Masukكان المطر يهطل بلا توقف.
ثقيلًا، صامتًا، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه بعد العاصفة التي انفجرت داخله قبل ساعة. انعكس ضوء المصابيح الشاحبة على مياه المسبح في الحديقة الخلفية، محولًا سطحه إلى مرآة سوداء ترتجف مع كل قطرة تسقط عليه. أصوات المطر كانت تتكسر على الأسطح الرخامية، تمتزج مع صفير الريح بين الأشجار العالية المحيطة بالقصر، كأن المكان كله يعيش حالة حداد صامتة لا يجرؤ أحد على كسرها. أما دايمون… فكان جالسًا وحده أمام المسبح. عاري الصدر، وقطرات المطر تنزلق على جسده القاسي. خطوط عضلاته مرسومة بوضوح مؤلم، كأن كل ندبة وكل تفصيلة في جسده تحكي قصة لم تُروَ بعد. بنطاله الأسود ملتصق بجسده، وشعره الأسود مبلل يلتصق بجبهته، يتساقط منه الماء ببطء فوق عينيه الداكنتين دون أن يرمش. سيجارة مشتعلة مستقرة بين أصابعه، والدخان يختلط ببخار المطر حول وجهه الحاد. هادئ. بارد. لكن عينيه لم تكونا هادئتين أبدًا. كانت فيهما عاصفة أخرى… أعمق من المطر، أقدم من الليل نفسه. مرر يده على فكه بعصبية خافتة، ثم سحب نفسًا طويلًا قبل أن يزفره نحو الظلام، وكأن الدخان وحده قادر على إخراج ما يختنق داخله. صوت الباب الزجاجي خلفه انفتح بهدوء. صوت خفيف… لكنه بدا في ذلك الصمت كأنه اقتحم شيئًا مقدسًا. "سيدي؟" لم يلتفت. كان يعلم من هو. أليساندرو. الرجل الوحيد داخل هذا القصر الذي يجرؤ على الاقتراب منه حين يكون غاضبًا. وقف الحارس الشخصي قرب الباب منتظرًا بصمت، المطر ينساب على كتفيه وهو متردد في الاقتراب أكثر، قبل أن يقول بحذر: "الفتاة… رفضت الطعام." ساد الصمت لثوانٍ. لم يكن صمتًا عاديًا، بل صمت رجل يحسب داخله أشياء لا تُقال. ثم ضحك دايمون بخفوت. ضحكة بلا دفء. بلا حياة. "طبعًا فعلت." عاد الصمت مجددًا، لكن هذه المرة كان أثقل. أخذ دايمون نفسًا آخر من السيجارة، ثم قال بهدوء غريب، كأنه يتحدث عن أمر لا يهمه: "هل لازالت خائفة؟" توقف أليساندرو للحظة. كأنه اختبر الجواب قبل أن يلفظه. "نعم." أغمض دايمون عينيه ببطء. وهنا فقط ظهر ذلك الشيء. ذلك الشرخ الصغير جدًا في الرجل الذي يبدو دائمًا وكأنه مصنوع من الفولاذ. انحنى رأسه قليلًا، بينما انعكس ضوء المسبح فوق ملامحه المتعبة، ليظهر ظلًّا أثقل من ملامحه نفسها. المطر ازداد قليلًا، كأنه يضغط عليه أكثر. "اتركني وحدي." "سيدي—" "قلت اذهب." هذه المرة لم تكن نبرة أمر فقط… بل كانت نهاية أي نقاش ممكن. اختفى أليساندرو داخل القصر من جديد، وبقي دايمون وحده أمام المسبح. وحده مع المطر. والصمت. والذكريات التي لم تتوقف يومًا عن مطاردته، حتى وهو يحاول دفنها تحت طبقات المال والسلطة والنار. شد قبضته حتى احترقت أطراف أصابعه