เข้าสู่ระบบ— «أرضعيها يا لينا... إنها تنتظر.» احتضنتها لينا بحب، وهي تتأمل ملامح الصغيرة التي كانت نسخة طبق الأصل من دايمون. ارتبكت يداها وهي تحاول إرضاعها وتعديل ثوبها في الوقت ذاته، وانقبض صدرها بتوتر. لاحظ دايمون اضطراب حركتها، فانحنى نحوها حتى لامس دفءُ أنفاسه عنقَها، وهمس: — «اهدأي... دعيني أساعدكِ.» خفق قلب لينا بشدة واضطربت أنفاسها، ولم تتجرأ على رفع عينيها لتلتقي بعينيه بينما كانت أنامله تلامس بشرتها الدافئة. أخذ صدرها ووجهه برفق نحو فم الصغيرة، حتى التقمتْه وبدأت بالرضاعة بنهم. انحنى دايمون أكثر، وأزاح خصلات من شعرها التي انسدلت على وجهها، ليعيدها خلف أذنها: — «هكذا أفضل... أنتما بخير الآن.» رفعت لينا عينيها نحوه في لحظة ضعف، فتلاقت نظراتهما في صمتٍ مشحون، قبل أن يدير دايمون وجهه نحو المهد، ويتكئ بيديه على حافته، يراقب طفله الآخر وهو يلاعب الهواء بيده الصغيرة. مسح بأطراف أصابعه على خده، ثم فرد أنامله حتى قبض الرضيع بقوة على اصبع أبيه. ابتسم دايمون في انتشاء: — «أهلاً بك يا صغيري... قبضتك قوية منذ صغرك.» كانت لينا تتابع هذا المشهد الأبوي بقلبٍ يمزقه الألم، وتساءلت في سرها
— ليرا: «ماذا تقصدين؟! ما هذا التخريف الذي تتفوهين به؟!» — ماريت (وهي ترتجف ذعرًا): «اسمعيني يا سيدتي... سأشرح لكِ كل شيء، أرجوكِ لا تغضبي مني!» — ليرا (تصرخ في وجهها): «ماذا ستشرحين لي؟!» — ماريت: «أقسم لكِ يا سيدتي، لم أرد إلا الخير لكِ!» — ليرا: «أوَيَكُونُ الخير في أن تُقربيني منه؟! أجننتِ يا امرأة؟!» — ماريت: «يا سيدتي اهدئي أرجوكِ... ليت لساني قُطع قبل أن أنطق بهذا!» — هيلدا (تربت على كتف ليرا لتهدئة فورتها): «اعذريها يا ابنتي، لم تكن تقصد شرًا... كل ما أرادته هو أن تطمئن عليكِ وترى سعادتكِ.» — ليرا: «وبأي طريقة يا خالة هيلدا؟! بالتعاويذ؟!» — ماريت (أمسكت يدها): «سامحيني يا سيدتي، أرجوكِ!» — ليرا (سحبت يدها بقوة): «استعدي فورًا! سنذهب إليها لنبطل هذه المصيبة التي اقترفتِها!» — ماريت: «يا إلهي! إلى أين سنذهب؟ السيد لن يسمح لنا بالخروج أبداً!» — ليرا (بعصبية شديدة): «تحركي وارتدي ملابسكِ دون كثرة كلام!» خرجت ليرا وقصدت مكتب جاد لتستأذنه بالخروج. طرقت الباب، وحين أذن لها بالدخول، دخلت وهي تفرك كفيها بارتباك، تتجنب النظر في عينيه وعلامات الضيق واضحة على محياها. ما إن
