Masukالفصل الرابع
كان قلب روز لا يزال ينبض بعنف. بقيت وحدها في غرفتها لدقائق، تحاول تهدئة نفسها شيئًا فشيئًا، تأخذ نفسًا عميقًا ثم تطلقه ببطء، إلى أن استطاعت أخيرًا أن تستعيد شيئًا من هدوئها. عدّلت فستانها وشعرها، ثم نظرت إلى نفسها في المرآة طويلًا. بعدها خرجت من غرفتها ونزلت إليهم من جديد. وما إن وصلت إلى الصالة حتى اتجهت عيناها مباشرة نحو جسور. كان جالسًا في مكانه. وجهه بارد من جديد. ملامحه جامدة لا تفصح عن أي شيء، وكأن شيئًا لم يحدث بينهما في الأعلى. حدقت فيه روز للحظات. كيف يستطيع العودة إلى بروده بهذه السهولة؟ جلست في مكانها. نظرت لمى بينهما بفضول، ثم سألت: — كيف مضى الوقت؟ هل تكلمتما؟ أجابت روز: — أجل، تكلمنا. ابتسمت سناء وسألت: — وهل أنتما على وفاق الآن؟ قبل أن تجيب روز، قال جسور ببرود تام: — نحن على وفاق تام. التفتت روز إليه. ثم أكمل: — واتفقنا أن نتزوج في غضون يومين. تجمدت روز. اتسعت عيناها وهي تحدق فيه. اتفقنا؟ متى اتفقا؟! كادت تفتح فمها، لكنها لم تتفوه بشيء أمام الجميع. أما رؤوف فعقد حاجبيه فورًا. — هذا متسرع جدًا، لا نستطيع. قال جسور: — بلى، تستطيعون. قال رؤوف: — جسور، الزواج ليس اجتماع شركة تنهي ترتيباته خلال يومين. أجابه جسور بنفس البرود: — سأرسل لكم اليوم مئة عامل. قولوا لهم ماذا تريدون وكيف ستكون التجهيزات. ثم أشار بنظره نحو روز. — أما روز، فيمكنني اصطحابها غدًا لتجربة أي شيء تريده. نظرت إليه روز بصدمة جديدة. لكنه تابع وكأنه يعرض خطة عمل حُسمت جميع تفاصيلها مسبقًا: — أما مهر روز… سكت الجميع. قال: — تسعون مليونًا. ساد الصمت. حتى روز نفسها ظنت للحظة أنها لم تسمع الرقم جيدًا. لكن جسور تابع: — وفيلا في لندن. رفع وليد حاجبيه، بينما بدأت ابتسامة سناء تتسع. — وسأكتب قصري الخاص باسمها أيضًا. هذه المرة التفتت سناء إلى ابنها بصدمة حقيقية. قصره الخاص؟ ذلك القصر تحديدًا لم يكن جسور يسمح لأحد حتى بتغيير قطعة أثاث فيه دون إذنه. لكن جسور أكمل: — وشاليه في دبي. ثم رفع يده يعد بهدوء: — وخمس سيارات: شيفروليه، فيراري، رولز رويس، بوغاتي، وبارشيتا باغاني. كانت روز تنظر إليه وكأنها تحاول معرفة إن كان يمزح. لكنه لم يكن يمزح. أكمل: — ومؤخر روز سيكون مئتي كيلوغرام من الذهب. هذه المرة قال رؤوف فورًا: — جسور! نظر إليه جسور. — ماذا؟ — مئتا كيلوغرام من الذهب؟ — أجل. — وتسعون مليونًا وقصر وفيلا وشاليه وسيارات؟! — أجل. ظل رؤوف يحدق فيه. قال جسور ببساطة: — ابنتك تستحق أكثر، لكن أظن أن هذا مناسب كبداية. التفتت روز إليه بسرعة. أما سناء فضحكت، ووليد هز رأسه وهو ينظر إلى ابنه كأنه يراه للمرة الأولى. قال رؤوف: — نحن لم نطلب منك كل هذا. أجابه جسور: — وأنا لم أقل إنكم طلبتم. ثم أكمل: — أما العرس، فيمكنكم أن تختاروا أي مكان مناسب لكم. لذلك لا توجد أشياء أخرى تعيق الزواج. قالت لمى: — وماذا عن المعازيم؟ يومان لا يكفيان حتى للتواصل مع الجميع. — ستتواصل سكرتيرتي معكم اليوم. أعطوها الأسماء، ويمكنكم دعوة أي شخص تريدونه. كان يتحدث وكأنه أزال آخر مشكلة ممكنة. نظر حوله. — شيء آخر؟ لم يجبه أحد. أما روز فكانت تحدق فيه فقط. قبل دقائق كان في غرفتها رجلًا مختلفًا تمامًا. والآن عاد جسور رافين الذي تعرفه الصحف ورجال الأعمال. هادئ. بارد. يحسم الملايين والجواز والقصور في جمل قصيرة. اقتربت روز قليلًا منه وهمست حتى لا يسمعها الآخرون: — متى اتفقنا على يومين؟ لم ينظر إليها. قال بهدوء: — منذ قليل. — لم نتفق! — لم تعترضي. فتحت فمها بصدمة. — لم تقل لي أصلًا! التفت إليها أخيرًا. — والآن قلت لكِ. حدقت فيه روز بغيظ. أما هو فعاد ينظر إلى رؤوف وكأن النقاش انتهى. قالت روز من بين أسنانها: — أكرهك. وصلت إلى فمه ابتسامة صغيرة جدًا لم يلاحظها سواها. ثم همس دون أن ينظر إليها: — أعرف، عروستي. اشتعل وجهها. وفي الجهة المقابلة، كان رؤوف ولمى يراقبان الاثنين بصمت. يومان فقط. وبعدهما ستخرج روز ڤاليري من منزل والدها… لتصبح روز رافي خرج رؤوف من الصالة، وقبل أن يبتعد كثيرًا التفت وقال: — جسور، تعال. رفع جسور عينيه إليه، ثم نهض وتبعه. ابتعدا عن الصالة حتى أصبح حديثهما بعيدًا عن مسامع الآخرين. استدار رؤوف إليه مباشرة. — جسور، ما بك؟ نحن لم نفسخ الخطبة حتى. قال جسور ببرود: — ذلك المغفل آخر همي. عقد رؤوف حاجبيه. — هل تريد أن تنتقم منه بابنتي؟ نظر إليه جسور بثبات. — لا. لدي أساليب عديدة كي أنتقم. صمت للحظة، ثم أكمل بصراحة: — لكن عندما رأيتها… راقت لي جدًا، لذا لا أريد التلاعب بكم. ظل رؤوف ينظر إليه، يحاول أن يقرأ ملامحه، لكن جسور كان كعادته صعب الفهم. قال رؤوف: — إذًا ماذا سنقول للبشر؟ البارحة كانت مخطوبة من شخص، والآن من شخص آخر؟ قال جسور بلا تردد: — لا نقول شيئًا. ثم أضاف ببرود أشد: — وإن تجرأ أحد وتكلم، سأقطع لسانه. تنهد رؤوف بضيق. — جسور… لكنه كان يعرف جيدًا أن الجدال معه في كلام الناس لن يصل إلى مكان. سأله بعد لحظات: — لماذا يا جسور؟ لماذا بهذه العجلة؟ للمرة الأولى، تغير شيء صغير في ملامح جسور. بقي صامتًا للحظة. ثم قال: — لا يمكنني إخبارك. — ولماذا؟ نظر جسور إلى رؤوف وقال: — لأن هذا شيء لا يتحدث الصهر به مع العم بالعادة. توقف رؤوف. حدق فيه لثوانٍ. ثم بدأت ملامحه تتغير ببطء عندما فهم القليل من تلميحه. — آه… نظر إلى جسور مرة أخرى. أما جسور فبقي بوجهه البارد وكأنه لم يقل شيئًا. مسح رؤوف على وجهه وتنهد. — حسنًا… لا أريد أن أعرف. كادت ابتسامة صغيرة تظهر على وجه جسور. قال رؤوف بجدية: — إن لم تكن روز معترضة، فليس لدي شيء لأقوله. هي ابنتي، وفي النهاية القرار الذي يخص حياتها لها. هز جسور رأسه. وعادا إلى الصالة. ⸻ كانت سناء تتحدث مع لمى، بينما بقيت روز جالسة بصمت. ما إن عاد الرجلان حتى نظرت روز إلى وجه أبيها، تحاول أن تفهم عما تحدثا. جلس رؤوف. أما جسور فعاد إلى مكانه بكل هدوء. تنهدت سناء، ثم نظرت إلى رؤوف ولمى وقالت: — أعتذر نيابة عن ابني. التفت جسور إلى والدته. نظرت إليه سناء نظرة تعرفها جيدًا، ثم تابعت: — أعلم أن الوقت سريع جدًا، وأن هذا طفولي ومتهور. قال جسور: — أمي. رفعت يدها نحوه. — اصمت، أنا أتحدث. توقفت روز للحظة. ثم نظرت إلى جسور. وللمرة الأولى رأت شخصًا يأمره بالصمت بهذه البساطة… والأغرب أنه صمت فعلًا. كادت تبتسم. أكملت سناء: — الزواج بعد يومين فقط ليس أمرًا بسيطًا. هناك عروس، وعائلة، وتجهيزات، وروز من حقها أن تأخذ وقتها. ثم أمسكت يد روز بحنان. — لكن إن كان العروسان موافقين، فليس لدي أي اعتراض. نظرت إلى روز مباشرة. — المهم عندي أنتِ يا ابنتي. إن كنتِ تريدين وقتًا أطول، فقولي ذلك. لا تنظري إلى جسور ولا إلى أبيك ولا إلى أحد. ساد الصمت. شعرت روز بنظرات الجميع عليها. لكنها، دون إرادتها، نظرت إلى جسور. كان يراقبها. هادئًا. باردًا. لا يحاول حتى التأثير عليها بنظرة. قالت سناء: — ماذا تريدين أنتِ؟ ترددت روز. قبل أقل من أربع وعشرين ساعة كانت مخطوبة لريان. وقبل أيام لم تكن تعرف جسور أصلًا. والآن يسألها الجميع إن كانت مستعدة لأن تصبح زوجته بعد يومين. قالت أخيرًا: — إذا كان كل شيء سيجهز… سكتت لحظة. ثم قالت: — فلا مانع لدي. ابتسمت سناء فورًا. أما جسور فلم تتغير ملامحه. لكن روز لاحظت تلك الحركة الصغيرة عند طرف فمه. همست له: — لا تبتسم. قال دون أن ينظر إليها: — لم أبتسم. — رأيتك. — تتوهمين. حدقت فيه بغيظ. أما رؤوف، فحين رأى ابنته تعود لمجادلة جسور بعد ثوانٍ فقط من موافقتها على الزواج منه، تنهد وأرجع ظهره إلى المقعد. يومان. كيف سيمر عليه هذان اليومان مع الاثنين قال جسور وهو ينظر إلى ساعته: — لدي الكثير من العمل الآن. بعد قليل سيأتي العمال، خذوا راحتكم. ثم وقف وعدّل سترته. — هيا أمي، أبي. نهض وليد وسناء. تبادل الجميع الوداع، لكن سناء، قبل أن تخرج، اتجهت إلى روز واحتضنتها بحرارة. — أراك غدًا يا ابنتي. ابتسمت روز بخفة. — أراك غدًا. ثم جاء وليد واحتضنها هو الآخر بحنان. — اعتني بنفسك يا صغيرتي. شعرت روز بذلك الدفء الغريب من جديد. — شكرًا. أما جسور، فاكتفى بنظرة طويلة إليها قبل أن يستدير ويخرج مع والديه. وما إن أُغلق الباب خلفهم حتى التفت رؤوف إلى ابنته. — وماذا نفعل بريان الآن؟ تغير وجه روز قليلًا. ثم قالت ببساطة: — لا شيء. خانني، لذا لا تتكلم معه أبدًا. عقد رؤوف حاجبيه. — ماذا تقصدين؟ نظرت روز إلى أبيها. — عندما عدت وأنا أبكي… كنت قد ذهبت إليه. صمتت للحظة قبل أن تكمل: — كانت توجد امرأة أخرى على سريرنا. تجمد رؤوف. — ماذا؟! — سمعت كل شيء بنفسي. احمر وجه رؤوف من شدة الغضب. — ذلك الحقير! نهض من مكانه وبدأ يشتم ريان بغضب. — أقسم إن رأيته أمامي سأ— قاطعته روز بهدوء: — لماذا، أبي؟ نظر إليها. — ماذا تعنين لماذا؟! — أنا سأتزوج الآن. توقفت لحظة، ثم قالت: — وهذا من الماضي. ظل رؤوف ينظر إلى ابنته. كان واضحًا أن الأمر يؤلمها، حتى لو حاولت إخفاءه. اقترب منها وقبّل رأسها. — حسنًا، ابنتي. ⸻ صعدت روز إلى غرفتها. أغلقت الباب، ثم ركضت نحو سريرها وقفزت عليه. احتضنت إحدى وسائدها الكبيرة، وظلت تحدق في السقف. كان من المفترض أن تفكر في ريان. في خيانته. في المرأة الأخرى. لكن عقلها، وبصورة أزعجتها… ذهب إلى جسور. تذكرت دخوله إلى منزلهم. بروده. وقاحته. ثم جلوسه في غرفتها. كلامه لها. نظراته. واللحظات التي جعلت قلبها يخفق بعنف رغم محاولتها إنكار ذلك. دفنت وجهها في الوسادة. — يا إلهي… بعد يومين فقط ستتزوجه. ستتزوج جسور رافين. بدأ عقلها يرسم صورًا لم تطلبها. فستان الزفاف. القاعة. دخولها إليه. الخاتم. كيف سينظر إليها عندما يراها عروسًا؟ ثم تذكرت أنه قال أمام الجميع وكأنه يعلن موعد اجتماع: «سنتزوج في غضون يومين.» رفعت رأسها عن الوسادة وقالت بانزعاج: — مغرور. وبعد ثانيتين عادت ابتسامتها دون إرادتها. قلبها لم يهدأ طوال الليل. ⸻ وبالفعل، لم تمضِ مدة طويلة حتى بدأ العمال يصلون. عشرات السيارات دخلت إلى منزل آل ڤاليري. منظمون. مصممو ديكور. فرق زهور وإضاءة. مختصون بالطاولات والضيافة. وأشخاص مسؤولون فقط عن التنسيق بين العائلتين. تحول المنزل خلال ساعات إلى خلية عمل كاملة. وبعد مناقشات طويلة، قررت العائلتان إقامة الزفاف في واحدة من أفخم الصالات في المدينة. قاعة ضخمة تتسع لما يقارب ألفي شخص. لكن رؤوف ولمى لم يرغبا بزفاف مكتظ. قرر آل ڤاليري دعوة نحو أربعمئة شخص فقط من العائلة والأصدقاء والمعارف المقربين. أما عائلة رافين، فكانت قائمة معارفها وحدها قصة أخرى. قرر وليد وسناء دعوة قرابة ستمئة وخمسين شخصًا. أصدقاء العائلة. رجال وسيدات أعمال. شخصيات مرموقة. نبلاء. وأشخاص تربطهم بعائلة رافين علاقات تمتد لعقود. ورغم ضخامة العدد، ظل جسور بعيدًا عن كل ذلك. ترك لهم كل شيء تقريبًا. كان لديه شرط واحد فقط: روز تختار ما تريده. ⸻ في اليوم التالي… لم تنم روز إلا ساعات قليلة. أمضت معظم الليل تفكر. مرة بالزفاف. مرة بجسور. مرة بحياتها بعد يومين. ومرة تتساءل إن كانت قد فقدت عقلها فعلًا عندما وافقت بهذه السرعة. وفي الصباح، كانت لا تزال مستلقية في سريرها، متعبة جدًا من التفكير، عندما سمعت طرقًا على باب غرفتها. — روز، استيقظي. كان صوت لمى. تمتمت روز وهي تدفن وجهها في الوسادة: — لا أريد… فتحت لمى الباب. — انهضي، جسور هنا. فتحت روز عينيها فورًا. رفعت رأسها. — ماذا؟ ابتسمت لمى. — جاء ليصطحبك. نظرت روز إلى الساعة. ثم شهقت. — الآن؟! — منذ عشر دقائق. قفزت من السرير. — ولماذا لم توقظيني؟! ضحكت لمى. — أحاول منذ نصف ساعة. وقفت روز أمام المرآة. شعرها في كل اتجاه، وعيناها متعبتان من السهر. — يا إلهي… وفي الأسفل… كان جسور قد وصل باكرًا. جلس في الصالة ينتظرها، يرتدي ملابس بسيطة على غير عادته، وهاتفه في يده. مرّت خمس دقائق. ثم عشر. ثم خمس عشرة. رفع عينيه نحو الدرج. لا روز. قال رؤوف وهو يشرب قهوته: — يبدو أنك ستتعلم أول درس في الزواج مبكرًا. رفع جسور حاجبه. — ما هو؟ ابتسم رؤوف. — انتظار روز ابتسم جسور ابتسامة خفيفة وهو لا يزال جالسًا، ثم سمع خطواتها على الدرج. رفع عينيه. كانت روز تنزل. ارتدت فستانًا أبيض جميلًا وناعمًا، ينسدل برقة على جسدها الصغير. وضعت مكياجًا خفيفًا جدًا، وتركت شعرها الطويل منسدلًا على كتفيها، بينما زينت شفتيها حمرة حمراء جعلت ملامحها أكثر جاذبية. بقي جسور ينظر إليها لثوانٍ. لاحظت روز نظرته، لكنها تظاهرت بأنها لم ترها. وصلت إلى آخر الدرج. قال جسور: — وأخيرًا… هيا إلى السيارة. عقدت روز حاجبيها. — قل صباح الخير في الأول. قال جسور بلا نقاش: — صباح الخير. هيا إلى السيارة. ثم اتجه نحو الخارج. فتحت روز فمها بغيظ. — مستفز. سمعها، لكنه لم يلتفت. خرجت خلفه وودعت والديها، ثم اتجهت إلى السيارة. فتح لها جسور الباب، فركبت، ثم دار إلى الجهة الأخرى وجلس خلف المقود. وما إن أُغلق الباب… حتى التفت إليها. لم يمنحها فرصة للسؤال. أمسك عنقها برفق، وجذبها