من السيجارة، لكنه لم يشعر. الألم الجسدي لم يكن يساوي شيئًا مقارنة بما كان ينهشه من الداخل. لأنه كان يرى وجهًا آخر. ليس وجه لينا. بل وجهًا محفورًا في ذاكرته كجرح لا يلتئم. ليس وجهًا حاضرًا… بل وجهًا يعود دائمًا عندما يضعف. نفس العيون. نفس النظرة العنيدة. حتى الطريقة التي ترتجف بها الشفتان عند الخوف كانت متطابقة بشكل مرعب. أخرج زفيرًا بطيئًا بينما مال للخلف فوق الكرسي، وكأن جسده فقد فجأة توازنه مع الذكرى. ولأول مرة منذ سنوات طويلة، سمح لنفسه أن يتذكر. لم يكن ذلك اختيارًا… بل انكسارًا صغيرًا داخل جدار صلابته. كان في الثامنة عشرة وقتها. قبل المال. قبل الإمبراطورية. قبل أن يصبح اسم "دايمون وولف" شيئًا يجعل الرجال يخفضون أصواتهم خوفًا، أو يبتعدون قبل أن يلتقوا بعينيه. في ذلك الوقت كان مجرد شاب غاضب يعيش في حي قذر على أطراف المدينة، حيث الجدران متشققة، والليل أطول من النهار، والناس لا يبتسمون إلا نادرًا. والده سكير. ووالدته ميتة. والعنف كان الشيء الوحيد الذي يفهمه العالم من حوله. ثم ظهرت هي. ميرا. كانت تسكن في المبنى المقابل لشقته القديمة. فتاة صغيرة تضحك كثيرًا، أكثر مما ينبغي لهذا العالم القاسي الذي لا يمنح أحدًا رفاهية الضحك. كانت دائمًا تحمل شيئًا بسيطًا في يدها، وتصر على تحويل أبسط اللحظات إلى شيء يشبه الحياة. كانت حب طفولته، ابتسم رغمًا عنه وهو يتذكرها تركض تحت المطر بحذائها الأبيض المتسخ، تصرخ عليه من الشارع: "دايمون! توقف عن التدخين! ستبدو عجوزًا بعمر الثلاثين!" ضحكة خافتة خرجت منه دون إرادة، ثم اختفت بسرعة وكأنها ارتكبت خطأً. يا للهول… حتى لينا تصرخ بالطريقة نفسها. هذا التشابه كان يقتله ببطء دون أن يعترف. مرر يده فوق عينيه بتعب، كأنه يحاول مسح الصورة من ذاكرته، لكنها كانت أعمق من أن تُمحى. كانت ميرا الشيء الوحيد النظيف في حياته. الوحيدة التي نظرت إليه يومًا وكأنه ليس وحشًا. حين كان يعود مضروبًا بعد شجارات الشوارع كانت تنظف جروحه بيديها الصغيرتين، دون أسئلة، دون خوف. وحين كان يغرق في غضبه كانت تمسك يده فقط، وكأنها تقول له دون كلمات إن العالم لم ينتهِ بعد. وهذا كان يكفي. أكثر مما يستحقه مراهق مثله في ذلك الوقت. ابتلع ريقه بصعوبة، ثم تذكر ذلك اليوم. اليوم الذي قتل كل شيء داخله. كان المطر يهطل بغزارة مرعبة، مثل هذه الليلة بالضبط كأن القدر يعيد نفسه. حتى بدا وكأن السماء نفسها تبكي بلا توقف. وهي كانت تركض نحوه عبر الشارع وهي تضحك، تحمل كيسًا ورقيًا مليئًا بالخبز الرخيص، وكأن الحياة لا يمكن أن تؤذيها أبدًا. كان يتذكر صوتها حتى الآن، كأنه محفور في طبلة أذنه إلى الأبد: "دايمون! انظر ماذا اشتريت—" ثم— صوت الفرامل. الصراخ. الضوء