انهال جاد على مالك بضربات هستيرية، بينما كان صوت إطلاق النار في الخارج يُسمع كدوي حرب لا يرحم. ترك جاد الرجل الصريع، وانقضّ على ليرا، جذبها من ذراعيها ونظر في عينيها بعصبية وقلق: — أَمَسَّكِ بأذى؟! تحدثي.. ألمسكِ هذا الوغد؟! هزت رأسها نفياً وهي عاجزة عن النطق. لفّها بين ذراعيه وضمها إلى صدره بشدة، يمرر يده على شعرها ليرد إليها أمنها، ثم خلع سترته ووضعها على كتفيها. في تلك اللحظة، اندفع لوكاس إلى الغرفة، وقبض على رقبة مالك ودقّ به الحائط بكل ما أوتي من غضب، حتى خارت قوى الأخير وسقط مغشياً عليه. كانت الدار ساحة حرب حقيقية؛ رجال مالك صرعى على الأرض برصاص هندريك والحراس، بينما كانت غريتا تحتضن إيفي الخائفة. وما إن رأت إيفي لوكاس حتى تهللت ملامحها بالرغبة في الركض نحوه، لكن عينيها اتسعتا بذعر وهي ترى الخطر يتربص به! كان مالك قد استعاد وعيه الغائب، واستلّ خنجره متسللاً خلف لوكاس غدراً! صرخت إيفي بكل ما أوتيت من صوت عندما غرس مالك الخنجر في ظهره، ليتأوه لوكاس أنيناً مكتوماً. استدار جاد، تاركاً ليرا ليتلقف صديقه قبل أن يسقط أرضاً. وفي اللحظة ذاتها، وجه هندريك رصاصة دقيقة أصابت رأس ما
مرّ الوقت، ثم فتحت ماريت وإيفي الباب...وجدتا ليرا تجلس على طرف المقعد، تعتصر رأسها بين كفيها المرتجفتين، بينما وجنتاها المحمرتان ملطختان بدموع لم تجف بعد.شهقت ماريت بفزع وهي ترتمي أمامها:ـ سيدتي! ما بكِ؟! ماذا حدث؟!رفعت ليرا عينيها التائهتين، وقالت بنبرة يملؤها الرعب:ـ يجب أن نغادر فوراً.. لقد وجدني!تجمّد الدم في عروق ماريت:ـ يا إلهي! كيف وصل إليكِ؟!صرخت ليرا وهي تتنفس بصعوبة:ـ أخبرتكِ أن نرحل! لن أبقى هنا دقيقة واحدة.. سيعود ليأخذني رغماً عني!حاولت ماريت إمساك يديها لتهدئتها:ـ يا سيدتي، أرجوكِ، إلى أين سنذهب في هذا الليل؟ السكون يلف المكان، سنغلق الأبواب جيداً ولن يجرؤ مخلوق على الاقتراب منا!وقفت ليرا فجأة والشرر يتطاير من عينيها:ـ قلتُ لكِ لن أبقى! إن أردتِ المجيء معي فهيا، وإلا فابقي وحدكِ!توسلتها ماريت بنبرة حنونة:ـ أرجوكِ، أخبريني فقط إلى أين نتجه؟غرزت ليرا أصابعها في شعرها وهزت رأسها بهستيريا وهي تبكي:ـ لا أعلم... أريد فقط أن أبتعد عنه!في تلك اللحظة، تقدمت إيفي واحتضنتها بدموع صامتة. نظرت إليها ليرا وكأنها وجدت طوق نجاة:ـ إيفي.. أخبريني، أتعرفين أين يقع منزل غ
في الجهة الأخرى، كانت ليرا تجلس برفقة غريتا وإيفي وماريت، يقضين الوقت في الحديث. غريتا: "بما أن ابنتي إيفي مرتاحة معكما، فهذا هو المكسب الحقيقي لي." ليرا (ابتسمت بدفء): "إيفي بمثابة أختي تماماً." غريتا (وضعت يدها على ذقن ليرا برفُق): "لمحتُ في عينيكِ بالسوق أثراً من همٍّ مكتوم، لكن حين تأملتُ وجهكِ عن قرب، أدركتُ أن خلفه عذاباً ثقيلاً لا تحتمله الجبال." ليرا (تلاشت ابتسامتها تدريجياً): "من كُتب عليه الشقاء منذ صغره، لا يجدر به الشكوى في كبره." غريتا (ضحكت بصوت خفيض): "تذكرتُ أين رأيتكِ! أنتِ الفتاة التي كانت في قصر دي فالك.. رأيتكِ هناك سابقاً." ليرا (بنبرة اعتراها الجمود): "لا تذكري اسمه أمامي!" غريتا: "أهو السبب في كل هذا الكدر؟" (أمسكت بيدها بمودة) "لقد دخلتِ قلبي يا ابنتي.. وأنا بجانبكِ، قصي عليّ حكايتكِ." بدأت ليرا تروي لها تفاصيل حياتها منذ نعومة أظفارها.. حكت لها عن ذلك اليوم المشؤوم الذي مات فيه زوجها، وعن سقوطها في يد دي فالك، حكت عن قسوته وعذابه واعتدائه السافر، وكل ما ألحقه بها من ندوب حفرت في روحها حتى وصولها إلى هذا المنزل. ليرا: "وهذه هي قصتي.." غريتا: "رجل ب
