로그인
خرجتُ من الحفلة وأنا أشعر أن رأسي سينفجر من الضحكات العالية والعطور الثقيلة والوجوه المزيفة.
الكعب العالي كان يتدلّى من أصابعي، وقدماي تحترقان من الألم فوق الرصيف البارد، بينما التصق الفستان الأسود بجسدي كطبقة ثانية من الجلد بعد ساعات طويلة وسط الزحام. المدينة ليلًا، كانت أكثر قسوة...وأكثر وحدة. .أضواء الحانات الحمراء والزرقاء انعكست فوق الأرصفة المبتلة بالمطر المتوقف، والموسيقى المتسربة بدت كنبضٍ فاسد يضرب في عظامي. كنت أريد فقط سيارة أجرة. سريرًا دافئًا. وصمتًا طويلًا يبتلع هذا اليوم بالكامل. لكن سيارة سوداء فاخرة توقفت بجانبي...ببطءٍ مقصود. وكأن سائقها يعرف مسبقًا أن كل شيء سيتغير بعد هذه اللحظة. تجمدت خطواتي فورًا. النوافذ الداكنة انخفضت تدريجيًا، كاشفة عن رجل جعل معدتي تنقبض بلا سبب واضح. وسيم بشكل بارد. ملامحه حادة بصورة غير مريحة، وشعره الأسود مرتب بعناية قاتلة، أما بدلته الداكنة فبدت مفصلة خصيصًا لجسد يعرف السلطة جيدًا. لكن عيناه… عيناه كانتا أسوأ جزء فيه. هادئتان أكثر من اللازم. كأنهما اعتادتا رؤية الناس وهم ينكسرون أمامه. توقفت أنفاسي عندما قال بلا مقدمات: "كم تريدين مقابل الليلة؟" شعرت بالإهانة تضربني كصفعة. "ماذا؟" مال برأسه قليلًا، وكأنه لم يفهم سبب صدمتي. "سمعتِني." اشتدت قبضتي حول الحذاء في يدي. "أنا لست فتاة ليل." راقبني لثوانٍ بصمت. صمت ثقيل. مزعج. ثم قال ببرود: "إذن أخطأت التقدير." وأغلق النافذة أمام وجهي. هكذا ببساطة. وقفت أحدق في السيارة بعدم تصديق بينما عاد صخب المدينة يبتلعني من جديد. كان يجب أن أرحل. لكن شيئًا في طريقته المستفزة… في غروره… أشعل غضبي. استدرت بعنف لأغادر. وفجأة انطلق صوته من مكبر خفي قرب الباب: "اعتذاري." توقفت رغماً عني. رفعت نظري نحو السيارة مجددًا. "أنا فقط… لست معتادًا على الرفض." يا إلهي. حتى اعتذاره خرج كأنه تهديد مبطن. اقتربت خطوة دون وعي وقلت بحدة: "إذن حان الوقت لتعتاد." ساد الصمت للحظة. ثم فُتح الباب أخيرًا. ونزل هو. شعرت بالخطر فور اقترابه. طويل بشكل مخيف. عريض الكتفين. يتحرك بهدوء رجل لا يخشى شيئًا في هذا العالم. وجهه بدا أكثر ظلمة مما توقعت. اقترب ببطء. هادئ. واثق. كمفترس يعرف أن الهروب منه مستحيل. "هذا… مثير للاهتمام." انزلقت عيناه على جسدي ببطء أزعجني. من قدميّ العاريتين… إلى الفستان الأسود الضيق… إلى شعري المبعثر فوق كتفي. شعرت برغبة غريزية في تغطية نفسي. "اسمي دايمون وولف." قالها وكأنه يتوقع مني الانبهار. رفعت ذقني بعناد رغم التوتر الذي بدأ يزحف داخلي. "ولماذا يهمني اسمك؟" ابتسم ببطء. وكانت تلك غلطتي الأولى. لأن ابتسامته لم تكن دافئة. كانت ابتسامة رجل اعتاد السيطرة. "لأنك ستتذكرينه