الأبيض الذي غطى كل شيء. وجسدها الصغير وهو يُقذف بعنف فوق الإسفلت المبتل، كدمية فقدت خيوطها فجأة. تجمدت أنفاسه. حتى بعد عشر سنوات ما زال يسمع صوت الارتطام، كأنه يحدث الآن لا في الماضي. أغلق عينيه بعنف. اللعنة. لم يستطع إنقاذها. ركض نحوها وقتها بجنون، والدم يملأ يديه وهو يضمها إليه وسط المطر الذي كان يغسل الأرض ولا يغسل الذنب. كان عاجزًا. عاجزًا بشكل مذل، غير قادر على فعل أي شيء. همست له وقتها بصوت ضعيف جدًا: "لا تترك يدي…" ارتجفت أصابعه الآن وهو يتذكر. لأنه تركها فعلًا في النهاية، حتى لو لم يختر ذلك. ليس بإرادته، لكن الموت سحبها منه رغمًا عنه، وتركه واقفًا وحده مع المطر والجسد الذي يبرد بين ذراعيه. ومنذ تلك الليلة مات شيء داخله معها. لم يكن موتًا كاملًا… بل تحولًا بطيئًا. تحول الحزن إلى غضب. والغضب إلى وحش. أصبح يبني إمبراطوريته بعنف رجل أقسم ألا يكون ضعيفًا مجددًا. المال. السلطة. الخوف. كلها كانت مجرد جدران ضخمة يخفي خلفها ذلك الفتى العاجز وسط الطريق. لكن لينا… اللعنة على لينا. لقد أعادت كل شيء. أعادت الصوت. أعادت الرعشة. أعادت ذلك الشعور الملعون بالضعف. نهض فجأة من مكانه، وكأن الأفكار أصبحت تخنقه، وكأن صدره لم يعد يتسع له هو نفسه. مشى قرب المسبح بخطوات بطيئة بينما كان المطر يجلد جسده العاري دون رحمة، لكنه لم يبالِ. صوتها المرتجف. دموعها. تحديها له. حتى نظرتها حين قالت له "أنت مريض" كانت تشبه ميرا بطريقة مرعبة، كأن الماضي لم يمت بل أعاد تشكيل نفسه. لهذا لم يستطع تركها. ولم يستطع فهم ذلك أيضًا. توقف قرب الماء، محدقًا بانعكاس وجهه فوق سطح الماء. بدا مرعبًا. باردًا. غريبًا حتى على نفسه. كأنه ينظر إلى رجل لا يعرفه… لكنه هو. همس أخيرًا بصوت خافت بالكاد سمعه: "ما الذي تفعلينه بي يا لينا…؟" ساد الصمت. ثم فجأة عاد صوتها إلى رأسه: "أرجوك… دعني أذهب…" أغلق عينيه بقوة. لكن هذه المرة لم يرَ لينا. بل رأى ميرا وهي تموت بين ذراعيه مجددًا، وكأن الزمن لم يتحرك خطوة واحدة. وفي لحظة نادرة جدًا انكسرت ملامحه أخيرًا. انخفض رأسه بينما خرج نفس مرتجف من صدره، أقرب إلى الألم منه إلى الغضب، كأنه فقد شيئًا لا يمكن تعويضه للمرة الثانية. لثوانٍ فقط بدا دايمون وولف كرجل متعب. رجل يحمل شبحًا لم يغادره منذ عشر سنوات، يجلس تحت المطر وكأنه يحاول أن يغتسل من شيء لا يغتسل. لكن اللحظة اختفت بسرعة، كما تختفي كل لحظاته الضعيفة. فتح عينيه مجددًا، وعاد ذلك الجليد القاسي إلى ملامحه. ألقى السيجارة داخل المسبح، يراقب الشرارة الأخيرة وهي تنطفئ تحت الماء بصمت. ثم استدار نحو القصر. نحو الغرفة التي تحتجز لينا داخلها. ونحو الهوس الذي بدأ يبتلعه ببطء، دون أن يمنحه فرصة للنجاة منه. ابتسم ابتسامة باردة جدًا، وهمس لنفسه: "لن أسمح للموت أن يأخذ نسخة أخرى منها."