共有

الفصل 7

作者: باقة الزهور
وصلت أحاديث الضيوف وتعليقاتهم بوضوح إلى أذني قمر.

قال رجل أنيق ببدلة رسمية وهو يخفض صوته: "كنت زميلا للسيد نادر والآنسة بيان في الجامعة. كان حبه لها آنذاك جارفا، وكان يدللها على مرأى من الجميع. لم يكن ينقصه سوى أن يطلب يدها قبل التخرج."

قال الجالس إلى جواره وقد فهم الأمر أخيرا: "لا عجب! فالحبيبة الأولى تبقى الحبيبة الأولى. حتى إن لم تحمل لقب الزوجة، فستظل صاحبة المكانة الأهم في قلبه."

قال أحدهم باحتقار، وهو يرمق قمر بنظرة ساخرة: "وماذا جنت بعد أن تحايلت بكل ما تستطيع حتى تدخل هذه العائلة بالزواج؟ وماذا نفعها إنجاب الأطفال؟ في النهاية، لم تستطع أن تكسب قلب زوجها. أراها مقدرا لها أن تقضي بقية عمرها وحيدة تعيسة."

استمعت قمر بصمت، وكأن قلبها مكسو بطبقة كثيفة من الجليد؛ مثقلا ومكتوما، لكنه لم يعد يؤلمها.

أخذت نفسا عميقا، ثم استدارت وسارت نحو المصعد.

وفي اللحظة التي كان باب المصعد يوشك أن يغلق فيها، امتدت يد فجأة إلى الداخل.

دخلت بيان بخطوات رشيقة، وهي تنتعل حذاء ذا كعب عال، وقد ارتسمت على شفتيها الحمراوين ابتسامة خفيفة.

قالت وهي تحدق مباشرة في عيني قمر: "ستنقضي مدة الصلح قبل الطلاق بعد ثلاثة أيام."

"ستلتزمين بوعدك وترحلين، أليس كذلك؟"

ضغطت قمر زر الطابق الأرضي. "بالطبع."

"لا أحد يتمنى الرحيل في أسرع وقت أكثر مني."

عندها أظهرت بيان أخيرا ابتسامة راضية. "اطمئني، سأعتني بهذا البيت بدلا منك."

"على أي حال، نادر والطفلان لا يحبونك، وسينسونك شيئا فشيئا."

بدأ المصعد يهبط ببطء، ولم تجبها قمر.

وفجأة—

دوّى صوت ارتطام هائل، واهتز المصعد بعنف، ثم غرق من الداخل في ظلام دامس.

"آه!" صرخت بيان، وأخرجت هاتفها في ذعر. "نادر! أنقذني! المصعد تعطل!"

ارتطمت قمر بالجدار بقوة، وشعرت بألم حاد يمزق جبهتها، ثم أحست بسائل دافئ ينساب على خدها.

لم تعرف كم مضى من الوقت، حتى تعالت من الخارج جلبة ووقع أقدام متعجلة.

جاء صوت أحد رجال الإنقاذ من خلف باب المصعد: "هل من في الداخل بخير؟"

راحت بيان تضرب باب المصعد. "أنقذونا بسرعة! ساقي عالقة!"

دوّى صرير معدني حاد وهم يخلعون الباب بالقوة، ثم اندفع إلى الداخل شعاع ضوء مبهر.

أطل رجل الإنقاذ ليتفقد الوضع، وقد بدت على وجهه علامات القلق والجدية. "السيد نادر، ساق كل واحدة من السيدتين عالقة بين أجزاء الباب المشوهة. والوقت يداهمنا، ولا يمكننا إنقاذ سوى واحدة منهما أولا. من تريدون أن ننقذ؟"

ومن بين الضباب الذي غشى عينيها، رأت نادر واقفا خلف فريق الإنقاذ ومعه الطفلان.

استقر نظره على بيان، ولم يتردد ولو للحظة: "أنقذوا بيان."

تشبث نور ولؤلؤة بكمّ أحد رجال الإنقاذ وهما يبكيان، وصاحا: "أنقذوا الخالة بيان أولا! أسرعوا، أنقذوها!"

قطب رجل الإنقاذ حاجبيه. "السيد نادر، السيد الصغير نور، الآنسة لؤلؤة، إصابة السيدة الأخرى أخطر، ولذلك نوصي بإنقاذها أولا."

قال نادر بصوت بارد كالجليد: "قلت، أنقذوا بيان!"

تنهد رجل الإنقاذ، ولم يكن أمامه إلا تنفيذ قراره، فمد يده نحو بيان ليساعدها على الخروج.

راقبت قمر رجال الإنقاذ وهم يخرجون بيان بحذر شديد، بينما أخذ باب المصعد، بعد أن فقد نصف دعامته، يئن بصرير مخيف—

ثم دوّى صوت ارتطام هائل.

هوى المعدن المشوه بثقل على ساقها، فاجتاح جسدها في لحظة ألم ممض يخترق العظام.

وكان آخر ما رأته نادر مبتعدا وهو يحمل بيان بين ذراعيه، والطفلين يهللان ويقفزان فرحا.

ثم ابتلع الظلام وعيها تماما.

