Home / الرومانسية / حين اختطفني الذئب / ☆الفصل الخامس: لا أحب التكرار

Share

☆الفصل الخامس: لا أحب التكرار

Author: Miska rose
last update publish date: 2026-05-20 08:44:46

كان المطر لا يزال يضرب القصر بلا توقف، كأنه قرر أن يمحو كل ما حدث داخله قبل ساعة، أو يزيده وضوحًا بدلًا من دفنه.

دايمون كان يمشي في الممر الطويل، خطواته على الرخام كانت ثقيلة، لكنها محسوبة، لا ضياع فيها، كأنه لا يعرف معنى التردد أصلًا.

الماء يتساقط من شعره المبلل على كتفيه وصدره، ينزلق ببطء، لكن جسده لم يكن يعطي أي رد فعل. لا برد، لا انزعاج. فقط هدوء غريب لرجل لا يبدو أنه ينتمي لهذا الطقس أو لهذا العالم.

الحراس على الجانبين خفضوا رؤوسهم فورًا.

أحدهم قال بصوت منخفض جدًا قبل أن يبتعد: "هو في مزاج سيئ الليلة…"

لكن دايمون لم يكن في "مزاج سيئ".

كان في شيء أعمق من ذلك.

كان في صمت يوحي بأن شيئًا ما بداخله على وشك الانفجار.

توقف أمام باب جناحه.

لم يفتحه فورًا.

ظل واقفًا لثوانٍ، ينظر إلى المقبض وكأنه يقيس ما سيحدث بعد أن يلمسه.

ثم فتح الباب.

ودخل...

الغرفة كانت هادئة بشكل غير مريح، الضوء الخافت للمدفأة ينعكس على الجدران، والبرق من الخارج يقطع السماء كل لحظة.

كنتُ جالسة على السرير.

ذراعاي حول نفسي.

حين دخل، لم أتحرك.

لكنني شعرت به قبل أن أراه.

هذا الشعور الذي لا أستطيع تفسيره… كأن الهواء يصبح أثقل فجأة.

أغلق الباب خلفه.

قال بصوت ثابت، بلا مقدمات: "لم تأكلي."

لم أرد.

لم أكن أريد أن أبدأ هذا الحوار أصلًا.

لكن صمتي لم يعجبه.

"أنا قلت: لقد سألت...لن أعيد."

رفعت عيني ببطء.

"وأنا قلت سابقا: لا أريد."

اقترب خطوة واحدة فقط.

لكنها كانت كافية لأشعر أن المسافة بيننا تصبح أقل بشكل مزعج.

"هذا ليس جوابًا."

"بل هو كذلك."

توقفت للحظة، ثم أضفت: "أنا لست جائعة."

نظر إليّ طويلًا.

ليس نظرة غضب.

بل نظرة تقييم… وكأنه يقرر إن كنت أقول الحقيقة أم لا.

ثم قال بهدوء: "كذبة سيئة."

شعرت بشيء داخلي ينفجر.

وقفت بسرعة.

"من أنت حتى تقرر ما أشعر به؟"

لم يرفع صوته.

لم يتأثر.

"أنا الشخص الوحيد الذي يعرف أنكِ لم تأكلي منذ الصباح…"

توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة أهدأ لكنها أثقل:

"حتى أنكِ ذهبتِ إلى تلك الحفلة اللعينة بعد نوبة عمل لم تنتهي… ولم ترتاحي حتى."

سكت.

ثم أكمل، وكأن الجملة خرجت رغمًا عنه:

"وأنا أعرف نمطكِ جيدًا… منذ أيام."

تجمدت مكاني.

"ماذا…؟"

نظر إليّ دون أن يرفع صوته.

"كنتِ تذهبين إلى العمل كممرضة، تتجاهلين الطعام وكأن الأمر لا يعنيك."

صمت قصير.

"كنت أراقبك."

كلمتان فقط.

لكن وقعها كان كافياً ليجعل الهواء يثقل في صدري.

"تراقبني؟"

لم يجب.

فقط أضاف، وكأنه يغلق الباب على النقاش:

"لا تكذبي عليّ مجددًا."

