقة الزهور
وفيما كانت الدنيا تدور بها، تدحرج جسدها بعنف إلى أسفل الدرج.

اجتاح الألم الحاد جسدها كله في لحظة، وسال سائل دافئ من جبينها، فحجب رؤيتها.

وقف الطفلان عند أعلى الدرج، وعلى وجهيهما ابتسامة شريرة تنم عن الشماتة.

قالت لؤلؤة وهي تصفق بيديها: "هذا جزاؤك!"

وأخرج نور لسانه لها ساخرا: "هذا لأنك لم تسمحي لنا بأكل الكعكة!"

رفعت قمر نفسها بصعوبة متكئة على ذراعيها، والدم يقطر من ذقنها على الأرض.

نظرت إلى هذين الشيطانين الصغيرين أمامها، ولم تستطع مهما حاولت أن تربط بينهما وبين الطفلين اللذين خاطرت بحياتها لتلدهما حين كانت على شفا الموت في غرفة الولادة.

اندفع الباب الرئيسي مفتوحا فجأة.

"ما الذي يحدث؟"

جاء صوت نادر المنخفض، وكانت بيان خلفه. وما إن وقعت أعين الثلاثة على المشهد حتى تجمدوا جميعا.

"أبي!" تبدلت ملامح الطفلين في الحال، ثم اندفعا إليه متصنعين البكاء. "أمي رمت الكعكة في سلة المهملات ولم تسمح لنا بأكلها، وقالت إنها لم تعد تريدنا!"

وقعت عينا نادر على الكعك في سلة المهملات، ثم التفت إلى قمر التي كان الدم يغطيها، فعقد حاجبيه بشدة. "قمر، لماذا تصرين على افتعال المشكلات مع طفلين صغيرين؟"

كان صوته باردا كالجليد: "أتقولين كلاما كهذا لطفليك اللذين أنجبتهما؟ أتستحقين أن تكوني أما؟"

استندت قمر إلى الجدار ونهضت ببطء، وقد تلطخت ياقة ملابسها بالدم.

نظرت إلى نادر، وفجأة ضحكت.

قالت بصوت أجش: "ومتى كنت أستحق في نظرك؟ ألم تكن دائما تراني مجرد أداة لإنجاب الورثة؟"

ضاقت حدقتا نادر قليلا.

مسحت قمر الدم عن وجهها، وقالت: "بما أن الزوجة التي تريدها هي بيان، وبما أن الطفلين لا يريدان أما غيرها، فسأتنازل عن مكاني وأحقق لكم ما تريدون، لتصبحوا أسرة من أربعة أفراد."

تجمد الهواء في لحظة.

اكفهرت ملامح نادر على نحو مخيف، وظل يحدق في قمر بحدة، كأنه يراها على حقيقتها للمرة الأولى.

قال بصوت منخفض بارد: "قمر، لا تنسي أن الزواج بين عائلتي المنصوري والصافي كان تحالفا قائما على المصالح، ولم يكن بيننا حب من الأساس."

ثم سخر ببرود: "ماذا تريدين مني أن أعطيك؟ الحب؟ آسف، هذا شيء لا أستطيع أن أعطيه لك."

ضحكت قمر بسخرية مريرة، لكن دموعها انهمرت وهي تضحك.

نعم، كان محقا.

كانت هي الغبية والحمقاء، إذ توهمت أنها تستطيع إنزال ذلك الإله من عليائه.

وقد سبق أن أنزله شخص من عليائه بالفعل، لكن ذلك الشخص لم يكن هي.

كان عليها أن تعرف ذلك منذ البداية.

قالت بيان في الوقت المناسب، وهي تمسك بذراع نادر: "نادر، يكفي... لقد فزع الطفلان كثيرا. لنصعد بهما أولا."

نظر نادر إلى قمر نظرة عميقة، ثم استدار في النهاية، وحمل طفلا على كل ذراع، وغادر برفقة بيان.

