Mag-log inكان المطر لا يزال يضرب القصر بلا توقف، كأنه قرر أن يمحو كل ما حدث داخله قبل ساعة، أو يزيده وضوحًا بدلًا من دفنه.
دايمون كان يمشي في الممر الطويل، خطواته على الرخام كانت ثقيلة، لكنها محسوبة، لا ضياع فيها، كأنه لا يعرف معنى التردد أصلًا. الماء يتساقط من شعره المبلل على كتفيه وصدره، ينزلق ببطء، لكن جسده لم يكن يعطي أي رد فعل. لا برد، لا انزعاج. فقط هدوء غريب لرجل لا يبدو أنه ينتمي لهذا الطقس أو لهذا العالم. الحراس على الجانبين خفضوا رؤوسهم فورًا. أحدهم قال بصوت منخفض جدًا قبل أن يبتعد: "هو في مزاج سيئ الليلة…" لكن دايمون لم يكن في "مزاج سيئ". كان في شيء أعمق من ذلك. كان في صمت يوحي بأن شيئًا ما بداخله على وشك الانفجار. توقف أمام باب جناحه. لم يفتحه فورًا. ظل واقفًا لثوانٍ، ينظر إلى المقبض وكأنه يقيس ما سيحدث بعد أن يلمسه. ثم فتح الباب. ودخل... الغرفة كانت هادئة بشكل غير مريح، الضوء الخافت للمدفأة ينعكس على الجدران، والبرق من الخارج يقطع السماء كل لحظة. كنتُ جالسة على السرير. ذراعاي حول نفسي. حين دخل، لم أتحرك. لكنني شعرت به قبل أن أراه. هذا الشعور الذي لا أستطيع تفسيره… كأن الهواء يصبح أثقل فجأة. أغلق الباب خلفه. قال بصوت ثابت، بلا مقدمات: "لم تأكلي." لم أرد. لم أكن أريد أن أبدأ هذا الحوار أصلًا. لكن صمتي لم يعجبه. "أنا قلت: لقد سألت...لن أعيد." رفعت عيني ببطء. "وأنا قلت سابقا: لا أريد." اقترب خطوة واحدة فقط. لكنها كانت كافية لأشعر أن المسافة بيننا تصبح أقل بشكل مزعج. "هذا ليس جوابًا." "بل هو كذلك." توقفت للحظة، ثم أضفت: "أنا لست جائعة." نظر إليّ طويلًا. ليس نظرة غضب. بل نظرة تقييم… وكأنه يقرر إن كنت أقول الحقيقة أم لا. ثم قال بهدوء: "كذبة سيئة." شعرت بشيء داخلي ينفجر. وقفت بسرعة. "من أنت حتى تقرر ما أشعر به؟" لم يرفع صوته. لم يتأثر. "أنا الشخص الوحيد الذي يعرف أنكِ لم تأكلي منذ الصباح…" توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة أهدأ لكنها أثقل: "حتى أنكِ ذهبتِ إلى تلك الحفلة اللعينة بعد نوبة عمل لم تنتهي… ولم ترتاحي حتى." سكت. ثم أكمل، وكأن الجملة خرجت رغمًا عنه: "وأنا أعرف نمطكِ جيدًا… منذ أيام." تجمدت مكاني. "ماذا…؟" نظر إليّ دون أن يرفع صوته. "كنتِ تذهبين إلى العمل كممرضة، تتجاهلين الطعام وكأن الأمر لا يعنيك." صمت قصير. "كنت أراقبك." كلمتان فقط. لكن وقعها كان كافياً ليجعل الهواء يثقل في صدري. "تراقبني؟" لم يجب. فقط أضاف، وكأنه يغلق الباب على النقاش: "لا تكذبي عليّ مجددًا." "أنت تحبسني هنا، وتريدني أن أكون صادقة معك؟" اقترب أكثر. "نعم." كلمة واحدة فقط. بسيطة. لكنها كانت ثقيلة بشكل غريب. قلت بعناد: "لن آكل." ساد الصمت. المطر بالخارج كان أعلى من أي شيء داخل الغرفة. ثم قال بهدوء، أخفض من قبل: "إذن سأجبرك." تجمدت. "أنت لا تستطيع." اقترب إلى طاولة الطعام. نظر إلى الطبق البارد، ثم قال وكأنه يتحدث عن شيء بسيط: "أنا لا أحب التكرار." التفت نحوي. "اختاري." "أختار ماذا؟" "تأكلين بنفسك… أو أنا أفعل ذلك." حدقت