طويلًا." اقترب أكثر. أكثر مما ينبغي. رائحة عطره الثقيلة اختلطت بدخان سيجار فاخر، فشعرت بالاختناق فجأة. تراجعت خطوة فورًا. لاحظ ذلك. طبعًا فهو كالصقر. هذا الرجل كان يلاحظ كل شيء. "أنتِ خائفة." قالها بهدوء أربكني. "لست كذلك." كذبت بسرعة. ضاقت عيناه قليلًا. "الكاذبون يشيحون دائما بنظرهم." تجمدتُ مكاني. ابتسم مجددًا وكأنه استمتع بتوتري. "جميلة… وعنيدة… وسيئة بالكذب." ابتلعت ريقي بصعوبة. "اسمع، لا أعرف من تظن نفسك لكن ابتعد عني." رفع حاجبه ببطء. ثم مد يده فجأة وأبعد خصلة شعر عن وجهي. تصلب جسدي بالكامل. كانت لمسة خفيفة… لكنها أرسلت رعشة باردة على طول ظهري. "أنتِ ترتجفين." همس قرب أذني. ابتعدت بسرعة هذه المرة. "لا تلمسني." للحظة قصيرة جدًا… اختفت الابتسامة عن وجهه. وظهر شيء آخر. شيء جعل الخوف يهبط مباشرة إلى معدتي. "لا أحد يأمرني بما أفعل." قالها بصوت منخفض قاتل. ثم ابتسم مجددًا وكأن شيئًا لم يحدث. "لكنني متسامح الليلة." نظرت حولي بسرعة. الشارع فارغ. الحانات خلفي كانت مزدحمة بالناس والضحكات… لكن هنا، عند هذا الرصيف البارد، شعرت وكأن العالم كله ابتعد فجأة. ولا توجد سيارة أجرة واحدة. بدأ قلبي يخفق بعنف. لاحظ نظراتي القلقة فورًا. "تبحثين عن مهرب؟" لم أجب. اقترب حتى شعرت بحرارة جسده تخترق المسافة بيننا. "لن تجدي واحدًا." ارتجفت أنفاسي. "أنت مريض." ضحك بخفوت. "وأخيرًا… شيء صادق." ثم فجأة وضع يده على خصري. شهقت رغماً عني. كانت قبضته قوية بشكل أخافني فورًا. حاولت التراجع لكنه شدني إليه أكثر. "اتركني." خرج صوتي مهتزًا هذه المرة. لكنه اقترب حتى شعرت بأنفاسه فوق وجهي. "كلما قاومتِ أكثر… ازددت اهتمامًا." بدأ الذعر الحقيقي يتسلل إلى داخلي. نظرت نحو الحانة القريبة كأنني أبحث عن نجاة. كنت وحدي معه. وهذا أخافني أكثر من أي شيء. "هناك نساء كثيرات بالداخل." قلت بسرعة. "اذهب واختر واحدة تعجبك." تأملني طويلًا. ثم قال بهدوء مخيف: "لا أريدهن." توقفت أنفاسي. "أريدك أنتِ." الطريقة التي قالها بها لم تكن إعجابًا. كانت امتلاكًا. رأى ارتجافة يدي. رأى الخوف أخيرًا. وابتسم. "هكذا أفضل." همست: "من أنت…؟" رفع يده وأمسك ذقني برفق أجبرني على النظر إليه. "الرجل الذي سيتغير كل شيء بعده." وفجأة ظهرت سيارة أجرة بعيدة. رأيتها كأنها نجاة أرسلها الله لي. "انظر…" قلت بأمل. "لقد تأخر الوقت. دعنا ننسى أننا التقينا." تابع نظري نحو سيارة الأجرة. ثم عاد ينظر إليّ. وببطء… بردت ملامحه تمامًا. "لا." قالها بحسم مرعب. وفي اللحظة التالية… حملني. صرخت فورًا. "اتركني! هل جننت؟!" لكن ذراعه كانت كالفولاذ حول خصري. سقط حذائي من يدي فوق الرصيف بينما فتح الباب الخلفي للسيارة بيد واحدة فقط. "ساعدوني!" لكن سيارة الأجرة تجاوزتنا...