"أنت تحبسني هنا، وتريدني أن أكون صادقة معك؟"

اقترب أكثر.

"نعم."

كلمة واحدة فقط.

بسيطة.

لكنها كانت ثقيلة بشكل غريب.

قلت بعناد: "لن آكل."

ساد الصمت.

المطر بالخارج كان أعلى من أي شيء داخل الغرفة.

ثم قال بهدوء، أخفض من قبل: "إذن سأجبرك."

تجمدت.

"أنت لا تستطيع."

اقترب إلى طاولة الطعام.

نظر إلى الطبق البارد، ثم قال وكأنه يتحدث عن شيء بسيط: "أنا لا أحب التكرار."

التفت نحوي.

"اختاري."

"أختار ماذا؟"

"تأكلين بنفسك… أو أنا أفعل ذلك."

حدقت فيه.

"أنت تمزح."

هز رأسه ببرود.

"لا."

شعرت بالغضب يرتفع في صدري.

"أنت تتعامل معي كطفلة."

"لأنكِ تتصرفين كواحدة الآن."

تلك الجملة أصابتني أكثر مما توقعت.

تراجعت للخلف، على طرف السرير بعناد.

"لن آكل."

تنهد بهدوء.

ليس انزعاجًا… بل قرار.

ثم تحرك.

بسرعة لم أكن مستعدة لها.

كان أمامي.

أمسك معصمي.

لم يؤلمني، لكنني شعرت أنني فقدت قدرتي على الحركة تمامًا.

"افتحي فمك."

اتسعت عيني.

"لا."

اقترب أكثر.

"لن أكرر."

حاولت سحب يدي.

"اتركني!"

لكن قبضته لم تشتد… ولم تضعف.

ثابتة فقط.

"دايمون…!"

"افتحي."

صوته لم يرتفع.

لكن كان فيه شيء لا يسمح بالرفض.

بدأت دموعي تنزل بدون إرادة.

"أكرهك…" همست بصوت مكسور.

لم يتغير تعبيره.

"لا بأس."

أخذ الملعقة من الطبق، ورفعها نحو فمي.

ترددت.

حاولت إغلاق فمي.

لكنه لم يضغط.

لم يكن عنفًا.

كان سيطرة هادئة، تجعل المقاومة بلا معنى.

"افتحي."

نظرت إليه.

عيناه لم تكن قاسية كما تتوقع.

لكنها لم تكن رحيمة أيضًا.

كانت ثابتة فقط… بشكل مخيف.

وببطء، فتحت فمي.

دخلت اللقمة الأولى.

ثم الثانية.

كنت أبكي.

بصمت.

بكاء غاضب، طفولي، مهزوم.

"أنت مريض…" قلت وأنا أبتلع بصعوبة.

"ربما."

لم يتوقف.

ولا مرة نظر بعيدًا.

كأنه يريد التأكد أنني لن أهرب من هذه اللحظة.

حتى انتهى الطبق.

أفلت يدي أخيرًا.

سقطت على السرير وأنا أتنفس بسرعة، منهكة، كأنني خضت معركة لا أعرف كيف بدأت.

وضع الملعقة جانبًا بهدوء.

ثم قال: "هكذا أفضل."

رفعت رأسي إليه.

"أنت لا تفهم معنى الحرية."

"وأنتِ لا تفهمين معنى البقاء."

صمت.

ثم أضاف بصوت أخفض: "ولا أريدك أن تتعلمي بالطريقة الصعبة."

ساد الصمت بيننا.

ثم استدار.

قبل أن يخرج، توقف لحظة.

"لا ترفضي الطعام مرة أخرى."

"أو ماذا؟"

لم يلتفت بالكامل.

فقط قال: "لن تحبي الطريقة التي سأضطر لاستخدامها."

ثم خرج.

وبقيت أنا وحدي.

أرتجف.

أبكي.

وأحاول أن أفهم لماذا شعرت أن هذا الرجل، رغم قسوته…

لم يكن يحميني من الجوع فقط.

بل كان يمنع شيئًا آخر من الاقتراب مني… حتى لو بطريقة لا يمكن تسميتها رحمة.

كان الصمت قد استقر في الغرفة بعد خروجه.

