LOGINالفصل الثالث
دخلت عائلة رافين إلى الفيلا، وتبادل الجميع التحية. كانت الأجواء أكثر هدوءًا مما توقعه رؤوف، وربما كان السبب وجود وليد رافين. فرغم العداوة القديمة بين العائلتين، كان رؤوف يحب وليد نوعًا ما ويحترمه كثيرًا. كان وليد رجلًا نزيهًا، لطيفًا، كبيرًا في السن، ولم تغيره ثروته الهائلة ولا اسم عائلته. كان معروفًا بمساعدة الجميع. ينفق أموالًا هائلة على علاج المرضى، ويتكفل بالأيتام، ويدعم عائلات كاملة دون أن يسمح في كثير من الأحيان حتى بذكر اسمه. ولهذا كان من الصعب أن تجد شخصًا يكره وليد رافين. حتى أعداء عائلته كانوا يحترمونه. صافح رؤوف وليد بحرارة. — أهلًا بك يا وليد. ابتسم وليد. — أهلًا يا رؤوف. مر وقت طويل. — طويل جدًا. أما سناء فحيت لمى بود واضح، وجلست إلى جوارها. ثم جاء دور جسور. وقف أمام رؤوف. مد يده وصافحه. — رؤوف. — جسور. تحية باردة. قصيرة. ثم جلس جسور وكأنه أنهى الجزء الذي لا يحبه من الزيارة. بعد دقائق بدأ الحديث بين الكبار. دخل العاملون يحملون الهدايا. صندوق تلو الآخر. عطور. فساتين. أحذية. حقائب. علب مجوهرات فاخرة. حتى رؤوف رفع حاجبيه عندما رأى عددها. قال: — كل هذا لماذا؟ أجابت سناء بسعادة: — لروز. نظر وليد إلى زوجته وضحك. — لا تسألهـا. منذ البارحة وهي تشتري وكأنها لم ترَ متجرًا في حياتها. قالت سناء: — لدي ابن واحد انتظرت زواجه اثنتي عشرة سنة. دعني أفرح. ابتسمت لمى رغماً عنها. أما جسور فكان جالسًا بصمت. ساق فوق الأخرى، ويده تستقر على ذراع المقعد، يستمع إلى الحديث دون أن يشارك إلا عندما يوجه إليه أحد سؤالًا. وفجأة… تحركت عيناه نحو الدرج. كانت روز تنزل. هدأ الحديث قليلًا دون قصد. ارتدت فستانًا ورديًا ناعمًا، بسيطًا، ينسدل فوق جسدها الصغير برقة. لم تضع مساحيق تجميل. ولا عطرًا. تركت شعرها الطويل المموج ينسدل طبيعيًا. كان وجهها ناعمًا وصافيًا، وخداها محمرين بطبيعتهما، وعيناها الكبيرتان تحملان أثر تعب الليلة الماضية. بدت صغيرة جدًا. هادئة جدًا. كأنها ملاك صغير نزل إلى صالة امتلأت برجال يتحدثون عن الشركات والملايين. رفعت سناء رأسها. وما إن رأت روز حتى تغير وجهها بالكامل. نهضت فورًا. لم تنتظر حتى تصل روز إليهم، بل ذهبت إليها مباشرة. توقفت روز أمامها بتردد. ابتسمت سناء بحنان، وأمسكت يديها. — مرحبًا ابنتي، أنا سناء، والدة جسور. وقبل أن تستطيع روز الرد، أخذت سناء تتأمل وجهها بإعجاب واضح. — أنتِ جميلة جدًا يا حبيبتي، ما شاء الله… تبدين كالملاك. ارتبكت روز. لم تعرف ماذا تقول. — شكرًا… اقتربت سناء وقبلت وجنتها بحنان. — أهلًا بك بيننا يا ابنتي. توقفت روز للحظة. يا ابنتي. كلمة بسيطة. لكنها أصابتها في مكان حساس جدًا داخلها. ثم جاء وليد. فتح ذراعيه لها دون تكلف. — تعالي يا ابنتي، أهلًا وسهلًا بك. احتضنها. تجمدت روز في البداية، ثم ردت العناق بخفة. ربت وليد على ظهرها بحنان أبوي. — نوّرتِ عائلتنا. شعرت روز بغصة مفاجئة في حلقها. لم تكن تريد أن تتأثر. خصوصًا اليوم. لكنها لم تستطع منع نفسها. كانت تتوقع أن تأتي عائلة جسور متكبرة مثله. باردة. متعالية. أن ينظروا إلى عائلتها وكأنهم أقل منهم بسبب الفارق الكبير في الثروة والنفوذ. لكن ما حدث كان العكس تمامًا. سناء لا تزال تمسك يدها وتبتسم لها. ووليد يعاملها وكأنه يعرفها منذ سنوات. دون وعي… ابتسمت روز. ابتسامة صغيرة، خجولة، لكنها حقيقية. لاحظتها لمى. ونظر رؤوف إلى زوجته. ابتسم الاثنان. فطوال السنة التي قضتها روز مخطوبة لريان، لم ترَ والديه إلا مرتين تقريبًا. كانا باردين جدًا معها. تحيات رسمية. أسئلة قليلة. ثم ينتهي كل شيء. لم تشعر يومًا بأنها ستصبح ابنتهما. بل كانت تشعر بأنها جزء من اتفاق بين عائلتين. أما والدا جسور… فلم يمضِ على دخولهما منزلها نصف ساعة، وكانت سناء تناديها ابنتي، ووليد يحتضنها أمام الجميع. شعرت روز بالحزن أكثر بدلًا من أن تشعر بالراحة. لماذا كانا لطيفين هكذا؟ كان سيكون أسهل عليها لو كرهتهما. ⸻ أما جسور… فلم ينهض. بقي في مكانه يتأمل المشهد بصمت. رأى أمه تمسك بيدي روز. ورأى والده يحتضنها. ثم رأى روز تبتسم. ثبتت عيناه عليها لثوانٍ أطول. بالأمس كانت تلك الفتاة نفسها أمامه تشتعل غضبًا. تصرخ. تصفعه. تركله. وتصفه بالمقرف. أما الآن فكانت تقف بفستانها الوردي، دون أي زينة تقريبًا، ووجهها الطبيعي الناعم يجعلها تبدو أصغر من عمرها. لاحظ شيئًا آخر. عيناها. كانتا منتفختين قليلًا. لقد بكت. عقد جسور حاجبه للحظة. لكن روز رفعت عينيها في تلك اللحظة. والتقت عيناها بعينيه. اختفت ابتسامتها. وعادت ملامحها جامدة فورًا. لاحظ جسور ذلك. رفع حاجبه ببرود، وكأن وجهه يقول: إذن الابتسامات للجميع إلا أنا؟ حدقت فيه روز. ثم تعمدت أن تدير وجهها عنه. ظهرت ابتسامة صغيرة جدًا على طرف فمه. رآها رؤوف. ورأتها لمى. تبادل الزوجان نظرة قصيرة. أما سناء فأمسكت يد روز وسحبتها معها نحو المقاعد. — تعالي يا حبيبتي، اجلسي بجانبي. سارت روز معها. وعندما اقتربت من المقاعد، اكتشفت المشكلة. المقعد الفارغ الوحيد بجانب سناء… كان على الجهة الأخرى منه جسور. توقفت خطواتها. نظرت إلى المقعد. ثم إليه. كان جسور جالسًا بكل هدوء، ينظر إليها. قالت سناء بحنان: — اجلسي يا روز. جلست. ببطء. أصبحت سناء عن يمينها… وجسور عن يسارها. حاولت روز الابتعاد قليلًا في مقعدها. لاحظ جسور. لم يقل شيئًا. ابتعدت أكثر. أنزل عينيه إلى المسافة التي صنعتها بينهما. ثم رفعهما إلى وجهها. مال قليلًا نحوها وقال بصوت منخفض لا يسمعه سواها: — اطمئني. نظرت إليه بحذر. أكمل بوجه بارد: — لن آكلك. ضيقت روز عينيها وهمست: — لا أثق بك. رد جسور: — وأنا لا أثق بفتاة تصفع ضيوفها. شهقت بخفوت. — أنت— التفتت سناء إليهما بسعادة. — هل تتحدثان؟ اعتدل الاثنان فورًا. قال جسور: — لا. وقالت روز في اللحظة نفسها: — للأسف. توقف الجميع. ثم انفجر وليد ضاحكًا. حتى رؤوف لم يستطع منع ابتسامته. أما جسور فالتفت ببطء نحو عروسه المستقبلية. وروز رفعت ذقنها بتحدٍّ. بدأ الحديث يصبح أكثر دفئًا شيئًا فشيئًا. كانت سناء لا تزال جالسة إلى جانب روز، وكأنها تخشى أن تنهض الفتاة وتختفي قبل أن تعرف عنها كل شيء. نظرت إليها بحنان وسألت: — يا ابنتي، كم عمرك؟ أجابت روز بهدوء: — عمري ثلاثة وعشرون عامًا. ابتسم وليد. — صغيرة جدًا. تحركت عينا روز تلقائيًا نحو جسور. كان جالسًا أمامها بهدوئه المعتاد. لاحظ نظرتها فورًا. قالت في نفسها بانزعاج: لهذا ظنني قاصرًا، الوقح. سألتها سناء: — وماذا تفعلين في حياتك؟ ما هواياتك؟ بدأ التوتر يختفي قليلًا عن وجه روز. — أحب الرسم والموسيقى… وأعزف على البيانو والكمان. اتسعت ابتسامة سناء. — حقًا؟ — أجل. قال وليد بإعجاب: — البيانو والكمان معًا؟ هزت رأسها. — تعلمت البيانو وأنا صغيرة، وبعدها أحببت الكمان فتعلمته أيضًا. — وماذا أيضًا؟ ابتسمت روز بخجل قليل. — أحب صنع الكاتو كثيرًا. ضحكت سناء بسعادة. — ممتاز! أخيرًا سيكون في منزلنا شخص يصنع الحلوى. نظر وليد إلى زوجته. — وكأن منزلنا يعاني نقصًا في الطعام. ضحكت لمى. أما جسور فلم يشاركهم، لكنه كان يستمع إلى كل كلمة. تابعت سناء: — وماذا درستِ يا حبيبتي؟ قالت روز: — تخرجت منذ شهرين. اختصاصي كان إدارة الأعمال. رفع جسور عينيه إليها باهتمام أكبر هذه المرة. أكملت: — والآن أعمل على بضعة بحوث حتى أؤسس مشروعي الخاص. سألها وليد: — مشروعك الخاص؟ — أجل. — في ماذا؟ ترددت روز قليلًا. — لم أحدد كل شيء بعد. لدي أكثر من فكرة، ولهذا أدرس السوق أولًا. لا أريد أن أبدأ بشيء فقط لأن لدي المال لأبدأه. تغيرت نظرة جسور إليها. كانت تلك أول جملة تقولها منذ أن عرفها جعلته ينظر إليها بجدية، بعيدًا عن شجاراتهما. سألها: — تدرسين السوق بنفسك؟ التفتت إليه. — أجل. — لماذا؟ عقدت حاجبيها. — ماذا تعني لماذا؟ — عائلتك تملك شركات. يمكنك توظيف فريق كامل يفعل ذلك عنك. أجابته مباشرة: — لأن المشروع سيكون لي، وليس للفريق. صمت جسور. أكملت: — إذا كنت لا أفهم السوق الذي سأضع مالي فيه، فلماذا أفتح مشروعًا من الأساس؟ بقي ينظر إليها. رفعت روز حاجبها. — ماذا؟ — لا شيء. — إذن لا تنظر إليّ هكذا. قال ببرود: — هذه عيناي. كادت روز ترد عليه، لكن سناء سبقتها وهي تضحك: — اتركيه ينظر يا ابنتي، من المفترض أنك ستصبحين زوجته. احمر خدا روز فورًا. أما جسور فلم يظهر عليه أي إحراج. بل قال: — بالضبط. رمقته روز بنظرة حادة. لاحظ وليد ذلك وضحك. ثم عاد يسألها: — وهل تريدين تأسيس مشروعك وحدك؟ قالت روز بثقة: — أجل. أريد شيئًا يحمل اسمي. لا أريد أن يقول الناس إن أبي صنعه لي، ولا أريد بعد الزواج أن يقولوا إن زوجي صنعه لي. ساد صمت قصير. هذه المرة، ابتسم جسور فعلًا. ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت. قال: — جيد. — مشروعك أعجبني. لم تعرف روز لماذا، وسط عشرات كلمات المديح التي سمعتها طوال حياتها… كانت جملة بسيطة كهذه من الرجل الذي تكرهه ثم سناء … قالت بحنان: — ابنتي، أرجوكِ خذي جسور إلى غرفة وتكلما وحدكما قليلًا. توقفت روز عن الحركة. نظرت إليها بصدمة. — ماذا؟ ابتسمت سناء وأكملت: — أرى أنكما لستما على وفاق تام، ومن المهم جدًا أن تتحدثا قبل الزواج. اتسعت عينا روز أكثر. — لا، لا أعتقد أن هناك حاجة، نحن— لكن قبل أن تكمل جملتها، كان جسور قد وقف مباشرة. عدّل سترته ونظر إليها. — هيا إذًا. رفعت روز رأسها إليه بعدم تصديق. هكذا فقط؟ قالت: — لحظة، أنا لم أوافق. رد جسور: — وافقتِ على الزواج، وغرفة تخيفك؟ — لا تخيفني! — جيد. هيا. ضغطت روز شفتيها. هذا الرجل يعرف بالضبط كيف يجعلها تفعل الشيء الذي لا تريده. قالت لمى: — اذهبي يا روز. تحدثا قليلًا، لن يضركما ذلك. نظرت روز إلى أبيها علّه ينقذها. لكن رؤوف بقي صامتًا. أما وليد فقال ضاحكًا: — لا تقلقي يا ابنتي، أعيديه لنا كما أخذته فقط. نظرت روز إلى جسور. — للأسف. رفع جسور حاجبه. وقفت بعصبية. — تعال. استدارت وصعدت الدرج. أما جسور فسار خلفها. ⸻ كانت خطوات روز سريعة. تحاول أن تضع أكبر مسافة ممكنة بينهما، لكن خطوات جسور الطويلة جعلته يلحق بها دون أي مجهود. وصلت إلى الطابق العلوي. قال جسور خلفها: — إلى أين؟ — إلى غرفتي. توقفت فجأة. استدارت إليه. — لا. رفع حاجبه. — ماذا؟ فكرت للحظة. ثم قالت: — ليس إلى غرفتي. — لماذا؟ — لأنني لا أريدك فيها توقفت ملامح جسور عن المزاح تمامًا، وقال بصوت جاد — هيا، لا تغصبيني. نظرت روز إليه لثوانٍ. كانت تريد الاعتراض، لكن نبرته أخبرتها بأنه لن يقف معها في الممر يناقش الأمر طويلًا. لم تقل شيئًا آخر. استدارت وفتحت باب غرفتها ودخلت. دخل جسور خلفها وأغلق الباب. توقف للحظات يتأمل المكان. كانت الغرفة كبيرة جدًا، يغلب عليها الأبيض والوردي، ناعمة بصورة تشبه صاحبتها. دمى بأحجام مختلفة، ألعاب صغيرة، وسائد كثيرة، وتفاصيل طفولية متناثرة في كل زاوية. انتقلت عيناه من دمية ضخمة قرب النافذة إلى أخرى فوق السرير. ظهرت على وجهه ابتسامة باردة. قالت روز بانزعاج: — لا تضحك. لم يجب. اتجه إلى الأريكة وجلس عليها براحة، بينما اختارت روز الجلوس فوق طرف سريرها… بعيدة جدًا عنه. نظر جسور إلى المسافة بينهما. ثم إليها. — لماذا وافقتِ؟ رفعت روز عينيها إليه. — لا يعنيك هذا. قال بهدوء: — تعالي إلى جانبي. وقبل أن تعترض، أضاف: — تعلمين ماذا سيكلفك استفزازي. ضيقت عينيها، لكنها نهضت في النهاية. اتجهت إلى الأريكة وجلست… على أبعد طرف منها. نظر جسور إليها. ثم إلى المسافة التي تركتها بينهما. نهض. تبعته عيناها بحذر. اقترب منها. — ماذا؟ انحنى جسور وحملها بسهولة، ثم عاد بها إلى مكانه. شهقت روز. كان جسدها صغيرًا للغاية بين ذراعيه، وحين جلس من جديد أبقاها في حضنه. بدأت تتحرك فورًا محاولة النزول. — لا أريد! أنزلني، أرجوك، دعني أذهب. — هسسس… وضع إصبعه على شفتيها. توقفت روز ونظرت إليه بغضب. سألها: — لماذا وافقتِ؟ أبعدت وجهها. — لا أريد القول لك. اقترب من شفتيها قليلًا وقال: — لا تستفزيني. — حسنًا، حسنًا! أخذت نفسًا. — أردت أن أجرب. كانوا يتكلمون بالجيد عنك. ظل جسور ينظر إليها. — كاذبة. — لست كاذبة. — روز. — ماذا؟ — قولي الحقيقة. — قلتها. — لا. ظل يحاول معها، يسألها من جديد، وهي ترفض في كل مرة. إلى أن تبدلت ملامحها فجأة. اختفى الغضب قليلًا. وانخفضت عيناها. قالت أخيرًا: — ريان كان يخونني. توقفت ملامح جسور. رفعت روز عينيها إليه للحظة ثم أبعدتهما. — ذهبت إليه في الليلة نفسها… قبل موافقتي. صمتت. — وسمعت صوته في بيتنا المستقبلي. كان يتحدث عني بالسوء… وكانت هناك امرأة أخرى. سأل جسور: — ماذا قالوا؟ هزت رأسها فورًا. — لا أريد القول، أرجوك. — أخبريني، روز. — لا. قال بهدوء: — أخبريني كي أدعك تنزلين عن حجري. رفعت عينيها إليه. ظلت تنظر فيهما طويلًا. كانت محاطة به بالكامل تقريبًا؛ ذراعاه حولها، وجسده الضخم خلف جسدها الصغير، حتى إنها شعرت بأنها لا تستطيع الحركة إلا إذا قرر هو تركها. ابتلعت ريقها. ثم قالت بصوت خافت: — قال إن جسدي قصير وبشع. توقفت. بدأت عيناها تلمعان. — وقال إنني ليست لدي أنوثة… انخفض صوتها أكثر. — ولست امرأة. ظل جسور ينظر إليها. ثم… ابتسم. تغير وجه روز فورًا. — لماذا تبتسم؟ حاولت النزول من حضنه. — إهانتي تعجبك؟ قال: — لا. — إذن لماذا تبتسم؟! حاولت الإفلات منه مجددًا، لكنه أبقاها مكانها. نظر إليها طويلًا. ثم قال: — لأن لديكِ جاذبية غريبة. سكنت روز. أكمل: — لم أندفع لامرأة وأقبّلها هكذا قط. نظرت إليه بعدم تصديق. — كفى كذبًا. حاولت الإفلات من بين يديه. اشتدت ذراعاه حولها قليلًا. — أنا لا أكذب عليكِ. — دعني. — اسمعيني أولًا. توقفت مقاومتها، وإن بقي الغضب في عينيها. قال جسور: — لم آتِ إلى أبيكِ كي أهدده. عقدت حاجبيها. — ماذا؟ — أتيت فقط كي أطلب منه ألا يساعد ريان. صمت لحظة. — لذا لم آتِ بدافع الانتقام، ولم تكن لدي خطة للزواج منك أصلًا. حدقت فيه روز. أصبح صوته أهدأ. أقرب إلى الهمس هذه المرة. — لكن عندما رأيتك… سكت. كانت عيناه تتحركان فوق ملامحها بهدوء. — ورأيت جسدك الصغير وشعرك المبعثر… ثبت نظره في عينيها. — لم أستطع التفكير بشيء آخر سوى تقبيلك بعد أن صفعتني. توقفت أنفاس روز للحظة. لم يكن صوته ساخرًا الآن. لا ابتسامة مستفزة. ولا نبرة متعالية. قال ببساطة: — أنتِ جميلة جدًا. ارتجفت رموشها. اقترب وجهه منها قليلًا. — كيف له أن يقول إنك لستِ أنثى؟ لم تعرف روز ماذا تجيب. منذ الليلة الماضية، كانت كلمات ريان تطاردها. قصيرة. هشة. لا تملك أنوثة. حاولت طوال الليل أن تقنع نفسها بأنها لا تهتم. لكنها اهتمت. والآن كان الرجل الذي تكرهه ينظر إليها وكأنه لا يفهم أصلًا كيف استطاع رجل آخر ألا يراها جميلة. همست روز: — ربما يقول الحقيقة اقترب جسور من شفتيها، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى أنفاسهما، وقال وهو ينظر مباشرة إلى عينيها: — إن رجلًا مثلي أنا قال لكِ بأنك جميلة، إذًا فأنتِ جميلة. ارتبكت روز من ثقته، لكنها حاولت ألا تظهر ذلك. — حسنًا، ابتعد عني الآن… لا أريد قربك هكذا. ابتسم جسور مباشرة أمام شفتيها، وهمس: — متأكدة بأنك تريدينني أن أبتعد؟ لم تجبه. شعر بحرارة جسدها بين ذراعيه، فقال: — جسدك ساخن للغاية. اقترب منها أكثر، وشد خصرها نحوه حتى التصق جسدها الصغير بصدره، ثم أغمض عينيه وزفر ببطء: — هفففف… هذا الجسد. وطبع قبلة على عنقها. انتفضت روز وحاولت إبعاده. — جسور، توقف… اشتدت قبضته على خصرها، ثم عاد يقبلها بحرارة وعنف أكبر، يمتص عنقها الصغير. لم تكن هناك رائحة عطور مزعجة؛ فقط رائحة جسدها الطبيعية، وكانت بالنسبة إليه كرائحة الياسمين. — جسور… أرجوك… خرج صوتها متقطعًا، وعيناها ذابلتان من الارتباك. قال جسور: — لا تعلمين كم أنتِ مثيرة. وأكمل تقبيل عنقها بحرارة. — ج… جسور… جسور… لم يعد يسمع سوى صوتها الناعم ينادي اسمه، ووجد نفسه يزداد غرقًا بها. أما روز فبدأت تذوب شيئًا فشيئًا. جسدها يحترق. قلبها يدق بلا توقف. وكلما شعرت بشفتيه على عنقها، ازداد ارتباكها أكثر. كانت أول قبلة لها مع جسور، والآن يلمسها من جديد بطريقة لم يلمسها بها رجل من قبل. ابتعد جسور قليلًا عن عنقها وسأل: — أهذا جيد؟ ثم عاد يقبل عنقها، وأمسك بصدرها بيديه وعصرهما قليلًا. همس من جديد: — سألتك… أهذا جيد؟ كانت روز تعض شفتيها بعنف كي لا يصدر عنها أي صوت قد يفضح جسدها، وعيناها مغمضتان بقوة. قالت بصوت لاهث: — توقف… ضحك جسور. — لا تعنين هذا. ثم انقض على شفتيها، وبدأت شفتاهما تتلامسان بقسوة، بأنفاس متقطعة، حتى توقف لبرهة وهو يقول: — سيجن جنوني… أنتِ لستِ عادية. ثم مرر يده برفق على فخذيها صعودًا إلى مهبلها. اندهش جسور قليلًا، ثم عض شفته. — صغيرتي… أنتِ مبللة بالكامل، يا إلهي. وضعت روز يديها على وجهها حتى لا تضطر إلى مواجهته. ضحك جسور وقال: — لا يمكنني تركه هكذا… عليّ لعقه الآن. لم ترد روز. أمسك يديها وأبعدهما عن وجهها، ثم اقترب من فخذيها مادًا لسانه قليلًا باستفزاز. — هل ألعقه؟ كان وجهها أحمر بالكامل، وجسدها يرجف بخفة. قالت بتردد: — لا… لا أعلم. ثم أسرعت: — لا، لا تفعل. وقبل أن تكمل، فتح جسور قدميها واقترب من مهبلها وهو ينظر إلى عينيها. زفر زفرة طويلة، ثم قال: — روز… إنه صغير جدًا جدًا، أصغر من نصف إصبعي حتى. حاولت روز إغلاق قدميها. — أجل، ليس جميلًا… أعلم. لستُ مثيرة. اندهش جسور، ثم فتح قدميها من جديد. — هل جننتِ؟ إنه أجمل شيء رأيته قط. ثم قال: — انظري. بدأ يمرر إصبعه برفق على مهبلها، بينما كانت روز تنظر إليه بعينين متأملتين، مرتبكتين. قال: — إنه أسمر من الخارج، ومن الداخل وردي وأحمر بالكامل… صغير جدًا، ولم يقترب منه رجل قط. رفع عينيه إليها. — هذا ما يعجبني. هذا يثيرني للجنون، أتفهمين؟ أغمضت روز عينيها، وابتسمت رغمًا عنها. لعق جسور فرجها برفق، ثم بقوة أكبر قليلًا. شهقت روز، وبدأت تتأوه بصوت متقطع وخافت للغاية. داعب جسور فرجها بإصبعه، ثم لعقه مجددًا، وأكمل امتصاصه بشراهة، بينما أمسك بصدرها بيديه وبدأ يعتصرهما. — يا إلهي… حتى مذاقه ورائحته كلمسك. كان قلب روز يدق بعنف طوال الوقت، ومع كل مجاملة يقولها، كان قلبها يقف لبرهة من الزمن. ثم بدأ يقبل بطنها، ويلعق صدرها من تحت الفستان. — جسور… توقف، جسور… لكنه كان غارقًا في جسدها الجميل والناعم، وأخذ يداعب نهديها بلسانه. وفجأة… توقفت روز عن قول «توقف». ولم يعد يخرج من شفتيها سوى اسمه. — جسور… ثم مرة أخرى: — جسور… آه… جسور… ارتفع صوتها أكثر. — آه… آه… آه… كان جسور قد سلّم أمره لها، ولم يعد يستطيع المقاومة أكثر. رفع رأسه وقال بأنفاس ثقيلة: — أريدك الآن… لا يهم الآن. أريد مضاجعتك. أما روز فقالت وهي تلهث: — جسور… العقني، أرجوك، لا تتوقف. بدأ قلب جسور ينبض بعنف، ولم يعد يستطيع السيطرة على قضيبه أكثر من ذلك؛ كان منتصبًا بقسوة. ثم صفع وجهها وهو يعض شفته. — أتريدين رؤية قضيبي؟ ترددت روز. — لا أعلم… أمسك يدها، ثم مررها على قضيبه. تشقلبت عينا روز لبرهة، ثم قالت بصوت مبحوح أذاب قلب جسور: — كبير… كبير جدًا وعريض. قال جسور: — أجل، لن يتسع في فمك. وكان يفكر فقط في وجهها وهي تمتص قضيبه وتختنق به. حدق فيها للحظات، وعقله يكاد يفقد آخر ذرة من السيطرة. وقبل أن يفكر في شيء آخر— طُرق الباب. تجمد الاثنان. توقفت أنفاس روز. أما جسور فرفع رأسه ببطء نحو الباب، ولا يزال قلبه ينبض بعنف. ثم جاءهما صوت من الخارج: — روز؟ جسور؟ اتسعت عينا روز. ونظرت إلى جسور بفزع كانت سناء، والدته. طرقَت الباب مرة أخرى وقالت: — جسور؟ هيا يا بني، لقد مضت أربعون دقيقة. أخذ جسور نفسًا عميقًا محاولًا استعادة هدوئه، ثم أجاب: — أنا آتٍ، يمكنكِ أن تسبقينا. قالت سناء من خلف الباب: — حسنًا بني، لكن هيا، لقد مضت أربعون دقيقة. — أنا آتٍ، سألحق بكِ. — حسنًا. ابتعد صوت خطوات سناء شيئًا فشيئًا، ثم نزلت إلى الطابق السفلي. ساد الصمت داخل الغرفة من جديد. التفت جسور ببطء نحو روز. كانت لا تزال في مكانها، مرتبكة، تحاول تعديل فستانها وشعرها بسرعة، بينما كان وجهها شديد الاحمرار. تأملها جسور للحظات، ثم قال: — هذا ملكي الآن، أفهمتِ يا روز؟ رفعت روز رأسها إليه فورًا. — لا. أنا أكرهك، لا تنسَ. ضحك جسور. اقترب منها مجددًا، فلاحظت روز نظراته وعرفت فورًا فيما يفكر. قال بصوت منخفض: — لا تفعلي هذا… أنتِ تثيرينني هكذا. أغلقت روز ساقيها بسرعة، ثم نهضت واقفة وكأنها هربت منه. أشارت إليه بإصبعها وقالت بحزم، رغم احمرار وجهها: — لن يتكرر هذا أبدًا، أبدًا! أسمعت؟ نظر إليها جسور. ثم ضحك، واقترب منها وصفع مؤخرتها بخفة وهو يقول: — أجل، أجل. شهقت روز والتفتت إليه بسرعة. — جسور! لكنه كان قد ابتعد عنها بالفعل. عدّل قميصه بهدوء، وسوّى سترته وكأن شيئًا لم يحدث قبل لحظات. مرر يده على شعره، ثم اتجه نحو الباب. وقبل أن يخرج، التفت إليها. كانت روز لا تزال واقفة في منتصف الغرفة، تنظر إليه بغضب ووجهها مشتعل بالحمرة. ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه. أما هي فأشارت إلى الباب: — اخرج. فتح جسور الباب. — كما تريدين، عروستي. — لا تنادني عروستك! ضحك وأغلق الباب خلفه. بقيت روز وحدها. نظرت إلى الباب لثوانٍ… ثم وضعت كفيها على وجهها. — يا إلهي… ماذا فعلت؟ أما جسور، فكان ينزل الدرج بوجه بارد تمامًا، وكأن الأربعين دقيقة الماضية لم تحدث. لكن الابتسامة الصغيرة التي رفضت أن تختفي من طرف فمه… كانت تفضحه تمامًاتراجعت روز عن الباب خطوة، ثم أخرى. بدأت الذكريات تعود إليها على شكل ومضات متقطعة ومشوشة. ضحكتها وهي ثملة. وجه جسور الغاضب. سؤالها له عن فيكتوريا. ثم صوته عندما سألها أين كانت. وهي تقول بلا وعي: «كنت عند ريان أيضًا.» وضعت يديها على رأسها. — لا… لا، لا، لا… ثم عادت العبارة الأخرى إلى ذاكرتها. «قبّلني بحرارة.» شهقت ووضعت يدها على فمها. — يا إلهي… أنا قلت هذا؟ أغمضت عينيها بقوة تحاول تذكر المزيد. لم تذهب إلى ريان. لم تره أصلًا. كانت غاضبة وثملة، وأرادت أن تؤلمه فقط بعدما أخبرها بأنه كان مع فيكتوريا. لكن… كيف عرف جسور؟ رفعت رأسها فجأة ونظرت إلى باب غرفة الضيوف. ثم بدأت تطرق عليه. — جسور! لا جواب. — جسور، افتح الباب! ظل صامتًا. — تذكرت! في الداخل، فتح جسور عينيه. كان واقفًا أمام النافذة، والمنشفة حول خصره، وقطرات الماء ما تزال تنزل من شعره. سمعها تقول: — تذكرت ما قلته عن ريان! تحرك فكه بعصبية، لكنه لم يفتح. طرقت روز مجددًا. — افتح الباب، أرجوك. هناك سوء فهم! ضحك جسور بمرارة من الداخل. ثم قال بصوت مرتفع: — نامي يا روز. — لن أنام! افتح الباب! — لا أريد سم
أخذ جسور الهاتف من يد وائل، وبدأ يقلب الصور واحدة تلو الأخرى. الصورة الأولى… روز ووائل طفلان، يجلسان على الأرض ووجهاهما ملطخان بالشوكولاتة ويضحكان للكاميرا. الثانية… يركضان في حديقة، ووائل يمسك بيدها وهي تحاول اللحاق به. الثالثة… يجلسان إلى طاولة صغيرة يأكلان المثلجات، وروز تضحك بفم ممتلئ بينما يشير وائل إليها ساخرًا. ثم صورة أخرى. وأخرى. كبر الاثنان قليلًا في الصور. روز في الثانية عشرة تقريبًا، ووائل يقف بجانبها وهما يرفعان كأسين من العصير. صورة في رحلة عائلية. صورة أمام البحر. صورة وهما يلعبان بالماء. صورة يجلسان فيها على الأرض يضحكان حتى إن روز كانت تمسك بطنها. ظل جسور يقلب الصور بصمت. واحدة تلو الأخرى. معًا. دائمًا معًا. يضحكان. يأكلان. يلعبان. يتشاجران في بعضها. وفي أخرى يبتسمان للكاميرا وكأن العالم كله كان بسيطًا جدًا في ذلك الوقت. قال وائل ضاحكًا: — انظر إلى هذه! ظهرت روز صغيرة، نائمة على الأريكة، بينما رسم وائل بقلم قابل للمسح شاربًا فوق وجهها. شهقت روز. — أيها الحقير! ما زلت تحتفظ بها؟! انفجر وائل ضاحكًا. — هذه لن أح
أوراق الطلاق — فقط اجلسي وأغلقي فمك، وعندما أتأكد أنك بخير سأخرج. حدقت روز فيه بعينين مثقلتين بالثمالة، ثم ظهرت على شفتيها ابتسامة ساخرة. — كنت نائمًا معها، أليس كذلك؟ لم يجب جسور. اختفت ابتسامتها تدريجيًا. — سألتك. بقي صامتًا. ارتفع صوتها فجأة: — أجبني! اقتربت منه وصفعته. أمسك جسور معصمها فورًا. — هششش… كفاك جنونًا. حاولت سحب يدها. — أنا لست مجنونة! أنت القذر! — روز، أنت ثملة. — وهل نمت معها؟ أخبرني! أفلت يدها، لكنها أمسكت مقدمة قميصه بكلتا يديها وشدته نحوها. — ماذا فعلتما؟ وأين؟ في فراشها، أليس كذلك؟! — اتركي قميصي. — ماذا قالت لك؟! شدته أكثر. — قالت إنها تحبك؟ قالت لك إن عليك أن تتركني؟ هل أخبرتك أنني زوجة سيئة وأنها أفضل مني؟! ظل جسور صامتًا. كانت غيرتها تزداد مع كل ثانية لا يجيب فيها. — كم مرة كنت معها؟ هاه؟! لا جواب. ضربت صدره بقبضتها. — أجبنييييي! — كفى! — لا! لن أكفي! ضربته مرة أخرى. — لماذا لا تجيب؟ لأنني محقة؟! أمسك جسور يديها هذه المرة ومنعها من ضربه مجددًا. — لأنك الآن لا تريدين جوابًا يا روز. تريدين شجار