ظلت قمر تنظر إلى ظهورهم المبتعدة، فيما ظل الدم يقطر منها بلا توقف.

اجتاحها في تلك اللحظة ندم لا يوصف.

ندمت على زواجها من نادر، وندمت على إنجاب هذين الطفلين.

في هذه الحياة، لن تكرر الخطأ نفسه أبدا.

من الآن فصاعدا، ستعيش لنفسها فقط.

بعد ثلاثة أيام، حل عيد ميلاد نور.

أقيم الحفل في أفخم فندق في وسط المدينة.

كانت الثريات الكريستالية تعكس أضواء براقة، وكان هرم كؤوس الشمبانيا يتلألأ في وسط قاعة الحفل. وكعادته، حجز نادر الطابق بأكمله، وأقام لنور حفلا فخما بمناسبة عيد ميلاده.

وقفت قمر في زاوية القاعة، تنظر إلى نور ولؤلؤة وهما يمسكان يد بيان من الجانبين، ويدوران حولها مثل عصفورين فرحين. ظل الطفلان ملتصقين ببيان طوال الحفل، وتعمدا أن يتركا أمهما الحقيقية جانبا.

كان نادر واقفا على مسافة غير بعيدة، يحمل كأس الشمبانيا بين أصابعه الطويلة، وكانت نظراته تتجه إلى بيان بين الحين والآخر، وفي عينيه حنان لم تنله قمر قط.

"السيد نادر عاشق وفي حقا. فبعد كل هذه السنوات، لا يزال لا يرى سوى الآنسة بيان."

"أجل، حتى الطفلان ورثا عنه ذلك، فلا يريان سوى الآنسة بيان."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 23

    وقفت قمر على الشرفة، تنظر إلى توتة في الفناء وهي تسقي حوض الزهور.كانت الصغيرة ترتدي فستانا أصفر فاتحا، وتدندن أغنية أطفال بلا لحن واضح، وتقفز هنا وهناك، ويبدو عليها أنها سعيدة جدا."فيم تفكرين؟"أحاطها غيث بذراعيه الدافئتين من الخلف، وأسند ذقنه برفق إلى كتفها.كانت رائحة مطهرات المستشفى لا تزال تفوح من ثيابه، مما دل على أنه عاد لتوه من نوبته.قالت قمر قبل أن تلتفت، ولم تستطع منع نفسها من الابتسام: "كنت أفكر...""كنت أفكر في أول مرة التقينا فيها، حين جئت بتوتة لشراء الكتب المصورة."ضحك غيث بخفوت، وكانت عيناه خلف النظارة ذات الإطار الذهبي ممتلئتين بالحنان."قلت في نفسي آنذاك: كيف بقيت زميلتي الأصغر مني بهذا الجمال بعد كل هذه السنوات؟"قالت قمر وهي تضرب كتفه بخفة، وقد انفجرت ضاحكة: "كم تجيد الكلام المعسول!"أثار ضحكهما انتباه توتة في الفناء.ألقت الصغيرة إبريق الماء جانبا، واندفعت إلى الطابق العلوي كفراشة صغيرة."خالي! أختي قمر! بماذا تتهامسان؟"انحنى غيث وحمل ابنة أخته، ثم قبلها على خدها الصغير الملطخ بالطين."خالك كان يسأل أختك قمر هل تريد أن تبقى معنا إلى الأبد."أضاءت عينا توتة في لح