فيه. "أنت تمزح." هز رأسه ببرود. "لا." شعرت بالغضب يرتفع في صدري. "أنت تتعامل معي كطفلة." "لأنكِ تتصرفين كواحدة الآن." تلك الجملة أصابتني أكثر مما توقعت. تراجعت للخلف، على طرف السرير بعناد. "لن آكل." تنهد بهدوء. ليس انزعاجًا… بل قرار. ثم تحرك. بسرعة لم أكن مستعدة لها. كان أمامي. أمسك معصمي. لم يؤلمني، لكنني شعرت أنني فقدت قدرتي على الحركة تمامًا. "افتحي فمك." اتسعت عيني. "لا." اقترب أكثر. "لن أكرر." حاولت سحب يدي. "اتركني!" لكن قبضته لم تشتد… ولم تضعف. ثابتة فقط. "دايمون…!" "افتحي." صوته لم يرتفع. لكن كان فيه شيء لا يسمح بالرفض. بدأت دموعي تنزل بدون إرادة. "أكرهك…" همست بصوت مكسور. لم يتغير تعبيره. "لا بأس." أخذ الملعقة من الطبق، ورفعها نحو فمي. ترددت. حاولت إغلاق فمي. لكنه لم يضغط. لم يكن عنفًا. كان سيطرة هادئة، تجعل المقاومة بلا معنى. "افتحي." نظرت إليه. عيناه لم تكن قاسية كما تتوقع. لكنها لم تكن رحيمة أيضًا. كانت ثابتة فقط… بشكل مخيف. وببطء، فتحت فمي. دخلت اللقمة الأولى. ثم الثانية. كنت أبكي. بصمت. بكاء غاضب، طفولي، مهزوم. "أنت مريض…" قلت وأنا أبتلع بصعوبة. "ربما." لم يتوقف. ولا مرة نظر بعيدًا. كأنه يريد التأكد أنني لن أهرب من هذه اللحظة. حتى انتهى الطبق. أفلت يدي أخيرًا. سقطت على السرير وأنا أتنفس بسرعة، منهكة، كأنني خضت معركة لا أعرف كيف بدأت. وضع الملعقة جانبًا بهدوء. ثم قال: "هكذا أفضل." رفعت رأسي إليه. "أنت لا تفهم معنى الحرية." "وأنتِ لا تفهمين معنى البقاء." صمت. ثم أضاف بصوت أخفض: "ولا أريدك أن تتعلمي بالطريقة الصعبة." ساد الصمت بيننا. ثم استدار. قبل أن يخرج، توقف لحظة. "لا ترفضي الطعام مرة أخرى." "أو ماذا؟" لم يلتفت بالكامل. فقط قال: "لن تحبي الطريقة التي سأضطر لاستخدامها." ثم خرج. وبقيت أنا وحدي. أرتجف. أبكي. وأحاول أن أفهم لماذا شعرت أن هذا الرجل، رغم قسوته… لم يكن يحميني من الجوع فقط. بل كان يمنع شيئًا آخر من الاقتراب مني… حتى لو بطريقة لا يمكن تسميتها رحمة. كان الصمت قد استقر في الغرفة بعد خروجه. لكن أثره لم يغادر بسهولة. وقفتُ لثوانٍ طويلة، أحدّق في الباب الذي أغلق خلفه، وكأنني أنتظر أن يعود ويكمل شيئًا لم أفهمه بعد. أمسكت الغطاء بيدي، ثم شددته حولي كأنني أحاول أن أحمي نفسي. "هذا الرجل…" همست دون أن أكمل الجملة. لم أعرف هل أكرهه. أم أخافه. أم… شيء ثالث لا أريد تسميته. جلست على السرير مجددًا. الطعام انتهى، لكنه ترك أثره في داخلي أكثر من أي شيء آخر. تلك الطريقة التي أجبرني بها على الأكل… لم تكن مجرد عنف. كانت سيطرة. لكنها لم تكن فارغة. كان فيها شيء غريب… شيء يشبه الاهتمام بطريقة خاطئة. هززت رأسي بسرعة. "لا… هذا جنون." سحبت الغطاء فوقي أكثر. لكن النوم لم يأتِ بسهولة. كلما أغمضت عيني، كنت أراه. عيناه وهو يقول "افتحي". ذلك البرود المستفز في صوته… وذلك الإصرار المزعج الذي لا يشبه أي شخص عرفته من قبل. مرّ وقت لا أعرفه. حتى بدأت أفقد مقاومتي تدريجيًا. التعب كان أقوى مني. آخر ما خطر في بالي قبل أن أستسلم للظلام: "هذا المكان