LOGINا
استيقظت ريم على صوت عصافير لم تسمع مثلها من قبل؛ نغمة تشبه الموسيقى أكثر مما تشبه التغريد. أشعة الشمس كانت تتسلل بخجل من بين الستائر الثقيلة، ترسم خطوطًا ذهبية على أرضية الغرفة اللامعة. للحظة، ظنّت أن ما حدث بالأمس كان حلمًا طويلًا، لكن حين فتحت عينيها تمامًا، رأت الفستان الأزرق معلّقًا على المقعد، وحذاءها الجلدي بجانبه… فعرفت أن الحلم ما زال مستمرًا. – «يا ريم، يا الباهية، راكي فحكاية وما تعرفيش كيف تخرجي منها!» قالت لنفسها وهي تضحك بخفة، ثم نهضت من السرير بتثاقل. اقتربت الخادمة، وهي تحمل صينية الإفطار الفاخر — كوب من الشاي المعطّر بالنعناع، وخبز محمّص، ومربى الكرز. – «صباح الخير، سيدتي.» – «صباح النور يا جميلة. على بالك واش كنت نحلم؟ كنت نحلم نروح للدار، نلقى خالتي تسقيني قهوة وكرواسون!» الخادمة رمشت بحيرة. – «خالتي؟ كروا… ماذا؟» – «خليه، خليه. ما راح تفهميني!» قالت ريم ضاحكة. بعد الإفطار، قررت أن تتجول في القصر، رغم أن الخادمة حذرتها: «جلالته لا يحب أن يتجوّل الغرباء في أروقة القصر.» لكن ريم لم تكن من النوع الذي ينتظر الإذن كي يكتشف العالم. خرجت بخفة، تمسك أطراف فستانها الطويل حتى لا تتعثر، وعيناها تتنقلان بين اللوحات والزخارف والممرات الطويلة التي تنبعث منها رائحة الورد الجاف والشموع القديمة. كل جدار كان لوحة فنية، وكل باب يقود إلى غرفة أروع من الأخرى. لكن أكثر ما شدّها هو الحديقة التي رأتها من إحدى النوافذ — مساحة شاسعة من الزهور والنوافير والتماثيل البيضاء، تحيط بها أشجار عالية مثل الحراس. فتحت الباب المؤدي إلى الحديقة بخفة، وحين خرجت، شعرت أن الهواء نفسه يختلف. رائحة الأرض الرطبة، عطر الزهور البنفسجية، والبرد اللطيف الذي يلمس خديها… كل شيء كان حيًا أكثر مما ينبغي. سارت بين الممرات الحجرية المزخرفة، تتلمّس أوراق الورد، وتضحك مع نفسها: – «يا عيني، غير ناقصني كاس قهوة نوار ونولي أميرة بالصح!» وبينما كانت تحاول قطف زهرة صغيرة لتحتفظ بها، سمعت صوتًا رجوليًا خلفها: – «إنه ممنوع على أي أحد لمس زهور جلالته.» التفتت بسرعة، فرأت شابًا في الثلاثين من عمره، يرتدي زيّ الحراس الملكيين، لكن ملامحه لم تكن قاسية مثل البقية. عيناه رماديتان، وابتسامته دافئة. – «آه، آسفة! والله ما كنت نعرف. ما نقصدش نخربلكم الحديقة!» – «لا بأس، سيدتي. يبدو أنك لا تعرفين الكثير عن هذا المكان.» – «فعلاً، ما نعرف والو. حتى واش نكل البارح ما كنتش عارفة واش هو!» ضحك بخفة وقال: – «اسمي ألكسندر، أنا كبير حرّاس القصر… وصديق قديم لجلالته.» – «صديق؟ والله يا خو، صاحبك هذا ما يضحكش نهائيًا!» ضحك أكثر، ثم قال وهو يضع يده خلف ظهره باحترام: – «الملك إدريان… لم يكن دائمًا هكذا. كان مختلفًا تمامًا من قبل.» رفعت ريم رأسها باهتمام. – «آه؟ وش تقصد؟» – «قبل ثلاث سنوات، فقد شيئًا جعله يغلق قلبه إلى الأبد.» – «فقد شنو؟» – «امرأة. أو ربما… نفسه معها.» صمتت ريم للحظة، عيناها امتلأتا بالفضول أكثر من الحزن. – «يعني هو فعلاً عنده قلب، بس مخبيه؟» – «ربما.» قال ألكسندر مبتسمًا، «لكنه لم يسمح لأحدٍ بالاقتراب منه منذ ذلك الحين.» نظرت ريم إلى السماء الملبدة بالغيوم الخفيفة، ثم قالت بصوتٍ خافت فيه سخرية ممزوجة بشيء يشبه العطف: – «مسكين أمير الثلج... كأنو كي برد قلبه، الدنيا بردت معاه.» ابتسم ألكسندر دون أن يعلّق، ثم أشار برأسه إلى جهة القصر: – «أنصحك بالعودة، قبل أن يراك أحد هنا. جلالته لا يحب المفاجآت.» لكن ريم لم تتحرك. كانت تحدّق في تمثال رخامي وسط الحديقة، تمثالٍ لرجلٍ يحمل وردة ذابلة في يده. اقتربت ولمست الوردة الحجرية بإصبعها، وقالت بخفوت: – «حتى الثلج يذوب قدّام الورد، صح؟» في تلك اللحظة، سمعت صوت خطوات قادمة من خلفها. التفتت… لتجد إدريان واقفًا عند مدخل الحديقة، نظراته باردة كالعادة، لكن في عينيه بريق خافت لم يكن موجودًا من قبل. – «قلتُ لكِ لا تتجوّلي وحدك.» – «كنت غير نحوس شوية، ما درت والو!» – «أنتِ في مملكة لا تعرفين قوانينها، ولا أحد هنا يرحم الفضوليين.» نزلت عيناها بخفة، ثم رفعت رأسها بعنادٍ طفوليّ جميل وقالت: – «ما كنتش نقصد نغضبك، يا أمير الثلج.» تجمّد في مكانه، لم يتوقع أن تناديه بذلك اللقب الذي لم يتجرأ أحد على قوله علنًا. تقدّم خطوة، وقال بصوتٍ منخفض: – «من أخبرك بهذا الاسم؟» – «ما يهمش، المهم إنك لازم تذوب شوية… الدنيا ما تستاهلش تكون باردة هكا.» لم يقل شيئًا. اكتفى بالنظر إليها طويلًا، كأنه يرى أمامه لغزًا لا يعرف كيف يبدأ في حله. ثم استدار بهدوء، وقال بصوتٍ خافت قبل أن يغادر: – «الثلج لا يذوب… إلا إذا احترق.» وبقيت ريم واقفة، الريح تلعب بطرف فستانها، وهي تهمس لنفسها بابتسامة خفيفة: – «إيه، وانا جايبة النار معايا يا سي إدريان… غير استنى وشوف.»لم يكن القصر في تلك الليلة كما كان.حتى الهواء تغيّر — صار أثقل، كأنه محمّل بما لم يُقال بعد.الممرات تهمس بالأنباء، والوصيفات يتهامسن عن “غضب الملكة” و“الفتاة التي تحدّت التاج”.في جناح الملك، جلست ريم على الأريكة القرمزية أمام الموقد،ترتجف أناملها بخفةٍ وهي تحاول ترتيب كلماتها.كان إدريان واقفًا قرب النافذة، يحدّق في السماء الملبّدة بالغيوم، يضع يده خلف ظهره،وصمتٌ كثيف يفصل بينهما، صمت لا يكسره سوى خشخشة النار.قالت ريم أخيرًا، بصوتٍ خافتٍ يشبه خفقة جناح:– «إدريان… واش راك ناوي تدير؟»التفت إليها ببطءٍ، عيناه تحملان مزيجًا من الصلابة والإنهاك.– «I don’t know yet. But I won’t let them hurt you again.»– «ماشي لازم تحارب على خاطري… راه كاين تاج فوق راسك.»اقترب منها بخطواتٍ هادئة، حتى صار قريبًا جدًا:– «And what is a crown… if I lose myself wearing it?»تجنّبت نظراته للحظة، ثم قالت بنبرةٍ يملؤها خوفٌ صادق:– «أنا ما نقدرش نكون السبب فدم بين أمك وولدها…»أجابها بهدوءٍ لا يخلو من النار:– «If she’s the storm, then you’re my shelter.And for once… I’ll choose peace over power.»لم ي