كأنه لم ير شيئًا. والشارع بقي صامتًا. ألقى بي داخل السيارة فوق الكراسي الجلدية الفاخرة ثم دخل خلفي مباشرة وأغلق الباب بعنف. اختفى ضجيج المدينة فورًا. الصمت في الداخل كان خانقًا. تراجعت بسرعة إلى أبعد زاوية وأنا أتنفس بعنف. "ابتعد عني…" لكنه بقي هادئًا بشكل أخافني أكثر. خلع سترته السوداء ثم رماها بجانبه دون أن يبعد عينيه عني. "تعالي هنا." همسها بهدوء. هزت رأسي فورًا. "لا." للحظة… فقط للحظة… ابتسم ابتسامة باردة جدًا. ثم أمسك كاحلي فجأة وسحبني نحوه. شهقت بخوف عندما انزلقت فوق المقعد الجلدي حتى اصطدمت بصدره القاسي. "اتركني!" حاولت دفعه، لكن ذراعه التفّت حول خصري بقوة ساحقة قبل أن يجلسني فوق حجره مباشرة. تجمدت. يا إلهي… كنت أستطيع الشعور بحرارة جسده من خلال القماش الرقيق لفستاني. حاولت النزول فورًا لكنه شد ذراعه حولي أكثر حتى أصبحت ساقاي محاصرتين على جانبي فخذيه. "اجلسي بهدوء." قالها قرب أذني بصوت منخفض خطير. "دعني!" قاومت بعنف، لكنه أمسك معصمي بيد واحدة بسهولة مهينة. "توقفي عن الحركة." "أكرهك!" ضحك بخفوت، وكانت ذقنه تلامس شعري. "هذا لا يهم." ضغط زرًا صغيرًا قرب الباب. "إلى المنزل." ثم أضاف ببرود: " اخبرهم أن يجهزوا جناح الضيوف." ارتجفت معدتي بالكامل. "هذا اختطاف…" "أعرف." قالها بلا اكتراث. بدأت السيارة تتحرك بسلاسة عبر شوارع المدينة المظلمة، بينما بقيت محاصرة فوق حجره كأنني شيء يخصه بالفعل. حاولت الابتعاد مجددًا. فشد خصري نحوه أكثر. "قلت اجلسي بهدوء." كانت أنفاسه تضرب عنقي كلما تحدث. وشعرت بالاختناق. "أنت مختل…" "ربما." مرر أصابعه ببطء على ظهري المكشوف، فتجمد جسدي بالكامل. "لكنك ما زلتِ ترتجفين بين ذراعي." كرهت أنه لاحظ ذلك. كرهت أن جسدي خانني. نظرت نحو النافذة. المباني بدأت تختفي تدريجيًا، لتحل محلها طرق مظلمة وأشجار طويلة تتراقص ظلالها تحت الأضواء. ابتلعت ريقي بصعوبة. "إلى أين تأخذني؟" لم يجب فورًا. بل أبقى عينيه عليّ كأنه يستمتع بقلقي. ثم قال أخيرًا: "إلى مكان لن يستطيع أحد الوصول إليك فيه." شعرت بالدموع تحرق عيني. "أرجوك… دعني أذهب…" لأول مرة… ساد الصمت. نظر إليّ طويلًا. طويلًا جدًا. ثم رفع يده ولمس دمعة هربت فوق خدي بإبهامه ببطء. "لا تبكي." همسها بهدوء غريب. لكن ذلك لم يطمئنني. بل أرعبني أكثر. لأن صوته بدا هادئًا جدًا لرجل اختطف فتاة للتو. انعطفت السيارة أخيرًا عبر بوابات حديدية عملاقة انفتحت بصمت أمامنا. ثم ظهر القصر. ضخم. بارد. ومرعب كشيء خرج من كابوس. أضواء ذهبية انعكست فوق الرخام الأسود، وحراس بملابس داكنة انتشروا قرب المدخل الرئيسي. شعرت بقلبي يهبط إلى معدتي. اقترب دايمون من وجهي حتى شعرت بأنفاسه فوق شفتي المرتجفتين. ثم قال بهدوء مخيف: "من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."