ログインكان المطر لا يزال يضرب القصر بلا توقف، كأنه قرر أن يمحو كل ما حدث داخله قبل ساعة، أو يزيده وضوحًا بدلًا من دفنه.
دايمون كان يمشي في الممر الطويل، خطواته على الرخام كانت ثقيلة، لكنها محسوبة، لا ضياع فيها، كأنه لا يعرف معنى التردد أصلًا. الماء يتساقط من شعره المبلل على كتفيه وصدره، ينزلق ببطء، لكن جسده لم يكن يعطي أي رد فعل. لا برد، لا انزعاج. فقط هدوء غريب لرجل لا يبدو أنه ينتمي لهذا الطقس أو لهذا العالم. الحراس على الجانبين خفضوا رؤوسهم فورًا. أحدهم قال بصوت منخفض جدًا قبل أن يبتعد: "هو في مزاج سيئ الليلة…" لكن دايمون لم يكن في "مزاج سيئ". كان في شيء أعمق من ذلك. كان في صمت يوحي بأن شيئًا ما بداخله على وشك الانفجار. توقف أمام باب جناحه. لم يفتحه فورًا. ظل واقفًا لثوانٍ، ينظر إلى المقبض وكأنه يقيس ما سيحدث بعد أن يلمسه. ثم فتح الباب. ودخل... الغرفة كانت هادئة بشكل غير مريح، الضوء الخافت للمدفأة ينعكس على الجدران، والبرق من الخارج يقطع السماء كل لحظة. كنتُ جالسة على السرير. ذراعاي حول نفسي. حين دخل، لم أتحرك. لكنني شعرت به قبل أن أراه. هذا الشعور الذي لا أستطيع تفسيره… كأن الهواء يصبح أثقل فجأة. أغلق الباب خلفه. قال بصوت ثابت، بلا مقدمات: "لم تأكلي." لم أرد. لم أكن أريد أن أبدأ هذا الحوار أصلًا. لكن صمتي لم يعجبه. "أنا قلت: لقد سألت...لن أعيد." رفعت عيني ببطء. "وأنا قلت سابقا: لا أريد." اقترب خطوة واحدة فقط. لكنها كانت كافية لأشعر أن المسافة بيننا تصبح أقل بشكل مزعج. "هذا ليس جوابًا." "بل هو كذلك." توقفت للحظة، ثم أضفت: "أنا لست جائعة." نظر إليّ طويلًا. ليس نظرة غضب. بل نظرة تقييم… وكأنه يقرر إن كنت أقول الحقيقة أم لا. ثم قال بهدوء: "كذبة سيئة." شعرت بشيء داخلي ينفجر. وقفت بسرعة. "من أنت حتى تقرر ما أشعر به؟" لم يرفع صوته. لم يتأثر. "أنا الشخص الوحيد الذي يعرف أنكِ لم تأكلي منذ الصباح…" توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة أهدأ لكنها أثقل: "حتى أنكِ ذهبتِ إلى تلك الحفلة اللعينة بعد نوبة عمل لم تنتهي… ولم ترتاحي حتى." سكت. ثم أكمل، وكأن الجملة خرجت رغمًا عنه: "وأنا أعرف نمطكِ جيدًا… منذ أيام." تجمدت مكاني. "ماذا…؟" نظر إليّ دون أن يرفع صوته. "كنتِ تذهبين إلى العمل كممرضة، تتجاهلين الطعام وكأن الأمر لا يعنيك." صمت قصير. "كنت أراقبك." كلمتان فقط. لكن وقعها كان كافياً ليجعل الهواء يثقل في صدري. "تراقبني؟" لم يجب. فقط أضاف، وكأنه يغلق الباب على النقاش: "لا تكذبي عليّ مجددًا." "أنت تحبسني هنا، وتريدني أن أكون صادقة معك؟" اقترب أكثر. "نعم." كلمة واحدة فقط. بسيطة. لكنها كانت ثقيلة بشكل غريب. قلت بعناد: "لن آكل." ساد الصمت. المطر بالخارج كان أعلى من أي شيء داخل الغرفة. ثم قال بهدوء، أخفض من قبل: "إذن سأجبرك." تجمدت. "أنت لا تستطيع." اقترب إلى طاولة الطعام. نظر إلى