ليس طبيعيًا… ولا هو." في مكان آخر من القصر، كان الهاتف يهتز على سطح المكتب الثقيل. غرفة المكتب في الجناح كانت مختلفة تمامًا عن بقية القصر. أكثر برودة. أكثر صمتًا. وأكثر خطورة. دايمون جلس خلف المكتب، قميصه الأسود مفتوح عند الرقبة، وشعره لا يزال مبللًا لكن أقل فوضوية. على الطاولة أمامه ملفات كثيرة، أجهزة، وأوراق تحمل أسماء لا تُقال بصوت عالٍ. ثم اهتز الهاتف. نظر إليه. ثم أجاب دون أن يغير جلسته. "تحدث." صوت في الطرف الآخر كان متوترًا. "السيد دايمون… لدينا مشكلة في الشحنة القادمة من هامبورغ. الشرطة بدأت تتحرك بطريقة غير متوقعة." صمت. ثم قال ببرود: "كم استغرقتم لتكتشفوا ذلك؟" تردد الصوت. "أقل من ساعة." أغلق عينيه لثانية. ثم قال: "هذا متأخر." "نحن نحاول احتواء الوضع، لكن—" "لا تحاولوا." قاطعهم بهدوء. ذلك الهدوء كان أخطر من أي صراخ. نهض من الكرسي. اقترب من النافذة. المطر ما زال يضرب الخارج كأنه لم يتعب. "أغلقوا المسار الثالث، وغيّروا نقطة التبديل إلى الشمال. لا أريد أي حركة تُقرأ." الصوت الآخر: "وماذا عن الشرطة؟" "أنا سأتعامل معهم." صمت. ثم بحذر: "هل ستأتي إلى المكتب الرئيسي في الصباح؟" توقف لحظة. نظر إلى انعكاسه في الزجاج. ثم قال: "لا." "لكن السيد—" "قلت لا." انتهت المكالمة. ألقى الهاتف على المكتب. وبقي واقفًا. لكن صمته هذه المرة لم يكن بسبب العمل. كان هناك شيء آخر. عينان خائفتان. وصوت يتردد: "أكرهك.". "أنتِ تفسدين كل شيء… حتى صمتي." استدار عائدا إليها. الساعة مرت ببطء داخل القصر. الحراس يتبدلون. أما لينا… فكانت نائمة. نوم ثقيل، يشبه نوم الأطفال حين ينهارون من البكاء والتعب دون أن يخططوا لذلك. لم تسمع شيئًا. لا المطر. ولا خطوات دايمون. ولا حتى الباب حين فُتح مجددًا. كان الوقت قريبًا من الرابعة صباحًا. دخل الجناح بصمت. لا صوت. لا حركة زائدة. كأنه جزء من الظل. أغلق الباب خلفه. نظر إليها فورًا. كانت على السرير. ملفوفة بالغطاء. وجه هادئ بشكل يخدع من يراه، وشعر كخيوط الشمس مبعثر على الوسادة، يجعلها تبدو أصغر مما هي عليه. أضعف مما كانت قبل ساعات. اقترب. خطوة. ثم أخرى. جلس على طرف السرير. "تتظاهرين بالقوة طوال اليوم… ثم تنهارين هكذا؟" لم يكن ينتظر جوابًا. مد يده. توقف قبل أن يلمس وجهها. ثم غير اتجاهه. سحب الغطاء قليلًا، وعدّله. كأنه يتأكد أنها بخير دون أن يعترف بذلك. اتجه نحو الشرفة الزجاجية، ودفع الباب قليلًا دون أن يُحدث صوتًا. أخرج علبة السجائر من جيبه، أشعل واحدة، ثم استند بكتفه على إطار الباب. سحب نفسًا طويلًا. وعيناه بقيتا عليها. على تلك الفتاة النائمة وسط سريره… وكأن وجودها هناك يربك شيئًا لم يعرف الارتباك يومًا. الدخان تصاعد ببطء حوله، بينما ظل صامتًا. يحاول ألّا يفكر. لكن المشكلة الأكبر لم تكن بالخارج. لا في الشرطة. ولا في الشحنات. بل هنا. في هذه الغرفة. ظل واقفًا للحظات طويلة،أخذ نفسًا أخيرًا من سيجارته. ثم أطفأها ببطء. أغلق الباب خلفه وعاد إلى الداخل. الدفء الخافت للغرفة اصطدم به فورًا. عيناه عادتا إليها مباشرة. كانت لا تزال