LOGINفي صباحٍ غارقٍ في الضباب، كان القصر الملكي يستعد لحفلٍ صغير على شرف بعض الزوار الفرنسيين.
الأروقة تفوح برائحة العود الفاخر، والستائر المخملية بلون النبيذ تنساب من النوافذ العالية، بينما الخدم يهرولون في صمتٍ منظم. في قلب هذه الجلبة، كانت ريم جالسة قرب النافذة في قاعة القراءة، تمارس طريقتها العجيبة في تعلّم اللغة: كانت تضع كتابًا أمامها، وتقلّد نطق الكلمات بصوتٍ مضحك، تحرّك شفتيها بطريقة مبالغ فيها وكأنها ممثلة على المسرح. – «Thaaank youuu... no no no… not like that!» – «Merci beaucoup… يا لطيف! لغات أكثر من القهوة!» ضحكت مارغريت وهي تمرّ قربها: – «سيدتي ريم، ربما لا يجب أن تتحدثي بصوتٍ عالٍ أمام الضيوف اليوم!» – «ما تخافيش، نخمّم نحشم شوية… شوية فقط!» في الجهة الأخرى من القصر، كان إدريان في مكتبه يتحدث مع كبير مستشاريه، اللورد غرينفيل. قال المستشار بنبرة حذرة: – «جلالتك، عن تلك الغريبة… ريم. لا أحد يعرف من أين جاءت، ولا كيف ظهرت فجأة. ألا تخشى أن تكون... شيئًا غير بشري؟» أجابه إدريان ببرودٍ مألوف: – «لقد رأيتُ الخوف في عيون البشر أكثر مما رأيتُه في عيون الوحوش، يا غرينفيل.» تردّد المستشار، ثم قال: – «مع ذلك، أمرتُ بإعداد اختبارٍ بسيط… لنتأكد من طبيعتها.» رفع إدريان حاجبه: – «اختبار؟» – «مجرد ملاحظة، جلالتك. سنراقب ردّ فعلها حين نضعها في موقفٍ مفاجئ أثناء الحفل.» لم يعلّق إدريان، لكنه لم يمانع. كان الفضول قد بدأ ينسج خيوطه في داخله — ليس خوفًا منها، بل رغبةً في فهم هذا المخلوق البشري الذي يضحك دون سبب، ويجعل قلبه يضطرب لمجرّد أن ترفع حاجبها. مع اقتراب الظهيرة، بدأت القاعة الملكية تمتلئ بالضيوف. الشموع تلمع، والموسيقى الكلاسيكية تنساب مثل نسمةٍ من الزمن القديم. وقفت ريم على أطراف القاعة، ترتدي فستانًا أخضر بلون الزيتون، بسيطًا لكنه مفعم بالأناقة. كانت تنظر حولها بانبهارٍ حقيقي. – «واش هاد الديكور! كي القصور اللي في الأحلام!» ثم همست لنفسها بالإنجليزية: – «I mean… wow!» لاحظها إدريان من بعيد، يراقبها من أعلى السلالم الكبرى. قال لنفسه بهدوء: – «حتى وقوفها يبدو مختلفًا… لا تعرف الخوف مثلهم.» بدأ الحفل رسميًا، ومع أول نخب نبيذ، تقدّم أحد الخدم ليُقدّم صينية مليئة بالتحف الصغيرة، كانت جزءًا من “اللعبة الملكية” التي اعتادوا بها على اختبار ردود فعل الضيوف: كل شخص يختار قطعة، ويُقال له إنها “تحمل نبوءة بسيطة”. حين وصلت الصينية إلى ريم، كانت تراقب الجميع باهتمام. ثم رفعت قطعة صغيرة من المعدن تشبه ساعة جيبٍ صغيرة. قال اللورد غرينفيل مبتسمًا بخبث: – «آه، اختيارٌ جميل. تلك الساعة يقال إنها تُظهر المستقبل لمن ينظر إليها طويلاً.» انحنى الجميع لمراقبة ردّ فعلها. أمسكت ريم الساعة بيديها، نظرت فيها ثم قالت بجدية مصطنعة: – «آه، نشوف نشوف… يا لطيف!» تقدّم الجميع بفضول، فسألها إدريان: – «ماذا ترين؟» – «نشوف… واحد جامد، ملامحه كي الثلج، ويبتسم لأول مرة قدّام الناس!» ساد صمتٌ في القاعة، ثم انتبه الجميع أنها تقصد الملك نفسه. شهقت مارغريت، وتوتر الحرس، بينما بعض الضيوف كتموا ضحكاتهم. لكن ريم لم تتراجع، بل أضافت ببساطة: – «واش؟ حتى الثلج كي تسخنو، يذوب شوية! عادي!» تجمّد إدريان لوهلة، ينظر إليها بذهولٍ لا يُصدَّق. ثم — ولأول مرة منذ سنوات — ضحك. ضحك حقيقي، صادق، عميق… صدى صوته ملأ القاعة، وأذهل الجميع. تبادل النبلاء النظرات، بعضهم فغر فمه دهشة، وآخرون نظروا إلى ريم كما لو كانت قد قامت بسحرٍ فعلي. أمّا هي، فكانت تضحك معه، دون أن تفهم حجم ما فعلت. قال لها إدريان وهو يقترب ببطء، بنظرة دافئة لم يرها أحد فيه من قبل: – «أتعلمين؟ لم يجرؤ أحد على السخرية مني بهذه الطريقة منذ زمن.» فأجابت بعفويتها المعتادة: – «ياك الضحك ما يقتلش، جلالتك؟ بالعكس، يداوي القلب!» وقف أمامها لحظة، عينيه تلمعان بخفةٍ لم يرها أحد من قبل. ثم تمتم: – «ربما… هذا ما نسيتُه منذ وقتٍ طويل.» حين انصرف الضيوف، انتشرت الأخبار في القصر كالنار في الهشيم: “الملك إدريان ضحك! أمام الناس!” “والسبب؟ الغريبة الجزائرية!” حتى الخدم في الممرات أخذوا يقلدون ضحكته بصوتٍ مكتوم، بينما مارغريت تمتمت وهي تبتسم: – «أخيرًا، رجع الدفء لقلب القصر.» في تلك الليلة، جلست ريم قرب المدفأة تكتب في دفترها الصغير: "ما كنتش نعرف أن الضحكة تقدر تغيّر عالم كامل. اليوم شفت في عينيه حاجة ما شفتهاش من قبل… راحة؟ ولا يمكن أمل؟" ثم وضعت القلم، وأسندت رأسها إلى الكرسي، تهمس لنفسها: – «يا جلالتك، لو تعرف شحال ضحكتك كانت حلوة اليوم… يمكن ما توقفش بعدها أبدًا.» وفي الشرفة البعيدة، كان إدريان يقف وحده مجددًا، لكن على شفتيه ظلّ ابتسامة خفيفة، لم يستطع محوها. "الثلج بدأ يذوب… بفضل من لا تعرف حتى أنها تحمل دفء الربيع."لم يكن القصر في تلك الليلة كما كان.حتى الهواء تغيّر — صار أثقل، كأنه محمّل بما لم يُقال بعد.الممرات تهمس بالأنباء، والوصيفات يتهامسن عن “غضب الملكة” و“الفتاة التي تحدّت التاج”.في جناح الملك، جلست ريم على الأريكة القرمزية أمام الموقد،ترتجف أناملها بخفةٍ وهي تحاول ترتيب كلماتها.كان إدريان واقفًا قرب النافذة، يحدّق في السماء الملبّدة بالغيوم، يضع يده خلف ظهره،وصمتٌ كثيف يفصل بينهما، صمت لا يكسره سوى خشخشة النار.قالت ريم أخيرًا، بصوتٍ خافتٍ يشبه خفقة جناح:– «إدريان… واش راك ناوي تدير؟»التفت إليها ببطءٍ، عيناه تحملان مزيجًا من الصلابة والإنهاك.– «I don’t know yet. But I won’t let them hurt you again.»– «ماشي لازم تحارب على خاطري… راه كاين تاج فوق راسك.»اقترب منها بخطواتٍ هادئة، حتى صار قريبًا جدًا:– «And what is a crown… if I lose myself wearing it?»تجنّبت نظراته للحظة، ثم قالت بنبرةٍ يملؤها خوفٌ صادق:– «أنا ما نقدرش نكون السبب فدم بين أمك وولدها…»أجابها بهدوءٍ لا يخلو من النار:– «If she’s the storm, then you’re my shelter.And for once… I’ll choose peace over power.»لم ي
لم يكن الفجر قد بزغ بعد حين تسللت ريم من فراشها.شيءٌ ما أيقظها — ليس صوتًا، بل إحساسًا خفيًا بأن شيئًا غير طبيعي يدور في أروقة القصر.ارتدت رداءها الصوفيّ الفاتح، ولفّت شعرها بوشاحٍ حريري بلون الزهر الجاف، ثم خرجت بخفةٍ إلى الممر المظلم.كانت الأروقة ساكنة، لا يُسمع فيها سوى خشخشة الريح خلف النوافذ الطويلة ذات الزجاج الملوّن.وبينما كانت تخطو بخطواتٍ مترددة، لمحت عند نهاية الممر رجلين من الحرس يتحدثان بصوتٍ خافت:– «الأوامر واضحة… الفتاة تغادر قبل شروق الشمس.»– «لكن الملك لم يصدر أي أمرٍ بذلك!»– «الأوامر من المجلس مباشرة، يا رجل. نحن ننفذ فقط.»تراجعت ريم ببطءٍ، تختنق أنفاسها بين القلق والغضب، ثم تمتمت بلهجةٍ خافتة:– «هاك دايرينها فالسكات؟ تحبّو تسرّبوني كي السّارق؟»كانت تعرف أن الذهاب الآن يعني النهاية… أن تُمحى كأنها لم تكن.لكن أكثر ما جرحها هو أنها لم تُمنح حتى فرصة الوداع.في تلك اللحظة، كان إدريان جالسًا في مكتبه، أمامه شمعةٌ تكاد تنطفئ.لم يغمض له جفن منذ أخبرها بخطة الإبعاد.بين يديه خريطة المملكة، لكن عينيه كانتا معلّقتين بصورةٍ صغيرة رسمها بنفسه على ورقٍ قديم — وجه ريم
لم يكن الصباح التالي للفجر مختلفًا في ملامحه،لكن في جوّه شيءٌ تغيّر — كأن النسيم يحمل همسًا لا يُسمع إلا بالروح.في القصر، كان الجميع يتحرك بنشاطٍ غير عادي.الخدم يلمّعون الممرات، البوابون يبدّلون الرايات،والوصيفات يتحدثن بصوتٍ خافتٍ عن "أمرٍ غريبٍ ستعلنه الملكة قريبًا".أما ريم، فكانت تجلس قرب النافذة في جناحها، تحمل فنجان شايٍ دافئ وتراقب الساحة من بعيد.كانت السماء رمادية، والريح الباردة تمرّ كأنها تنذر بشيء.قالت مارغريت وهي تضع وشاحًا على كتفيها:– «لقد تحدثتُ مع إحدى الوصيفات هذا الصباح… يبدو أن الملكة الأم طلبت حضور مجلسٍ خاص الليلة.»– «مجلس؟ وش من مجلس؟»– «مجلس النبلاء. نادرًا ما يجتمع إلا لأمرٍ مهم.»أطرقت ريم رأسها، ثم تمتمت بخفةٍ قلقة:– «أكيد كاين حاجة مش عادية.»في قاعة الملكة الأم، كانت الستائر الثقيلة مسدلة، والشموع تذوب ببطءٍ في حوامل من الفضة.جلست الملكة على عرشٍ صغيرٍ من المخمل الداكن،أمامها بعض اللوردات القدامى، وجانبها اللورد غرينفيل الذي بدا أكثر توترًا من العادة.قالت الملكة بنبرةٍ باردة لا تخلو من الهيبة:– «لقد تركنا الغريبة بيننا فترةً كافية.أنقذت حياة
كان الفجر يتسلّل بخجلٍ من خلف أشجار الحديقة الملكية،يلمس أوراق الورد بنعومةٍ كأن السماء تُربّت على الأرض.كل شيءٍ كان ساكنًا، إلا تلك النسمة التي تحرّك أطراف الثوب الأبيض لريم وهي تمشي بخطواتٍ خفيفة على الطريق الحجري المرصوف بالندى.كانت قد استيقظت قبل الجميع.لم تنم إلا قليلًا، فصدى الحفل ما زال يرنّ في أذنيها،ووجه إدريان حين رآها للمرة الأولى في تلك القاعة… ما زال يشغل فكرها أكثر من اللازم.قالت لنفسها وهي ترفع شعرها قليلاً لتتجنب نسمة باردة:"يا ربي، واش راه يدير بيا؟ قلبي ولا يلعب بيه كيما ولاد الحومة بالكرة..."ضحكت بخفةٍ على كلامها، ثم سمعت صوت خطواتٍ خلفها.لم تحتج إلى أن تلتفت لتعرف من هو.– «أيقظتك الريح، أم قلبي المزعج؟»التفتت نحوه، فوجدته يسير نحوها مرتديًا معطفًا أسود طويلًا،وشعره منسدلٌ قليلًا على جبينه، بعينين رماديتين لا تخطئهما العين.– «قلّيت نجي قبل الوقت، ما حبيتش نلقاك تستناني بزاف.»ابتسم وقال:– «مرة أخرى… لم أفهم كلمة.»ضحكت ورفعت حاجبها:– «يعني جيت بكري، ما حبيتش نخليك تستنى.»– «Ah… you came early. You don’t like to make your king wait.»– «ملكي؟ رجعت ليه
لم تعرف القصور ليلًا أكثر بريقًا من تلك الليلة.كانت الأروقة تتلألأ بآلاف الشموع المعلقة في ثرياتٍ ضخمة تتدلى من الأسقف العالية، كأن النجوم قررت النزول إلى الأرض لتشهد ما سيحدث.الموسيقى تنساب من فرقةٍ راقية خلف الستار، أنغام الكمان تختلط بخفقان القلوب،والنبلاء يرتدون أفضل ما تملكه خزائنهم، يتهامسون، يراقبون، يبتسمون بخبثٍ مخمليّ.كانت هذه الليلة التي سيُعلن فيها إدريان تحالف المملكة مع أمراء الشمال —لكن الهمسات في الممرات لم تكن عن التحالفات، بل عن "الغريبة" التي ستحضر الحفل.عن ريم.في جناحها، وقفت ريم أمام المرآة.تأملت انعكاسها بذهولٍ صغير.لم تكن تلك الفتاة التي دخلت المكتبة يومًا ما في الجزائر ترتدي بنطال جينز وكنزة رمادية...بل امرأة من قصيدةٍ لا تنتمي لزمنٍ محدد.ارتدت فستانًا من الحرير الملكي الأبيض المائل إلى الذهبي، ينساب على جسدها كضوء الفجر،تطريزاته نُسجت بخيوطٍ من اللؤلؤ الصغير،أما شعرها الأسود الطويل فقد رفعت نصفه بأمشاطٍ فضية، وعلّقت على عنقها قلادة بسيطة أهداها إدريان قبل أيامٍ قليلة —لم يقل وقتها إنها هدية، لكنه قال:«وجدتها تشبهك… بسيطة من بعيد، مذهلة حين تقترب
لم تكن القصور تُحاك فقط بالرخام والذهب، بل بالهمسات أيضًا.في الأيام الأخيرة، كانت الهمسات كالعاصفة —همسات عن الملك الذي تغيّر، عن نظراتٍ غريبة يوجّهها لغريبته، عن امرأةٍ جاءت من "لا مكان" وسحرت قلب أمير الثلج.في الصباح، كانت الشمس تتسلل عبر النوافذ العالية، ترسم خيوطًا من الضوء على الأرضية الملساء.ريم كانت تمشي في الممر الطويل المؤدي إلى القاعة الكبرى، تحمل بيديها كتابًا قديمًا استعادت من مكتب إدريان.فجأة، توقفت حين سمعت صوت خافت خلف الأعمدة:«يقولون إنها ساحرة… جعلت الملك يضحك.»«بل تقول الخادمة إنها رأته يكرر كلماتها الغريبة!»«قال لها بالأمس “ها واش دايرين”، تخيّلي! الملك بنفسه!»لم تلتفت ريم.ابتسمت بخفةٍ حزينة وأكملت سيرها.لكن داخلها كانت النار تشتعل ببطءٍ — ليس من الغضب، بل من الألم.كم هو صعب أن تُتَّهَم فقط لأنك مختلف.حين دخلت القاعة، وجدت إدريان واقفًا قرب خريطةٍ ضخمة معلّقة على الجدار، يتحدث مع أحد الوزراء.كان صوته قويًّا، ثابتًا، لكن عينيه حين وقعتا عليها تغيّر كل شيء.قال بسرعة للوزير:– «يمكننا مناقشة ذلك لاحقًا.»ثم اقترب منها بخطواتٍ هادئة.– «أردتُ أن أراكِ هذا