الطبق البارد، ثم قال وكأنه يتحدث عن شيء بسيط: "أنا لا أحب التكرار." التفت نحوي. "اختاري." "أختار ماذا؟" "تأكلين بنفسك… أو أنا أفعل ذلك." حدقت فيه. "أنت تمزح." هز رأسه ببرود. "لا." شعرت بالغضب يرتفع في صدري. "أنت تتعامل معي كطفلة." "لأنكِ تتصرفين كواحدة الآن." تلك الجملة أصابتني أكثر مما توقعت. تراجعت للخلف، على طرف السرير بعناد. "لن آكل." تنهد بهدوء. ليس انزعاجًا… بل قرار. ثم تحرك. بسرعة لم أكن مستعدة لها. كان أمامي. أمسك معصمي. لم يؤلمني، لكنني شعرت أنني فقدت قدرتي على الحركة تمامًا. "افتحي فمك." اتسعت عيني. "لا." اقترب أكثر. "لن أكرر." حاولت سحب يدي. "اتركني!" لكن قبضته لم تشتد… ولم تضعف. ثابتة فقط. "دايمون…!" "افتحي." صوته لم يرتفع. لكن كان فيه شيء لا يسمح بالرفض. بدأت دموعي تنزل بدون إرادة. "أكرهك…" همست بصوت مكسور. لم يتغير تعبيره. "لا بأس." أخذ الملعقة من الطبق، ورفعها نحو فمي. ترددت. حاولت إغلاق فمي. لكنه لم يضغط. لم يكن عنفًا. كان سيطرة هادئة، تجعل المقاومة بلا معنى. "افتحي." نظرت إليه. عيناه لم تكن قاسية كما تتوقع. لكنها لم تكن رحيمة أيضًا. كانت ثابتة فقط… بشكل مخيف. وببطء، فتحت فمي. دخلت اللقمة الأولى. ثم الثانية. كنت أبكي. بصمت. بكاء غاضب، طفولي، مهزوم. "أنت مريض…" قلت وأنا أبتلع بصعوبة. "ربما." لم يتوقف. ولا مرة نظر بعيدًا. كأنه يريد التأكد أنني لن أهرب من هذه اللحظة. حتى انتهى الطبق. أفلت يدي أخيرًا. سقطت على السرير وأنا أتنفس بسرعة، منهكة، كأنني خضت معركة لا أعرف كيف بدأت. وضع الملعقة جانبًا بهدوء. ثم قال: "هكذا أفضل." رفعت رأسي إليه. "أنت لا تفهم معنى الحرية." "وأنتِ لا تفهمين معنى البقاء." صمت. ثم أضاف بصوت أخفض: "ولا أريدك أن تتعلمي بالطريقة الصعبة." ساد الصمت بيننا. ثم استدار. قبل أن يخرج، توقف لحظة. "لا ترفضي الطعام مرة أخرى." "أو ماذا؟" لم يلتفت بالكامل. فقط قال: "لن تحبي الطريقة التي سأضطر لاستخدامها." ثم خرج. وبقيت أنا وحدي. أرتجف. أبكي. وأحاول أن أفهم لماذا شعرت أن هذا الرجل، رغم قسوته… لم يكن يحميني من الجوع فقط. بل كان يمنع شيئًا آخر من الاقتراب مني… حتى لو بطريقة لا يمكن تسميتها رحمة. كان الصمت قد استقر في الغرفة بعد خروجه. لكن أثره لم يغادر بسهولة. وقفتُ لثوانٍ طويلة، أحدّق في الباب الذي أغلق خلفه، وكأنني أنتظر أن يعود ويكمل شيئًا لم أفهمه بعد. أمسكت الغطاء بيدي، ثم شددته حولي كأنني أحاول أن أحمي نفسي. "هذا الرجل…" همست دون أن أكمل الجملة. لم أعرف هل أكرهه. أم أخافه. أم… شيء ثالث لا أريد تسميته. جلست على السرير مجددًا. الطعام انتهى، لكنه ترك أثره في داخلي أكثر من أي شيء آخر. تلك الطريقة التي أجبرني بها على الأكل… لم تكن مجرد عنف. كانت سيطرة. لكنها لم تكن فارغة. كان فيها شيء غريب… شيء يشبه الاهتمام بطريقة خاطئة. هززت رأسي بسرعة. "لا… هذا جنون." سحبت الغطاء