LOGINالفصل الثاني
ظل رؤوف واقفًا في منتصف مكتبه بعد خروج جسور، وكأن الرجل لم يغادر فعلًا. كان الباب مغلقًا أمامه، لكن كلماته بقيت في الغرفة. «أريد تدميره.» «أريد شركته.» «وأريد ابنتك.» ثم ذلك التحذير الأخير الذي قاله جسور بالهدوء نفسه الذي تحدث به منذ دخوله: «إن لم توافق بحلول يومين، ستفلس نهائيًا. لن يكلفني إفلاسك سوى اتصال واحد.» لم يكن رؤوف رجلًا يسهل إخافته. أمضى سنوات طويلة في تجارة الذهب، بنى خلالها اسم عائلته وثروته، ومر بأزمات وصفقات خاسرة وخصومات كثيرة. لكنه كان يعرف جسور رافين. ويعرف جيدًا أن أخطر ما في ذلك الرجل أنه لا يحتاج إلى المبالغة في تهديداته. إذا قال إنه يستطيع فعل شيء… فالأغلب أنه يستطيع. ⸻ خرج جسور من المكتب. عبر الرواق متجهًا إلى الصالة، ثم إلى الباب الرئيسي. كانت روز لا تزال هناك. ما إن رأته حتى رفعت رأسها نحوه. انتظرت أن ينظر إليها. أن يقول شيئًا. حتى ابتسامته المستفزة التي كانت تثير جنونها قبل قليل كانت تنتظر رؤيتها. لكنه لم يفعل. مر من أمامها دون أن يلتفت. لم ينظر إليها ولو مرة واحدة. وكأن الحديث الذي دار بينهما قبل دقائق لم يحدث أصلًا. وكأنها غير موجودة. تابع سيره، فتح الباب، وخرج. بقيت روز تحدق خلفه حتى اختفى. عقدت حاجبيها. ما الذي جاء من أجله؟ ولماذا دخل إلى أبيها بهذه الطريقة ثم خرج وكأن شيئًا لم يحدث؟ التفتت نحو باب المكتب. ثم ركضت إليه. فتحته دون طرق. — أبي! كان رؤوف لا يزال واقفًا. اقتربت منه بسرعة. — ماذا؟ ماذا يريد؟ لم يجبها مباشرة. — أبي، ماذا قال لك؟ رفع رؤوف عينيه إليها. وبقي صامتًا لثوانٍ، كأنه لا يعرف بأي طريقة يمكنه قول ما سمعه. ثم قال: — يريد الزواج منك. تجمدت روز. لم ترمش حتى. — ماذا تقصد، أبي؟ — ما سمعته. هزت رأسها ببطء. — لا… ماذا قال بالضبط؟ تنفس رؤوف بعمق. — قال إنه يريد الزواج منك. حدقت روز في وجه أبيها، تنتظر أن يبتسم أو يخبرها أنها فهمت خطأ. لكنه لم يفعل. قالت: — جسور؟ — أجل. — جسور رافين؟ — أجل يا روز. ابتعدت خطوة. ثم ضحكت ضحكة قصيرة من شدة عدم تصديقها. — مستحيل. لم يجب رؤوف. عادت إليه بسرعة. — ولماذا أنت واقف هكذا؟ ارفض وانتهى الأمر. سكت رؤوف. اختفت ابتسامتها تدريجيًا. — أبي؟ قال: — إن لم أوافق في غضون يومين… سأفلس نهائيًا. توقفت روز. — ماذا؟ — هدد بإفلاس العائلة إن رفضت. حدقت فيه. — أعد ما قلته. — روز— — أبي، أعده. قال رؤوف ببطء: — يريد الزواج منك. وإن لم أوافق خلال يومين، قال إنه سيفلسني. بقيت تنظر إليه. ثم قالت للمرة الثانية: — أعدها. — روز. — أرجوك. نظر إليها والدها بألم هذه المرة. — جسور طلب الزواج منك، وأمهلني يومين للموافقة. وإن رفضت، قال إن إفلاسي لن يكلفه سوى اتصال واحد. تراجعت روز. بدت الكلمات أكثر واقعية في المرة الثالثة. وهذا ما أخافها. استدارت فجأة وخرجت من المكتب. — روز! لم تتوقف. صعدت الدرج بسرعة. — مستحيل. وصلت إلى الطابق العلوي. — مستحيل. فتحت باب غرفتها. — مستحيل! أغلقته خلفها بقوة. وقفت تستند إليه وهي تتنفس بسرعة. قبل ساعتين فقط كان الرجل غريبًا تكرهه. قابلته للمرة الأولى. تشاجرت معه. صفعته. والآن… يريد الزواج منها؟ هزت رأسها بعنف. — مستحيل. ⸻ بعد ساعتين، لم يعد الأمر سرًا. كانت العائلة بأكملها تقريبًا مجتمعة في فيلا آل ڤاليري. جلس رؤوف في رأس الصالة. إلى جواره زوجته لمى، والدة روز. أما روز فجلست إلى جانب والدتها، صامتة منذ بداية الاجتماع. حضر يوسف وزوجته، وعدد من أقرب أفراد العائلة. وكان موضوع الحديث واحدًا. عرض جسور رافين. قال أحد أعمام روز: — أنا لا أفهم أين المشكلة أصلًا. رفعت روز عينيها إليه، لكنها لم تتكلم. تابع: — نحن نتحدث عن جسور رافين. قال آخر: — لو لم يكن هناك تهديد، لبقي الزواج منه أفضل من ريان أصلًا. أيدته إحدى النساء: — بالتأكيد. لا توجد مقارنة. قال يوسف: — جسور رجل ناجح، وهذه حقيقة مهما كانت مشكلتي معه. نظرت إليه روز فورًا. حتى يوسف؟ أخوها الذي صفعه جسور أمام الناس؟ لكنه أكمل: — لا أحبه، وما فعله معي لن أنساه. لكن إذا كنا نتحدث عن الزواج والاستقرار والمكانة، فلا أستطيع الكذب فقط لأن بيني وبينه مشكلة. قال رجل آخر: — جسور لا يشرب سمعته في الملاهي، ولا يلاحق الفضائح، ولا يعيش على مال أبيه. الرجل صنع أضعاف ما ورثه. وأضاف آخر: — وأي عائلة تتمنى مصاهرته. ثم بدأت الأصوات تتداخل. — ريان متهور. — سرقة المشروع وحدها تثبت ذلك. — جسور أكثر استقرارًا. — نفوذه لا يُقارن بنفوذ دي ماركو. — روز ستعيش كملكة. — هي ابنتهما الوحيدة، وجسور الابن الوحيد لعائلة رافين. — هذا الزواج سينهي العداوة بين العائلتين أيضًا. الغريب أن الجميع تقريبًا كان يؤيد. بل إن بعضهم بدأ يتحدث عن الزواج وكأنه فرصة لا ينبغي تفويتها. كانوا يمدحون جسور. ذكاءه. ثروته. شخصيته. مكانته. نجاحه. اسمه. حتى مظهره دخل في الحديث عند بعض النساء. وسط كل ذلك… جلس ثلاثة أشخاص دون كلمة واحدة. رؤوف. لمى. وروز. كانت لمى تمسك يد ابنتها تحت الطاولة. أما رؤوف فكان يستمع إلى الجميع بوجه جامد. وروز… كانت تحدق أمامها. كلما سمعت أحدهم يقول إن جسور أفضل، عاد إلى رأسها وجهه وهو يقف أمامها قبل ساعات. هدوؤه المستفز. طريقته في الحديث. ثقته التي تكاد تكون وقاحة. ثم جملته: «لا أريد أن تكون عروستي ثرثارة.» كانت قد ظنت أنه يستفزها فقط. أنه يمزح معها ليزيد غضبها. لكنه في اللحظة نفسها تقريبًا… كان قد جاء إلى منزلهم أصلًا ليطلبها. لا. لم يطلبها. اشترطها. وأعطى أباها يومين. رفعت روز عينيها أخيرًا إلى أفراد عائلتها وهم ما زالوا يتناقشون. الجميع يتحدث عن جسور رافين وكأنه أفضل زوج يمكن أن تحصل عليه امرأة. لكن أحدًا لم يسأل السؤال الوحيد الذي كان يصرخ داخل رأسها: هل تريد روز ڤاليري جسور رافين؟ وكان جوابها في تلك اللحظة واضحًا جدًا. لا هي لا تحب ريان. ولم تقنع نفسها يومًا بأنها تحبه. وكانت تعلم في أعماقها أنه لا يحبها أيضًا. لكنها عرفته منذ طفولتها. كبر اسمه معها، عرفت عائلته، طباعه، منزله، وحتى أسوأ عيوبه. كان مألوفًا بالنسبة إليها، وذلك الأمان الذي صنعته السنوات كان كافيًا ليجعلها تقبل فكرة الزواج منه. كانت تثق به. وتريد الزواج به. لهذا كانت موافقة الجميع على زواجها من جسور صدمة لم تستطع احتمالها. كيف استطاعوا الجلوس بهذه البساطة ومدح رجل مثل جسور؟ جسور القاسي. الغامض. البارد. الوقح. الرجل الذي صفع أخاها أمام الناس. والذي دخل منزلهم اليوم وهدد أباها بالإفلاس إن لم يمنحه ابنته. كانت روز تنظر إلى الوجوه من حولها، وكل كلمة مدح جديدة كانت تزيد الاختناق في صدرها. — جسور أفضل لها. — ريان لا يُقارن به. — مستقبلها مع رافين مضمون. — يجب ألا نرفض رجلًا مثله. امتلأت عينا روز بالدموع. حاولت ابتلاعها. لكنها لم تستطع. وقفت فجأة. سكت البعض ونظروا إليها. قالت بصوت مرتجف: — هل تسمعون أنفسكم؟! ساد الصمت. مسحت دمعة نزلت على خدها بعنف. — هذا الرجل هدد أبي أمامكم! صفع يوسف! جاء إلى منزلنا وكأننا لا نساوي شيئًا، وأعطانا يومين حتى نسلمه حياتي… وأنتم تمدحونه؟! — روز، نحن فقط نحاول— صرخت: — لا! أنتم لا تحاولون شيئًا! بدأت دموعها تنزل أكثر. — أنا التي سأتزوجه، لا أنتم! أنا التي سأعيش معه! أنا التي سأستيقظ كل يوم وأرى وجه رجل أكرهه! اقتربت لمى منها. — حبيبتي… تراجعت روز. نظرت إلى أبيها، ثم إلى أخيها، ثم إلى الجميع. — لن أتزوج جسور رافين. استدارت وركضت خارج المنزل. — روز! لم تتوقف. وصلت إلى سيارتها، فتحت الباب وصعدت إليها. كانت يداها ترتجفان وهي تشغل المحرك. لم تفكر إلى أين ستذهب. كانت تعرف. ريان. ⸻ طوال الطريق حاولت روز إقناع نفسها بشيء واحد. ريان لن يسمح بذلك. قد لا يحبها. وقد لا يكون الرجل الذي حلمت به يومًا. لكنه يعرفها منذ طفولتها. وهي خطيبته. لا بد أن يقف معها. تذكرت علاقتها به. لم تكن بينهما يومًا حميمية. لا قبل. ولا أحضان. حتى عندما كانت تحتاج إليه بشدة، كان دائمًا مشغولًا. وفي أشد لحظات حزنها، عندما حاولت مرة أن تعانقه، ابتعد عنها. كان جوابه دائمًا واحدًا: «أنا لا ألمس امرأة قبل أن تصبح لي.» ورغم بروده، كانت روز تحترم ذلك فيه. ربما لهذا السبب تحديدًا كانت تثق به. وصلت إلى منزله. أوقفت السيارة بسرعة ونزلت. لم تتصل به. كان لديها مفتاح احتياطي بالفعل. فهذا المنزل لم يكن غريبًا عنها. كان من المفترض أن يصبح منزل زواجهما. كانت تأتي إليه بين حين وآخر، تختار الستائر، تغير بعض الأثاث، تضيف قطعًا صغيرة تحبها، وتتخيل أنها بعد الزواج ستعيش هنا. فتحت الباب. — ريان؟ لا جواب. دخلت. كان المنزل هادئًا. صعدت الدرج. أرادت فقط الوصول إليه. أن تخبره بما فعله جسور. أن تسمعه يقول إن كل ذلك لن يحدث. وصلت إلى الطابق العلوي واتجهت نحو غرفة خطيبها. لكن قبل أن تفتح الباب… سمعت صوته. توقفت. كان يتحدث مع امرأة. وضعت روز يدها على المقبض. ثم جاءها صوته بوضوح: — روز لا تثيرني بتاتًا. تجمدت أصابعها. توقفت أنفاسها. أكمل ريان: — لا تملك أي أنوثة… قصيرة وهشة جدًا. شعرت روز وكأن الدم انسحب من وجهها دفعة واحدة. لم تتحرك. لم تستطع. ثم تغير صوت ريان. أصبح أكثر دفئًا. أكثر حنانًا مما سمعته روز منه طوال سنوات معرفتها به. — أنا أحبك أنتِ. انقبض قلبها. — أحبك… أحب جسدك، حبيبتي. ارتجفت أصابع روز فوق المقبض. كانت تريد فتح الباب. لكن جسدها رفض الحركة. ثم جاءت الجملة التي حطمت آخر شيء بقي داخلها: — عندما أطلقها وآخذ ثروة أبيها… صمت لحظة. ثم قال: — سأتزوجك. أفلتت يد روز المقبض. حدقت في الباب أمامها. لم تبكِ. ليس بعد. كان عقلها يحاول استيعاب الكلمات واحدة تلو الأخرى. أطلقها. أي أنه كان ينوي الزواج منها فعلًا. ثم طلاقها. وآخذ ثروة أبيها. تذكرت كل السنوات. كل مرة دافعت عنه. كل مرة قالت لنفسها إن بروده مجرد طبع. كل مرة احتاجت إلى حضنه ورفض. كل قطعة أثاث اختارتها لهذا المنزل. كل مرة وقفت في هذه الغرفة تتخيل