登入لم يكن المطر تلك الليلة مطرًا عاديًّا.
كان غضبًا سماويًّا، يصبّ على القصر كما لو أنه يعاتبهم جميعًا على ما فعلوه بقلبٍ واحدٍ صادقٍ جاء من زمنٍ بعيد. ركض إدريان عبر الحديقة الغارقة في الطين، والريح تمزق معطفه الثقيل. صوته يتردد بين الأشجار: «ريم! عودي! أين أنتِ؟» لم يكن يسمع إلا هدير المطر، ولا يرى سوى ومضات البرق التي تضيء وجهه المبلل. استمرّ في الركض حتى خانته قدمه على الأرض الزلقة، فانزلق وسقط بشدّةٍ على الحجارة الحادة عند أطراف الغابة، ليغيب عن وعيه للحظات. في الجهة الأخرى، كانت ريم تمشي متعبة بين أغصان الصنوبر الكثيفة. بردٌ شديد ينخر عظامها، والضباب يعمي الطريق. حين رأت جسدًا ممدّدًا على الأرض، تسارعت أنفاسها. اقتربت بحذر، ثم شهقت وهي تهمس: «يا ربي! إدريان!» ركعت قربه، تحسّست وجهه البارد، فشهقت ثانية: – «الدم! يا لطيف… نزف!» نزعت شالها المبلل ولفّته حول جرحه، تحاول أن توقف النزيف بيديها المرتجفتين. ثم ضربها الخوف حين لم يفتح عينيه. – «ما تموتش، تسمع! راك قوي… يا أمير الثلج، ما تخليشني وحدي!» رفعت رأسه إلى حجرها، وأخذت تربّت على وجهه: – «إدريان! Réveille-toi! Wake up! قم!» فتح عينيه أخيرًا، بصعوبة، نظر إليها بارتباكٍ ودهشةٍ كأنه يحلم. قال بصوتٍ مبحوح: – «أنتِ… فعلاً هنا…؟» ابتسمت رغم دموعها: – «واش تحب نكون؟ شبح؟!» أغمض عينيه ثانية، فصرخت: – «لا لا لا، ما تغمضش! نوض، نوض يا جلالتك، لازم نروح! الجو بارد بزاف!» ضحك بخفّةٍ رغم ألمه، وقال بإنكليزيةٍ ثقيلة: – «Cold… bzzzaaf…?» تجمدت نظراتها للحظة، ثم ضحكت بحرقةٍ ودهشةٍ معًا: – «وش قلت؟ بزاف؟!» – «Yes… you say it when… too much, right?» ابتسمت وهي تمسح قطرات المطر عن وجهه: – «إييه، بزاف يعني “كثير جدًا”... ما كنتش نحسب راح تتعلمها.» – «تعلمتُ أكثر مما تظنين، habibti.» شهقت بخفة، وقد نطق الكلمة الأخيرة بصوتٍ ناعمٍ رغم ضعفه، فارتبكت: – «منين عرفت هذي؟!» – «علّمتِني إيّاها حين قلتِها لمارغريت ذات مساء… وسألتُكِ معناها. قلتِ إنها كلمة لمن نحبه.» أخفضت رأسها لتخفي اضطرابها، ثم همست محاولة المزاح: – «صحّ؟ شكلّي لازم نوقف نحكي بزاف قدّامك.» ابتسم رغم الألم، لكن جسده كان يضعف. ساعدته على النهوض، وسندته وهي تقول: – «يلا، نمشي قبل ما تتجمّد يا أمير الثلج. نلقاو ملجأ قريب إن شاء الله.» مشيا بين الأشجار، وهي تجرّه ببطءٍ نحو كوخٍ صغيرٍ لاح في الأفق — كوخٌ قديم مهجور، تتدلّى خيوط العنكبوت من نوافذه. دخلته، وأشعلت نارًا بصعوبة مستخدمةً بعض الخشب الرطب وقطعة من ثوبها. جلس إدريان أمام النار، وعيناه تراقبانها وهي تجفف شعرها المبلل. قال بعد لحظةٍ من الصمت: – «أنتِ من أنقذ حياتي مرتين.» ردت بخفةٍ تحاول إخفاء رجفة صوتها: – «وأنتَ من سبّب لي الصداع مرات بزاف!» ابتسم، لكن في عينيه ظلّ دفء جديد