分享

حين ابتلعني الحبر
حين ابتلعني الحبر
作者: ذات الوشاح الاحمر

بين صفحات الغبار

last update publish date: 2026-05-28 08:55:53

كانت ريم تؤمن بأن الأرواح القديمة لا تموت، بل تختبئ في الكتب تنتظر من يوقظها.

ربما لهذا السبب، كانت تقضي عطلاتها في المكتبات القديمة بدل المقاهي الصاخبة، تفتش عن رائحة الورق العتيق، تلك الرائحة التي تشبه في نظرها حضنًا من الماضي.

في ذلك اليوم، كانت السماء الرمادية تتدلّى على المدينة مثل غطاء من القطن، حين دفعتها قدماها إلى مكتبة “الأفق المنسي” — مكانٌ نادر يقبع بين زقاقين ضيقين في حيّ قديم من أحياء الجزائر العاصمة. لم يكن هناك لافتة واضحة، فقط باب خشبي ثقيل تآكلت أطرافه، وجرس صغير يرنّ كصوت ناعم من زمن آخر حين فتحته.

رائحة الغبار ممزوجة بعطر الخشب الرطب استقبلتها كما لو كانت صديقة قديمة. على الرفوف العالية، تراصّت الكتب مثل جنودٍ متقاعدين يروون قصصهم بصمت.

كانت ترتدي معطفًا صوفيًّا بلون الكراميل، وشالًا أبيض يلتفّ حول عنقها بانسيابية. شعرها البني كان مبللًا بطرف المطر، يتدلّى بخصلات خفيفة على وجهها المتأمل.

تقدّمت بين الممرات، تتلمّس بأصابعها عناوين غريبة بخطوط مذهّبة وأغلفة باهتة.

كل شيء في تلك المكتبة كان ينتمي إلى زمنٍ غير الزمن الذي تعرفه. حتى صاحب المكتبة، شيخ نحيل ذو نظارات مستديرة، بدا وكأنه خرج لتوّه من رواية كلاسيكية.

اقتربت منه بابتسامة خجولة.

– «مساء الخير، عمّ صالح. هل وصلت الروايات التي طلبتها الأسبوع الماضي؟»

رفع رأسه ببطء، ابتسم بعينيه أكثر مما فعل بشفتيه.

– «وصلت يا ابنتي... لكن ثمة كتاب جاء دون أن أطلبه، وكأن القدر أرسله. لا عنوان له، ولا مؤلف. لعلّه ينتظرك أنتِ.»

ضحكت ريم برقة:

– «ينتظرني أنا؟ يبدو أنك قرأت الكثير من القصص الرومانسية يا عم صالح!»

– «ربما... لكنك ستفهمين ما أعنيه حين تلمسينه.»

قادها بخطوات واثقة نحو زاوية مظلمة في آخر المكتبة.

كانت هناك طاولة خشبية منقوشة بزخارف هندسية، فوقها كتاب كبير، مغطّى بطبقة رقيقة من الغبار والدهشة.

غلافه أسود مخملي، تتوسّطه عبارة منقوشة بخيوط ذهبية متآكلة:

"حين تقرأني، ستعيشين ما تتمنين..."

ترددت.

شيء ما في ذلك الغلاف جعل قلبها يخفق بخفة غريبة، خليط من خوف وفضول.

مرّرت أصابعها على الحروف البارزة، فأحسّت بدفءٍ خفيف كأنها لمست جمرة ناعمة.

– «غريب... لا عنوان، لا اسم مؤلف.»

– «ولا سعر أيضاً.» أجاب عم صالح مبتسمًا، «اعتبريه هدية من زمنٍ آخر.»

ضحكت ريم بخفة، ثم جلست قرب النافذة، وضعت الكتاب على حجرها، وفتحت الصفحة الأولى.

كانت الكتابة بخط متقن كأنه نقش يدوي، والصفحات تفوح منها رائحة عنبرٍ قديم.

قرأت بصوتٍ هامس:

"إلى من يجرؤ على فتحي...

سيجد نفسه حيث يتمنّى، لا حيث يريد."

لم تكد تكمل الجملة حتى ارتجّ المكان من حولها.

تطايرت الأوراق من الرفوف، وانبعث من الكتاب ضوء ذهبيّ دافئ، كأن الشمس اختبأت بين صفحاته.

صرخت، تحاول إغلاقه، لكن الريح كانت أقوى.

الأحرف المرسومة بدأت تتحرّك، تدور حولها في دوامة سحرية، وصوت بعيد همس في أذنها:

"مرحبًا بكِ... في أمنيتك."

ثم ساد الصمت.