شكل حياتهما بعد الزواج. والآن كانت امرأة أخرى في الداخل… تسمع من ريان الكلمات التي لم يقلها لها يومًا. رفعت روز يدها ببطء نحو فمها. هذه المرة نزلت دمعة واحدة. ثم ثانية. لكنها بقيت أمام الباب. ساكنة. تستمع. لأنها، للمرة الأولى منذ سنوات… أرادت أن تعرف من هو ريان دي ماركو فعلًا لكن هذه المرة لم يكن ريان يتحدث عنها. كان يتحدث إلى المرأة الأخرى. المرأة التي عرفت روز صوتها بعد لحظات. إحدى الفتيات التي كان ريان يقول عنها دائمًا: «إنها كأختي.» شعرت روز بشيء ينكسر داخلها أكثر. سمعت ضحكتها. ثم صوت ريان وهو يغازلها. كان يقول لها أجمل الكلمات، بسهولة ودفء لم تعرفهما روز منه يومًا. — اشتقت إليكِ. ضحكت الفتاة. فقال ريان: — لا تضحكي هكذا… تعلمين أنني أعشق ضحكتك. أغمضت روز عينيها. كم مرة انتظرت منه كلمة واحدة كهذه؟ كم مرة ارتدت فستانًا جديدًا وانتظرت أن يلاحظ؟ كم مرة سألته: هل أعجبك؟ فيجيب دون أن يرفع عينيه عن هاتفه: جميل. فقط. أما الآن، فكان خلف هذا الباب يلاحظ ضحكة امرأة أخرى، صوتها، جسدها، جمالها… ويخبرها بكل شيء لم يخبر روز به يومًا. سمعته يقول: — أنتِ المرأة التي أريدها فعلًا. ارتجف فك روز. لكنها لم تدخل. لم تصرخ. ولم تفتح الباب لتطلب تفسيرًا. فأي تفسير بقي؟ مسحت دموعها بظهر يدها. أخذت نفسًا مرتجفًا. ثم استدارت. نزلت الدرج ببطء شديد. مرت بالصالة التي اختارت هي سجادها. لمست عيناها الستائر التي أمضت يومًا كاملًا في اختيار لونها. الطاولة التي طلبتها بنفسها. المصابيح. الأريكة. تفاصيل صغيرة كانت تضعها هنا وهي تفكر: هذا سيكون منزلي. ابتسمت بمرارة. لم يكن منزلها يومًا. خرجت. أغلقت الباب خلفها بهدوء. ثم اتجهت إلى سيارتها. ⸻ لم تعرف روز كيف قطعت الطريق إلى منزل عائلتها. كانت تقود بصمت. لا موسيقى. لا بكاء. لا صراخ. حتى دموعها توقفت. كأن الصدمة كانت أكبر من قدرتها على البكاء. وصلت إلى الفيلا. كانت سيارات العائلة لا تزال في الخارج. إذن الجميع ما زال هناك. أوقفت سيارتها. نزلت. دخلت المنزل. وما إن ظهرت في الصالة حتى التفتت إليها جميع الوجوه. كانت الجلسة مستمرة. رؤوف. لمى. يوسف. والبقية. نهضت لمى فورًا عندما رأت وجه ابنتها. — روز؟ لم تجب. نظر رؤوف إليها بقلق. — أين كنتِ؟ وقفت روز أمام الجميع. كانت عيناها محمرتين، لكن ملامحها هادئة بصورة غريبة. ثم قالت: — موافقة. ساد الصمت. عقد رؤوف حاجبيه. — على ماذا؟ نظرت روز إلى أبيها. وقالت بوضوح: — سأتزوج جسور. تجمدت لمى. رفع يوسف رأسه بصدمة. وبدأت الأسئلة فورًا. — ماذا؟ — روز، انتظري. — ماذا حدث؟ — ألم تكوني ترفضين قبل ساعتين؟ — أين ذهبتِ؟ — هل تكلمتِ مع ريان؟ لم تجب روز على أي سؤال. ولا حتى سؤال واحد. استدارت ببساطة. قال رؤوف: — روز! تابعت سيرها. لحقت بها لمى خطوتين. — حبيبتي، انتظري. أخبريني ماذا حدث. لم تلتفت. صعدت الدرج. دخلت غرفتها. وأغلقت الباب. عندها فقط… سقط كل ذلك الهدوء. ركضت إلى سريرها، رفعت الغطاء واختفت تحته بالكامل، كأن قطعة قماش تستطيع أن تعزلها عن العالم. وضعت يدها على فمها. وانفجرت. بكت بحرقة. بكت حتى بدأ صدرها يؤلمها. لم تكن تبكي لأنها تحب ريان. وهذا ما جعل الألم أغرب. كانت تبكي لأنها وثقت به. لأنها عرفته منذ طفولتها. لأنها كانت مستعدة لأن تمنحه