لم تعرفه من قبل. كانت تلك النظرة الأولى التي لم تكن فيها أوامر ملكٍ ولا كبرياء رجلٍ، بل شيء أعمق… كأنه يرى نفسه فيها. مرّت ساعات حتى بدأ المطر يخفّ. جلست ريم قرب النار تلفّ نفسها ببطانيةٍ قديمة. التفت إليها إدريان وسألها بصوتٍ هادئ: – «ريم… كيف علّمتِني كلماتك بهذه السرعة؟» ابتسمت وهي تنظر إليه بخبثٍ لطيف: – «كنت تسمعلي وأنا نهدر، وبعدها تجرّب تقلّدني. كنت دايمًا تقول “واش؟” بطريقة مضحكة بزاف.» ضحك بصوتٍ خافتٍ هذه المرة، وقال: – «وأنتِ تعلمتِ لغتي أسرع مما ظننت. لم أعد أحتاج للترجمة حين تتحدثين.» – «علّمتني بطريقة صعبة شوية، تزعق عليّ إذا غلطت!» – «كنتُ أريدكِ أن تفهميني، ريم.» – «وفهمتك… بزاف.» صمتٌ طويل تبع كلماتها، لم يقطعه إلا صوت النار. مدّ يده نحوها دون وعيٍ، ثم سحبها بخجلٍ مفاجئ. لم تكن بينهما كلمة حب، لا وعد، لا اعتراف. فقط دفء الصمت، وكأن العالم كله خارج هذا الكوخ لا وجود له. وقبل أن يغلبها النعاس، سمعته يتمتم بلهجةٍ مكسّرة: – «تصبحي على خير… ya Remim…» فتحت عينيها ببطء، وابتسمت وهي تردّ همسًا: – «وانتَ من أهل الخير… يا جلالتك.» ثم أغمضت عينيها على حلمٍ جديدٍ… حلمٍ كانت فيه اللغة، والزمان، والمكان — لا تعني شيئًا أمام قلبٍ بدأ يذوب ببطء. هكذا، في كوخٍ بسيطٍ وسط العاصفة، بدأ أمير الثلج يتعلم لغة قلبه، وبدأت ريم تدرك أن العودة إلى زمنها قد لا تكون ما تريده فعلًا.لم يكن الفجر قد بزغ بعد حين تسللت ريم من فراشها.شيءٌ ما أيقظها — ليس صوتًا، بل إحساسًا خفيًا بأن شيئًا غير طبيعي يدور في أروقة القصر.ارتدت رداءها الصوفيّ الفاتح، ولفّت شعرها بوشاحٍ حريري بلون الزهر الجاف، ثم خرجت بخفةٍ إلى الممر المظلم.كانت الأروقة ساكنة، لا يُسمع فيها سوى خشخشة الريح خلف النوافذ الطويلة ذات الزجاج الملوّن.وبينما كانت تخطو بخطواتٍ مترددة، لمحت عند نهاية الممر رجلين من الحرس يتحدثان بصوتٍ خافت:– «الأوامر واضحة… الفتاة تغادر قبل شروق الشمس.»– «لكن الملك لم يصدر أي أمرٍ بذلك!»– «الأوامر من المجلس مباشرة، يا رجل. نحن ننفذ فقط.»تراجعت ريم ببطءٍ، تختنق أنفاسها بين القلق والغضب، ثم تمتمت بلهجةٍ خافتة:– «هاك دايرينها فالسكات؟ تحبّو تسرّبوني كي السّارق؟»كانت تعرف أن الذهاب الآن يعني النهاية… أن تُمحى كأنها لم تكن.لكن أكثر ما جرحها هو أنها لم تُمنح حتى فرصة الوداع.في تلك اللحظة، كان إدريان جالسًا في مكتبه، أمامه شمعةٌ تكاد تنطفئ.لم يغمض له جفن منذ أخبرها بخطة الإبعاد.بين يديه خريطة المملكة، لكن عينيه كانتا معلّقتين بصورةٍ صغيرة رسمها بنفسه على ورقٍ قديم — وجه ريم