لكن أثره لم يغادر بسهولة.

وقفتُ لثوانٍ طويلة، أحدّق في الباب الذي أغلق خلفه، وكأنني أنتظر أن يعود ويكمل شيئًا لم أفهمه بعد.

أمسكت الغطاء بيدي، ثم شددته حولي كأنني أحاول أن أحمي نفسي.

"هذا الرجل…"

همست دون أن أكمل الجملة.

لم أعرف هل أكرهه.

أم أخافه.

أم… شيء ثالث لا أريد تسميته.

جلست على السرير مجددًا.

الطعام انتهى، لكنه ترك أثره في داخلي أكثر من أي شيء آخر.

تلك الطريقة التي أجبرني بها على الأكل… لم تكن مجرد عنف.

كانت سيطرة.

لكنها لم تكن فارغة.

كان فيها شيء غريب… شيء يشبه الاهتمام بطريقة خاطئة.

هززت رأسي بسرعة.

"لا… هذا جنون."

سحبت الغطاء فوقي أكثر.

لكن النوم لم يأتِ بسهولة.

كلما أغمضت عيني، كنت أراه.

عيناه وهو يقول "افتحي".

ذلك البرود المستفز في صوته…

وذلك الإصرار المزعج الذي لا يشبه أي شخص عرفته من قبل.

مرّ وقت لا أعرفه.

حتى بدأت أفقد مقاومتي تدريجيًا.

التعب كان أقوى مني.

آخر ما خطر في بالي قبل أن أستسلم للظلام:

"هذا المكان ليس طبيعيًا… ولا هو."

في مكان آخر من القصر، كان الهاتف يهتز على سطح المكتب الثقيل.

غرفة المكتب في الجناح كانت مختلفة تمامًا عن بقية القصر.

أكثر برودة.

أكثر صمتًا.

وأكثر خطورة.

دايمون جلس خلف المكتب، قميصه الأسود مفتوح عند الرقبة، وشعره لا يزال مبللًا لكن أقل فوضوية.

على الطاولة أمامه ملفات كثيرة، أجهزة، وأوراق تحمل أسماء لا تُقال بصوت عالٍ.

ثم اهتز الهاتف.

نظر إليه.

ثم أجاب دون أن يغير جلسته.

"تحدث."

صوت في الطرف الآخر كان متوترًا.

"السيد دايمون… لدينا مشكلة في الشحنة القادمة من هامبورغ. الشرطة بدأت تتحرك بطريقة غير متوقعة."

صمت.

ثم قال ببرود:

"كم استغرقتم لتكتشفوا ذلك؟"

تردد الصوت.

"أقل من ساعة."

أغلق عينيه لثانية.

ثم قال:

"هذا متأخر."

"نحن نحاول احتواء الوضع، لكن—"

"لا تحاولوا."

قاطعهم بهدوء.

ذلك الهدوء كان أخطر من أي صراخ.

نهض من الكرسي.

اقترب من النافذة.

المطر ما زال يضرب الخارج كأنه لم يتعب.

"أغلقوا المسار الثالث، وغيّروا نقطة التبديل إلى الشمال. لا أريد أي حركة تُقرأ."

الصوت الآخر:

"وماذا عن الشرطة؟"

"أنا سأتعامل معهم."

صمت.

ثم بحذر:

"هل ستأتي إلى المكتب الرئيسي في الصباح؟"

توقف لحظة.

نظر إلى انعكاسه في الزجاج.

ثم قال:

"لا."

"لكن السيد—"

"قلت لا."

انتهت المكالمة.

ألقى الهاتف على المكتب.

وبقي واقفًا.

لكن صمته هذه المرة لم يكن بسبب العمل.

كان هناك شيء آخر.

عينان خائفتان.

وصوت يتردد: "أكرهك.".

"أنتِ تفسدين كل شيء… حتى صمتي."

استدار عائدا إليها.

الساعة مرت ببطء داخل القصر.

الحراس يتبدلون.

أما لينا…

فكانت نائمة.

نوم ثقيل، يشبه نوم الأطفال حين ينهارون من البكاء والتعب دون أن يخططوا لذلك.

لم تسمع شيئًا.