لم يكن الفجر قد بزغ بعد حين تسللت ريم من فراشها.شيءٌ ما أيقظها — ليس صوتًا، بل إحساسًا خفيًا بأن شيئًا غير طبيعي يدور في أروقة القصر.ارتدت رداءها الصوفيّ الفاتح، ولفّت شعرها بوشاحٍ حريري بلون الزهر الجاف، ثم خرجت بخفةٍ إلى الممر المظلم.كانت الأروقة ساكنة، لا يُسمع فيها سوى خشخشة الريح خلف النوافذ الطويلة ذات الزجاج الملوّن.وبينما كانت تخطو بخطواتٍ مترددة، لمحت عند نهاية الممر رجلين من الحرس يتحدثان بصوتٍ خافت:– «الأوامر واضحة… الفتاة تغادر قبل شروق الشمس.»– «لكن الملك لم يصدر أي أمرٍ بذلك!»– «الأوامر من المجلس مباشرة، يا رجل. نحن ننفذ فقط.»تراجعت ريم ببطءٍ، تختنق أنفاسها بين القلق والغضب، ثم تمتمت بلهجةٍ خافتة:– «هاك دايرينها فالسكات؟ تحبّو تسرّبوني كي السّارق؟»كانت تعرف أن الذهاب الآن يعني النهاية… أن تُمحى كأنها لم تكن.لكن أكثر ما جرحها هو أنها لم تُمنح حتى فرصة الوداع.في تلك اللحظة، كان إدريان جالسًا في مكتبه، أمامه شمعةٌ تكاد تنطفئ.لم يغمض له جفن منذ أخبرها بخطة الإبعاد.بين يديه خريطة المملكة، لكن عينيه كانتا معلّقتين بصورةٍ صغيرة رسمها بنفسه على ورقٍ قديم — وجه ريم
لم يكن الصباح التالي للفجر مختلفًا في ملامحه،لكن في جوّه شيءٌ تغيّر — كأن النسيم يحمل همسًا لا يُسمع إلا بالروح.في القصر، كان الجميع يتحرك بنشاطٍ غير عادي.الخدم يلمّعون الممرات، البوابون يبدّلون الرايات،والوصيفات يتحدثن بصوتٍ خافتٍ عن "أمرٍ غريبٍ ستعلنه الملكة قريبًا".أما ريم، فكانت تجلس قرب النافذة في جناحها، تحمل فنجان شايٍ دافئ وتراقب الساحة من بعيد.كانت السماء رمادية، والريح الباردة تمرّ كأنها تنذر بشيء.قالت مارغريت وهي تضع وشاحًا على كتفيها:– «لقد تحدثتُ مع إحدى الوصيفات هذا الصباح… يبدو أن الملكة الأم طلبت حضور مجلسٍ خاص الليلة.»– «مجلس؟ وش من مجلس؟»– «مجلس النبلاء. نادرًا ما يجتمع إلا لأمرٍ مهم.»أطرقت ريم رأسها، ثم تمتمت بخفةٍ قلقة:– «أكيد كاين حاجة مش عادية.»في قاعة الملكة الأم، كانت الستائر الثقيلة مسدلة، والشموع تذوب ببطءٍ في حوامل من الفضة.جلست الملكة على عرشٍ صغيرٍ من المخمل الداكن،أمامها بعض اللوردات القدامى، وجانبها اللورد غرينفيل الذي بدا أكثر توترًا من العادة.قالت الملكة بنبرةٍ باردة لا تخلو من الهيبة:– «لقد تركنا الغريبة بيننا فترةً كافية.أنقذت حياة
كان الفجر يتسلّل بخجلٍ من خلف أشجار الحديقة الملكية،يلمس أوراق الورد بنعومةٍ كأن السماء تُربّت على الأرض.كل شيءٍ كان ساكنًا، إلا تلك النسمة التي تحرّك أطراف الثوب الأبيض لريم وهي تمشي بخطواتٍ خفيفة على الطريق الحجري المرصوف بالندى.كانت قد استيقظت قبل الجميع.لم تنم إلا قليلًا، فصدى الحفل ما زال يرنّ في أذنيها،ووجه إدريان حين رآها للمرة الأولى في تلك القاعة… ما زال يشغل فكرها أكثر من اللازم.قالت لنفسها وهي ترفع شعرها قليلاً لتتجنب نسمة باردة:"يا ربي، واش راه يدير بيا؟ قلبي ولا يلعب بيه كيما ولاد الحومة بالكرة..."ضحكت بخفةٍ على كلامها، ثم سمعت صوت خطواتٍ خلفها.لم تحتج إلى أن تلتفت لتعرف من هو.– «أيقظتك الريح، أم قلبي المزعج؟»التفتت نحوه، فوجدته يسير نحوها مرتديًا معطفًا أسود طويلًا،وشعره منسدلٌ قليلًا على جبينه، بعينين رماديتين لا تخطئهما العين.– «قلّيت نجي قبل الوقت، ما حبيتش نلقاك تستناني بزاف.»ابتسم وقال:– «مرة أخرى… لم أفهم كلمة.»ضحكت ورفعت حاجبها:– «يعني جيت بكري، ما حبيتش نخليك تستنى.»– «Ah… you came early. You don’t like to make your king wait.»– «ملكي؟ رجعت ليه
لم تعرف القصور ليلًا أكثر بريقًا من تلك الليلة.كانت الأروقة تتلألأ بآلاف الشموع المعلقة في ثرياتٍ ضخمة تتدلى من الأسقف العالية، كأن النجوم قررت النزول إلى الأرض لتشهد ما سيحدث.الموسيقى تنساب من فرقةٍ راقية خلف الستار، أنغام الكمان تختلط بخفقان القلوب،والنبلاء يرتدون أفضل ما تملكه خزائنهم، يتهامسون، يراقبون، يبتسمون بخبثٍ مخمليّ.كانت هذه الليلة التي سيُعلن فيها إدريان تحالف المملكة مع أمراء الشمال —لكن الهمسات في الممرات لم تكن عن التحالفات، بل عن "الغريبة" التي ستحضر الحفل.عن ريم.في جناحها، وقفت ريم أمام المرآة.تأملت انعكاسها بذهولٍ صغير.لم تكن تلك الفتاة التي دخلت المكتبة يومًا ما في الجزائر ترتدي بنطال جينز وكنزة رمادية...بل امرأة من قصيدةٍ لا تنتمي لزمنٍ محدد.ارتدت فستانًا من الحرير الملكي الأبيض المائل إلى الذهبي، ينساب على جسدها كضوء الفجر،تطريزاته نُسجت بخيوطٍ من اللؤلؤ الصغير،أما شعرها الأسود الطويل فقد رفعت نصفه بأمشاطٍ فضية، وعلّقت على عنقها قلادة بسيطة أهداها إدريان قبل أيامٍ قليلة —لم يقل وقتها إنها هدية، لكنه قال:«وجدتها تشبهك… بسيطة من بعيد، مذهلة حين تقترب
لم تكن القصور تُحاك فقط بالرخام والذهب، بل بالهمسات أيضًا.في الأيام الأخيرة، كانت الهمسات كالعاصفة —همسات عن الملك الذي تغيّر، عن نظراتٍ غريبة يوجّهها لغريبته، عن امرأةٍ جاءت من "لا مكان" وسحرت قلب أمير الثلج.في الصباح، كانت الشمس تتسلل عبر النوافذ العالية، ترسم خيوطًا من الضوء على الأرضية الملساء.ريم كانت تمشي في الممر الطويل المؤدي إلى القاعة الكبرى، تحمل بيديها كتابًا قديمًا استعادت من مكتب إدريان.فجأة، توقفت حين سمعت صوت خافت خلف الأعمدة:«يقولون إنها ساحرة… جعلت الملك يضحك.»«بل تقول الخادمة إنها رأته يكرر كلماتها الغريبة!»«قال لها بالأمس “ها واش دايرين”، تخيّلي! الملك بنفسه!»لم تلتفت ريم.ابتسمت بخفةٍ حزينة وأكملت سيرها.لكن داخلها كانت النار تشتعل ببطءٍ — ليس من الغضب، بل من الألم.كم هو صعب أن تُتَّهَم فقط لأنك مختلف.حين دخلت القاعة، وجدت إدريان واقفًا قرب خريطةٍ ضخمة معلّقة على الجدار، يتحدث مع أحد الوزراء.كان صوته قويًّا، ثابتًا، لكن عينيه حين وقعتا عليها تغيّر كل شيء.قال بسرعة للوزير:– «يمكننا مناقشة ذلك لاحقًا.»ثم اقترب منها بخطواتٍ هادئة.– «أردتُ أن أراكِ هذا