حياتها رغم أنها تعرف أن زواجهما لم يبدأ بالحب. كانت تقول لنفسها دائمًا: الحب قد يأتي بعد الزواج. على الأقل أعرفه. على الأقل أثق به. لكن حتى ذلك لم يكن حقيقيًا. دفنت وجهها في الوسادة وهي تبكي أكثر. وفي الخارج… كان أفراد عائلتها ما زالوا يحاولون فهم كيف تحولت روز خلال ساعتين فقط من فتاة تصرخ: «لن أتزوج جسور رافين!» إلى امرأة دخلت المنزل بعينين مكسورتين وقالت: «سأتزوج جسور. في قصر آل رافين، كان جسور قد أخبر والديه في الليلة السابقة برغبته في الزواج من ابنة آل ڤاليري. لم يحتج إلى مقدمات طويلة. كان وليد رافين جالسًا في الصالة إلى جانب زوجته سناء عندما دخل جسور، وجلس قبالتهما. قال ببساطة: — أريد الزواج. ساد الصمت. رفعت سناء رأسها ببطء، وكأنها لم تسمع جيدًا. أما وليد فظل يحدق في ابنه لثوانٍ. — ماذا قلت؟ — أريد الزواج. شهقت سناء بسعادة. — جسور! ثم نهضت واتجهت إليه فورًا. فمنذ أن بلغ جسور العشرين، وهما يحاولان إقناعه بالزواج. اثنا عشر عامًا كاملة. يعرضان عليه أسماء بنات من أفضل العائلات، فيرفض حتى مقابلتهن. وكلما فتحت سناء الموضوع، كان جوابه واحدًا: — لا أريد. حتى توقفت منذ سنوات عن المحاولة. جلست سناء بجانبه وقبلت وجنته وهي تضحك. — أخيرًا! من هي؟ قال جسور: — ابنة ڤاليري. توقفت قليلًا. — روز؟ — أجل. نظر وليد إلى ابنه باستغراب. — روز ڤاليري؟ — هل لديهم روز أخرى؟ ضحك وليد. — لا، لكنني أحاول فهم متى تعرفت إليها أصلًا. قال جسور: — اليوم. حدقت سناء فيه. — اليوم؟! — أجل. ثم نهض وكأن الأمر لا يستحق كل هذه الدهشة. أما سناء فلحقت به. — جسور، انتظر! قابلتها اليوم وقررت الزواج منها اليوم؟ — تقريبًا. قال وليد ضاحكًا: — اتركيه يا سناء قبل أن يغير رأيه. أمسكت سناء وجه ابنها وقبلته مرة أخرى. — لن أتركك تغير رأيك. أبعد جسور وجهه قليلًا. — أمي. ضحكت. حتى وليد نهض وربت على كتف ابنه. كانا سعيدين بصورة لم يرها جسور منذ مدة. وقررا أن يذهبا في اليوم التالي إلى آل ڤاليري بأنفسهما. ⸻ أما روز… فلم تعرف متى غلبها النوم. نامت وهي تبكي. استيقظت في اليوم التالي بعينين منتفختين ووجه متعب، وبقيت للحظات تحدق في سقف غرفتها. ثم عادت كلمات ريان إلى رأسها. «روز لا تثيرني بتاتًا.» أغمضت عينيها. ثم جاءت الجملة الأخرى. «عندما أطلقها وآخذ ثروة أبيها سأتزوجك.» شدت الغطاء فوق جسدها. لم تبكِ هذه المرة. لم يعد لديها ما يكفي من الدموع. ⸻ في ذلك الصباح، أمسك رؤوف هاتفه واتصل بجسور. كان جسور في مكتبه عندما رأى اسم ڤاليري. أجاب: — نعم. قال رؤوف مباشرة: — جسور، لا اعتراض على زواجكما. سكت جسور. ثم رفع حاجبه. — حقًا؟ بهذه السرعة؟ قال رؤوف: — لم نوافق نحن. تغيرت نظرة جسور. — من إذن؟ — روز من وافقت. توقف جسور تمامًا. وقبل أن يسأل أي شيء آخر، أغلق رؤوف الخط. أبعد جسور الهاتف عن أذنه ونظر إلى الشاشة. بقي صامتًا لثوانٍ. روز؟ بالأمس كانت تقف أمامه وتخبره أنها تكرهه. صفعته. ركلته. وصفته بالمقرف والمتحرش. واليوم… وافقت على الزواج منه؟ مال جسور إلى الخلف في مقعده. حاول أن يجد تفسيرًا منطقيًا. ثم قال بوجه بارد: — إما أعجبتها قبلاتي… أو أموالي. وضع الهاتف على المكتب ونهض. لم يشغل نفسه أكثر. سار نحو والديه اللذين كانا ينتظران الخبر منذ الصباح. قال: — وافقوا. شهقت سناء بسعادة. ابتسم وليد. أضاف جسور: — هيا. اذهبوا ونرى العروس. ⸻ لكن كلمة «نذهب» عند عائلة رافين لم تكن تعني زيارة عادية. قبل موعد الزيارة، كانت خمس سيارات قد جُهزت. لم يطلب جسور معظم ما وُضع فيها. كانت سناء هي التي أصرت. أفخم العطور. فساتين من دور أزياء فاخرة. مجوهرات. أطقم من الألماس. أحذية. حقائب. هدايا اختارتها سناء بنفسها وهي سعيدة أخيرًا بأنها تشتري شيئًا لزوجة ابنها المستقبلية. أما جسور فوقف يشاهد ما يحدث بصمت. ثم جاءت سناء بباقـة ضخمة من الورد ووضعتها في يده. نظر إليها. ثم إلى الباقة. وأعادها إليها. — لا. قالت سناء: — ماذا تعني لا؟ — لن أحملها. — إنها لعروسك. — أعطيها لها أنتِ. — جسور! أخذ وليد الباقة من زوجته وهو يضحك. — أعطني إياها. سأحملها أنا قبل أن يقرر ابنك إلغاء الزواج بسبب الورد. قالت سناء: — انظر إليه! سيذهب لطلب فتاة ولا يريد حتى حمل باقة ورد! فتح جسور باب سيارته. — أنا ذاهب للزواج، لا لبيع الورد. ضحك وليد بصوت مرتفع. أما سناء فضربت ذراع ابنها بخفة قبل أن تصعد إلى السيارة. ⸻ في منزل آل ڤاليري، كان الجميع يستعد لوصول عائلة رافين. أما روز فجلست أمام مرآتها. لم ترغب في الاستعداد أصلًا. لكن لمى دخلت غرفتها وأخرجت لها فستانًا ورديًا ناعمًا. ارتدته روز دون اعتراض. كان بسيطًا ورقيقًا، ينسدل فوق جسدها الصغير بنعومة. تركت شعرها الطويل المموج كما هو. لم تضع مساحيق تجميل. ولا أحمر شفاه. ولا حتى عطرًا. لا أقراطًا مبالغًا فيها ولا زينة. روز كما هي. وقفت لمى خلفها تنظر إليها عبر المرآة. — جميلة. لم تجب روز. مررت لمى يدها فوق شعر ابنتها. — هل أنتِ متأكدة؟ نظرت روز إلى نفسها. كانت عيناها لا تزالان تحملان أثر بكاء الليلة الماضية. قالت: — أنا من وافقت يا أمي. — هذا ليس جوابًا. سكتت روز. لم تستطع أن تخبرها. لم تستطع أن تقول إن الرجل الذي كانت ستتزوجه كان يخطط للزواج منها فقط ليأخذ مال أبيها ثم يطلقها. ولم تستطع الاعتراف بأنها سمعت خطيبها يخبر امرأة أخرى بأنها لا تملك أنوثة. لذلك قالت فقط: — لا أريد الحديث الآن. قبلت لمى رأسها. — حسنًا. وفي تلك اللحظة، سُمع صوت سيارات تدخل من البوابة الخارجية. اقتربت روز من النافذة. سيارة. ثم ثانية. وثالثة. ورابعة. وخامسة. وأخرى تقل جسور ووالديه. عقدت حاجبيها. — هل جاء ليتزوجني أم ليفتح متجرًا عندنا؟ كادت لمى تضحك رغم توترها. في الخارج، توقفت السيارات. نزل وليد أولًا… وهو يحمل باقة الورد الضخمة التي رفض ابنه حملها. نزلت سناء بجانبه، والسعادة ظاهرة على وجهها. ثم فُتح باب السيارة الأخرى. خرج جسور. بدلة داكنة، قامته التي قاربت المترين، كتفاه العريضان، ولحيته المرتبة كعادتها. رفع عينيه نحو الفيلا. أما روز فكانت تراقبه من خلف الستارة. هذه المرة لم تشتمه. لم تغضب. فقط نظرت إليه بصمت. بالأمس كان عدوها. وفي هذا الصباح… كان الرجل الذي وافقت بنفسها أن يصبح زوجهاتراجعت روز عن الباب خطوة، ثم أخرى. بدأت الذكريات تعود إليها على شكل ومضات متقطعة ومشوشة. ضحكتها وهي ثملة. وجه جسور الغاضب. سؤالها له عن فيكتوريا. ثم صوته عندما سألها أين كانت. وهي تقول بلا وعي: «كنت عند ريان أيضًا.» وضعت يديها على رأسها. — لا… لا، لا، لا… ثم عادت العبارة الأخرى إلى ذاكرتها. «قبّلني بحرارة.» شهقت ووضعت يدها على فمها. — يا إلهي… أنا قلت هذا؟ أغمضت عينيها بقوة تحاول تذكر المزيد. لم تذهب إلى ريان. لم تره أصلًا. كانت غاضبة وثملة، وأرادت أن تؤلمه فقط بعدما أخبرها بأنه كان مع فيكتوريا. لكن… كيف عرف جسور؟ رفعت رأسها فجأة ونظرت إلى باب غرفة الضيوف. ثم بدأت تطرق عليه. — جسور! لا جواب. — جسور، افتح الباب! ظل صامتًا. — تذكرت! في الداخل، فتح جسور عينيه. كان واقفًا أمام النافذة، والمنشفة حول خصره، وقطرات الماء ما تزال تنزل من شعره. سمعها تقول: — تذكرت ما قلته عن ريان! تحرك فكه بعصبية، لكنه لم يفتح. طرقت روز مجددًا. — افتح الباب، أرجوك. هناك سوء فهم! ضحك جسور بمرارة من الداخل. ثم قال بصوت مرتفع: — نامي يا روز. — لن أنام! افتح الباب! — لا أريد سم
أخذ جسور الهاتف من يد وائل، وبدأ يقلب الصور واحدة تلو الأخرى. الصورة الأولى… روز ووائل طفلان، يجلسان على الأرض ووجهاهما ملطخان بالشوكولاتة ويضحكان للكاميرا. الثانية… يركضان في حديقة، ووائل يمسك بيدها وهي تحاول اللحاق به. الثالثة… يجلسان إلى طاولة صغيرة يأكلان المثلجات، وروز تضحك بفم ممتلئ بينما يشير وائل إليها ساخرًا. ثم صورة أخرى. وأخرى. كبر الاثنان قليلًا في الصور. روز في الثانية عشرة تقريبًا، ووائل يقف بجانبها وهما يرفعان كأسين من العصير. صورة في رحلة عائلية. صورة أمام البحر. صورة وهما يلعبان بالماء. صورة يجلسان فيها على الأرض يضحكان حتى إن روز كانت تمسك بطنها. ظل جسور يقلب الصور بصمت. واحدة تلو الأخرى. معًا. دائمًا معًا. يضحكان. يأكلان. يلعبان. يتشاجران في بعضها. وفي أخرى يبتسمان للكاميرا وكأن العالم كله كان بسيطًا جدًا في ذلك الوقت. قال وائل ضاحكًا: — انظر إلى هذه! ظهرت روز صغيرة، نائمة على الأريكة، بينما رسم وائل بقلم قابل للمسح شاربًا فوق وجهها. شهقت روز. — أيها الحقير! ما زلت تحتفظ بها؟! انفجر وائل ضاحكًا. — هذه لن أح
أوراق الطلاق — فقط اجلسي وأغلقي فمك، وعندما أتأكد أنك بخير سأخرج. حدقت روز فيه بعينين مثقلتين بالثمالة، ثم ظهرت على شفتيها ابتسامة ساخرة. — كنت نائمًا معها، أليس كذلك؟ لم يجب جسور. اختفت ابتسامتها تدريجيًا. — سألتك. بقي صامتًا. ارتفع صوتها فجأة: — أجبني! اقتربت منه وصفعته. أمسك جسور معصمها فورًا. — هششش… كفاك جنونًا. حاولت سحب يدها. — أنا لست مجنونة! أنت القذر! — روز، أنت ثملة. — وهل نمت معها؟ أخبرني! أفلت يدها، لكنها أمسكت مقدمة قميصه بكلتا يديها وشدته نحوها. — ماذا فعلتما؟ وأين؟ في فراشها، أليس كذلك؟! — اتركي قميصي. — ماذا قالت لك؟! شدته أكثر. — قالت إنها تحبك؟ قالت لك إن عليك أن تتركني؟ هل أخبرتك أنني زوجة سيئة وأنها أفضل مني؟! ظل جسور صامتًا. كانت غيرتها تزداد مع كل ثانية لا يجيب فيها. — كم مرة كنت معها؟ هاه؟! لا جواب. ضربت صدره بقبضتها. — أجبنييييي! — كفى! — لا! لن أكفي! ضربته مرة أخرى. — لماذا لا تجيب؟ لأنني محقة؟! أمسك جسور يديها هذه المرة ومنعها من ضربه مجددًا. — لأنك الآن لا تريدين جوابًا يا روز. تريدين شجار