عندما فتحت عينيها، لم تعد تسمع صوت المطر، بل همسات نساء وضحكات خافتة.

كانت تستلقي على سرير ضخم بأعمدة خشبية منحوتة، يعلوه ستار دانتيل أبيض مطرّز بالذهب.

حولها، جدران مزخرفة بلوحات لنساء يرتدين فساتين ضخمة، وشموع تتراقص في قناديل كريستالية.

نهضت ببطء، تلمس الفراش الناعم، والوسائد المطرّزة بخيوط لامعة.

– «ما... ما هذا المكان؟!»

صوتها تردّد في الغرفة كأنها داخل حلم.

تقدّمت نحو المرآة الكبيرة أمامها، فشهقت:

كانت ترتدي جينزًا أزرق ومعطفها الصوفي نفسه وسط أجواء من القرون القديمة!

وفي لحظة عبثية، دخلت الخادمة – فتاة شقراء ترتدي زيّ الخدم الفيكتوري: فستان رمادي طويل ومريلة بيضاء.

تجمّدت للحظة حين رأت ريم، ثم قالت بلكنة بريطانية فصيحة:

– «يا للعجب! من أين جئتِ؟ و... ما هذه الثياب الغريبة؟!»

ضحكت ريم بتوتر، ثم قالت بلهجتها الجزائرية الخفيفة:

– «ها؟ كنتِ تتوقّعينني أطلع من المدفأة؟!»

الخادمة اتسعت عيناها أكثر:

– «مدفأة؟! أأنتِ ساحرة؟!»

ريم حاولت أن تشرح، لكن كلماتها بدت غير مفهومة.

قبل أن تقول المزيد، فُتح باب الغرفة فجأة، ودخل رجل طويل القامة، يرتدي عباءة ملكية داكنة اللون، تتلألأ على كتفيه شارة من الذهب الخالص.

ملامحه صارمة، عيناه بلون العسل الغامق، وصوته منخفض كالنغمة الأولى في لحنٍ قديم.

– «من هذه الفتاة؟ ولماذا لم تخبروني عن ضيفتي الجديدة؟»

سكتت الخادمة، وانحنت بخوف.

بينما وقفت ريم، تنظر إليه بدهشة، وتقول في سرّها:

يا إلهي... هل هذا حلم؟ أم أني سقطت في أحد كتبي؟

ابتسم الملك بخفة سخرية، عاين ملابسها الغريبة وقال ببرود:

– «على ما يبدو، لدينا لصة دخلت القصر متخفية بثياب الجنون.»

رفعت ريم حاجبيها بدهشة:

– «عذرًا؟! أنا مش لصة، أنا... أنا ضحية كتاب!»

رفع حاجبه باستغراب.

– «كتاب؟ يبدو أن الجنون متفشٍ هذا اليوم...»

وفي تلك اللحظة، أدركت ريم أن ما يحدث حقيقي تمامًا — وأنها بالفعل أصبحت جزءًا من الحكاية التي طالما حلمت أن تعيشها.

لكن ما لم تكن تعلمه، أن قلب الملك إدريان لم يكن ينتظر سوى شرارة واحدة... وها هي قد جاءت، من زمنٍ آخر.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • حين ابتلعني الحبر   العرش والقلوب

    لم يكن القصر في تلك الليلة كما كان.حتى الهواء تغيّر — صار أثقل، كأنه محمّل بما لم يُقال بعد.الممرات تهمس بالأنباء، والوصيفات يتهامسن عن “غضب الملكة” و“الفتاة التي تحدّت التاج”.في جناح الملك، جلست ريم على الأريكة القرمزية أمام الموقد،ترتجف أناملها بخفةٍ وهي تحاول ترتيب كلماتها.كان إدريان واقفًا قرب النافذة، يحدّق في السماء الملبّدة بالغيوم، يضع يده خلف ظهره،وصمتٌ كثيف يفصل بينهما، صمت لا يكسره سوى خشخشة النار.قالت ريم أخيرًا، بصوتٍ خافتٍ يشبه خفقة جناح:– «إدريان… واش راك ناوي تدير؟»التفت إليها ببطءٍ، عيناه تحملان مزيجًا من الصلابة والإنهاك.– «I don’t know yet. But I won’t let them hurt you again.»– «ماشي لازم تحارب على خاطري… راه كاين تاج فوق راسك.»اقترب منها بخطواتٍ هادئة، حتى صار قريبًا جدًا:– «And what is a crown… if I lose myself wearing it?»تجنّبت نظراته للحظة، ثم قالت بنبرةٍ يملؤها خوفٌ صادق:– «أنا ما نقدرش نكون السبب فدم بين أمك وولدها…»أجابها بهدوءٍ لا يخلو من النار:– «If she’s the storm, then you’re my shelter.And for once… I’ll choose peace over power.»لم ي