ثم انهال جسور عليه بالضربات. كان الموظفون قد فرّوا جميعًا من المكان وهم يصرخون، بعضهم اندفع نحو المخارج، والبعض الآخر وقف للحظات مصدومًا قبل أن يهرب. أما أولاد عمه، فكانوا يكسرون كل شيء يمر أمامهم. المكاتب، الحواسيب، الكراسي، الزجاج… كل شيء. صوت التحطيم كان يملأ الشركة من كل اتجاه. أما جسور… فقد جنّ جنونه. لم يعد يرى شيئًا حوله. كل ما كان يراه هو روز وهي تمشي تحت المطر وحدها، وجهها وهي تبكي في الحمام، معصمها الذي أخفته عنه، والطريقة التي ارتجف بها جسدها عندما رأت هذا الرجل في الحفل. رفع المضرب من جديد وانهال عليه بالضربات؛ على قدميه، ثم بطنه ويديه، بينما كان المدير يحاول حماية نفسه ويصرخ بلا توقف. — جسور! توقف! هاي! اندفع مجد نحوه وانتزع المضرب من يده بالقوة. استدار جسور إليه ودفعه بقوة. تراجع مجد خطوتين، ثم نظر إلى المضرب في يده وقال: — ليس بالمضرب، باليدين يا صغيري. إلى متى عليّ تعليمك؟ نظر إليه جسور. ثم ظهرت على وجهه ابتسامة غاضبة. — معك حق. واندفع نحوه من جديد. انهالت اللكمات والركلات، والتحق به بعض أبناء عمه، بينما كان الرجل يصرخ: — كفى! أر
بدأت روز بالعمل، تتنقل بين المكاتب وتسأل هنا وهناك. كانت جديدة تمامًا على المجال، لذلك لم تتردد في السؤال عن أي شيء لا تفهمه.شرحت لها إحدى الموظفات كيفية التعامل مع العملاء، وأخرى علمتها كيف ترتب ملفات العقارات والعقود، وثالثة جلست بجانبها تشرح لها طريقة عرض البيوت والأسعار ومواعيد المعاينة.ثم مالت إحدى السيدات نحوها وقالت بصوت منخفض:— وبالنسبة للمدير… نصيحة يا صغيرة، سايريه. كوني لطيفة معه ونفذي طلباته جميعها، وسيزيد راتبك.رفعت روز عينيها إليها باستغراب.— طلباته؟هزت المرأة كتفيها.— ستفهمين مع الوقت.لم تهتم روز كثيرًا بكلامها، وظنت أنها تقصد ضغط العمل أو طلباته الكثيرة.عادت إلى مكتبها وبدأت تقلب الأوراق، تنظر إلى البيوت واحدًا تلو الآخر، تقرأ المساحات والأسعار والمواقع، وتدوّن ملاحظاتها الصغيرة على كل ملف.مر الوقت بسرعة.أما جسور، فكان يفكر بها طوال اليوم.أرسل إليها:— كيف العمل؟لم تجب.بعد ساعة:— أكلتِ شيئًا؟لا جواب.ثم:— روز؟ولا شيء.نظر إلى هاتفه بانزعاج وهز رأسه.— ما زالت تنتقم مني…كان يعرف أنها تفعل ذلك عمدًا بسبب ما حدث مع فيكتوريا، لذلك حاول ألا يزعجها أكثر، ر
الفصل. 13ثم نظرت إلى جسور بابتسامة باردة لم يستطع فهمها. — ماذا؟ لم تجبه. رفعت يدها ببطء نحو عنقه، ومررت إبهامها على أثر أحمر شفاه فيكتوريا الذي بقي على جلده. نظرت إلى اللون على إصبعها لثانية، ثم مسحته بمنديل. قال جسور بسرعة: — روز، لا تسيئي الفهم. رفعت عينيها إليه. — جسور، لا تبرر. لم أُسئ الفهم، لا تقلق. عقد حاجبيه. هدوؤها لم يعجبه إطلاقًا. — صغيرتي… لفت ذراعيها حول عنقه فجأة. — نعم، جسور؟ توقف قليلًا، ثم ابتسم بحذر. — هل أنتِ غاضبة؟ بدل أن تجيبه، اقتربت وقبلته قبلة طويلة. تفاجأ للحظة، لكنه بادلها القبلة. ابتعدت روز قليلًا، نظرت في عينيه، ثم عادت وقبلته مرة أخرى، أطول من الأولى، ويداها لا تزالان ملتفتين حول عنقه. كانت فيكتوريا واقفة في مكانها تشاهد. اشتدت قبضتها بصمت، بينما بقيت عيناها معلقتين بهما. ابتعدت روز أخيرًا عن جسور، ثم قالت وكأنها تذكرت شيئًا للتو: — جسور، تعثرت منذ قليل وآلمت كاحلي حقًا. تغيرت ملامحه فورًا. — ماذا؟ أين؟ — هنا. لا أظن أنه شيء خطير… فقط دلكه لي قليلًا. — حسنًا، صغيرتي. بدأ جسور ينحني أمامها، ثم توقف فجأة وكأنه تذكر وجود شخص ثا