نائمة بنفس الطريقة، وملامحها مرتخية أخيرًا بعد ساعات من العناد والبكاء. توقف عند جانب السرير للحظة. وكأنه يقنع نفسه أن عليه المغادرة. أن يبقى بعيدًا. أن هذا أكثر أمانًا له… ولها. لكنه لم يتحرك. بل خلع ساعته ببطء ووضعها على الطاولة القريبة، ثم فك أزرار قميصه نازعا إياه، قبل أن يجلس مجددًا على طرف السرير. حدّق بها طويلًا. بصمت مرهق. ثم مرر يده على وجهه بضيق خافت، وكأنه يحاول التخلص من فكرة ترفض مغادرة رأسه. "أنتِ مشكلة…" همس بالكاد. "ومع ذلك لا أستطيع تركك وحدك." بعدها استلقى بجانبها بهدوء. لا لمسة. فقط حضور. ينظر للسقف. لكن ذهنه ليس هنا. مد ذراعه حول خصرها، وضمّها إليه. كأنه يفعل شيئًا لا يحتاج إذنًا… ولا تفسيرًا… لكنه لا يملكه بالكامل. لم تستيقظ. نومها كان أعمق من أن يكسره أي شيء. ثبت ذراعه أكثر. أغمض عينيه قرب عنقها للحظة، وكأن وجودها يخفف الضجيج بداخله. "فقط لا تختفي… حتى لو كرهتِني…" همسها بصوت لا يكاد يُسمع. ثم أغمض عينيه. ولأول مرة… لم يكن دايمون وولف يحارب أحدًا. ولا يسعى لامتلاك شيء. كان فقط بموقف لا يشبهه كثيرًا… يحاول أن يفهم لماذا أصبح فقدان السيطرة أكثر إزعاجًا من أي حرب يخوضها في الخارج.وصلوا إلى القصر، فخرجت ليرا وهي تصفع الباب خلفها، متجهة نحو سجنها... كان من الصعب عليها المكوث هنا في الوقت الذي كان يجدر بها أن تكون مع جثمان ابن عمها، لترافقه بنفسها إلى ألمانيا، لكنها مهما كافحت وحاولت تغيير الواقع، ستجد نفسها في دوامة لا تنتهي. صعدت إلى غرفتها كجسد بلا روح، وأغلقت على نفسها الباب لتعيش ألمها بكل تفاصيله، رافضة حتى فتحه لماريت التي كانت تطرق الباب، مستفسرة عما حدث. أما في مكان آخر، وتحديدًا عند «ماتيو»، فقد كانت «ساسكيا» تستفيق للتو. قامت تتفقد ما حولها، لتجد نفسها عارية... أغمضت عينيها ندمًا، وقامت بسرعة ترتدي ملابسها، ثم خرجت من الغرفة، عازمة على الرحيل، حتى سمعته يتحدث من خلفها: ماتيو: «صباح الخير...» واصلت ساسكيا طريقها دون أن تلتفت إليه. أوقفها بصراخ حاد: «ساسكياااا!» التفتت إليه ببطء: «يجب أن أذهب.» قطب ماتيو حاجبيه مستنكرًا: «كيف ستذهبين؟! ألن نتحدث عما حدث ليلة البارحة؟» ساسكيا (ببرود): «لم يحدث أي شيء...» اقترب منها وسألها: «لماذا تنكرين ما حدث؟» استنشقت نفسًا عميقًا: «لأنه لا يعني لي شيئًا... مجرد لحظة نزوة وضعف ومضت... يجب عليك نسيانها
نزف قلبها إثر تلك الصرخة المدوية... الروح التي كانت تحاول دومًا التمسك بها وتحارب بكل ما أوتيت من قوة كي لا تفقدها، ها هي تفقدها الآن، وأمام عينيها. لم تكن مجرد صرخة، بل كانت شيئًا يفوق طاقتها على الاحتمال، ويتجاوز قدرتها على استيعاب الحياة من حولها. على الأقل، استطاعت هي أن تصرخ، أما رفاقه فلم يستطيعوا حتى ذلك؛ إذ تجمدوا في أماكنهم لدرجة أن أسلحتهم سقطت من أيديهم على الأرض. كان «هندريك» خلفها مصدومًا، لكنه استلّ سلاحه بسرعة وأطلق النار على ذلك الحارس، فأرداه قتيلًا قبل أن يقدم على أي فعل آخر. أما هي، فبدأت تزحف، لا تريد شيئًا سوى الوصول إليه، بعدما أصبحت قدماها عاجزتين