  • حين ابتلعني الحبر   حين يتمرد القلب على التاج

    لم يكن الفجر قد بزغ بعد حين تسللت ريم من فراشها.شيءٌ ما أيقظها — ليس صوتًا، بل إحساسًا خفيًا بأن شيئًا غير طبيعي يدور في أروقة القصر.ارتدت رداءها الصوفيّ الفاتح، ولفّت شعرها بوشاحٍ حريري بلون الزهر الجاف، ثم خرجت بخفةٍ إلى الممر المظلم.كانت الأروقة ساكنة، لا يُسمع فيها سوى خشخشة الريح خلف النوافذ الطويلة ذات الزجاج الملوّن.وبينما كانت تخطو بخطواتٍ مترددة، لمحت عند نهاية الممر رجلين من الحرس يتحدثان بصوتٍ خافت:– «الأوامر واضحة… الفتاة تغادر قبل شروق الشمس.»– «لكن الملك لم يصدر أي أمرٍ بذلك!»– «الأوامر من المجلس مباشرة، يا رجل. نحن ننفذ فقط.»تراجعت ريم ببطءٍ، تختنق أنفاسها بين القلق والغضب، ثم تمتمت بلهجةٍ خافتة:– «هاك دايرينها فالسكات؟ تحبّو تسرّبوني كي السّارق؟»كانت تعرف أن الذهاب الآن يعني النهاية… أن تُمحى كأنها لم تكن.لكن أكثر ما جرحها هو أنها لم تُمنح حتى فرصة الوداع.في تلك اللحظة، كان إدريان جالسًا في مكتبه، أمامه شمعةٌ تكاد تنطفئ.لم يغمض له جفن منذ أخبرها بخطة الإبعاد.بين يديه خريطة المملكة، لكن عينيه كانتا معلّقتين بصورةٍ صغيرة رسمها بنفسه على ورقٍ قديم — وجه ريم

  • حين ابتلعني الحبر   عطر المؤامرة

    لم يكن الصباح التالي للفجر مختلفًا في ملامحه،لكن في جوّه شيءٌ تغيّر — كأن النسيم يحمل همسًا لا يُسمع إلا بالروح.في القصر، كان الجميع يتحرك بنشاطٍ غير عادي.الخدم يلمّعون الممرات، البوابون يبدّلون الرايات،والوصيفات يتحدثن بصوتٍ خافتٍ عن "أمرٍ غريبٍ ستعلنه الملكة قريبًا".أما ريم، فكانت تجلس قرب النافذة في جناحها، تحمل فنجان شايٍ دافئ وتراقب الساحة من بعيد.كانت السماء رمادية، والريح الباردة تمرّ كأنها تنذر بشيء.قالت مارغريت وهي تضع وشاحًا على كتفيها:– «لقد تحدثتُ مع إحدى الوصيفات هذا الصباح… يبدو أن الملكة الأم طلبت حضور مجلسٍ خاص الليلة.»– «مجلس؟ وش من مجلس؟»– «مجلس النبلاء. نادرًا ما يجتمع إلا لأمرٍ مهم.»أطرقت ريم رأسها، ثم تمتمت بخفةٍ قلقة:– «أكيد كاين حاجة مش عادية.»في قاعة الملكة الأم، كانت الستائر الثقيلة مسدلة، والشموع تذوب ببطءٍ في حوامل من الفضة.جلست الملكة على عرشٍ صغيرٍ من المخمل الداكن،أمامها بعض اللوردات القدامى، وجانبها اللورد غرينفيل الذي بدا أكثر توترًا من العادة.قالت الملكة بنبرةٍ باردة لا تخلو من الهيبة:– «لقد تركنا الغريبة بيننا فترةً كافية.أنقذت حياة

  • حين ابتلعني الحبر   همسات .... الفجر

    كان الفجر يتسلّل بخجلٍ من خلف أشجار الحديقة الملكية،يلمس أوراق الورد بنعومةٍ كأن السماء تُربّت على الأرض.كل شيءٍ كان ساكنًا، إلا تلك النسمة التي تحرّك أطراف الثوب الأبيض لريم وهي تمشي بخطواتٍ خفيفة على الطريق الحجري المرصوف بالندى.كانت قد استيقظت قبل الجميع.لم تنم إلا قليلًا، فصدى الحفل ما زال يرنّ في أذنيها،ووجه إدريان حين رآها للمرة الأولى في تلك القاعة… ما زال يشغل فكرها أكثر من اللازم.قالت لنفسها وهي ترفع شعرها قليلاً لتتجنب نسمة باردة:"يا ربي، واش راه يدير بيا؟ قلبي ولا يلعب بيه كيما ولاد الحومة بالكرة..."ضحكت بخفةٍ على كلامها، ثم سمعت صوت خطواتٍ خلفها.لم تحتج إلى أن تلتفت لتعرف من هو.– «أيقظتك الريح، أم قلبي المزعج؟»التفتت نحوه، فوجدته يسير نحوها مرتديًا معطفًا أسود طويلًا،وشعره منسدلٌ قليلًا على جبينه، بعينين رماديتين لا تخطئهما العين.– «قلّيت نجي قبل الوقت، ما حبيتش نلقاك تستناني بزاف.»ابتسم وقال:– «مرة أخرى… لم أفهم كلمة.»ضحكت ورفعت حاجبها:– «يعني جيت بكري، ما حبيتش نخليك تستنى.»– «Ah… you came early. You don’t like to make your king wait.»– «ملكي؟ رجعت ليه

  • حين ابتلعني الحبر   ليلة تاج........... والنظرات

    لم تعرف القصور ليلًا أكثر بريقًا من تلك الليلة.كانت الأروقة تتلألأ بآلاف الشموع المعلقة في ثرياتٍ ضخمة تتدلى من الأسقف العالية، كأن النجوم قررت النزول إلى الأرض لتشهد ما سيحدث.الموسيقى تنساب من فرقةٍ راقية خلف الستار، أنغام الكمان تختلط بخفقان القلوب،والنبلاء يرتدون أفضل ما تملكه خزائنهم، يتهامسون، يراقبون، يبتسمون بخبثٍ مخمليّ.كانت هذه الليلة التي سيُعلن فيها إدريان تحالف المملكة مع أمراء الشمال —لكن الهمسات في الممرات لم تكن عن التحالفات، بل عن "الغريبة" التي ستحضر الحفل.عن ريم.في جناحها، وقفت ريم أمام المرآة.تأملت انعكاسها بذهولٍ صغير.لم تكن تلك الفتاة التي دخلت المكتبة يومًا ما في الجزائر ترتدي بنطال جينز وكنزة رمادية...بل امرأة من قصيدةٍ لا تنتمي لزمنٍ محدد.ارتدت فستانًا من الحرير الملكي الأبيض المائل إلى الذهبي، ينساب على جسدها كضوء الفجر،تطريزاته نُسجت بخيوطٍ من اللؤلؤ الصغير،أما شعرها الأسود الطويل فقد رفعت نصفه بأمشاطٍ فضية، وعلّقت على عنقها قلادة بسيطة أهداها إدريان قبل أيامٍ قليلة —لم يقل وقتها إنها هدية، لكنه قال:«وجدتها تشبهك… بسيطة من بعيد، مذهلة حين تقترب

  • حين ابتلعني الحبر   ظل الملكة

    لم تكن القصور تُحاك فقط بالرخام والذهب، بل بالهمسات أيضًا.في الأيام الأخيرة، كانت الهمسات كالعاصفة —همسات عن الملك الذي تغيّر، عن نظراتٍ غريبة يوجّهها لغريبته، عن امرأةٍ جاءت من "لا مكان" وسحرت قلب أمير الثلج.في الصباح، كانت الشمس تتسلل عبر النوافذ العالية، ترسم خيوطًا من الضوء على الأرضية الملساء.ريم كانت تمشي في الممر الطويل المؤدي إلى القاعة الكبرى، تحمل بيديها كتابًا قديمًا استعادت من مكتب إدريان.فجأة، توقفت حين سمعت صوت خافت خلف الأعمدة:«يقولون إنها ساحرة… جعلت الملك يضحك.»«بل تقول الخادمة إنها رأته يكرر كلماتها الغريبة!»«قال لها بالأمس “ها واش دايرين”، تخيّلي! الملك بنفسه!»لم تلتفت ريم.ابتسمت بخفةٍ حزينة وأكملت سيرها.لكن داخلها كانت النار تشتعل ببطءٍ — ليس من الغضب، بل من الألم.كم هو صعب أن تُتَّهَم فقط لأنك مختلف.حين دخلت القاعة، وجدت إدريان واقفًا قرب خريطةٍ ضخمة معلّقة على الجدار، يتحدث مع أحد الوزراء.كان صوته قويًّا، ثابتًا، لكن عينيه حين وقعتا عليها تغيّر كل شيء.قال بسرعة للوزير:– «يمكننا مناقشة ذلك لاحقًا.»ثم اقترب منها بخطواتٍ هادئة.– «أردتُ أن أراكِ هذا

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status