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 22

    هطلت أمطار كثيرة على مدينة السحاب في الفترة الأخيرة، حتى إن الإقبال على "مكتبة القمر الصافي" صار أقل بكثير.لكن سيارة مايباخ ظلت متوقفة أمام الباب أياما متتالية، وبقي من فيها يترقبون عند المدخل من دون أن يغادروا."أختي قمر، انظري إلى الرسم الذي رسمته!" رفعت توتة رسمة بالألوان الشمعية، وأقبلت نحوها بخطوات وثابة مفعمة بالفرح، لكنها توقفت فجأة عندما رأت تعبير وجهها.سألتها توتة بحذر: "أختي، هل أنت حزينة مرة أخرى؟"تكلفت قمر ابتسامة، ولم تجب، بل أخذت الورقة منها وقالت: "رسم جميل جدا. هل هذا أرنب صغير؟""نعم!" أومأت توتة بقوة، ثم أدارت يدها الصغيرة وأشارت إلى خارج النافذة."هل أنت حزينة لأن أولئك الأشرار عادوا مرة أخرى؟"خرج غيث من خلف رفوف الكتب، وفي يده كوب من شاي الزهور يتصاعد منه البخار.وقف بهدوء أمام النافذة، حاجبا قمر عن أنظار من في السيارة المقابلة.سأل بصوت خافت، وقد اتجه نظره إلى تلك السيارة الفارهة التي كانت متوقفة هناك منذ أسبوع كامل: "هل تريدين أن نتصل بالشرطة؟"ومن خلال ستار المطر، كان يمكنهما أن يلمحا طفلين صغيرين ملتصقين بزجاج السيارة، يتطلعان بلهفة نحو المكتبة.هزت قمر رأسه

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 21

    داخل استوديو الخزف، كان كل شيء قد عاد إلى الهدوء.كانت قمر تعبث بالطين بين يديها بحركات آلية، وقد ابيضت مفاصل أصابعها من شدة ما كانت تضغط عليه.جلست توتة بهدوء إلى جانبها، تنظر إليها بين حين وآخر بقلق.لم تستطع الصغيرة أن تصمت أكثر، فنادتها وقد ارتسم القلق في عينيها اللامعتين: "أختي قمر...""هل أنت حزينة جدا؟ أختي، تبدين غير سعيدة."توقفت يد قمر لحظة، ثم أجبرت نفسها على ابتسامة. "لا يا توتة. لا تقلقي على. تابعي صنع وعائك الصغير."مد غيث إليها كوبا من الماء الدافئ في صمت، ووضعه برفق إلى جانبها، ثم قال: "هل تريدين أن تستريحي قليلا؟"هزت رأسها، واستقر نظرها على الوعاء الخزفي الذي لم تكمل تشكيله بعد.كان شكله ملتويا وغير متناسق، تماما كحالها المضطربة في تلك اللحظة.لم تفارق مخيلتها صورة عيني نور ولؤلؤة المحمرتين من البكاء، فشعرت بضيق مكتوم في صدرها.قالت بصوت خافت، كأنها تحدث نفسها أكثر مما تحدث غيرها: "إنهما... يبدوان أنحف من قبل."لم يرد غيث، بل بقي إلى جانبها بهدوء.تسللت أشعة الشمس عبر النافذة الزجاجية، وانسكبت على طاولة العمل. وكان الوعاء الصغير الذي صنعته توتة يتلألأ بلمعان خافت تحت

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 20

    فتحت فمها قليلا، ثم سألت بابتسامة مريرة:"ألم تكونا أنتما من دفعني من أعلى الدرج واتهماني بأنني أطعمتكما المانجو؟ ألم تفعلا كل ذلك بنفسيكما؟""ألم تقولا بنفسيكما إنكما لا تريدانني أما لكما، وإنكما لا تريدان سوى بيان أما؟""قد لا أكون أما مثالية، لكنني كنت دائما أبذل كل ما في وسعي لأعتني بكما بإخلاص وأحبكما.""ولا أدري لماذا كان هذا هو ما جنيته في النهاية."احمر وجهاهما خجلا، وعجزا عن الكلام. لكن نور لم يرد أن يستسلم، فتوسل مرة أخرى:"أمي، كنا في السابق صغيرين طائشين ولم نكن ندرك ما نفعله... أما الآن فقد عرفت أنني أخطأت. أرجوك، سامحينا."قبل أن تتمكن قمر من الكلام، قالت توتة فجأة بصوت خجول متردد:"أختي قمر..."كانت يدها الصغيرة تقبض بقوة على طرف ثوب قمر، وكانت عيناها الكبيرتان الجميلتان ممتلئتين بالدموع."هل سترحلين؟"انحنى غيث وحمل ابنة أخته، وواساها بصوت خافت: "توتة، لا تخافي. أختك قمر لن تتخلى عنك... وأيا كان المكان الذي تختار الذهاب إليه، فعلينا أن نحترم اختيارها.""وحتى إن لم تبق هنا، فستأتي كثيرا لزيارتك واللعب معك."نظر نادر إلى هذا المشهد، فاشتعل في صدره غضب لا يعرف مصدره.بأي ح