لا المطر.

ولا خطوات دايمون.

ولا حتى الباب حين فُتح مجددًا.

كان الوقت قريبًا من الرابعة صباحًا.

دخل الجناح بصمت.

لا صوت.

لا حركة زائدة.

كأنه جزء من الظل.

أغلق الباب خلفه.

نظر إليها فورًا.

كانت على السرير.

ملفوفة بالغطاء.

وجه هادئ بشكل يخدع من يراه، وشعر كخيوط الشمس مبعثر على الوسادة، يجعلها تبدو أصغر مما هي عليه.

أضعف مما كانت قبل ساعات.

اقترب.

خطوة.

ثم أخرى.

جلس على طرف السرير.

"تتظاهرين بالقوة طوال اليوم… ثم تنهارين هكذا؟"

لم يكن ينتظر جوابًا.

مد يده.

توقف قبل أن يلمس وجهها.

ثم غير اتجاهه.

سحب الغطاء قليلًا، وعدّله.

كأنه يتأكد أنها بخير دون أن يعترف بذلك.

اتجه نحو الشرفة الزجاجية، ودفع الباب قليلًا دون أن يُحدث صوتًا.

أخرج علبة السجائر من جيبه، أشعل واحدة، ثم استند بكتفه على إطار الباب.

سحب نفسًا طويلًا.

وعيناه بقيتا عليها.

على تلك الفتاة النائمة وسط سريره… وكأن وجودها هناك يربك شيئًا لم يعرف الارتباك يومًا.

الدخان تصاعد ببطء حوله، بينما ظل صامتًا.

يحاول ألّا يفكر.

لكن المشكلة الأكبر لم تكن بالخارج.

لا في الشرطة.

ولا في الشحنات.

بل هنا.

في هذه الغرفة.

ظل واقفًا للحظات طويلة،أخذ نفسًا أخيرًا من سيجارته.

ثم أطفأها ببطء.

أغلق الباب خلفه وعاد إلى الداخل.

الدفء الخافت للغرفة اصطدم به فورًا.

عيناه عادتا إليها مباشرة.

كانت لا تزال نائمة بنفس الطريقة، وملامحها مرتخية أخيرًا بعد ساعات من العناد والبكاء.

توقف عند جانب السرير للحظة.

وكأنه يقنع نفسه أن عليه المغادرة.

أن يبقى بعيدًا.

أن هذا أكثر أمانًا له… ولها.

لكنه لم يتحرك.

بل خلع ساعته ببطء ووضعها على الطاولة القريبة، ثم فك أزرار قميصه نازعا إياه، قبل أن يجلس مجددًا على طرف السرير.

حدّق بها طويلًا.

بصمت مرهق.

ثم مرر يده على وجهه بضيق خافت، وكأنه يحاول التخلص من فكرة ترفض مغادرة رأسه.

"أنتِ مشكلة…"

همس بالكاد.

"ومع ذلك لا أستطيع تركك وحدك."

بعدها استلقى بجانبها بهدوء.

لا لمسة.

فقط حضور.

ينظر للسقف.

لكن ذهنه ليس هنا.

مد ذراعه حول خصرها، وضمّها إليه.

كأنه يفعل شيئًا لا يحتاج إذنًا… ولا تفسيرًا… لكنه لا يملكه بالكامل.

لم تستيقظ.

نومها كان أعمق من أن يكسره أي شيء.

ثبت ذراعه أكثر.

أغمض عينيه قرب عنقها للحظة، وكأن وجودها يخفف الضجيج بداخله.

"فقط لا تختفي… حتى لو كرهتِني…"

همسها بصوت لا يكاد يُسمع.

ثم أغمض عينيه.

ولأول مرة…

لم يكن دايمون وولف يحارب أحدًا.

ولا يسعى لامتلاك شيء.