ثم انهال جسور عليه بالضربات. كان الموظفون قد فرّوا جميعًا من المكان وهم يصرخون، بعضهم اندفع نحو المخارج، والبعض الآخر وقف للحظات مصدومًا قبل أن يهرب. أما أولاد عمه، فكانوا يكسرون كل شيء يمر أمامهم. المكاتب، الحواسيب، الكراسي، الزجاج… كل شيء. صوت التحطيم كان يملأ الشركة من كل اتجاه. أما جسور… فقد جنّ جنونه. لم يعد يرى شيئًا حوله. كل ما كان يراه هو روز وهي تمشي تحت المطر وحدها، وجهها وهي تبكي في الحمام، معصمها الذي أخفته عنه، والطريقة التي ارتجف بها جسدها عندما رأت هذا الرجل في الحفل. رفع المضرب من جديد وانهال عليه بالضربات؛ على قدميه، ثم بطنه ويديه، بينما كان المدير يحاول حماية نفسه ويصرخ بلا توقف. — جسور! توقف! هاي! اندفع مجد نحوه وانتزع المضرب من يده بالقوة. استدار جسور إليه ودفعه بقوة. تراجع مجد خطوتين، ثم نظر إلى المضرب في يده وقال: — ليس بالمضرب، باليدين يا صغيري. إلى متى عليّ تعليمك؟ نظر إليه جسور. ثم ظهرت على وجهه ابتسامة غاضبة. — معك حق. واندفع نحوه من جديد. انهالت اللكمات والركلات، والتحق به بعض أبناء عمه، بينما كان الرجل يصرخ: — كفى! أر
بدأت روز بالعمل، تتنقل بين المكاتب وتسأل هنا وهناك. كانت جديدة تمامًا على المجال، لذلك لم تتردد في السؤال عن أي شيء لا تفهمه.شرحت لها إحدى الموظفات كيفية التعامل مع العملاء، وأخرى علمتها كيف ترتب ملفات العقارات والعقود، وثالثة جلست بجانبها تشرح لها طريقة عرض البيوت والأسعار ومواعيد المعاينة.ثم مالت إحدى السيدات نحوها وقالت بصوت منخفض:— وبالنسبة للمدير… نصيحة يا صغيرة، سايريه. كوني لطيفة معه ونفذي طلباته جميعها، وسيزيد راتبك.رفعت روز عينيها إليها باستغراب.— طلباته؟هزت المرأة كتفيها.— ستفهمين مع الوقت.لم تهتم روز كثيرًا بكلامها، وظنت أنها تقصد ضغط العمل أو طلباته الكثيرة.عادت إلى مكتبها وبدأت تقلب الأوراق، تنظر إلى البيوت واحدًا تلو الآخر، تقرأ المساحات والأسعار والمواقع، وتدوّن ملاحظاتها الصغيرة على كل ملف.مر الوقت بسرعة.أما جسور، فكان يفكر بها طوال اليوم.أرسل إليها:— كيف العمل؟لم تجب.بعد ساعة:— أكلتِ شيئًا؟لا جواب.ثم:— روز؟ولا شيء.نظر إلى هاتفه بانزعاج وهز رأسه.— ما زالت تنتقم مني…كان يعرف أنها تفعل ذلك عمدًا بسبب ما حدث مع فيكتوريا، لذلك حاول ألا يزعجها أكثر، ر
الفصل. 13ثم نظرت إلى جسور بابتسامة باردة لم يستطع فهمها. — ماذا؟ لم تجبه. رفعت يدها ببطء نحو عنقه، ومررت إبهامها على أثر أحمر شفاه فيكتوريا الذي بقي على جلده. نظرت إلى اللون على إصبعها لثانية، ثم مسحته بمنديل. قال جسور بسرعة: — روز، لا تسيئي الفهم. رفعت عينيها إليه. — جسور، لا تبرر. لم أُسئ الفهم، لا تقلق. عقد حاجبيه. هدوؤها لم يعجبه إطلاقًا. — صغيرتي… لفت ذراعيها حول عنقه فجأة. — نعم، جسور؟ توقف قليلًا، ثم ابتسم بحذر. — هل أنتِ غاضبة؟ بدل أن تجيبه، اقتربت وقبلته قبلة طويلة. تفاجأ للحظة، لكنه بادلها القبلة. ابتعدت روز قليلًا، نظرت في عينيه، ثم عادت وقبلته مرة أخرى، أطول من الأولى، ويداها لا تزالان ملتفتين حول عنقه. كانت فيكتوريا واقفة في مكانها تشاهد. اشتدت قبضتها بصمت، بينما بقيت عيناها معلقتين بهما. ابتعدت روز أخيرًا عن جسور، ثم قالت وكأنها تذكرت شيئًا للتو: — جسور، تعثرت منذ قليل وآلمت كاحلي حقًا. تغيرت ملامحه فورًا. — ماذا؟ أين؟ — هنا. لا أظن أنه شيء خطير… فقط دلكه لي قليلًا. — حسنًا، صغيرتي. بدأ جسور ينحني أمامها، ثم توقف فجأة وكأنه تذكر وجود شخص ثا