لم يكن الصباح التالي للفجر مختلفًا في ملامحه،لكن في جوّه شيءٌ تغيّر — كأن النسيم يحمل همسًا لا يُسمع إلا بالروح.في القصر، كان الجميع يتحرك بنشاطٍ غير عادي.الخدم يلمّعون الممرات، البوابون يبدّلون الرايات،والوصيفات يتحدثن بصوتٍ خافتٍ عن "أمرٍ غريبٍ ستعلنه الملكة قريبًا".أما ريم، فكانت تجلس قرب النافذة في جناحها، تحمل فنجان شايٍ دافئ وتراقب الساحة من بعيد.كانت السماء رمادية، والريح الباردة تمرّ كأنها تنذر بشيء.قالت مارغريت وهي تضع وشاحًا على كتفيها:– «لقد تحدثتُ مع إحدى الوصيفات هذا الصباح… يبدو أن الملكة الأم طلبت حضور مجلسٍ خاص الليلة.»– «مجلس؟ وش من مجلس؟»– «مجلس النبلاء. نادرًا ما يجتمع إلا لأمرٍ مهم.»أطرقت ريم رأسها، ثم تمتمت بخفةٍ قلقة:– «أكيد كاين حاجة مش عادية.»في قاعة الملكة الأم، كانت الستائر الثقيلة مسدلة، والشموع تذوب ببطءٍ في حوامل من الفضة.جلست الملكة على عرشٍ صغيرٍ من المخمل الداكن،أمامها بعض اللوردات القدامى، وجانبها اللورد غرينفيل الذي بدا أكثر توترًا من العادة.قالت الملكة بنبرةٍ باردة لا تخلو من الهيبة:– «لقد تركنا الغريبة بيننا فترةً كافية.أنقذت حياة
كان الفجر يتسلّل بخجلٍ من خلف أشجار الحديقة الملكية،يلمس أوراق الورد بنعومةٍ كأن السماء تُربّت على الأرض.كل شيءٍ كان ساكنًا، إلا تلك النسمة التي تحرّك أطراف الثوب الأبيض لريم وهي تمشي بخطواتٍ خفيفة على الطريق الحجري المرصوف بالندى.كانت قد استيقظت قبل الجميع.لم تنم إلا قليلًا، فصدى الحفل ما زال يرنّ في أذنيها،ووجه إدريان حين رآها للمرة الأولى في تلك القاعة… ما زال يشغل فكرها أكثر من اللازم.قالت لنفسها وهي ترفع شعرها قليلاً لتتجنب نسمة باردة:"يا ربي، واش راه يدير بيا؟ قلبي ولا يلعب بيه كيما ولاد الحومة بالكرة..."ضحكت بخفةٍ على كلامها، ثم سمعت صوت خطواتٍ خلفها.لم تحتج إلى أن تلتفت لتعرف من هو.– «أيقظتك الريح، أم قلبي المزعج؟»التفتت نحوه، فوجدته يسير نحوها مرتديًا معطفًا أسود طويلًا،وشعره منسدلٌ قليلًا على جبينه، بعينين رماديتين لا تخطئهما العين.– «قلّيت نجي قبل الوقت، ما حبيتش نلقاك تستناني بزاف.»ابتسم وقال:– «مرة أخرى… لم أفهم كلمة.»ضحكت ورفعت حاجبها:– «يعني جيت بكري، ما حبيتش نخليك تستنى.»– «Ah… you came early. You don’t like to make your king wait.»– «ملكي؟ رجعت ليه
لم تعرف القصور ليلًا أكثر بريقًا من تلك الليلة.كانت الأروقة تتلألأ بآلاف الشموع المعلقة في ثرياتٍ ضخمة تتدلى من الأسقف العالية، كأن النجوم قررت النزول إلى الأرض لتشهد ما سيحدث.الموسيقى تنساب من فرقةٍ راقية خلف الستار، أنغام الكمان تختلط بخفقان القلوب،والنبلاء يرتدون أفضل ما تملكه خزائنهم، يتهامسون، يراقبون، يبتسمون بخبثٍ مخمليّ.كانت هذه الليلة التي سيُعلن فيها إدريان تحالف المملكة مع أمراء الشمال —لكن الهمسات في الممرات لم تكن عن التحالفات، بل عن "الغريبة" التي ستحضر الحفل.عن ريم.في جناحها، وقفت ريم أمام المرآة.تأملت انعكاسها بذهولٍ صغير.لم تكن تلك الفتاة التي دخلت المكتبة يومًا ما في الجزائر ترتدي بنطال جينز وكنزة رمادية...بل امرأة من قصيدةٍ لا تنتمي لزمنٍ محدد.ارتدت فستانًا من الحرير الملكي الأبيض المائل إلى الذهبي، ينساب على جسدها كضوء الفجر،تطريزاته نُسجت بخيوطٍ من اللؤلؤ الصغير،أما شعرها الأسود الطويل فقد رفعت نصفه بأمشاطٍ فضية، وعلّقت على عنقها قلادة بسيطة أهداها إدريان قبل أيامٍ قليلة —لم يقل وقتها إنها هدية، لكنه قال:«وجدتها تشبهك… بسيطة من بعيد، مذهلة حين تقترب
لم تكن القصور تُحاك فقط بالرخام والذهب، بل بالهمسات أيضًا.في الأيام الأخيرة، كانت الهمسات كالعاصفة —همسات عن الملك الذي تغيّر، عن نظراتٍ غريبة يوجّهها لغريبته، عن امرأةٍ جاءت من "لا مكان" وسحرت قلب أمير الثلج.في الصباح، كانت الشمس تتسلل عبر النوافذ العالية، ترسم خيوطًا من الضوء على الأرضية الملساء.ريم كانت تمشي في الممر الطويل المؤدي إلى القاعة الكبرى، تحمل بيديها كتابًا قديمًا استعادت من مكتب إدريان.فجأة، توقفت حين سمعت صوت خافت خلف الأعمدة:«يقولون إنها ساحرة… جعلت الملك يضحك.»«بل تقول الخادمة إنها رأته يكرر كلماتها الغريبة!»«قال لها بالأمس “ها واش دايرين”، تخيّلي! الملك بنفسه!»لم تلتفت ريم.ابتسمت بخفةٍ حزينة وأكملت سيرها.لكن داخلها كانت النار تشتعل ببطءٍ — ليس من الغضب، بل من الألم.كم هو صعب أن تُتَّهَم فقط لأنك مختلف.حين دخلت القاعة، وجدت إدريان واقفًا قرب خريطةٍ ضخمة معلّقة على الجدار، يتحدث مع أحد الوزراء.كان صوته قويًّا، ثابتًا، لكن عينيه حين وقعتا عليها تغيّر كل شيء.قال بسرعة للوزير:– «يمكننا مناقشة ذلك لاحقًا.»ثم اقترب منها بخطواتٍ هادئة.– «أردتُ أن أراكِ هذا
لم يكن صباح ذلك اليوم يشبه أي صباحٍ سابق.السماء كانت صافية على نحوٍ غريب، كأن المطر غسَل ذنوب القصر بأسره.الحدائق المبللة تلمع كزمردٍ مكنون، والهواء يحمل عبير الأرض بعد المطر — رائحة الحياة نفسها.حين عاد الملك إدريان إلى القصر، كان الكلّ في ذهول.معطفه الممزّق، شعره المبتلّ، والخدش على وجنته — كلها علامات على ليلةٍ لم تُروَ تفاصيلها بعد.لكن ما صدمهم حقًا… أنّ ريم كانت تمشي إلى جواره، بثوبٍ رماديٍّ بسيط، وابتسامةٍ صغيرةٍ رغم التعب، وكأن شيئًا مقدّسًا يجمعهما.تقدّم اللورد غرينفيل بخطواتٍ حذرة:– «جلالتك… الحمد لله على سلامتك. كنا نظنّ أن العاصفة قد…»قاطعه إدريان بصوتٍ حازمٍ لكنه دافئ:– «لقد أنقذتني السيدة ريم. من دونها، لما عدت إلى هنا.»صمت الجميع.ثم قالها بهدوءٍ أربكهم أكثر:– «خلوّها ترتاح، بزاف تعبت.»ارتفعت الحواجب دهشة.حتى ريم نظرت إليه مصدومة قبل أن تبتسم بخفّة:– «وش قلت؟ بزاف؟!»ابتسم إدريان بخفّةٍ نادرة وقال:– «هل قلتها جيّدًا؟»– «ما شاء الله عليك، يا سيدي الملك… صرت تهدر جزائري!»ضحك بعض الخدم في الخفاء، وارتبك البعض الآخر، بينما وقفت الملكة الأم في الشرفة العليا ت