كان فقط بموقف لا يشبهه كثيرًا…

يحاول أن يفهم لماذا أصبح فقدان السيطرة أكثر إزعاجًا من أي حرب يخوضها في الخارج.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين اختطفني الذئب   بين حبل الهاوية وقيد التملك

    ⚡فرنسا كان التوتر يخنق أرجاء الغرفة بينما يحاول «فيكتور» الإمساك بآخر خيوط المنطق وهو يهاتف «لارس». طال الحوار بينهما، يطرقان أبواب التعقل دون جدوى، وكلٌّ منهما يستبسل في الدفاع عن وجهة نظره، غير أن مساحة التفاهم كانت تضيق حتى انعدمت تمامًا. كان صوت «لارس» مشحونًا بمرارة الغضب ونبرة الخذلان التي تجرح الحنجرة، بينما حاول «فيكتور» أن يتشبث بما تبقى من رباطة جأشه، مدركًا أن أي زلة لسان قد تُشعل حريقًا لا يمكن إطفاؤه. — «ضع نفسك مكاني يا فيكتور... لو أن زوجتك اعترفت لرجل آخر بأنها تحبه، ماذا كنت ستفعل؟» أغمض «فيكتور» عينيه وهو يستمع لنبرة صديقه الكسيرة، وأجاب بصوت يحاول بث التهدئة: — «لم يكن الأمر بكامل إرادتها يا لارس... أعلم أنها أخطأت، وأعلم أن ما حدث ليس بالأمر الهيّن الذي يُتجاوز بسهولة، لكنك رجل عاقل وحكيم، وأنت أدرى بالحق وأقدر على احتواء هذا البلاء.» ساد صمت ثقيل عبر الخط، صمتٌ أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة، قبل أن يقطعه صوت «لارس» بصلابة كالصخر، موصدًا كل أبواب الرجاء: — «لن تطأ قدمها عتبة منزلي بعد اليوم... أبدًا.» انقبض صدر «فيكتور» وقال بنبرة قلقة: — «وماذا عن طفلكما

  • حين اختطفني الذئب    ⚜ ﴿ ظِلَالُ الخِيَانَة وَأَطْيَافُ العِشْق: أَقْدَارٌ مُتَشَابِكَة ﴾ ⚜

    ✨إسبانيا كانت "ساسكيا" تجلس في غرفتها على جمر من النار، تغلي غضباً كبركان يوشك على الانفجار... في كل مرة تتجه نحو الباب لتفتحه تجده موصداً، كانت تتوعده بأشد ألوان الجحيم... فجأة، تعالت صرير الأقفال وشعرت بالباب يُفتح ببطء لتطل منه احدى الخادمات. – الخادمة: سينيورا... السيد "ماثيو" يدعوكِ لتناول الإفطار معهم... نزلت ساسكيا السلالم بخطوات غاضبة سريعة تنبض بالخطورة. وجدته جالساً ببرود برفقة "إيزابيل" والصغير "ليو". وما إن همّت بافتعال شجار ينسف ثباته، حتى تشبث "ليو" بساقيها في غمرة من الفرحة الطفولية. – ليو: أمي... اشتقت إليكِ كثيراً! – ساسكيا: (تجمدت نظراتها عليه بصدمة) – إيزابيل: (نهضت والبسمة تغمر وجهها) عندما أخبرني ابني أنكِ عدتِ معه لم أصدق الأمر... سينيورا "ماريا"، لقد أنرتِ المنزل بوجودكِ. – ساسكيا: (بسخرية مسمومة) ماريا؟! (ثم التفتت نحو "ماثيو" بغضب) هل والدتك تعلم أنني لست "ماريا"، أم أخبرها بنفسي؟ – إيزابيل: ماذا تقصدين يا بنيتي؟ لم أفهم شيئاً! – ساسكيا: اسمي "ساسكيا"، لست "ماريا" ولا علاقة لي بالمسؤول ولا بإسبانيا كلها... – إيزابيل: كيف ذلك؟! (التفتت نحو

  • حين اختطفني الذئب   العشق المسموم

    كان «جاد» يجلس في مكتبه يتأكل سخطاً وغضباً، والدخان يتصاعد في زوايا الغرفة كعاصفة حبيسة... بعد أن أثارت حنقه، أقسم ألا يذوق طعم النوم، فظل يحتسي الكأس تلو الأخرى ليطفئ الجحيم المشتعل في صدره، وما إن تنتهي سيجارته حتى يسحقها ليشعل غيرها... وكان «هندريك» يجلس أمامه، يرقب ثورته الصامتة محاولاً التحدث إليه والوصول إلى عقله. هندريك: «سيدي، إن سمحت لي... أرغب في الخروج لقضاء أمر ما.» جاد (بدون أن يلتفت إليه، وبصوت جاف): «إلى أين؟» هندريك: «أحتاج إلى السفر...» جاد: «الأمر الذي لم تقضه في وقته، لا حاجة لنا به الآن.» هندريك: «لن تمر لهم هذه الفعلة هكذا يا سيدي... وإن لم نأتِ بدليل قاطع يثبت ألا علاقة لك بالأمر، فلن تصدقك "ليرا" أبداً.» جاد (بنزق وعصبية تجلت في نبرته): «فلتصدق أو لا تصدق... لم يعد ينقصني سوى دلال النساء! دعها تثور يوماً أو يومين ثم تهدأ من تلقاء نفسها.» هندريك: «ورغم ذلك، ما زلت أرجوك أن تأذن لي بالخروج...» جاد (ينفث دخانه بزفير حاد): «اذهب... ولكن أمامك أربعة أيام لا تتجاوزها.» هندريك: «أمرك يا سيدي.» (ثم نهض يستعد للمغادرة). جاد: «هندريك...» هندريك (التف

  • حين اختطفني الذئب   ༺❖ لَنْ أُسَامِحَك ❖༻

    مرّت ليلتان على «ليرا» منذ وقوع الفاجعة، ليلتانِ طويلتانِ خلتا من الزاد والماء. تورّم جفناها من فرط البكاء، وكانت تنشج بقلبٍ مكسور تتضرع إلى الرب وتشتكي إليه من الوجع، والحِمْل الذي عجز جسدها الضعيف عن احتماله. كلما أغمضت عينيها، تراءى لها ذلك المشهد المروع؛ تفاصيله القاسية تقتحم ذاكرتها بلا رحمة، حتى باتت عاجزة عن الصراخ، عاجزة حتى عن إخراج زفيرٍ واحدٍ يسمعه من بالخارج. كانت تخوض حربًا طاحنة في غياهب روحها... حربًا لم تترك موضعًا إلا وأثخنته بالجراح، لتخرج منها مهزومة، منهكة، وفارغة من كل رغبة في الحياة أو الاهتمام بأحد. كانت ماريت تطرق باب الغرفة مرارًا، وتبكي بحرقة خلف الخشب الصامت. — «أرجوكِ يا سيدتي، افتحي الباب... لقد احترق قلبي عليكِ. أريد فقط أن أطمئن أنكِ بخير.» ردت «ليرا» بصوت خافت أثقله الأنين: — «اذهبي لحالكِ يا ماريت... أنا بخير.» توسلت «ماريت» بنبرة ينفطر لها القلب: — «أتوسل إليكِ يا سيدتي... وبحق سيدي إيريك، الراقد الآن في قبره، افتحي لي الباب لأراكِ.» توقفت أنفاس «ليرا» للحظة. ضعفت روحها أمام ذكر اسمه، فدفعت جسدها بصعوبة، وتوجهت تجر قدميها على الأرض الباردة نح