فوقي أكثر. لكن النوم لم يأتِ بسهولة. كلما أغمضت عيني، كنت أراه. عيناه وهو يقول "افتحي". ذلك البرود المستفز في صوته… وذلك الإصرار المزعج الذي لا يشبه أي شخص عرفته من قبل. مرّ وقت لا أعرفه. حتى بدأت أفقد مقاومتي تدريجيًا. التعب كان أقوى مني. آخر ما خطر في بالي قبل أن أستسلم للظلام: "هذا المكان ليس طبيعيًا… ولا هو." في مكان آخر من القصر، كان الهاتف يهتز على سطح المكتب الثقيل. غرفة المكتب في الجناح كانت مختلفة تمامًا عن بقية القصر. أكثر برودة. أكثر صمتًا. وأكثر خطورة. دايمون جلس خلف المكتب، قميصه الأسود مفتوح عند الرقبة، وشعره لا يزال مبللًا لكن أقل فوضوية. على الطاولة أمامه ملفات كثيرة، أجهزة، وأوراق تحمل أسماء لا تُقال بصوت عالٍ. ثم اهتز الهاتف. نظر إليه. ثم أجاب دون أن يغير جلسته. "تحدث." صوت في الطرف الآخر كان متوترًا. "السيد دايمون… لدينا مشكلة في الشحنة القادمة من هامبورغ. الشرطة بدأت تتحرك بطريقة غير متوقعة." صمت. ثم قال ببرود: "كم استغرقتم لتكتشفوا ذلك؟" تردد الصوت. "أقل من ساعة." أغلق عينيه لثانية. ثم قال: "هذا متأخر." "نحن نحاول احتواء الوضع، لكن—" "لا تحاولوا." قاطعهم بهدوء. ذلك الهدوء كان أخطر من أي صراخ. نهض من الكرسي. اقترب من النافذة. المطر ما زال يضرب الخارج كأنه لم يتعب. "أغلقوا المسار الثالث، وغيّروا نقطة التبديل إلى الشمال. لا أريد أي حركة تُقرأ." الصوت الآخر: "وماذا عن الشرطة؟" "أنا سأتعامل معهم." صمت. ثم بحذر: "هل ستأتي إلى المكتب الرئيسي في الصباح؟" توقف لحظة. نظر إلى انعكاسه في الزجاج. ثم قال: "لا." "لكن السيد—" "قلت لا." انتهت المكالمة. ألقى الهاتف على المكتب. وبقي واقفًا. لكن صمته هذه المرة لم يكن بسبب العمل. كان هناك شيء آخر. عينان خائفتان. وصوت يتردد: "أكرهك.". "أنتِ تفسدين كل شيء… حتى صمتي." استدار عائدا إليها. الساعة مرت ببطء داخل القصر. الحراس يتبدلون. أما لينا… فكانت نائمة. نوم ثقيل، يشبه نوم الأطفال حين ينهارون من البكاء والتعب دون أن يخططوا لذلك. لم تسمع شيئًا. لا المطر. ولا خطوات دايمون. ولا حتى الباب حين فُتح مجددًا. كان الوقت قريبًا من الرابعة صباحًا. دخل الجناح بصمت. لا صوت. لا حركة زائدة. كأنه جزء من الظل. أغلق الباب خلفه. نظر إليها فورًا. كانت على السرير. ملفوفة بالغطاء. وجه هادئ بشكل يخدع من يراه، وشعر كخيوط الشمس مبعثر على الوسادة، يجعلها تبدو أصغر مما هي عليه. أضعف مما كانت قبل ساعات. اقترب. خطوة. ثم أخرى. جلس على طرف السرير. "تتظاهرين بالقوة طوال اليوم… ثم تنهارين هكذا؟" لم يكن ينتظر جوابًا. مد يده. توقف قبل أن يلمس وجهها. ثم غير اتجاهه. سحب الغطاء قليلًا، وعدّله. كأنه يتأكد أنها بخير دون أن يعترف بذلك. اتجه نحو الشرفة الزجاجية، ودفع الباب قليلًا دون أن يُحدث صوتًا. أخرج علبة السجائر من جيبه، أشعل واحدة، ثم استند بكتفه على إطار الباب. سحب