كان يسمع في أذنيه صوت بكاء ليرا، وكأنه يسمع بكاء أمه من جديد. ذلك الشيء الذي قضى حياته كلها يهرب منه حتى لا يتذكره… ها هو الآن يعود إليه بكل تفاصيله. كره نفسه. قبض يده بقوة، ثم أعادها إلى جانبه وهو يحاول أن يتمالك نفسه. — لماذا جئتِ؟ لماذا تفعلين بي هذا؟ لماذا تجعلينني أؤذيك؟ أزاحت ليرا يدها عن وجهها، ونظرت إليه بخوف، ثم قالت بارتباك: — خفت عليك. — خافي على نفسك مني… أنا لا أستحق شيئًا. اقتربت منه وهي ترتجف، ووضعت يدها على وجهه برفق. — لا تفعل هذا بنفسك. خفض جاد رأسه، وكأنه شعر بلمستها رغم كل السعير بداخله. — لم أكن أريد أن أفعل بك هذا … منذ أن رأيتك وأنا أظلمك، وأنت صابرة عليّ. كان يجب أن تهربي مني يوم كانت لديك الفرصة. أمسكت بيديه: — لا أريد الهرب… أريد أن أبقى معك. نظر جاد إلى أنفها الدامي: — لا أشعر أنني بخير… سأؤذيك. نهضت ببطء، ثم أمسكت بيده وساعدته على الوقوف. وقف أمامها، ينظر إليها بصمت. اقتربت منه أكثر، وكانت عيناها تحملان خوفًا حقيقيًا، لكنها حاولت أن تظهر القوة. — أنا بين يديك. افعل بي ما تريد، ولكن لا تبقَ هكذا. وضع جاد جبهته على جبهت
كان الغيظ يغلي في عروق جاد، الشيء الوحيد الذي كان يمنحه الصبر هو أنه سيعود ليرى ليرا ويرتاح في حضنها... وينسى كل ما وقع. عادوا إلى هولندا في المساء... دخلوا القصر والخدم يستقبلونهم، لم يكونوا على علم بموعد قدومهم حتى أطلوا عليهم فجأة، حينها فقط سارعوا إلى المطبخ ليعدوا العشاء. توجه جاد مباشرة إلى غرفتها وفتح عليها الباب ليجدها نائمة... كان يعلم أنها ستستيقظ من سباتها قريبًا. خلع ملابسه بالكامل واندس بجانبها نائمًا، ضمها إليه وهو يستنشق رائحتها... ولم يشعر بنفسه إلا والنوم يسلبه وعيه. دخل "هندريك" عندهما بعدما كان يطرق الباب ولا مجيب، كان يريد مناداة سيده لتناول العشاء، ولكنه عندما رآهما نائمين بتلك الوضعية عاد أدراجه وخرج مغلقًا الباب. أما "لوكاس" فكان في غرفة معشوقته، يطرق بابها وهي لا تفتح له رغم أنها مستيقظة وتسمع كلامه كله... لوكاس: افتحي الباب... أريد رؤيتك... (وضع رأسه على الباب) أنا لم أتزوج... لقد عدت إليكِ. كان يتحدث معها، حتى أحست بأنه لم يعد موجود، مشت بهدوء وفتحت الباب تطل برأسها، وخرجت تلفت رأسها يمينًا ويسارًا... تراجعت خطوتين إلى الوراء لتصطدم بشيء صلب خلفها