  • حين اختطفني الذئب   ༺❖حين يوقظ الفقدُ عواصفَ الانتقام ❖༻

    هندريك: «...أريدكم أن تجيبوني بصدق، من كان وراء كل ما حدث؟» تفرّس فيه أرماند بنظرة حادة تمعّن بها تفاصيل وجهه، قبل أن ينطق بنبرة صارمة: — «لا شأن لك بهذا الأمر... الثأر ثأرنا، ونحن وحدنا من سيتولى أخذه.» ردّ عليه هندريك بجمود لا يقل قسوة: — «بما أن القضية قد وصلت إلى "دي فالك"، فالأمر لم يعد مقتصراً عليكم وحدكم.» ضيّق أرماند عينيه وقال: — «ما الذي تريد معرفته تحديداً؟» اقترب هندريك خطوة وهو يجيب بثبات: — «كل شيء... ومن الواضح جلياً أنك تخفي الكثير.» ساد المكان صمتٌ قصيرٌ ثقيل الوطأة، كأن الهواء قد استحال رصاصاً. أرماند: — «هل تعرف شخصاً يُدعى "ماتيو"؟» تغيرت ملامح هندريك وانفجر بغيظ مكتوم: — «كنت واثقاً أنه يقف خلف كل هذه المأساة!» أردف أرماند ببرود قاتم: — «ليس هو وحده... "فيكتور" أيضاً متورط حتى أذنيه.» رفع هندريك حاجبيه بدهشة واستنكار: — «صديقكم؟» أرماند: — «كلاهما اتفقا على الخيانة... وإن كان الأمر يهمك، فهو لا يزال هنا، لكن من المرجح أن يعود إلى إسبانيا هذا اليوم.» زفر هندريك بغضب محاولاً تمالك أعصابه وضبط روعه: — «دعه يذهب... من مصلحته أن يهرب، أما مهمتي فهي

  • حين اختطفني الذئب   ༺❖ ما بين الخيانة والفقد ❖༻

    وصلوا إلى القصر، فخرجت ليرا وهي تصفع الباب خلفها، متجهة نحو سجنها... كان من الصعب عليها المكوث هنا في الوقت الذي كان يجدر بها أن تكون مع جثمان ابن عمها، لترافقه بنفسها إلى ألمانيا، لكنها مهما كافحت وحاولت تغيير الواقع، ستجد نفسها في دوامة لا تنتهي. صعدت إلى غرفتها كجسد بلا روح، وأغلقت على نفسها الباب لتعيش ألمها بكل تفاصيله، رافضة حتى فتحه لماريت التي كانت تطرق الباب، مستفسرة عما حدث. أما في مكان آخر، وتحديدًا عند «ماتيو»، فقد كانت «ساسكيا» تستفيق للتو. قامت تتفقد ما حولها، لتجد نفسها عارية... أغمضت عينيها ندمًا، وقامت بسرعة ترتدي ملابسها، ثم خرجت من الغرفة، عازمة على الرحيل، حتى سمعته يتحدث من خلفها: ماتيو: «صباح الخير...» واصلت ساسكيا طريقها دون أن تلتفت إليه. أوقفها بصراخ حاد: «ساسكياااا!» التفتت إليه ببطء: «يجب أن أذهب.» قطب ماتيو حاجبيه مستنكرًا: «كيف ستذهبين؟! ألن نتحدث عما حدث ليلة البارحة؟» ساسكيا (ببرود): «لم يحدث أي شيء...» اقترب منها وسألها: «لماذا تنكرين ما حدث؟» استنشقت نفسًا عميقًا: «لأنه لا يعني لي شيئًا... مجرد لحظة نزوة وضعف ومضت... يجب عليك نسيانها

  • حين اختطفني الذئب   ☆ الفصل السادس: تحت سيطرة الذئب

    حلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني.كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع

  • حين اختطفني الذئب   ☆الفصل الثالث: سجينة داخل قلعتي

    تجمّد الخوف داخل صدري وأنا أسمع صوته يهبط فوقي كقيدٍ بارد.كان ذلك النوع من الخوف الذي لا يصرخ… بل ينسحب ببطء داخل الأضلاع، يضغط على القلب كيد خفية تعرف تمامًا أين تلمس كي تؤلم أكثر.خارج النوافذ العالية، كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بإيقاع هادئ ومخيف، بينما انعكس ضوء الثريا الذهبية فوق الجدران الد

  • حين اختطفني الذئب   ☆الفصل الثاني: داخل عالم الذئب

    "من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل

  • حين اختطفني الذئب   ☆الفصل الأول: ليلة لا مهرب منها

    خرجتُ من الحفلة وأنا أشعر أن رأسي سينفجر من الضحكات العالية والعطور الثقيلة والوجوه المزيفة.الكعب العالي كان يتدلّى من أصابعي، وقدماي تحترقان من الألم فوق الرصيف البارد، بينما التصق الفستان الأسود بجسدي كطبقة ثانية من الجلد بعد ساعات طويلة وسط الزحام.المدينة ليلًا، كانت أكثر قسوة...وأكثر وحدة..أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status