عن حملها. ولم تصل إليه إلا وكان أصدقاؤه يمسكون به ويحاولون إيقاظه. قال أرماند: — «إيريك... استيقظ... استيقظ يا صديقي، ولا تفجعنا فيك!» كان أحد أصدقائه ينظر إليه وقد تجمد في مكانه، فأردف أرماند والدموع تنهمر من عينيه: — «يا صديقي... قل له أن يستيقظ...» رفع يده أمام عينيه وتابع بصوت مرتجف: — «النزيف لا يتوقف...» خلع رداءه ليلفه حوله قائلًا: — «سنوقف النزيف... ساعدني!» اقترب منه صديقه ووضع يده عل
سَحَبَها من يدها عندما سمع الحراس يقتحمون المكان، وانطلق معها بأقصى سرعة، لكن الحراس كانوا خلفهما، يريدون اللحاق بهما بأي ثمن... في هذه الأثناء، وصل "هندريك" والحراس إلى بيت "غريتا"، إذ كان يعلم المكان الذي يتواجد فيه "إريك"، ويعلم أنه ليس بعيدًا أن تكون "ليرا" قد أتت إليه. وقبل حتى أن يدخل، وُضع المسدس على عنقه من طرف "أرماند"، وبسرعة وجّه الحراس أسلحتهم نحوه... هندريك: (رفع يده بنبرة أمر) «أنزلوا السلاح...» أرماند: (بغضب) «واحدة بواحدة... إن حدث أي شيء لإريك، فستصعد روحك إلى خالقها!» هندريك: (بغضب مماثل) «أين هي ليرا؟!» أرماند: «ستأمر حراسَك بالابتعاد عنهما...» هندريك: «هؤلاء ليسوا حراسنا...» أرماند: «لكنهم يرتدون الزي نفسه!» هندريك: «دي فالك لن يفكر أبدًا في قتل إريك... هذه لعبة يدبرها أحدهم، وليرا وقعت في الفخ، والآن يجب أن نجدهما قبل أن يصيبهم أذى.» أرماند: «دي فالك توعد إريك عدة مرات!» هندريك: «ولكن من أجل ليرا لم يفعلها... ولن يفعلها أبدًا! وأنا ذاهب الآن لإيجادهما قبل أن تقع مصيبة!» أرماند: (خفض السلاح) «إن كنت تكذب...» هندريك: (قاطعه) «نحن نضيع الوقت..
—هندريك (يعض شفتيه بغيظ وتكدس الغضب في عينيه): — لهجتك إسبانية... من أرسلك؟ الحارس (ببرود قاتل): — لا يهم... (بدأت يده تتسلل نحو المسدس الذي كان بجانبه ببطء شديد، حتى أمسك به) — قل لدي فالك أن يترحم على روحه، فهذه المرة من المحال أن ينجو. وما إن انقضت الكلمات حتى أطلق النار على نفسه، وبالضبط على رأسه، منهياً حياته في ومضة بصر قبل أن يستجوبه أكثر... بقي هندريك يطالع جثته الساكنة وعقله مشوش يعج بالأفكار المتقاطعة، لكنه كان يعرف يقيناً أن كارثة وشيكة ستقع وعليه تداركها قبل فوات الأوان. أما عند ماتيو الذي كانت تجلس معه ساسكيا، فقد تقدم نحوها بخطوات هادئة مقدماً لها مشروباً بارداً، بينما كانت ترمقه بعينين تحفهما الريبة والحذر. ساسكيا: — لم تخبرني بعد ما هي الخطة. ماتيو (متكئاً ببرود): — ليست بالأمر الكبير... نريد افتعال مشكلة صاخبة ليخرج دي فالك من مخبئه ونقوم باغتياله. (شرب كأسه دفعة واحدة وكأنها نخب الانتقام). ساسكيا: — وكيف ستفعل ذلك؟ ماتيو: — يمكننا شن هجوم خفيف على القصر... ساسكيا (بحدة ورفض قاطع): — ... لا نريد جلب مشاكل يدفع ثمنها أشخاص أبرياء. ماتيو (باسته