✦ ألمانيا ✦ كان جاد جالسًا يشرب قهوته ليلًا ويقرأ الجريدة بهدوء، حتى جلس إلى جواره لوكاس. لوكاس: «كنت أظن أن الزفاف سيكون بيننا فقط.» جاد: «أنت تعرف أن أناليس أرسلت الدعوات إلى جميع الشخصيات، ومن حقها أن تجعل هذه الليلة مميزة، فهي ليلة واحدة في العمر.» لوكاس: «جاد…» (ابتلع ريقه.) جاد: «نعم؟» (وضع الجريدة جانبًا ونظر إليه.) لوكاس: «هل أنت متأكد من هذا الزواج؟» جاد: «كيف ذلك؟ ما هذا السؤال؟» (رفع حاجبه.) لوكاس: «لست مرتاحًا… ومنذ مدة وأنا أريد أن أخبرك بذلك.» جاد: (ابتسم.) «يبدو أن توتر الزفاف أصابك. هذا أمر طبيعي، ويحدث للجميع. أنا لم أقل لك أن تدفن حياتك بجوار أختي… ستظل تعيش حياتك كما تريد.» لوكاس: «ولماذا لا تتزوج أنت أيضًا ونرتاح جميعًا؟ لماذا أنا؟ هل لديك شيء ضدي؟» جاد: «انظر، في هذا الزمن من النادر أن تجد امرأة تحبك فعلًا، وأناليس تحبك، وأنا لن أشعر بالاطمئنان عليها إلا معك. لذلك أرى أن زواجكما هو أفضل قرار.» لوكاس: «حتى ليرا تحبك، اذهب وتزوج بها.» جاد: «ليرا لا تحبني، وأنا لا أحبها… وما يجمعني بها حتى نحن لا نفهمه، وأنت تعرفني، أنا لن أتزوج أبدًا…» لو
ألغت لينا فكرة الخروج تمامًا، وصعدا معًا الدرج المؤدي إلى غرفة دايمون. وما إن تجاوزا عتبة الباب حتى استدار نحوها، وجذبها إليه في اندفاع أربك أنفاسها. تراجعت حتى اصطدمت بالزجاج، وشعرت للحظة أنها قد تفقد توازنها من شدة اقترابه منها. لم يمنحها فرصة للكلام. انحنى يقبلها بشغف، بينما راحت أصابعه تعبث بأزرار قميصه في عجلة، وكأن صبره قد نفد تمامًا. كانت في عينيه نار تلتهم الأخضر واليابس؛ رغبة صريحة تختلط بلهفة لا يمكن كبحها، حتى بدا وكأنه يريد قطع المسافة بينهما بأي طريقة. ابتعد عنها للحظة ليلتقط أنفاسه، ثم عاد إليها، يغمر وجهها وعنقها بقبلات متتابعة، قبل أن يحملها بين ذراعيه ويضعها برفق فوق السرير. اقترب منها، وما إن مد يده نحو ملابسها حتى أوقفته لينا. — «لا أستطيع يا دايمون... أنا في فترة الحيض.» تجمد في مكانه. عقد حاجبيه، وارتسمت على وجهه خيبة واضحة جعلتها تكاد تضحك. — «هذا ظلم بحقي! انظري إلى حالتي الآن!» ضحكت بخفة وهي تحاول تهدئته: — «ليس بيدي حيلة... الأمر خارج عن إرادتي.» أطلق دايمون تنهيدة طويلة، ثم نظر إليها من رأسها حتى قدميها، وكأنه يبحث عن حل سحري لهذه ال
✦ سويسرا ✦ استيقظت لينا في الصباح، وفتحت عينيها ببطء، لتجد نفسها وحيدة فوق السرير، غارقة وسط الفراش الواسع. مدّت يدها إلى الجانب الآخر، فلم تجد دايمون. رفعت رأسها ونظرت حولها باستغراب. أين ذهب؟ التفتت إلى الساعة، فاتسعت عيناها حين وجدتها تشير إلى التاسعة صباحًا. أين يمكن أن يكون قد ذهب في هذا الوقت؟ سرعان ما قفزت إلى ذهنها الفكرة الأكثر استفزازًا. ربما انتظر حتى غفت، ثم ذهب إلى الملهى وأحضر فتاةً إلى غرفة أخرى ليقضي معها الليل. عقدت حاجبيها بضيق. يا له من رجل مكبوت! فليذهب إلى الجحيم! تنهدت بعمق، فهي لم يكن من حقها أن تغضب. لم يكن دايمون ملزمًا بتقديم تفسير لها، ولا كانت هي زوجته أو حبيبته حتى تحاسبه على المكان الذي يذهب إليه أو الفتيات اللواتي يعرفهن. لكن المشكلة الحقيقية أنها بدأت تشعر نحوه بشيء لم تعد قادرة على تجاهله. ولو لم تكن قد تعلقت به بهذا الشكل، لأخذت أغراضها ورحلت من دون أن تلتفت خلفها. نهضت من السرير بوجه عابس، ودخلت الحمام لتأخذ حمامًا سريعًا. وبعد أن انتهت، تركت شعرها يجف على طبيعته، ثم لفّت جسدها بمنشفة واتجهت نحو النافذة الزجاجية الضخمة. وما إن أطلت من
فتحت لينا عينيها ببطء، وكأنها تنتزع نفسها من أعماق نوم ثقيل استنزف آخر ذرة من طاقتها. احتاجت إلى لحظات حتى تستوعب المكان، ثم أدركت أنها مستلقية فوق صدر دايمون، محاطة بذراعيه بإحكام، كأنه لم يتركها طوال الليل.وما إن شعر بحركتها حتى نظر إليها، يتأمل وجهها للحظات، يتفحص ملامحها بقلق صامت، قبل أن تهدأ ملامحه وتظهر على شفتيه ابتسامة دافئة.دايمون: «يا صغيرتي... كيف تشعرين الآن؟ هل ما زلتِ تتألمين؟»رفعت لينا رأسها بصعوبة، لكن دوارًا خفيفًا باغتها، فعادت وأسندت خدها إلى صدره.الغريب أنها لم تشعر بالألم هذه المرة.كأن الساعات الطويلة التي قضتها وهي تتلوى من الوجع لم تكن سوى كابوس، انطفأ بمجرد أن غلبها النوم.ومع ذلك، لم يكن جسدها قد استعاد عافيته بعد. كان التعب واضحًا عليها، يثقل أطرافها ويجعلها عاجزة عن التفكير في شيء سوى الراحة.ثم جاء الجوع ليزيد الأمر سوءًا.راقب دايمون وجهها، ثم رفع يده وأزاح خصلات شعرها عن جبينها بحنان، قبل أن يطبع قبلة رقيقة على شفتيها.لينا، بصوت خافت: «أنا جائعة... جدًا.»تبدلت ملامحه فورًا، وكأن اعترافها بالجوع أهم خبر سمعه منذ استيقاظها.دايمون، وهو يقبّل جبهتها:
حلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني.كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع
كان المطر لا يزال يضرب القصر بلا توقف، كأنه قرر أن يمحو كل ما حدث داخله قبل ساعة، أو يزيده وضوحًا بدلًا من دفنه.دايمون كان يمشي في الممر الطويل، خطواته على الرخام كانت ثقيلة، لكنها محسوبة، لا ضياع فيها، كأنه لا يعرف معنى التردد أصلًا.الماء يتساقط من شعره المبلل على كتفيه وصدره، ينزلق ببطء، لكن جس
تجمّد الخوف داخل صدري وأنا أسمع صوته يهبط فوقي كقيدٍ بارد.كان ذلك النوع من الخوف الذي لا يصرخ… بل ينسحب ببطء داخل الأضلاع، يضغط على القلب كيد خفية تعرف تمامًا أين تلمس كي تؤلم أكثر.خارج النوافذ العالية، كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بإيقاع هادئ ومخيف، بينما انعكس ضوء الثريا الذهبية فوق الجدران الد
"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل