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 23

    وقفت قمر على الشرفة، تنظر إلى توتة في الفناء وهي تسقي حوض الزهور.كانت الصغيرة ترتدي فستانا أصفر فاتحا، وتدندن أغنية أطفال بلا لحن واضح، وتقفز هنا وهناك، ويبدو عليها أنها سعيدة جدا."فيم تفكرين؟"أحاطها غيث بذراعيه الدافئتين من الخلف، وأسند ذقنه برفق إلى كتفها.كانت رائحة مطهرات المستشفى لا تزال تفوح من ثيابه، مما دل على أنه عاد لتوه من نوبته.قالت قمر قبل أن تلتفت، ولم تستطع منع نفسها من الابتسام: "كنت أفكر...""كنت أفكر في أول مرة التقينا فيها، حين جئت بتوتة لشراء الكتب المصورة."ضحك غيث بخفوت، وكانت عيناه خلف النظارة ذات الإطار الذهبي ممتلئتين بالحنان."قلت في نفسي آنذاك: كيف بقيت زميلتي الأصغر مني بهذا الجمال بعد كل هذه السنوات؟"قالت قمر وهي تضرب كتفه بخفة، وقد انفجرت ضاحكة: "كم تجيد الكلام المعسول!"أثار ضحكهما انتباه توتة في الفناء.ألقت الصغيرة إبريق الماء جانبا، واندفعت إلى الطابق العلوي كفراشة صغيرة."خالي! أختي قمر! بماذا تتهامسان؟"انحنى غيث وحمل ابنة أخته، ثم قبلها على خدها الصغير الملطخ بالطين."خالك كان يسأل أختك قمر هل تريد أن تبقى معنا إلى الأبد."أضاءت عينا توتة في لح

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 22

    هطلت أمطار كثيرة على مدينة السحاب في الفترة الأخيرة، حتى إن الإقبال على "مكتبة القمر الصافي" صار أقل بكثير.لكن سيارة مايباخ ظلت متوقفة أمام الباب أياما متتالية، وبقي من فيها يترقبون عند المدخل من دون أن يغادروا."أختي قمر، انظري إلى الرسم الذي رسمته!" رفعت توتة رسمة بالألوان الشمعية، وأقبلت نحوها بخطوات وثابة مفعمة بالفرح، لكنها توقفت فجأة عندما رأت تعبير وجهها.سألتها توتة بحذر: "أختي، هل أنت حزينة مرة أخرى؟"تكلفت قمر ابتسامة، ولم تجب، بل أخذت الورقة منها وقالت: "رسم جميل جدا. هل هذا أرنب صغير؟""نعم!" أومأت توتة بقوة، ثم أدارت يدها الصغيرة وأشارت إلى خارج النافذة."هل أنت حزينة لأن أولئك الأشرار عادوا مرة أخرى؟"خرج غيث من خلف رفوف الكتب، وفي يده كوب من شاي الزهور يتصاعد منه البخار.وقف بهدوء أمام النافذة، حاجبا قمر عن أنظار من في السيارة المقابلة.سأل بصوت خافت، وقد اتجه نظره إلى تلك السيارة الفارهة التي كانت متوقفة هناك منذ أسبوع كامل: "هل تريدين أن نتصل بالشرطة؟"ومن خلال ستار المطر، كان يمكنهما أن يلمحا طفلين صغيرين ملتصقين بزجاج السيارة، يتطلعان بلهفة نحو المكتبة.هزت قمر رأسه

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 21

    داخل استوديو الخزف، كان كل شيء قد عاد إلى الهدوء.كانت قمر تعبث بالطين بين يديها بحركات آلية، وقد ابيضت مفاصل أصابعها من شدة ما كانت تضغط عليه.جلست توتة بهدوء إلى جانبها، تنظر إليها بين حين وآخر بقلق.لم تستطع الصغيرة أن تصمت أكثر، فنادتها وقد ارتسم القلق في عينيها اللامعتين: "أختي قمر...""هل أنت حزينة جدا؟ أختي، تبدين غير سعيدة."توقفت يد قمر لحظة، ثم أجبرت نفسها على ابتسامة. "لا يا توتة. لا تقلقي على. تابعي صنع وعائك الصغير."مد غيث إليها كوبا من الماء الدافئ في صمت، ووضعه برفق إلى جانبها، ثم قال: "هل تريدين أن تستريحي قليلا؟"هزت رأسها، واستقر نظرها على الوعاء الخزفي الذي لم تكمل تشكيله بعد.كان شكله ملتويا وغير متناسق، تماما كحالها المضطربة في تلك اللحظة.لم تفارق مخيلتها صورة عيني نور ولؤلؤة المحمرتين من البكاء، فشعرت بضيق مكتوم في صدرها.قالت بصوت خافت، كأنها تحدث نفسها أكثر مما تحدث غيرها: "إنهما... يبدوان أنحف من قبل."لم يرد غيث، بل بقي إلى جانبها بهدوء.تسللت أشعة الشمس عبر النافذة الزجاجية، وانسكبت على طاولة العمل. وكان الوعاء الصغير الذي صنعته توتة يتلألأ بلمعان خافت تحت