نفسًا طويلًا. وعيناه بقيتا عليها. على تلك الفتاة النائمة وسط سريره… وكأن وجودها هناك يربك شيئًا لم يعرف الارتباك يومًا. الدخان تصاعد ببطء حوله، بينما ظل صامتًا. يحاول ألّا يفكر. لكن المشكلة الأكبر لم تكن بالخارج. لا في الشرطة. ولا في الشحنات. بل هنا. في هذه الغرفة. ظل واقفًا للحظات طويلة،أخذ نفسًا أخيرًا من سيجارته. ثم أطفأها ببطء. أغلق الباب خلفه وعاد إلى الداخل. الدفء الخافت للغرفة اصطدم به فورًا. عيناه عادتا إليها مباشرة. كانت لا تزال نائمة بنفس الطريقة، وملامحها مرتخية أخيرًا بعد ساعات من العناد والبكاء. توقف عند جانب السرير للحظة. وكأنه يقنع نفسه أن عليه المغادرة. أن يبقى بعيدًا. أن هذا أكثر أمانًا له… ولها. لكنه لم يتحرك. بل خلع ساعته ببطء ووضعها على الطاولة القريبة، ثم فك أزرار قميصه نازعا إياه، قبل أن يجلس مجددًا على طرف السرير. حدّق بها طويلًا. بصمت مرهق. ثم مرر يده على وجهه بضيق خافت، وكأنه يحاول التخلص من فكرة ترفض مغادرة رأسه. "أنتِ مشكلة…" همس بالكاد. "ومع ذلك لا أستطيع تركك وحدك." بعدها استلقى بجانبها بهدوء. لا لمسة. فقط حضور. ينظر للسقف. لكن ذهنه ليس هنا. مد ذراعه حول خصرها، وضمّها إليه. كأنه يفعل شيئًا لا يحتاج إذنًا… ولا تفسيرًا… لكنه لا يملكه بالكامل. لم تستيقظ. نومها كان أعمق من أن يكسره أي شيء. ثبت ذراعه أكثر. أغمض عينيه قرب عنقها للحظة، وكأن وجودها يخفف الضجيج بداخله. "فقط لا تختفي… حتى لو كرهتِني…" همسها بصوت لا يكاد يُسمع. ثم أغمض عينيه. ولأول مرة… لم يكن دايمون وولف يحارب أحدًا. ولا يسعى لامتلاك شيء. كان فقط بموقف لا يشبهه كثيرًا… يحاول أن يفهم لماذا أصبح فقدان السيطرة أكثر إزعاجًا من أي حرب يخوضها في الخارج.من دون أن يرفع عينيه، كان يراقب كيف تبكي بصمت، مغمضة عينيها ورموشها غارقة بالدموع…أبعد يديها عن صدرها، تاركًا جسدها يرتجف تحته، غير مدرك أن تلك كانت تجربتها الأولى، وأن ذلك العنف كله كان فوق قدرتها على الاحتمال…كانت مستسلمة له تمامًا بعد محاولاتها الفاشلة لإبعاده عنها والهروب، أمّا هو فكانت رغبته المتأججة، المدفوعة بالسكر، تسيطر عليه بالكامل…كانت تشعر وكأن روحها تُنتزع من جسدها من شدة الألم الذي سبّبته لها تلك المعاشرة العنيفة. كان يتحرك بعنف وقسوة بداخلها، وكأن ما يفعله لا يكفيه، بل يريد المزيد…أغمضت عينيها مستسلمة، وكأنها تحاول الهروب من الواقع الذي تعيشه، لكنها فتحت عينيها بصعوبة عندما دفع بقوة أكبر، ثم التهم شفتيها بقبلة قاسية وعضّها حتى جُرح فمها…رفع رأسه للأعلى يتنفس بحرارة من شدة اللذة التي تسري في عروقه، قبل أن يسرع وثيرته وهو يلهث فوقها حتى وصل إلى ذروته…ثم قلبها على بطنها ليبدأ جولة ثانية بكل همجية ومتعة…لينا: أرجوك… كفى… (شهقت بألم عندما تحرك داخلها)أغمضت عينيها بينما كان يوزع قبلاته على عنقها، ويداه تتحركان فوق ظهرها. لم تمر سوى دقائق حتى بدأ يشعر بارتجاف جسديهما م