خرج لارس من هناك دون أن يلتفت وراءه، وسط نداءات فيكتور الذي كاد يجنّ مما يحدث... ينظر إلى أخته التي بدأت ابتسامتها تتسع فرحًا، كأنها ليست الشخص الذي طُلّق للتو، ثم دارت نحو جاد وخرّت عند ركبتيه، تعانقهما وهي تضحك... روزا: «سيطلّقني، أنا وأنت سنعيش معًا... لا تتركني ولا تتخلَّ عني...» أبعدها عنه بهدوء، وظل ينظر إلى فيكتور بتبجّح، كأنه يتعمّد إثارة غيظه، وكان الأخير يتمنى لو تنشقّ الأرض وتبتلعه... فكل العز الذي أحاطها به، ردّته له ذلًّا... اقترب منها، وأمسكها من يدها، يجرّها من هناك وهي تبكي وتتمرّغ، بينما كانت ليرا مشفقة على حالها، لم تتمنَّ لها هذا المصير... خرجا من هناك ذليلين مكسورين، وقد غاب الكلام عنهما... أركبها معه في السيارة رغمًا عنها، وانطلق من هناك، لا يرى شيئًا ولا يشعر بشيء، سوى أنه مستعد لأن يحرق العالم ويأتي على الأخضر واليابس دون رحمة... عادوا إلى قصر يان، وأدخلها إلى غرفتها وأغلق عليها الباب وهي تصرخ وتبكي... أخبر العائلة أنه مجرد خلاف حدث بينها وبين زوجها... أما لارس، الذي كان حقًّا طيبًا معها، لكنها لم تقدّر خيره، فلم يعد إلى البيت، بل اتجه مباشرة إلى إحد
صرخ جاد بأعلى صوته: — «ليرا! أَلا تفهمين الكلام؟! أنا لم أفرغ فيها قط! إن كانت هناك واحدة أفرغ فيها، فهي أنتِ فقط... أعلم جيدًا ماذا أفعل، ولو كان العكس صحيحًا، لوجدتِ نصف فتيات هولندا وفرنسا حوامل مني!» تسمّرت ليرا في مكانها وهي ترى الجدية والصدق في عينيه... رفعت يدها تمسح دموعها، ونطقت بصوت يرتجف: ماذا ستفعل معها؟ جاد: (تغيّرت ملامحه إلى البرود التام) أنا أعرف ماذا سأفعل. ليرا: (أمسكت بيده عندما همّ بالذهاب) جاد، لا تتهور... حسنًا، أنا أصدقك... جاد: لا حاجة لنا بوجع الرأس... (اقترب منها، وأزاح خصلة شعر عن خدها، وهو هائم في عينيها) من تتسبب في بكائك، أنحرها ولا أرحمها، ومن تزرع الشك في قلبك تجاهي... (بصوت كفحيح الأفعى) أمحو أثرها من الوجود. ابتعد عنها، تاركًا إياها مصدومة من كلامه، تبعته تركض خوفًا من أن يؤذيها، فهي لا تملك القوة لتتحمل ظلم شخص آخر بسببها... كانت روزا واقفة تنظر إلى جاد، الذي اقترب منها بهمجية، ووجّه لها صفعة قوية أسقطتها أرضًا من شدتها. جذبها من شعرها، ووجّه لها صفعة ثانية، وهو ينظر إليها بكراهية: قلتِ إنه مني، أليس كذلك؟... اليوم سأحفر لك وله قبرً
حلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني.كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع
كان المطر يهطل بلا توقف.ثقيلًا، صامتًا، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه بعد العاصفة التي انفجرت داخله قبل ساعة.انعكس ضوء المصابيح الشاحبة على مياه المسبح في الحديقة الخلفية، محولًا سطحه إلى مرآة سوداء ترتجف مع كل قطرة تسقط عليه.أصوات المطر كانت تتكسر على الأسطح الرخامية، تمتزج مع صفير الريح بين الأشج
تجمّد الخوف داخل صدري وأنا أسمع صوته يهبط فوقي كقيدٍ بارد.كان ذلك النوع من الخوف الذي لا يصرخ… بل ينسحب ببطء داخل الأضلاع، يضغط على القلب كيد خفية تعرف تمامًا أين تلمس كي تؤلم أكثر.خارج النوافذ العالية، كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بإيقاع هادئ ومخيف، بينما انعكس ضوء الثريا الذهبية فوق الجدران الد
"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل