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 20

    فتحت فمها قليلا، ثم سألت بابتسامة مريرة:"ألم تكونا أنتما من دفعني من أعلى الدرج واتهماني بأنني أطعمتكما المانجو؟ ألم تفعلا كل ذلك بنفسيكما؟""ألم تقولا بنفسيكما إنكما لا تريدانني أما لكما، وإنكما لا تريدان سوى بيان أما؟""قد لا أكون أما مثالية، لكنني كنت دائما أبذل كل ما في وسعي لأعتني بكما بإخلاص وأحبكما.""ولا أدري لماذا كان هذا هو ما جنيته في النهاية."احمر وجهاهما خجلا، وعجزا عن الكلام. لكن نور لم يرد أن يستسلم، فتوسل مرة أخرى:"أمي، كنا في السابق صغيرين طائشين ولم نكن ندرك ما نفعله... أما الآن فقد عرفت أنني أخطأت. أرجوك، سامحينا."قبل أن تتمكن قمر من الكلام، قالت توتة فجأة بصوت خجول متردد:"أختي قمر..."كانت يدها الصغيرة تقبض بقوة على طرف ثوب قمر، وكانت عيناها الكبيرتان الجميلتان ممتلئتين بالدموع."هل سترحلين؟"انحنى غيث وحمل ابنة أخته، وواساها بصوت خافت: "توتة، لا تخافي. أختك قمر لن تتخلى عنك... وأيا كان المكان الذي تختار الذهاب إليه، فعلينا أن نحترم اختيارها.""وحتى إن لم تبق هنا، فستأتي كثيرا لزيارتك واللعب معك."نظر نادر إلى هذا المشهد، فاشتعل في صدره غضب لا يعرف مصدره.بأي ح

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 19

    هبطت طائرة نادر الخاصة في مطار مدينة السحاب في ذلك اليوم نفسه.كانت الشمس حارقة وشديدة السطوع حتى آلمت العينين. ضيق نادر عينيه وهو يراقب الحارسين الشخصيين يحملان الطفلين وينزلان بهما من الطائرة.رفعت لؤلؤة وجهها الصغير وسألته: "أبي، هل سنرى أمي حقا؟"كانت عيناها تلمعان بالترقب والقلق.قال نادر وهو يرتب ثيابه، بصوت هادئ واثق: "بالتأكيد.""ستفرح أمكما كثيرا حين تراكما."جاء المساعد بخطوات سريعة، وقدم له ملفا. "السيد نادر، تمكنا من تحديد مكان السيدة قمر. إنها الآن في استوديو طين ومرح للخزف شرقي المدينة، برفقة... ذينك الشخصين."كان في الملف صورة ملتقطة خلسة.كانت قمر تجلس القرفصاء أمام طفلة صغيرة، وتمسح برفق بقع الطين عن وجهها.وإلى جوارها وقف رجل طويل ممشوق القوام يرتدي نظارة، يراقبهما بابتسامة.تسللت أشعة الشمس عبر النافذة الزجاجية وغمرت الثلاثة، فبدا المشهد حميميا ودافئا على نحو آلمه.اشتدت قبضة نادر على الصورة من غير قصد، حتى تجعدت حافتها بين أصابعه.كان نادر يعرف جيدا معنى النظرة التي رمق بها ذلك الرجل قمر؛ فقد كان ذلك هو الحنان الذي لم يمنحها إياه قط.قال ببرود: "جهزوا السيارة.""سنذ

  • حين أزهرت حياتي من جديد   الفصل 18

    وقف نادر أمام النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف في غرفة المكتب، يطرق سطح المكتب المصنوع من خشب الماهوجني بمفاصل أصابعه.تناثرت الصور التي أحضرها المساعد للتو على سطح المكتب. وكانت كل صورة منها كأنها سكين تنغرس في عينيه.سأل بصوت منخفض مخيف: "هل تأكدت أنها هي؟"مسح المساعد العرق عن طرف جبينه وقال: "نعم، بلا أدنى شك. افتتحت السيدة قمر مكتبة في مدينة السحاب، وتلقى المكتبة إقبالا جيدا. هذه الصور التقطناها الأسبوع الماضي."في الصور، كانت قمر واقفة أمام مكتبة اسمها "مكتبة القمر الصافي".تسلل ضوء الشمس عبر أوراق أشجار الدلب، فرسم عليها بقعا متداخلة من الضوء والظل.كانت ترتدي فستانا بسيطا من الكتان، وكان شعرها أقصر قليلا مما كان عليه حين غادرت. وكانت منحنية تحدث فتاة صغيرة في الخامسة أو السادسة من عمرها.وكان قد ارتسم على ملامحها لطف لم يره منذ زمن طويل.لكن أكثر ما وخز عينيه كان الرجل الواقف إلى جوارها.كان طويل القامة ممشوق القوام، وكانت نظراته من خلف نظارته ذات الإطار الذهبي تستقر على قمر بلطف.كان الرجل يحمل تلك الفتاة الصغيرة بين ذراعيه. أما مشهدهم الثلاثة واقفين معا، فبدا متناغما إلى حد

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status