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 19

    هبطت طائرة نادر الخاصة في مطار مدينة السحاب في ذلك اليوم نفسه.كانت الشمس حارقة وشديدة السطوع حتى آلمت العينين. ضيق نادر عينيه وهو يراقب الحارسين الشخصيين يحملان الطفلين وينزلان بهما من الطائرة.رفعت لؤلؤة وجهها الصغير وسألته: "أبي، هل سنرى أمي حقا؟"كانت عيناها تلمعان بالترقب والقلق.قال نادر وهو يرتب ثيابه، بصوت هادئ واثق: "بالتأكيد.""ستفرح أمكما كثيرا حين تراكما."جاء المساعد بخطوات سريعة، وقدم له ملفا. "السيد نادر، تمكنا من تحديد مكان السيدة قمر. إنها الآن في استوديو طين ومرح للخزف شرقي المدينة، برفقة... ذينك الشخصين."كان في الملف صورة ملتقطة خلسة.كانت قمر تجلس القرفصاء أمام طفلة صغيرة، وتمسح برفق بقع الطين عن وجهها.وإلى جوارها وقف رجل طويل ممشوق القوام يرتدي نظارة، يراقبهما بابتسامة.تسللت أشعة الشمس عبر النافذة الزجاجية وغمرت الثلاثة، فبدا المشهد حميميا ودافئا على نحو آلمه.اشتدت قبضة نادر على الصورة من غير قصد، حتى تجعدت حافتها بين أصابعه.كان نادر يعرف جيدا معنى النظرة التي رمق بها ذلك الرجل قمر؛ فقد كان ذلك هو الحنان الذي لم يمنحها إياه قط.قال ببرود: "جهزوا السيارة.""سنذ

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 18

    وقف نادر أمام النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف في غرفة المكتب، يطرق سطح المكتب المصنوع من خشب الماهوجني بمفاصل أصابعه.تناثرت الصور التي أحضرها المساعد للتو على سطح المكتب. وكانت كل صورة منها كأنها سكين تنغرس في عينيه.سأل بصوت منخفض مخيف: "هل تأكدت أنها هي؟"مسح المساعد العرق عن طرف جبينه وقال: "نعم، بلا أدنى شك. افتتحت السيدة قمر مكتبة في مدينة السحاب، وتلقى المكتبة إقبالا جيدا. هذه الصور التقطناها الأسبوع الماضي."في الصور، كانت قمر واقفة أمام مكتبة اسمها "مكتبة القمر الصافي".تسلل ضوء الشمس عبر أوراق أشجار الدلب، فرسم عليها بقعا متداخلة من الضوء والظل.كانت ترتدي فستانا بسيطا من الكتان، وكان شعرها أقصر قليلا مما كان عليه حين غادرت. وكانت منحنية تحدث فتاة صغيرة في الخامسة أو السادسة من عمرها.وكان قد ارتسم على ملامحها لطف لم يره منذ زمن طويل.لكن أكثر ما وخز عينيه كان الرجل الواقف إلى جوارها.كان طويل القامة ممشوق القوام، وكانت نظراته من خلف نظارته ذات الإطار الذهبي تستقر على قمر بلطف.كان الرجل يحمل تلك الفتاة الصغيرة بين ذراعيه. أما مشهدهم الثلاثة واقفين معا، فبدا متناغما إلى حد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status