..أنت لن تدعني أحمل مجددًا، أليس كذلك؟» استمر في إطعامها بهدوء، متجنبًا النظر إلى عينيها: — «أنا لا أريد أطفالا... ولكن... ربما أفكر في الأمر.» عادت تبكي بمرارة من جديد، وكأن جرحها لم يلتئم، وكأن كلماته أعادت فتحه: — «أنا خائفة حقًا...» رفع عينيه إليها، وسألها بنبرة مستفسرة: — «ممَّ تخافين؟» أجابته بصوت مرتجف: — «أخشى أن يعذبني الرب لأنني أجهضت طفلي، أليس كذلك؟» ردّ بهدوء عميق يخترق الروح: — «الرب سيعذبني أنا وإياكِ على أي حال، وفي كل الظروف...» تكمّشت على نفسها، وهي تضم ركبتيها إلى صدرها وتشهق بلا توقف: — «يا رب، اغفر لي ذنبي العظيم؟» سحب وعاء الحساء من أمامها، وقرّب وجهه منها، ينظر في أعماق عينيها الذابلتين، وقد تبدّلت قسوة ملامحه إلى شيء أكثر انكسارًا: — «سامحيني... أنا من قادكِ إلى هذا المصير.» ارتجفت وهي تنطق باسمه، وكأنها تستمد من وجوده ما تبقّى لها من قوة: — «جاااد... لم أكن أريد أبدًا أن أخسرك، لكنني أقترف أحيانًا أفعالًا تدمرني وتدمر ما بيننا.» أجابها بثقة مطلقة: — «لن تخسريني أبدًا... كنت سكرانًا يومها، وغير واعٍ لما تفوّهت به، حتى جعلتكِ
«هولندا»مرّ يومان ثقيلان كأنهما دهر... الحالة مستقرة، ولا جديد يُذكر سوى دقات قلبها الهادئة. ما زالت غارقة في سباتها، تسترجع عافيتها المسلوبة شيئًا فشيئًا. أما هو، فقد اتخذ من مقعد بجوار فراشها مهجعًا له، يرفض أن يبرح مكانه أو يغفل عن ملامحها الشاحبة ولو لطرفة عين.الخوف من فقدانها ينهش صدره، مما دفعه لاستدعاء الطبيب في كل ساعة ليتفقد أنفاسها، بل وبلغ به الهوس أن فرض على الطبيب البقاء حبيس القصر، مهددًا إياه بألا يغادر حتى تفتح عينيها من جديد...وعلى النقيض من ذلك السكون الموحش، وفي زوايا «دار الهوى» المليئة بالصخب والأسرار، حيث كان المتمردون والكارهون لحكم مافيا دي فالك ينسجون خيوط خططهم في الظلام... دلف عليهم «أرماند» بابتسامة غامضة تزيّن ثغره، ليتعانق مع رفاقه بحرارة.فيكتور، بعينين تلتمعان بالترقب:— «أرماند! أرى أنك قد عدت... أين هي البشارة التي وعدتنا بها؟»أرماند، مبتسمًا بخبث ومشيرًا برأسه نحو الباب:— «البشارة تقف في الخارج... تنتظر إشارة الموافقة فقط.»فيكتور، وقد اتسعت ابتسامته في رضا:— «مرحبًا بها إذن... افتح لها الأبواب.»خرج «أرماند» بخطوات مسرعة، وما هي إلا دقائق معدو
دايمون مازحاً: «سنفعل هذا دون عد..»لينا بصدمة: «يا إلهي، أنا أتحدث عن الوشم..»فأجاب بابتسامة هادئة: «أعلم، هيا فلنترك هذا الآن».تلقت لينا ضربات متتابعة بقوة، تلتها قبلات ساخنة كادت تذيب أطرافها حتى أصابتها الدوخة، فبقيا يرتجفان سوياً في عناق دافئ.بقي الصمت سيد المكان، ولم ينهض عنها، بل ظل يهمس لها بكلمات غزل ويمازحها حتى خنقها، ثم اتكأ بجانبها على ظهره، فغطت له نصفه العاري. كانت تموت على ذلك الهدوء والسكينة اللذين يغمرانه، ورغم أنه يبدو قاسياً في ظاهره إلا أنه كان أرق ما يكون في الممارسة.. ناضجاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وفي نفس الوقت ماكراً ولعوباً معها. لقد أعجبتها شخصيته الفريدة التي تجمع بين الثبات والجنون، وكله رجولة وإثارة.نظر إليها دايمون بعينين لامعتين: «ماذا يدور في ذلك الرأس الصغير؟ هل نلعب شوطاً إضافياً؟»خبأت لينا وجهها في صدره وهي تعانقه بشدة، بينما كان هو يداعب شعرها بأنامله.سأل بحنان: «أتشعرين بالجوع يا قطتي؟»أجابت بصوت خافت: «امم» وحركت رأسها إيجاباً.«حسناً... لا أريد أن تفقدي وعيك، فالمباراة لم تنته بعد» (غمزها بحرارة).«انهضي، سأكلفك بمهمة... ستأتي لي بذل
تعمدت لينا إغلاق كل المنافذ بإحكام؛ لم ترغب في أن يدخل دايمون ليجدها بانتظاره، وكأنها مستعدة ومترقبة للقائه. أرادت أن تخلق مشهدًا يشبه الأفلام، حيث يضطر إلى اقتحام المكان، بينما تتظاهر هي بعدم المبالاة، ليتفاجأ بوجودها أمامه. ساد الصمت المكان، ولم يقطعه سوى صوته الذي ينادينا، ورنين جرس الباب المتواصل. وقفت لينا في الداخل، تحاول كتم ابتسامتها، وهي تتخيل ملامحه خلف الباب. أما دايمون، فقد سئم من الانتظار دون جدوى، فزفر بضيق، وتساءل في نفسه: — ماذا تفعل بالداخل؟! سأذهب لأرى بنفسي. تراجع قليلًا، ثم توجه إلى غرفته، ومنها خرج إلى شرفتها، وفي تلك الأثناء، كانت لينا تجلس باسترخاء على الأريكة، تضع ساقًا فوق الأخرى وتحتسي العصير بكل هدوء، وكأن شيئًا لا يعنيها. رفعت رأسها نحو زجاج الشرفة، لتجده واقفًا هناك، يتأملها بابتسامة مرسومة على شفتيه. اتسعت عيناها قليلًا، ثم تمتمت في نفسها: — أوه... لقد وجد طريقًا آخر! أما دايمون، فكان ينظر إليها من خلف الزجاج، وقد بدا مستمتعًا بما يراه. ثم حدث نفسه ساخرًا: — أهكذا إذن؟ توصدين الأبواب في وجهي لتستمتعي بجمالك وحدك؟ اقترب من الباب الزجاجي وحاول فت
ظلت السيارة تشقّ طريقها ببطء وسط الطريق الممتد أمامها، حاملةً لينا ومايا وفلوريان، بينما خيّم صمت ثقيل على المكان، لم تكسره سوى الأنغام الهادئة المنبعثة من مكبرات الصوت. وفجأة، انطلق صوتٌ عميق وواضح من نظام السيارة: — «عودي إلى الفندق الآن... أنا بانتظارك.» تجمّدت لينا في مكانها للحظة، واتسعت عيناها بدهشة، ثم التفتت نحو مصدر الصوت وكأنها لم تصدّق ما سمعته: — «هذا صوت دايمون... يا إلهي!» سارعت إلى خفض الموسيقى بيدٍ مرتجفة، بينما نظر إليها فلوريان بريبة، ثم حرّك رأسه بقلق، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة: — «لقد سمعتِ ما قاله، أليس كذلك؟ أمرك بوضوح أن تعودي.» شهقت لينا، ثم نظرت إلى الشاشة بسرعة، وكأنها تأمل أن تجد فرصة للرد، لكنها اكتشفت أن الاتصال قد انتهى: — «لقد أغلق الخط! لم يسمع ردي حتى!» ضحك فلوريان بشكل مستفز، بينما تمتمت مايا في نفسها وهي تستعيد في ذهنها نبرة دايمون الحازمة: — «آه قلبي سيتوقف... ما هذه الهيبة؟ لقد أربك المكان بأسره!» استشاطت لينا غضبًا، وقالت وهي تحاول جاهدة إخفاء توترها: — «وما باله يتحدث إليّ بهذه الطريقة؟ من يظن نفسه؟ يتحدث معي وكأنني واحدة من
اقترب النادل منهما بخطواتٍ سريعة، وانحنى قليلًا أمام الطاولة، ثم سأل بأدب: — آنسة... هل تشربين شيئًا؟ هزّت لينا رأسها بالنفي، وكانت شاردةً تمامًا، غارقةً في أفكارها، وكأنها لم تسمع السؤال أصلًا. رمقها فلوريان بنظرة عتاب: — هل تريدين أن تموتي جوعًا؟! ساد الصمت لثوانٍ، بينما بقي عقل لينا مشدودًا إلى الكارثة التي وقعت في الأعلى، غير قادرٍ على تجاوزها أو التفكير في أي شيء آخر. عاد نظر فلوريان إلى قائمة الطعام ثم فرك ذقنه متصنعًا الحيرة: — سأطلب... أممم... كريب بالشوكولاتة، وحلوى، وعصيرًا طازجًا! بقيت لينا فاتحةً فمها وهي تحدّق في فلوريان، وفجأة، وكأن جرسًا دقّ في معدتها، انفتحت شهيتها فورًا! قالت للنادل بحماس مفاجئ: — أنا أيضًا! أحضر لي مشروبًا غازيًا، وبيتزا كبيرة، ومثلجات للتحلية! أومأ النادل باحترام: — حسنًا... ثم ابتعد لتلبية الطلب. تنفّس فلوريان الصعداء، وأسند ظهره إلى المقعد، ثم تمتم وهو يرفع عينيه إلى السماء: — لقد ارتحنا منها، يا ربّي سامحني! لو بقيت حية، لكانت جلبت لنا المشاكل فقط... وفي تلك اللحظة، ظهرت مايا فجأة ووقفت أمامهما بجرأتها المعهودة، ثم ابتسمت ابتسامة
"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل
كان المطر لا يزال يضرب القصر بلا توقف، كأنه قرر أن يمحو كل ما حدث داخله قبل ساعة، أو يزيده وضوحًا بدلًا من دفنه.دايمون كان يمشي في الممر الطويل، خطواته على الرخام كانت ثقيلة، لكنها محسوبة، لا ضياع فيها، كأنه لا يعرف معنى التردد أصلًا.الماء يتساقط من شعره المبلل على كتفيه وصدره، ينزلق ببطء، لكن جس
كان المطر يهطل بلا توقف.ثقيلًا، صامتًا، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه بعد العاصفة التي انفجرت داخله قبل ساعة.انعكس ضوء المصابيح الشاحبة على مياه المسبح في الحديقة الخلفية، محولًا سطحه إلى مرآة سوداء ترتجف مع كل قطرة تسقط عليه.أصوات المطر كانت تتكسر على الأسطح الرخامية، تمتزج مع صفير الريح بين الأشج
حلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني.كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع