LOGINحلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.
أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني. كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع كل نفس هادئ يخرجه. حتى وهو نائم، بدا خطيرًا… خطيرًا بطريقة تجعل القلب يتردد بين الخوف والانجذاب. لكن عقلي لم يسمح لي بالنسيان. الصراخ. القتال. الطريقة التي حملني بها إلى الطابق العلوي وكأنني لا أملك حق الاعتراض. والآن… ها نحن هنا، متشابكان تحت ملاءات حريرية داخل غرفة تبدو كقصر فاخر وسجن في الوقت نفسه. رائحة العطر الرجولي التي كانت تحيط به ما زالت عالقة فوق الوسائد والملاءات، وكأن الغرفة نفسها تحمل بصمته. حتى الهواء بدا مشبعًا بحضوره الطاغي، ذلك الحضور الذي يجعل أي مساحة يشعر فيها الإنسان بأنه مراقب حتى وسط الصمت. حاولت الابتعاد عنه ببطء شديد، لكن ذراع دايمون اشتدت غريزيًا حول خصري. خرج من صدره اهتزاز منخفض وتحذيري قبل أن يفتح عينيه، ثم جذبني نحوه أكثر حتى التصق جسدي بجلده العاري والدافئ. "لا تفعلي…" تمتم بصوت أجش مثقل بالنوم. كان صوته مختلفًا هكذا… أكثر حميمية، وأكثر خطورة. فتح عينيه أخيرًا، وثبتت نظراته الداكنة عليّ بقوة جعلت أنفاسي تتعثر. لم يكن هناك أثر لذلك الوحش الذي حطم الزجاج الليلة الماضية، بل هدوء مفترس… هدوء رجل يعرف تمامًا أنه يملك السيطرة. كان يحدق بي كما لو أنه يستوعب وجودي من جديد، وكأن استيقاظه عليّ تحديدًا هو الشيء الوحيد القادر على تهدئة ذلك الظلام المختبئ داخله. انزلقت عيناه نحو شفتيّ قبل أن تعودا إلى عينيّ مجددًا، ثم ارتسمت على زاوية فمه ابتسامة بطيئة وخطيرة. "صباح الخير." ضيقت عينيّ وأنا أتمتم ببرود: "أي خير وأنا بين أحضان الشرير؟" ضحك دايمون ضحكة منخفضة وعميقة، بينما شد قبضته حول خصري أكثر، وكأنه يذكرني بمكاني بين ذراعيه. "الشرير؟" كرر الكلمة باستمتاع واضح. "ما زلتِ تصرين على وصفي بذلك… ربما لأنني لا أتبع القواعد التي يختبئ خلفها الناس العاديون." مال برأسه قليلًا، حتى لامست أنفاسه الدافئة بشرتي، بينما راحت عيناه تتفحصان وجهي المتعب من البكاء. "لكن اعترفي…" همس بصوت أجش وهو يمرر إبهامه على وجنتي برقة غريبة لا تشبه قسوته، "ألا تشعرين بالأمان أكثر هنا… بين ذراعيّ… من أي مكان آخر في هذا العالم؟" حبست أنفاسي. للحظة كرهت الطريقة التي ارتجف بها قلبي عند اقترابه، وكرهت أكثر أن جزءًا صغيرًا داخلي كان يصدق دفء صوته رغم كل شيء. لم ينتظر ردي، بل اقترب أكثر حتى كاد أنفه يلامس أنفي، وعيناه تلمعان بتحدٍ مرعب. "يمكنكِ أن تستمري في مناداتي بالشرير، وأن تكرهي كل ما أفعله…" قال بهدوء قاتل، "لكن لن تستطيعي إنكار أنكِ الآن في المكان الذي تنتمين إليه." شدد قبضته على خصري مجددًا، وكأنه يخشى أن أختفي إن تركني. ابتلعت غضبي وهمست: "أنت تتوهم…" "أتوهّم؟" كررها ببطء، لكن عينيه لم تكونا باردتين أبدًا. كانتا مشتعـلتين بطريقة جعلت الهواء