نحوه، ثم قبّل شفتيها بحرارة. اتسعت عينا روز للحظة. لكنها لم تبعده. بل أغمضت عينيها، ووجدت نفسها تبادله القبلة. امتدت القبلة طويلًا… ثانية بعد ثانية، حتى بدا أن العالم خارج السيارة اختفى تمامًا. لا تجهيزات. لا زفاف غدًا. لا ريان. لا عائلتان تنتظران. فقط جسور وروز. وكأن كليهما يذوب في شفتي الآخر. مرت قرابة دقيقتين قبل أن يبتعد جسور أخيرًا. بقي قريبًا جدًا منها، وأنفاسهما متداخلة. فتحت روز عينيها ببطء. نظر جسور إلى شفتيها، وقد انتقلت بعض حمرتها إلى شفتيه. مررت روز إبهامها عليهما بلا تفكير محاولة مسحها. توقفت يدها فجأة عندما أدركت ما تفعله. أما جسور فنظر إلى إصبعها ثم إليها. قالت مرتبكة: — الحمرة فقط… قال بهدوء: — أعلم. سحبت يدها بسرعة. ثم عقدت حاجبيها عندما رأته يبتسم. — لماذا تبتسم؟ — لا شيء. — جسور. شغّل السيارة. — اربطي الحزام. ظلت تحدق فيه. — أنت قبّلتني فجأة! — وأنتِ بادلتني القبلة. سكتت روز. ثم قالت: — لم أبادلك. التفت إليها جسور. — روز. — ماذا؟ — دقيقتان. احمر وجهها. — أقفل فمك وقد السيارة. ضحك بخفوت، وانطلق بالسيارة. أما روز فأدارت وجهها نحو النافذة محاولة إخفاء ابتسامتها. وبعد لحظات لم تستطع منع نفسها من النظر إليه من طرف عينها. كان يقود بهدوء، ووجهه عاد باردًا كعادته. لكن آثار حمرتها بقيت قليلًا على شفتيه. وحين رأتها… خفق قلبها من جديد اما رؤوف، فكان قد رأى المشهد كله من نافذة الصالة الكبيرة. رأى جسور يميل نحو ابنته فور ركوبها السيارة، ورأى روز لا تبتعد عنه. بقي واقفًا أمام النافذة مندهشًا. كل شيء يحدث بسرعة جنونية. قبل يومين فقط كانت ابنته مخطوبة لريان، وقبل يوم واحد كانت تصرخ بأنها تكره جسور وترفض الزواج منه، والآن… كانت تتقبله بهذه السرعة. ورغم دهشته، شعر رؤوف بالسعادة. لم يكن يهمه كم احتاجت ابنته من الوقت، بقدر ما كان يهمه ألا تدخل زواجًا تكرهه. ابتسم لنفسه عندما انطلقت السيارة. على الأقل… روز لم تكن مجبرة. ⸻ وصل جسور وروز إلى أحد أحياء الأثرياء في المدينة. توقفت السيارة أمام متجر زفاف فاخر، بواجهة زجاجية ضخمة وتصاميم لا تعرض إلا قطعًا محدودة وخاصة. نزل جسور أولًا، ثم دار حول السيارة وفتح باب روز. مد يده إليها. — هيا، يمكنك أن تجربي أي فستان زفاف تريدينه. وضعت روز يدها في يده ونزلت. — حسنًا. دخلا. وبمجرد معرفة العاملات باسم العروس، بدأت الفساتين تصل إليها واحدًا تلو الآخر. دخلت روز غرفة القياس. ارتدت الأول. خرجت ووقفت أمام جسور. رفع عينيه عن هاتفه. — جميل. عقدت حاجبيها. عادت. ارتدت الثاني. خرجت. نظر إليها. — جميل. الثالث. — جميل. الرابع. — جميل. الخامس. — جميل. وضعت روز يديها على خصرها. — جسور! رفع عينيه إليها. — ماذا؟ — هل تنظر أصلًا؟ — أجل. — منذ نصف ساعة وأنا أرتدي فساتين مختلفة وأنت تقول لكل واحد «جميل»! قال ببرود: — لأنها جميلة. — أي واحد أعجبك أكثر؟ فكر ثانيتين. — كلها. شهقت روز بغيظ. — يا إلهي! أنت أسوأ شخص يمكن اصطحابه لاختيار فستان زفاف! عادت إلى غرفة القياس وهي تتمتم، بينما ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه جسور. بعد دقائق، اختارت فستانًا مختلفًا تمامًا. فستان زفاف بقصة حورية البحر، ضيق قليلًا، ينساب بانسيابية قبل أن يتسع عند الأسفل، مكشوف الصدر قليلًا، وبتصميم Off-Shoulders أنيق كشف كتفيها برقة. رفعت شعرها هذه المرة إلى الأعلى. نظرت إلى نفسها في المرآة. ترددت. ثم فتحت الستارة. خرجت. كان جسور ينظر إلى هاتفه. رفع عينيه… وتوقف. لأول مرة منذ دخولهما المتجر، لم يقل «جميل» مباشرة. أنزل هاتفه. وبقي يتأملها. لاحظت روز ذلك فورًا. خطت نحو المرآة الكبيرة، ثم استدارت أمامه ببطء. خرجت من جسور أخيرًا: — واااااو. التفتت روز إليه. كان ينظر إليها بإعجاب واضح هذه المرة. قال: — مذهل. نهض من مكانه. — تبدين كملاك… لا كعروس. اتسعت ابتسامة روز رغمًا عنها. نظرت إلى نفسها في المرآة، ثم إليه من خلالها. — حقًا؟ أيعجبك؟ اقترب جسور بضع خطوات. ولم يعد في صوته ذلك البرود الذي رافق الفساتين السابقة. — منظر خلاااااب. ضحكت روز من طريقته. لكنه أكمل وهو يتأملها: — جميل بشكل لا تصدقينه… يا إلهي. احمرت وجنتاها. — لهذه الدرجة؟ — أجل. استدارت أمام المرآة مرة أخرى، وراحت تنظر إلى الفستان من جميع الجهات. أما جسور فلم يعد ينظر إلى الفستان وحده. كان يتخيلها غدًا… تمشي نحوه به. عروسه. لاحظت روز صمته، فنظرت إليه من خلال المرآة. — ماذا؟ أجاب فورًا: — هذا. — ماذا هذا؟ — الفستان. أشار إليه. — انتهينا. ضحكت روز. — أنا من ستختار! — اختاريه. — وإذا أردت تجربة غيره؟ — جربي. رفع هاتفه مجددًا، ثم أضاف ببرود عائد: — وسأقول لكِ إنه جميل. فتحت روز فمها بغيظ. فضحكت إحدى العاملات دون أن تستطيع منع نفسها. التفتت روز إليها: — أرأيتِ؟ منذ دخلنا وهو يقول «جميل» لكل شيء! أما جسور فأعاد نظره إليها من رأسها حتى الفستان وقال: — لكن هذا… توقف قليلًا. — هذا أنتِ جميلة فيه، وليس الفستان. اختفت كلمات الاعتراض من فم روز. وبقيت تنظر إليه فقط. ثم أدارت وجهها نحو المرآة بسرعة حتى لا يلاحظ ابتسامتها. اختارت روز في النهاية الفستان الذي اختاره جسور. أما الحذاء، فلم يحتج منها إلى الكثير من التفكير؛ فقد كان مصمم الفستان قد صمم حذاءً خصيصًا له، متناسقًا معه تمامًا. وبعد أن انتهيا من كل شيء، ركبا السيارة من جديد. ظنت روز أنه سيتجه بها إلى متجر آخر، لكنه غير الطريق. نظرت من النافذة، ثم إليه. — إلى أين؟ — سنأكل. وبعد دقائق، دخل بسيارته إلى مطعم درايف ثرو. التفت إليها. — ماذا تريدين أن تأكلي؟ فكرت روز قليلًا. — كوكيز وكابتشينو. انتظر جسور. لم تقل شيئًا آخر. عقد حاجبه. — فقط هذا؟ — أجل، شكرًا لك. نظر إليها للحظة، ثم طلب لها الكوكيز والكابتشينو، وأخذ لنفسه قهوة سادة فقط. بعد أن استلم الطلب، قاد قليلًا ثم توقف على اليمين في مكان هادئ حتى يشرب قهوته وتتمكن روز من الأكل براحتها. وضعت روز الكوب في الحامل، وفتحت علبة الكوكيز. أما جسور فأخذ رشفة من قهوته، ثم نظر إليها. ساد بينهما صمت مريح للحظات. كسر جسور الصمت: — أخبرتِ أمي أنك تعزفين على البيانو والكمان. أخذت روز قطعة صغيرة من الكوكيز. — أجل. — منذ متى؟ — البيانو منذ كنت صغيرة جدًا، والكمان تعلمته بعده بسنوات. — أيهما تحبين أكثر؟ فكرت. — البيانو عندما أكون حزينة… والكمان عندما أكون سعيدة. نظر إليها جسور للحظة. — غريب. — لماذا؟ — توقعت العكس. — لماذا؟ رفع كتفيه. — الكمان يبدو حزينًا. ابتسمت روز. — ليس دائمًا. يعتمد على من يعزف. هز رأسه قليلًا، ثم شرب من قهوته. قالت روز: — وأنت؟ — ماذا؟ — ماذا تحب أن تفعل؟ — أعمل. حدقت فيه. انتظرت أن يكمل. لم يفعل. — فقط؟ — تقريبًا. — ليس لديك هوايات؟ — لدي. — ماذا؟ — ركوب الخيل. ابتسمت روز. — حقًا؟ — أجل. — لديك خيول؟ — سبعة. فتحت عينيها. — سبعة؟! — أجل. — لماذا تحتاج إلى سبعة خيول؟ نظر إليها ببرود. — ولماذا تحتاجين إلى كل الدببة الموجودة في غرفتك؟ توقفت روز والكوكيز أمام فمها. — لا علاقة! — العلاقة واضحة جدًا. — الدببة لطيفة. — والخيول لطيفة. ضحكت روز رغمًا عنها. بقي جسور ينظر إليها لثانية. لاحظت نظرته. — ماذا؟ — لا شيء. أخذت قضمة أخرى. ثم جاء دورها في الأسئلة. — كم عمرك؟ — اثنان وثلاثون. — أعرف. عقد حاجبه. — إذًا لماذا تسألين؟ — أردت التأكد. — من ماذا؟ قالت ببراءة متعمدة: — أنك عجوز فعلًا. نظر إليها جسور بوجه جامد. حاولت روز ألا تضحك. — ماذا؟ — لا شيء. — غضبت؟ — لا. — عجوز عصبي أيضًا. ظهرت ابتسامة خفيفة على طرف فمه. — استمري. ضحكت. ثم سألت: — هل أحببت امرأة من قبل؟ توقفت يده التي تحمل القهوة للحظة. نظر إليها. — لا. رفعت حاجبيها. — أبدًا؟ — أبدًا. — ولا حتى عندما كنت أصغر؟ — لا. — ولا كانت لديك حبيبة؟ قال بهدوء: — كانت لدي علاقات، لكنني لم أحب واحدة منهن. تغيرت ملامح روز قليلًا. لاحظ جسور ذلك. — ماذا؟ — لا شيء. — اسألي. ترددت، ثم قالت: — كم واحدة؟ رفع حاجبه. — هل هذا تحقيق؟ — نحن من المفترض أن نتزوج غدًا، ومن حقي أن أعرف. — كثيرات. توقفت روز عن المضغ. — كثيرات؟! — سألتِ وأجبت. أغلقت علبة الكوكيز قليلًا بعصبية. — مقرف. ضحك جسور. — ماذا توقعتِ؟ أنني في الثانية والثلاثين ولم أعرف امرأة؟ — لا يهمني. — واضح. أخذت الكابتشينو وشربت منه وهي تنظر من النافذة. سألها جسور: — وأنتِ؟ التفتت إليه. — ماذا أنا؟ — هل أحببتِ رجلًا؟ — لا. — ريان؟ هزت رأسها. — لم أحبه. — وكنتِ ستتزوجينه. — أعرفه منذ طفولتي. كنت أثق به، وكنت أعتقد أن الحب قد يأتي بعد الزواج. سكت جسور. خفضت روز عينيها إلى الكوب. — كنت أظن أنني أعرفه جيدًا. اختفت ابتسامته تمامًا. لكنه لم يعلق على ريان. سألها بدلًا من ذلك: — وماذا تريدين من الزواج؟ فاجأها السؤال. فكرت قليلًا. — الأمان. نظر إليها. أكملت: — لا أقصد المال. لدي مال أصلًا. ابتسم جسور بخفة. — أعلم. — أقصد أن أكون مرتاحة. ألا أخاف من الشخص الذي أعيش معه، وألا أضطر طوال الوقت للتفكير إن كان يكذب عليّ أو يخونني أو يمل مني. أخذت نفسًا صغيرًا. — أريد منزلًا هادئًا. وأطفالًا في المستقبل… وأريد أن أكمل مشروعي وأعيش حياتي، لا أن أصبح فقط زوجة شخص غني. ظل جسور يستمع دون مقاطعتها. ثم سألته: — وأنت؟ ماذا تريد من زوجتك؟ أجاب مباشرة: — الصدق. انتظرت. — فقط؟ — والوفاء. ثم أخذ رشفة من قهوته. — وأن يكون منزلي المكان الوحيد الذي لا أحتاج فيه إلى التفكير. نظرت إليه روز باهتمام. أكمل: — أتعامل طوال اليوم مع أشخاص يريدون مني شيئًا. مالًا، عملًا، نفوذًا، صفقة، خدمة. لا أريد العودة إلى منزلي لأعيش الشيء نفسه. هدأت ملامح روز. كانت هذه أول مرة تشعر أنها لا تتحدث مع جسور رافين الذي يعرفه الجميع. بل مع الرجل نفسه. قالت: — إذًا تريد الهدوء. — جدًا. ابتسمت. — اخترت المرأة الخطأ. نظر إليها. — لماذا؟ رفعت قطعة الكوكيز. — أنا كثيرة الكلام. قال ببرود: — لاحظت. ضربت ذراعه بخفة. ضحك. ثم مدت علبة الكوكيز نحوه. — تريد؟ — لا. — جربها. — لا أحب الحلو. عقدت حاجبيها وكأنها سمعت كارثة. — لا تحب الحلو؟ — لا. — ولا الكاتو؟ — لا. أنزلت روز العلبة ببطء. — لن ينجح هذا الزواج. التفت جسور إليها. — بسبب الكاتو؟ قالت بجدية مصطنعة: — هذه مشكلة جوهرية. بقي ينظر إليها للحظات. ثم مد يده. — أعطني. اتسعت ابتسامتها. أعطته قطعة صغيرة. أخذ منها قضمة، مضغها، ثم قال بوجه بارد: — سيئة. شهقت روز. — كاذب! — كثيرة السكر. — أعطني إياها إذًا! أبعد يده عنها. — أصبحت لي. — قلت إنها سيئة! — لا يعني أنني سأعيدها. حاولت أخذها من يده، فرفعها عاليًا بعيدًا عنها مستفيدًا من فارق الطول بينهما. — جسور! ضحك للمرة الأولى أمامها بصوت واضح. . رفعت روز نفسها عن المقعد محاولة الوصول إلى قطعة الكوكيز التي رفعها بعيدًا عنها. — أعطني إياها! لكن السيارة لم تكن المكان الأنسب لحركتها السريعة؛ اختل توازنها فجأة وسقطت مباشرة في حضن جسور. تجمدت. وتوقفت ضحكته للحظة. وجدت نفسها قريبة منه أكثر مما كانت تقصد، فرفعت عينيها إليه بسرعة وقالت بارتباك: — أنا آسفة… لم أكن متعمدة. وقبل أن تتحرك، شد جسور ذراعيه حولها ومنعها من النهوض. — جسور… أخذ قطعة الكوكيز، ومررها بخفة على شفتيها، ثم أطعمها إياها. أخذت روز القطعة وهي تحدق فيه. قال جسور بهدوء: — مذاق جسدك كان يشبه مذاق هذه القطعة. احمر وجهها فورًا. — قلت إنها سيئة. — أجل، ليس لديها طعم غير السكر. اقترب قليلًا منها وأضاف بصوت أخفض: — لكن جسدك كان طعمه حلوًا… وطعمه ورائحته كالياسمين. ارتجف جسد روز قليلًا. اختفت السخرية من ملامح جسور عندما لاحظ ذلك. رفع يده ومرر أصابعه برفق على وجهها، ثم أبعد خصلة شعر سقطت قرب عينيها. ظل يتأملها لثوانٍ قبل أن يقول: — بما أنك ستصبحين زوجتي، أريدك أن تنامي في فراشي كل يوم، إن كنتِ حزينة أو سعيدة. بقيت روز صامتة تستمع إليه. أكمل: — وإن أتى يوم وأنتِ لا تريدين النوم بجانبي… فسأنام أنا في مكان آخر. رمشت روز بدهشة بسيطة. لم تتوقع منه هذه الجملة. قال: — حسنًا؟ أجابت بهدوء: — حسنًا. مرر إبهامه على خدها. — وإن أردتِ مني شيئًا، أخبريني به بصراحة. لا تترددي ولا تخافي مني. ثم نظر مباشرة إلى عينيها. — أنا لست ذلك الشيطان الذي يتحدث عنه الجميع. ظلت روز تنظر إليه قليلًا. ثم قالت: — سمعت أنك أنهيت مسيرة العديد من النساء لرفضهن إياك. توقف جسور. ثم انفجر ضاحكًا. عقدت روز حاجبيها. — لماذا تضحك؟ أنا جادة! هدأت ضحكته شيئًا فشيئًا. — من أخبرك بهذه السخافة؟ — سمعت. هز رأسه. — لم أقترب من امرأة لا تريدني قط. تغيرت نبرته وأصبحت أكثر جدية. — ولم أقترب مرات حتى ممن كنت أريدها. سألته روز: — لماذا؟ استند جسور إلى المقعد، ولا يزال يحتفظ بها في حضنه. — لأنني لا أحتاج إلى إجبار امرأة على الاقتراب مني. سكت لحظة ثم تابع: — النساء يتربصن بي، ويقتربن مني، ويتقربن إليّ أحيانًا بطرق مقززة. وعندما أسأم من إحداهن، أطردها من حياتي. حدقت روز فيه. — متواضع جدًا. — أنا لا أتفاخر. أنتِ سألتِ. — قلت إن النساء يتربصن بك! — لأنها الحقيقة. لفت روز عينيها. — مغرور. قال جسور: — واقعي. — مغرور. — كما تريدين. حاولت روز النهوض من حضنه. تركها هذه المرة دون اعتراض، فعادت إلى مقعدها وعدلت فستانها. لكن سؤالًا بقي في رأسها. التفتت إليه. — وإذا رفضتك أنا؟ نظر جسور إليها. كانت تنتظر جوابه بجدية هذه المرة. قال: — في ماذا؟ — أي شيء. سكتت قليلًا ثم أوضحت: — إذا تزوجنا، وفي يوم من الأيام لم أرد منك أن تلمسني… ماذا ستفعل؟ اختفت ابتسامته تمامًا. — لن ألمسك. بدت روز كأنها لم تتوقع أن يأتي الجواب بهذه السرعة. — بهذه البساطة؟ — بهذه البساطة. — حتى لو غضبت؟ — حتى لو غضبت. — وحتى لو— قاطعها بهدوء: — روز، إذا قلتِ لا، فهي لا. سكتت. ثم أضاف: — قد أكون قاسيًا، وقحًا، ومغرورًا كما تقولين… لكنني لن أجعلك تخافين مني وأنتِ زوجتي. بقيت روز تحدق فيه طويلًا. للمرة الأولى، بدأت بعض القصص التي سمعتها طوال السنوات عن جسور رافين تبدو لها مختلفة عن الرجل الجالس أمامها. ثم مدت يدها فجأة. — أعطني بقية الكوكيز. نظر جسور إلى القطعة التي ما زالت في يده. — لا. — جسور! رفعها بعيدًا عنها مجددًا. — قلتِ إنها لي. — أنت قلت إنها سيئة! — غيرت رأيي. ضيقت عينيها. — أعطني إياها قبل أن أسقط عليك مرة ثانية. نظر إليها جسور لثانيتين. ثم ابتسم ببطء. — هذا تهديد أم وعد؟ تجمدت روز. ثم ضربت ذراعه. — يا مقرف!لم يستطع جسور كبح اندفاعه، فرفع يده وصفع روز بخفة على وجنتها، ثم امتدت يده إلى صدرها وضربه بخفة أيضًا. تجمدت روز للحظة ونظرت إليه بدهشة، بينما راقب جسور تعبيرها فورًا ليتأكد من أنها بخير.تجمدت روز للحظة ونظرت إلى جسور بدهشة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة وقالت بصوت خافت:— أحببت هذا.رفع جسور حاجبه، وكأن إجابتها فاجأته فعلًا.— حقًا؟اقتربت روز منه أكثر، وما زالت ابتسامتها المشاكسة على وجهها.— أجل… أحببته.ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم قال بنبرته الجافة المعتادة:— يبدو أنني أكتشف أشياء جديدة عن زوجتي كل يومضحك جسور بخفوت، وعضّ شفته وهو ينظر إليها بتلك النظرة التي جعلتها تعرف أنه أخذ اعترافها كتحدٍّ.— حقًا؟ إذًا انظري ماذا سأفعل بكِ.اقترب منها أكثر، واستمرت بينهما لحظات حميمة أكثر حدة واندفاعًا. كان جسور يصفعها بخفة بين حين وآخر ضمن لعبتهما، بينما تشبثت روز به، تتنهد وتنادي اسمه بحرارة:— جسور…نظر إليها مترقبًا رد فعلها، فأجابته دون تردد وهي تقربه منها:— أجل، حبيبي…ابتسم جسور عند سماعها، وعاد يقبلها بشغف، فيما اختفى ما حولهما تمامًا وسط اندفاعهما وقربهما من بعضهمااشتد اندفاع
ما إن أغلق جسور باب الحمام خلفه، حتى بقيت روز تحدق في الباب لثوانٍ. ثم ظهرت على شفتيها ابتسامة ماكرة. — حسنًا يا جسور… تريد الهرب من سؤالي؟ سنرى. اتجهت مباشرة إلى غرفة الملابس، وبدأت تبحث بين أغراضها عن أجمل ما لديها. لم تكن تريد شيئًا عاديًا هذه المرة؛ أرادت إطلالة تجعل تجاهله لها مستحيلًا. اختارت طقمًا داخليًا أسود من الدانتيل الشبكي الرقيق، بتفاصيل أنيقة تكشف خطوط جسدها من خلال النسيج الشفاف من دون أن يكون التصميم مبتذلًا. كان الجزء العلوي ضيقًا ومحددًا للجسم، بحمالات رفيعة، بينما جاء الجزء السفلي بنفس الدانتيل الأسود مع تفاصيل صغيرة ناعمة عند الخصر. وقفت أمام المرآة تتأمل نفسها، ثم هزت رأسها. — لا… ينقص شيء. فتحت خزانة الأحذية وأخرجت كعبًا أحمر لامعًا مرتفعًا، ارتدته، فعطاها وقفة أكثر ثقة وجرأة. ثم جلست أمام المرآة. تركت شعرها منسدلًا بحرية فوق كتفيها، رتبت خصلاته بأصابعها حتى بدا طبيعيًا وكأنها لم تبذل أي مجهود، ثم وضعت القليل من العطر عند عنقها ومعصميها. وأخيرًا أمسكت أحمر شفاه بلون أحمر عميق. مررته ببطء على شفتيها، ثم ضغطت شفتيها معًا ونظرت إلى انعكاسها. ابتسمت. —
