كانت ريم تؤمن بأن الأرواح القديمة لا تموت، بل تختبئ في الكتب تنتظر من يوقظها.ربما لهذا السبب، كانت تقضي عطلاتها في المكتبات القديمة بدل المقاهي الصاخبة، تفتش عن رائحة الورق العتيق، تلك الرائحة التي تشبه في نظرها حضنًا من الماضي.في ذلك اليوم، كانت السماء الرمادية تتدلّى على المدينة مثل غطاء من القطن، حين دفعتها قدماها إلى مكتبة “الأفق المنسي” — مكانٌ نادر يقبع بين زقاقين ضيقين في حيّ قديم من أحياء الجزائر العاصمة. لم يكن هناك لافتة واضحة، فقط باب خشبي ثقيل تآكلت أطرافه، وجرس صغير يرنّ كصوت ناعم من زمن آخر حين فتحته.رائحة الغبار ممزوجة بعطر الخشب الرطب استقبلتها كما لو كانت صديقة قديمة. على الرفوف العالية، تراصّت الكتب مثل جنودٍ متقاعدين يروون قصصهم بصمت.كانت ترتدي معطفًا صوفيًّا بلون الكراميل، وشالًا أبيض يلتفّ حول عنقها بانسيابية. شعرها البني كان مبللًا بطرف المطر، يتدلّى بخصلات خفيفة على وجهها المتأمل.تقدّمت بين الممرات، تتلمّس بأصابعها عناوين غريبة بخطوط مذهّبة وأغلفة باهتة.كل شيء في تلك المكتبة كان ينتمي إلى زمنٍ غير الزمن الذي تعرفه. حتى صاحب المكتبة، شيخ نحيل ذو نظارات مستد
Last Updated : 2026-05-28 Read more