ظلّ دايمون يحدّق بي لثوانٍ طويلة بصمت، قبل أن ينحني قليلًا نحوي. ثم… قرص أنفي بخفةٍ مستفزّة، وكأنه يتعمّد إزعاجي. تأففتُ بانزعاج وأنا أُبعد وجهي عنه بسرعة، عاقدة حاجبيّ بضيق واضح. لم يعجبني تصرّفه أبدًا… كنت أكره تلك الطريقة التي يعاملني بها وكأنني شيء يخصّه، بينما الحقيقة أنني لم أكن سوى سجينة داخل هذا القصر البارد. ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية نادرة، قبل أن يقول بصوت هادئ: — سأغادر… أراكِ مساءً. ثم استدار وغادر الغرفة دون أن ينتظر مني أي رد، كعادته دائمًا، تاركًا خلفه شعورًا ثقيلًا بالاختناق داخل صدري. مرّ الوقت بطيئًا حتى ابتلعت الشمس آخر خيوطها خلف الأفق، وغرقت المدينة في أضواء الليل الصاخبة. وفي أحد أكبر الملاهي الليلية، كان دايمون يجلس في زاويته المعتادة، عابس الملامح، يحيط به ذلك الجمود المخيف الذي لا يفارقه أبدًا. إلى جانبه وقف أليساندرو بكل هدوء، يراقب المكان بعين حادتين، بينما كانا ينتظران وصول الوفد الإيطالي لإتمام الصفقة التي خُطط لها منذ أشهر. ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن تتقدّم إحدى فتيات الليل بخطوات متمايلة نحو دايمون، وكأنها تعرف جيدًا كيف تلفت
وقفتُ أمام المرآة لثوانٍ أطول مما ينبغي.لم أكن أُحدّق في الفستان الأزرق الداكن… بل في المرأة التي بداخله.انعكاسي بدا هادئًا أكثر مما أشعر به فعلًا. عينان ثابتتان، شفتان مشدودتان، وملامح تحاول أن تبدو متماسكة، رغم أنني كنت أحترق بصمت—كأن شيئًا يذوب و يُعاد تشكيله بالقوة لا بالإرادة.دايمون يظن أنه يملك الصورة.يظن أن ملابسي، أفعالي، وحتى الهواء… كلها أجزاء من سيطرته.لكنه لا يعرف شيئًا عني.ولن يعرف بسهولة.سحبتُ نفسًا عميقًا، ثم ابتعدت عن المرآة بخطوة محسوبة. كل حركة هنا تُراقب.خرجت من الغرفة، وفي اللحظة التي لامست فيها قدماي الرخام البارد، تغيّر شيء في الجو. ليس صوتًا، بل إحساسًا… كأن القصر نفسه أدرك أن "الضيفة" بدأت تتحرك خارج الحدود.في الممر الطويل، لم يكن الصمت طبيعيًا.الخادمات يتحركن كظل واحد، لا أصوات مرتفعة، لا تأخير، لا ارتباك. كل حركة بالميزان.إحداهن مرّت بجانبي، ولم ترفع عينيها، لكني سمعت همسًا خافتًا جدًا…— " إذًا… هذه هي."تجمدت الخادمة التي بجانبها فورًا، ثم دفعتها بخفة في ذراعها.— "اصمتي."لكن الأولى تابعت وهي تمشي:— "لم أرَ سيد القصر يجلب امرأة إلى هنا من قبل…"
حلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني.كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع كل نفس هادئ يخرجه. حتى وهو نائم، بدا خطيرًا… خطيرًا بطريقة تجعل القلب يتردد بين الخوف والانجذاب.لكن عقلي لم يسمح لي بالنسيان.الصراخ.القتال.الطريقة التي حملني بها إلى الطابق العلوي وكأنني لا أملك حق الاعتراض.والآن… ها نحن هنا، متشابكان تحت ملاءات حريرية داخل غرفة تبدو كقصر فاخر وسجن في الوقت نفسه.رائحة العطر الرجولي التي كانت تحيط به ما زالت عالقة فوق الوسائد والملاءات، وكأن الغرفة نفسها تحمل بصمته. حتى الهواء بدا مشبعًا بحضوره الطاغي، ذلك الحضور الذي يجعل أي مساحة يشعر فيها الإنسان بأنه مراقب حتى وسط الصمت.حاولت الابتعاد عنه ببطء شديد، لكن ذراع دايمون اشتدت غريزيًا حول خصري.خرج من صدره اهتزاز منخفض وتحذيري قبل أن يفتح عينيه، ثم جذبني نحوه أكثر حتى التصق جسدي بجلده العاري والدافئ."لا
كان المطر لا يزال يضرب القصر بلا توقف، كأنه قرر أن يمحو كل ما حدث داخله قبل ساعة، أو يزيده وضوحًا بدلًا من دفنه.دايمون كان يمشي في الممر الطويل، خطواته على الرخام كانت ثقيلة، لكنها محسوبة، لا ضياع فيها، كأنه لا يعرف معنى التردد أصلًا.الماء يتساقط من شعره المبلل على كتفيه وصدره، ينزلق ببطء، لكن جسده لم يكن يعطي أي رد فعل. لا برد، لا انزعاج. فقط هدوء غريب لرجل لا يبدو أنه ينتمي لهذا الطقس أو لهذا العالم.الحراس على الجانبين خفضوا رؤوسهم فورًا.أحدهم قال بصوت منخفض جدًا قبل أن يبتعد: "هو في مزاج سيئ الليلة…"لكن دايمون لم يكن في "مزاج سيئ".كان في شيء أعمق من ذلك.كان في صمت يوحي بأن شيئًا ما بداخله على وشك الانفجار.توقف أمام باب جناحه.لم يفتحه فورًا.ظل واقفًا لثوانٍ، ينظر إلى المقبض وكأنه يقيس ما سيحدث بعد أن يلمسه.ثم فتح الباب.ودخل...الغرفة كانت هادئة بشكل غير مريح، الضوء الخافت للمدفأة ينعكس على الجدران، والبرق من الخارج يقطع السماء كل لحظة.كنتُ جالسة على السرير.ذراعاي حول نفسي.حين دخل، لم أتحرك.لكنني شعرت به قبل أن أراه.هذا الشعور الذي لا أستطيع تفسيره… كأن الهواء يصبح أ
كان المطر يهطل بلا توقف.ثقيلًا، صامتًا، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه بعد العاصفة التي انفجرت داخله قبل ساعة.انعكس ضوء المصابيح الشاحبة على مياه المسبح في الحديقة الخلفية، محولًا سطحه إلى مرآة سوداء ترتجف مع كل قطرة تسقط عليه.أصوات المطر كانت تتكسر على الأسطح الرخامية، تمتزج مع صفير الريح بين الأشجار العالية المحيطة بالقصر، كأن المكان كله يعيش حالة حداد صامتة لا يجرؤ أحد على كسرها.أما دايمون…فكان جالسًا وحده أمام المسبح.عاري الصدر، وقطرات المطر تنزلق على جسده القاسي.خطوط عضلاته مرسومة بوضوح مؤلم، كأن كل ندبة وكل تفصيلة في جسده تحكي قصة لم تُروَ بعد.بنطاله الأسود ملتصق بجسده، وشعره الأسود مبلل يلتصق بجبهته، يتساقط منه الماء ببطء فوق عينيه الداكنتين دون أن يرمش.سيجارة مشتعلة مستقرة بين أصابعه، والدخان يختلط ببخار المطر حول وجهه الحاد.هادئ.بارد.لكن عينيه لم تكونا هادئتين أبدًا.كانت فيهما عاصفة أخرى… أعمق من المطر، أقدم من الليل نفسه.مرر يده على فكه بعصبية خافتة، ثم سحب نفسًا طويلًا قبل أن يزفره نحو الظلام، وكأن الدخان وحده قادر على إخراج ما يختنق داخله.صوت الباب الزجاجي خلفه