ظلت روز ممسكة بيده، ثم مالت قليلًا نحوه وقالت بدلال: — حبيبي… لماذا لا تجعلها تعمل في أي شركة أخرى؟ عرف جسور فورًا عمن تتحدث. — صغيرتي، إنها تغيرت. رفعت روز حاجبيها بعدم اقتناع. — تغيرت؟ — أجل. لم تفعل شيئًا منذ أن ضربتها. ضحكت روز فجأة وهي تتذكر ذلك اليوم. — ههههههه! أرأيت وجهها؟ المسكينة كانت خائفة جدًا. نظر إليها جسور للحظات، ثم انفجر ضاحكًا. — خائفة؟ لم تكن خائفة يا صغيرتي… كانت مرعوبة من قزم صغير يهددها! اختفت ضحكة روز فورًا. — قزم؟! نظر إليها جسور، وعرف مباشرة أنه أخطأ. — روز… سحبت يدها من يده. — أنا قزم؟ — لم أقل إنك قزم. — قلت: «قزم صغير»! — كنت أصف المشهد فقط. — وما الفرق؟! حاول جسور كتم ضحكته. لاحظت روز ذلك، فضربت ذراعه. — لا تضحك! — أنا لا أضحك. — بل تضحك! — صغيرتي، أنتِ بالكاد تصلين إلى— — لا تكمل! ضحك جسور هذه المرة بصوت واضح. عقدت روز ذراعيها أمام صدرها وأدارت وجهها نحو النافذة. — حسنًا. اذهب إلى فيكتوريا الطويلة إذًا. توقفت ضحكته. — ما علاقة فيكتوريا الآن؟ — طويلة، أليس كذلك؟ — روز… التفتت إليه. — وأنا قزم. اذهب إليها. — يا إلهي. —
في الآونة الأخيرة، أصبح عجز جسور عن النوم أمرًا يتكرر كثيرًا.وهذه الليلة لم تكن مختلفة.بقي مستلقيًا ساعات طويلة، وروز نائمة إلى جواره، بينما عيناه معلقتان بالسقف وعقله يرفض أن يهدأ.راجع كل شيء بتأنٍّ…تفصيلًا وراء تفصيل.كلام روز وهي ثملة.ذهابه إلى ريان.إجابة ريان الغريبة.بكاء روز.قسمها له.ليلة زفافهما حين اتهمها ولم يصدقها، ثم اكتشف لاحقًا أنه ظلمها.اعترافها بحبها له.حتى الطريقة التي تشبثت بها طوال الليل، وكأنها تخشى أن تستيقظ فلا تجده بجانبها.كلما وصل إلى نتيجة، ظهر سؤال جديد.وعندما بدأ ضوء الصباح يتسلل إلى الغرفة، كان جسور ما يزال مستيقظًا.نهض بهدوء، ارتدى ملابسه ووقف أمام المرآة يرتب ساعته.تحركت روز في السرير، ثم فتحت عينيها.حدقت فيه بنعاس.— جسور… إلى أين ذاهب؟— إلى العمل.اعتدلت بسرعة.— لكننا سنذهب إلى ريا…التفت إليها فورًا.— لا تنطقي اسمه مرة أخرى.رمشت روز.— ماذا؟— سميه اسمًا آخر.جلست ولفت الغطاء حول جسدها، تحاول إخفاء ابتسامتها.— أنس؟— لا.— فؤاد؟— لا.— جان؟— لا.ضحكت روز.— ماذا إذًا؟ اختر أنت!أغلق جسور أزرار قميصه بعصبية.— مرحاض، شوكة، ملعقة، شر
تراجعت روز عن الباب خطوة، ثم أخرى. بدأت الذكريات تعود إليها على شكل ومضات متقطعة ومشوشة. ضحكتها وهي ثملة. وجه جسور الغاضب. سؤالها له عن فيكتوريا. ثم صوته عندما سألها أين كانت. وهي تقول بلا وعي: «كنت عند ريان أيضًا.» وضعت يديها على رأسها. — لا… لا، لا، لا… ثم عادت العبارة الأخرى إلى ذاكرتها. «قبّلني بحرارة.» شهقت ووضعت يدها على فمها. — يا إلهي… أنا قلت هذا؟ أغمضت عينيها بقوة تحاول تذكر المزيد. لم تذهب إلى ريان. لم تره أصلًا. كانت غاضبة وثملة، وأرادت أن تؤلمه فقط بعدما أخبرها بأنه كان مع فيكتوريا. لكن… كيف عرف جسور؟ رفعت رأسها فجأة ونظرت إلى باب غرفة الضيوف. ثم بدأت تطرق عليه. — جسور! لا جواب. — جسور، افتح الباب! ظل صامتًا. — تذكرت! في الداخل، فتح جسور عينيه. كان واقفًا أمام النافذة، والمنشفة حول خصره، وقطرات الماء ما تزال تنزل من شعره. سمعها تقول: — تذكرت ما قلته عن ريان! تحرك فكه بعصبية، لكنه لم يفتح. طرقت روز مجددًا. — افتح الباب، أرجوك. هناك سوء فهم! ضحك جسور بمرارة من الداخل. ثم قال بصوت مرتفع: — نامي يا روز. — لن أنام! افتح الباب! — لا أريد سم
أخذ جسور الهاتف من يد وائل، وبدأ يقلب الصور واحدة تلو الأخرى. الصورة الأولى… روز ووائل طفلان، يجلسان على الأرض ووجهاهما ملطخان بالشوكولاتة ويضحكان للكاميرا. الثانية… يركضان في حديقة، ووائل يمسك بيدها وهي تحاول اللحاق به. الثالثة… يجلسان إلى طاولة صغيرة يأكلان المثلجات، وروز تضحك بفم ممتلئ بينما يشير وائل إليها ساخرًا. ثم صورة أخرى. وأخرى. كبر الاثنان قليلًا في الصور. روز في الثانية عشرة تقريبًا، ووائل يقف بجانبها وهما يرفعان كأسين من العصير. صورة في رحلة عائلية. صورة أمام البحر. صورة وهما يلعبان بالماء. صورة يجلسان فيها على الأرض يضحكان حتى إن روز كانت تمسك بطنها. ظل جسور يقلب الصور بصمت. واحدة تلو الأخرى. معًا. دائمًا معًا. يضحكان. يأكلان. يلعبان. يتشاجران في بعضها. وفي أخرى يبتسمان للكاميرا وكأن العالم كله كان بسيطًا جدًا في ذلك الوقت. قال وائل ضاحكًا: — انظر إلى هذه! ظهرت روز صغيرة، نائمة على الأريكة، بينما رسم وائل بقلم قابل للمسح شاربًا فوق وجهها. شهقت روز. — أيها الحقير! ما زلت تحتفظ بها؟! انفجر وائل ضاحكًا. — هذه لن أح