في الغرفة يبدو أثقل. لم يبتعد، بل اقترب أكثر حتى أحاطتني حرارة جسده بالكامل. "أنا لا أتوهم يا لينا. أنا أرى الحقيقة كما هي." صوته أصبح أخفض وأكثر خطورة. "والحقيقة أنكِ هنا… في قصري… في سريري… وتحت حمايتي. سواء أردتِ ذلك أم لا." مرر يده الأخرى خلف عنقي، وأدخل أصابعه بين خصلات شعري كان يحمل قدرًا مرعبًا من السيطرة، مجبرًا إياي على إبقاء نظراتي نحوه. رفعت ذقني بعناد رغم ارتجاف صوتي. "الحقيقة أنك مختطف… ومريض نفسي." للمفاجأة، لم يغضب. بل اتسعت ابتسامته ببطء، وكأن كلماتي كانت تسليه. "مختطف؟ مريض نفسي؟" اقترب حتى همس بجانب أذني، فارتعش جسدي رغماً عني. "المختطفون يخفون ضحاياهم في أماكن مظلمة… أما أنا، فأبني لكِ مملكة من الذهب لتصبحي ملكتها." ثم أضاف بصوت خافت وخطير: "أما عن كوني مريضًا نفسيًا… فربما. لكن أليس من حق المريض أن يحتفظ بما يداويه؟" تجمدت أنفاسي للحظة. كانت كلماته مخيفة… والطريقة التي قالها بها جعلتها تبدو صادقة أكثر مما ينبغي. لكن دايمون ابتعد فجأة، وكأن البقاء قريبًا مني أكثر سيجعله يفقد سيطرته. نهض من السرير بحركة سلسة كشفت عن قوته الجسدية، ثم اتجه نحو الحمام دون أن ينظر إليّ. راقبت ظهره العريض للحظة، والطريقة التي تحرك بها بثقة رجل اعتاد أن تُفتح له كل الأبواب دون سؤال. "استعدّي للإفطار." كان صوته جافًا وآمرًا. "ستجدين ملابس جديدة في الخزانة… اخترتُ لكِ ما يناسب ذوقي." ثم أغلق باب الحمام خلفه. ساد الصمت. لم يبقَ سوى صوت المياه المتدفقة، وأنا جالسة فوق السرير أشعر بفراغ المكان الذي كان يحتله قبل لحظات. لكن الغرفة لم تشعر بالفراغ فعلًا… لأن حضوره بقي عالقًا في كل زاوية. رفعت نظري حولي. الغرفة كانت فخمة بشكل خانق؛ جدران عالية، أثاث فاخر، وستائر ثقيلة تحجب العالم الخارجي. كل شيء جميل… و ساحر أكثر مما يجب، لدرجة جعلتني أشعر بأنني داخل قفص ذهبي لا مخرج منه. خارج النوافذ الطويلة، كانت السماء رمادية ملبدة بالغيوم، وحدائق القصر الواسعة تمتد كمتاهة باردة وصامتة. حتى العالم بالخارج بدا بعيدًا عني، وكأن هذا المكان منفصل عن الواقع تمامًا. نهضت ببطء واتجهت نحو الخزانة الضخمة. وحين فتحتها… انحبست أنفاسي. لم تكن مجرد ملابس. كانت قطعًا من عالم آخر؛ فساتين حريرية، أطقم دانتيل فاخرة، معاطف كشمير ناعمة، وأحذية تحمل توقيع أشهر دور الأزياء العالمية. كل قطعة بدت وكأنها صُنعت خصيصًا على مقاسي. مررت أصابعي فوق الحرير البارد، لكنني شعرت وكأنني ألمس قيودًا ناعمة. الرسالة كانت واضحة: أنتِ ملكي. حتى ملابسي… حتى ما يلامس جلدي… أصبح يختاره دايمون وولف. شعرت بغصة تخنقني. هذا لم يكن كرمًا. بل سيطرة كاملة. حتى الألوان التي سأرتديها… وحتى الصورة التي سأبدو بها أمام العالم… أصبحت شيئًا يقرره هو. وفجأة، انفتح باب الحمام. خرج دايمون وهو يلف منشفة بيضاء حول خصره، بينما كانت قطرات الماء تنزلق فوق صدره العريض وندوبه الخافتة التي تحكي عن حياة مليئة بالعنف. كان يجفف شعره المبلل بمنشفة صغيرة، وعيناه تراقبانني عبر المرآة الكبيرة. هادئ. بارد. وخطير أكثر من أي وقت مضى. هدوء رجل انتهى من مطاردة فريسته… وبدأ بترويضها. "ارتدي الفستان الحريري الأزرق الداكن." قالها بهدوء وهو يتجه نحو طاولة الزينة. "إنه يبرز لون عينيكِ عندما تغضبين… وهذا اللون يعجبني." توقفت أنفاسي للحظة بسبب الطريقة التي قال بها الجملة، وكأن غضبي نفسه شيء يملكه ويستمتع به. ثم توقف فجأة والتفت نحوي بنظرة جعلتني أشعر وكأنني مكشوفة تمامًا أمامه. رفعت ذقني بعناد. "وإذا لم أفعل؟" ساد الصمت فورًا. وضع المنشفة الصغيرة جانبًا ببطء شديد، ثم بدأ يقترب نحوي بخطوات هادئة وواثقة. لم تكن خطوات رجل غاضب… بل خطوات رجل يعرف أن الجميع سينحنون له في النهاية. توقف أمامي مباشرة. شعرت بحرارة جسده التي لم تختفِ بعد بسبب الماء الساخن، بينما اختفت المسافة بيننا تمامًا. "وإذا لم تفعلي؟" كرر سؤالي بنبرة منخفضة وخالية من الانفعال، وهذا ما جعلها أكثر تهديدًا. مال برأسه قليلًا، وعيناه تتجولان فوق ملامحي ببرود مخيف. "أنتِ تظنين أن الرفض سلاحكِ… لكنكِ لا تدركين أنكِ داخل مملكتي، حيث القوانين التي أضعها أنا فقط." ثم رفع خصلة من شعري خلف أذني، ولمست أصابعه بشرتي ببطء جعل معدتي تنقبض. "إذا رفضتِ ارتداء ما أختاره لكِ…" قال بصوت أكثر انخفاضًا، "فسأجبركِ بطريقتي الخاصة. وقد لا يعجبكِ الثمن." ابتعد خطوة واحدة فقط، لكنه بقي يثبت عينيه عليّ كقيد غير مرئي. "لا تختبري صبري يا لينا." كان صوته هادئًا بطريقة مرعبة. "أنا لا أحب تكرار أوامري… ولا أحب رؤية التمرد في عيون امرأة يفترض بها أن تكون لي." شيء داخلي اشتعل عند كلماته الأخيرة. أنا لست ملكًا لأحد. ولن أسمح لهذا الرجل، مهما كان مخيفًا أو قويًا، أن يسحق روحي بهذه السهولة. ثم استدار متجهًا نحو غرفة التبديل. "... أمامكِ عشر دقائق. لا أريد التأخير على مائدة الإفطار، ولا أريد أن يبدأ يومي بهذا العناد." وقبل أن يختفي، استدار نصف استدارة وأضاف بصوت يحمل وعيدًا خفيًا: "تذكري شيئًا واحدًا… كلما قاومتِ أكثر، زادت رغبتي في كسر هذا الكبرياء. وأنا رجل لا يترك شيئًا دون أن يعيد تشكيله كما يريد." ثم اختفى خلف الباب. وبقيت وحدي. شعرت وكأن الجدران تقترب مني ببطء، بينما كانت دقات قلبي تتسارع تحت ثقل كلماته. نظرت إلى الفستان الأزرق الداكن الملقى فوق السرير. كان جميلًا بشكل مؤلم… كأنه صُمم لأميرة داخل حكاية مظلمة. أو لسجينة داخل قصر ملكي. بيدين مرتجفتين، بدأت أرتديه. كان الحرير ناعمًا وباردًا فوق بشرتي، لكن الغضب داخلي كان أشد حرارة من أي شيء آخر. كلما مر القماش فوق جلدي، شعرت وكأنني أرتدي جزءًا جديدًا من قيوده عليّ، وهذا ما جعل الاختناق يشتد داخل صدري. وقفت أمام المرآة بعد أن أغلقت السحاب الخلفي، وحدقت في انعكاسي. بدوت كأميرة. لكنني كنت أعرف الحقيقة. أنا مجرد طائر داخل قفص ذهبي يحمل اسم دايمون وولف. كانت عيناي تلمعان بالغضب والإصرار أكثر من الخوف الآن، وهذا وحده أعاد لي جزءًا صغيرًا من قوتي. رفعت رأسي ببطء، وحدقت في نفسي بثقة. "سأهرب…" خرج صوتي منخفضًا لكنه ثابت. "لن أخضع لك أبدًا يا دايمون." ومن تلك اللحظة، بدأت أرسم خطتي داخل رأسي. سأبحث في كل زاوية من هذا القصر. سأراقب الحراس. سأحفظ الممرات والأبواب ومواعيد تبديل المناوبات. سأجد نقطة ضعف واحدة فقط… نقطة واحدة تكفي لأحطم هذا القفص وأستعيد حريتي. لأن لينا لا تُكسر بسهولة.كان يقبلها ويهمس لها بكلمات حميمية، بينما كان لمسه الخفيف يشعل في جوارحها نيراناً مستعرة. وما إن شبع منها تقبيلاً، حتى حاول رفع إحدى ساقيها، بدأت ترتجف توتراً، لينظر إليها بابتسامة ماكرة مصحوبة بغمزة خفيفة، ادارت وجهها هاربة من عينيه، رافضة تماماً أن تلتقي بنظراته. كانت ساقاها مفتوحتين على مصراعيها أمامه، رغم رغبتها الشديدة كانت تتمنع بدلال، إلا أن شغفه الجارف كان يغلبها. وحين أزاح لباسه الداخلي، ظهرت رجولته البارزة في كامل عنفوانها، وما إن رأت ذلك حتى تملكتها الرهبة من جديد. هتف دايمون بضحكة خفيفة: ـ يا للهول! تخلصي من توترك يا روحي... مالكِ تصفرين هكذا كلما رأيته.. أمم؟ التزمت الصمت المطبق، بينما كان واقفاً أمامها، ليمد يده ويسحب وسادة ناعمة وضعها تحت مؤخرتها، رافعاً إياها بها ليدخل بين ساقيها، ويمسك برجولته ليوجهها بضربات خفيفة ومتتالية فوق أنوثتها، وهو يضحك عليها بخبث بينما هي تدير وجهها نحو الجانب هرباً من نظراته المتربصة. شيئاً فشيئاً، بدأ رأس رجولته يلامسها من الأعلى نازلاً إلى الأسفل ببطء شديد، بينما هي تطلق أنفاساً متقطعة وتتأوه، وصدرها يعلو ويهبط بشدة وهو يتعمد إبطاء ح
لم تكن تلك القبلة مجرد اعتذار، بل كانت طوفانًا جارفًا محا كل آثار الحزن والغيظ من قلبها، حتى شعرت أن جسدها يذوب شيئاً فشيئاً بين كفيه وتلاشت كل مقاومة كانت تبنيها. ابتعد عنها قليلاً ليلتقط أنفاسه المتقطعة: ـ هل كفرت عن خطيئتي؟ ابعدت عينيها بخجل: ـ أنت بارع جداً في استغلال ضعفي أمامك يا دايمون.. تقودني دائماً إلى حيث تريد. ضحك بصوت رجولي عميق، وطبع قبلة على جبهتها: ـ لا أطيق أن ترى عيناكِ طيف الحزن أبداً.. هيا يا قطتي العنيدة لنعد الى القصر حضرت لك مفاجأة ستعجبك. أعادها إلى مقعدها، وأصلح لها حزام الأمان وانطلق بالسيارة بهدوء نحو بوابات القصر الكبرى. ما إن وصلوا حتى توجها مباشرة نحو جناحه الخاص، تفاجأت لينا بذاك المشهد الساحر الذي أعده الخدم بمهارة في زمن قياسي؛ فقد تحولت إحدى زوايا الجناح الواسعة إلى واحة رومانسية دافئة تتوسطها طاولة طعام أنيقة، أُضيئت بالشموع الخافتة ونُسقت حولها الورود الحمراء. وما جعل عينيها تتسعان بدهشة لا توصف، هو رؤية صنف البيتزا الساخن الذي اشتهته في المطعم، وإلى جانبه كأس ممتلئ بعصيرها المنعش الذي طلبته هناك. التفتت نحوه بعينين تلمعان بمزيج
ترددت أصوات الطرقات الخفيفة على الباب، يتبعها صوت إليسا وهي تنادي: ـ هل أنتِ جاهزة يا لينا؟ نحن بانتظاركِ لننطلق.. فتحت لينا الباب ببطء، وتعلقت عيناها بها: ـ اطلبي منهم أن يخرجوا واتركوني وحدي اليوم... قاطعتها إليسا بملامح حائرة: ـ وكيف هذا؟! إننا نخرج أصلاً من أجلكِ.. أرجوكِ لا تفسدي هذه النزهة! طيبي بخاطري هذه المرة، فما طلبت منكِ شيئاً من قبل.. أجابت لينا بنبرة رافضة يعتصرها التوتر: ـ لا أستطيع ركوب السيارة بجانب دايمون أبداً، أقسم بالله أنني لا أستطيع! فلا تضغطِي عليَّ هكذا يا إليسا! ـ حسناً لدي فكرة.. ستركبين معي بسيارة أليساندرو، ما رأيكِ؟ أومأت برأسها بتردد: ـ حسناً.. ابتسمت إليسا مشجعة: ـ إذن ارتدِي ثيابكِ بسرعة، سننتظركِ حتى تفرغي. أغلقت لينا الباب بسرعة، وشرعت في اختيار ثيابها؛ وقع اختيارها على سروال جينز أزرق داكن، مع قميص أبيض قصير يبرز قوامها، وانتعلت حذاءً رياضياً أبيض مريح. وضعت لمسات خفيفة من المكياج تخفي شحوب وجهها، وحملت حقيبتها ونظارتها الشمسية، ثم خطت خارجة وهي تلتفت برأسها يميناً ويساراً بحذر شديد. كانت ذكريات تلك اللحظة المشؤومة تطاردها
التف الجميع حول مائدة الطعام، حيث كانت الأجواء تسير على وقع محمل بالدفء والمزاح؛ إذ أطعم دايمون لينا بلقيمات صغيرة مصحوبة بهمسات دافئة ولمسات رقيقة تطال عنقها بين الحين والآخر، بينما كانت لينا تحاول التهرب من نظراته وتقابل عيون الحاضرين بابتسامات مرتبكة. لم يعجب لينا الأكل، فلاحظ دايمون امتناعها، ليهمس وهو يمرر يده خلف ظهرها بحنان: ـ ماذا ترغبين أن تأكلي يا قطتي الصغيرة؟ هزت لينا رأسها برفض قاطع ونبرة خافتة: ـ لا أريد شيئاً، فليس لدي أي شهية للطعام، والرائحة تسد نفسي تماماً. أصر دايمون بنبرة حازمة لا تقبل الجدل: ـ إذن سأمتنع عن الأكل معكِ! التزمت لينا الصمت وأدارت وجهها بعيداً بتمرد. وفي تلك اللحظة، تدخلت إليسا: ـ هل ترغبين في شيء آخر؟ ربما بيتزا أو صنف خفيف؟ لم تجبها لينا، فهي لا تستلطف إليسا من الأساس وتظن أنها عاشقة لدايمون وتتربص به. ألح دايمون باهتمام: ـ قولي ما تشتهين يا لينا، أترغبين في أن يتضور ابني جوعاً؟ تدخلت إليسا مبدية استغرابها: ـ يبدو أنك لا تمتلك أدنى فكرة عما تمر به المرأة عندما تكون حاملاً... تولت إليسا الشرح بتعبيراتها المعبرة: ـ المرأة
#ألمانيا ما إن غاب دايمون خلف باب الحمام، حتى انسلت لينا بهدوء من الجناح متجهة نحو غرفتها الخاصة، باحثة عن ذلك الملاذ الهادئ لتنعم بحمام دافئ يغسل عنها إرهاق اللحظات الحميمية السابقة. وما إن خطت خطواتها الأولى في الممر حتى اصطدمت بفلوريان، الذي كان يقف عابساً بضيق. اقتربت منه بخطوات مترددة محاولة تلطيف الأجواء وكسر الجمود، لكنه سبقها بنبرة معاتبة ويدين متكتفتين: ـ إياكِ أن تتحدثي معي حرفاً واحداً! ـ أرجوك يا فلوريان، والله العظيم لم يكن الأمر بإرادتي على الإطلاق! أنت تعرف كم أحبه، وقد أردت العودة إليه أصلاً، ولم أرد قط إطالة تلك اللعبة السخيفة... كان يبتعد عنها بخطوات سريعة ممتعضة وهي تلاحقه بإلحاح: ـ تعال معي إلى غرفتي لنتحدث بهدوء وبعيداً عن الأعين قبل أن يسمعنا أحد! التفت إليها بحدة وبرق في عينيه غضب خفي: ـ لن أتحدث معكِ في شيء، لأنكِ لا تستمعين ولا تتعظين! دائماً تختلقين الأعذار الساذجة... مدت أصابعها فأمسكت بمعصمه وهي تلح عليه: ـ تعال معي فحسب وسأشرح لك كل التفاصيل! سحبته معها إلى داخل غرفتها وأغلقت الباب خلفهما بإحكام يضمن الخصوصية. وقف فلوريان، ينفخ بضيق و
وصل هندريك في الثواني الأخيرة الفاصلة بين النجاة والكارثة، فأقفل الباب بالمفتاح بسرعة جنونية وكأنما يصد شبح الموت عنهما. في تلك اللحظة الخاطفة، انشق الزمن ليمرَّ شريط حياته كله أمام عينيه، وبدأ قلبه ينبض بعنف طاغٍ يكاد يمزق قفصه الصدري من هول الفزع ورهبة الانكشاف. هندريك (بارتباك وتوتر، وأنفاس تتلاحق): ـ أرجو المعذرة يا سيدي... امنحني دقيقة واحدة فحسب. ارتدى سرواله بيدين ترتجفان، وأشار إليها لتتوارى خلف الباب الخشبي، فانقطع نفسها خوفاً ورعباً... فتح الباب ببطء وهو يبلع ريقه بصعوبة: ـ سيدي... جاد (رافعاً حاجبيه بتساؤل مريب): ـ من معك في الداخل؟ هندريك (بصوت متذبذب): ـ لا أحد... كنت وحدي يا سيدي. جاد (مُحدِقاً فيه بنظرات فاحصة وثاقبة تفكك تفاصيل وجهه من رأسه إلى قدميه): ـ يبدو أننا بحاجة لتزويجك يا هندريك، لعل الاستقرار يرتّب فوضاك... هندريك (مطأطئاً رأسه لاخفاء اضطرابه): ـ ما تأمر به يا سيدي... ( رفع ناظريه ليراه صامتاً، فأتم كلامه بحذر): هل تطلب شيئاً؟ جاد: ـ لا... كنت متجهاً إلى المكتب لأعمل. هندريك: ـ سأرتدي ملابسي وألحق بك فوراً... جاد: ـ لا داعي لذلك.. مضى وتر
كان المطر يهطل بلا توقف.ثقيلًا، صامتًا، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه بعد العاصفة التي انفجرت داخله قبل ساعة.انعكس ضوء المصابيح الشاحبة على مياه المسبح في الحديقة الخلفية، محولًا سطحه إلى مرآة سوداء ترتجف مع كل قطرة تسقط عليه.أصوات المطر كانت تتكسر على الأسطح الرخامية، تمتزج مع صفير الريح بين الأشج
تجمّد الخوف داخل صدري وأنا أسمع صوته يهبط فوقي كقيدٍ بارد.كان ذلك النوع من الخوف الذي لا يصرخ… بل ينسحب ببطء داخل الأضلاع، يضغط على القلب كيد خفية تعرف تمامًا أين تلمس كي تؤلم أكثر.خارج النوافذ العالية، كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بإيقاع هادئ ومخيف، بينما انعكس ضوء الثريا الذهبية فوق الجدران الد
"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل
كان المطر لا يزال يضرب القصر بلا توقف، كأنه قرر أن يمحو كل ما حدث داخله قبل ساعة، أو يزيده وضوحًا بدلًا من دفنه.دايمون كان يمشي في الممر الطويل، خطواته على الرخام كانت ثقيلة، لكنها محسوبة، لا ضياع فيها، كأنه لا يعرف معنى التردد أصلًا.الماء يتساقط من شعره المبلل على كتفيه وصدره، ينزلق ببطء، لكن جس