بعد خمسة أشهر كاملة، فتح "جاد" عينيه ببطء ليعود إلى الوعي بعد غيبوبة طويلة. وجد نفسه مستلقياً في غرفته التي تحولت إلى ما يشبه الجناح الطبي؛ محاطاً بالأجهزة الطبية ومراقبات النبض، وأنبوب المصل المغذي ينغرس في وريد يده. استنشق الهواء بعمق كمن تتنفس رئتاه الحياة من جديد. جلس ببطء وجسده ما زال يشعر بثقل الأشهر الماضية، فاستقرت في أنفه رائحة نفاثة تنتشر في أرجاء الغرفة؛ كانت رائحة بخور أوراق إكليل الجبل. كانت "خالة هيلدا" تطوف بالمبخرة في أركان الغرفة لتنقيتها وتطهير جوها، وفور أن أبصرته يجلس على السرير، شخُصت عيناها ذهولاً وتوقفت يدها عن الحركة، ثم تهللت ملامحها بسعادة بالغة ودموع امتنان: — سلامتك يا سيدي! يا لها من معجزة أن تعود إلينا بكامل عافيتك! تطلع إليها "جاد" بعينين ناعستين لكن بنبرة قاطعة لا تخلو من سلطته: — "هيلدا"... استدعي "هندريك" فوراً. أسرعت "خالة هيلدا" تنادي بصوت مرتجف في أروقة القصر، اقتحم "هندريك" الغرفة والابتسامة تغمر وجهه بعد أن تلقى النبأ، ونطق وهو ينظر إلى "دي فالك": — أهلاً بعودتك يا سيدي! أهنئك بسلامتك، يجب أن أجهز مأدبة فاخرة احتفالاً بتعافيك من هذه الأز
"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل
خرجتُ من الحفلة وأنا أشعر أن رأسي سينفجر من الضحكات العالية والعطور الثقيلة والوجوه المزيفة.الكعب العالي كان يتدلّى من أصابعي، وقدماي تحترقان من الألم فوق الرصيف البارد، بينما التصق الفستان الأسود بجسدي كطبقة ثانية من الجلد بعد ساعات طويلة وسط الزحام.المدينة ليلًا، كانت أكثر قسوة...وأكثر وحدة..أ
كان المطر يهطل بلا توقف.ثقيلًا، صامتًا، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه بعد العاصفة التي انفجرت داخله قبل ساعة.انعكس ضوء المصابيح الشاحبة على مياه المسبح في الحديقة الخلفية، محولًا سطحه إلى مرآة سوداء ترتجف مع كل قطرة تسقط عليه.أصوات المطر كانت تتكسر على الأسطح الرخامية، تمتزج مع صفير الريح بين الأشج
تجمّد الخوف داخل صدري وأنا أسمع صوته يهبط فوقي كقيدٍ بارد.كان ذلك النوع من الخوف الذي لا يصرخ… بل ينسحب ببطء داخل الأضلاع، يضغط على القلب كيد خفية تعرف تمامًا أين تلمس كي تؤلم أكثر.خارج النوافذ العالية، كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بإيقاع هادئ ومخيف، بينما انعكس ضوء الثريا الذهبية فوق الجدران الد







