LOGINحين جلس بقربي، أحببته متأخرًا
استيقظت تالين في ذلك الصباح وهي تردد في داخلها جملة واحدة، كأنها تعويذة تحاول بها ضبط يومها قبل أن يبدأ: اليوم سأتجاهله تمامًا. قالتها وهي تنهض من سريرها، وقالتها ثانية أمام المرآة وهي تغسل وجهها بالماء البارد، ثم أعادتها للمرة الثالثة وهي ترتب خصلات شعرها وتبحث بعجلة عن حقيبتها. كانت تقنع نفسها أن شهاب لا يعني شيئًا، مجرد طالب مستفز ظهر مصادفة في بداية الفصل وسيختفي أثره مع نهايته، وأن انشغالها به ليس إلا رد فعل مؤقتًا على وقاحته الباردة. حتى في الطريق إلى الجامعة، بين ضجيج السيارات ورائحة الصباح المختلطة بالغبار والقهوة، ظلت تكرر الفكرة ذاتها بإصرار. لكنها كانت تعرف، في زاوية صغيرة من نفسها، أن الحياة لا تكترث كثيرًا بخططها المحكمة. دخلت القاعة مبكرًا، وجلست في مقعدها المعتاد، ثم صفّت كتبها بعناية على نصف الطاولة كأنها تبني جدارًا حدوديًا واضحًا. وضعت الدفتر في المنتصف، والمقلمة إلى جانبه، ثم تراجعت قليلًا تتأمل إنجازها الصامت بشيء من الرضا. كانت تنظر إلى الباب كل دقيقة دون قصد، ثم تنتبه لنفسها وتعبس. لماذا تنظر أصلًا؟ ولماذا يهمها إن دخل أم لم يدخل؟ زفرت بضيق، وأشاحت بوجهها نحو السبورة. في تلك اللحظة انفتح الباب. دخل شهاب بهدوئه المعتاد، كأنه لا ينتمي إلى عجلة العالم من حوله. كانت حقيبته معلقة على كتف واحد، وخطواته ثابتة، وملامحه خالية من أي اهتمام بمن حوله. تقدّم نحو المقعد، ثم توقف عندما رأى الكتب المصفوفة أمامه. نظر إليها أولًا، ثم إلى الكتب، ثم عاد إليها وقال بصوت جاف: "هل ستجلس كتبك وتحضر المحاضرة أم أزيحها أنا؟" رفعت رأسها فورًا، وفي عينيها شرارة تحدٍ. "هذه حدودي." سأل ببرود: "وهل الحدود قابلة للتفاوض؟" قالت بحزم: "لا." مد يده دون استعجال، وأزاح كتابين جانبًا، ثم جلس كأن الأمر محسوم منذ البداية. شهقت وهي تلتفت إليه: "وقح!" أخرج قلمه ووضعه فوق الدفتر، ثم قال من غير أن ينظر إليها: "متأخرة في الوصف... سمعتُها أمس." بدأت المحاضرة، وكان الدكتور يشرح بسرعة مرهقة، يكتب المعادلات والملاحظات على السبورة كأن الزمن يطارده. حاولت تالين أن تركز، لكن صوت قلم شهاب وهو يضغط بقوة على الورق كان يطرق أعصابها طرقًا متواصلًا. التفتت إليه أخيرًا وقالت بصوت خافت غاضب: "ألا تعرف الكتابة بهدوء؟" أجاب من غير أن يرفع رأسه: "وأنتِ ألا تعرفين السكوت بهدوء؟" حدقت به لحظة طويلة، ثم عادت إلى دفترها وهي تشد على قلمها بعصبية. بعد عشر دقائق فقط، انكسر القلم بين أصابعها. أغمضت عينيها بغيظ، ثم بدأت تفتش حقيبتها بسرعة. لا قلم آخر. همست لنفسها: "رائع... رائع جدًا." من غير أن يلتفت، مد شهاب يده بقلم احتياطي نحوها. توقفت لحظة، ونظرت إليه بشك. قال بهدوء: "لا تفهمي الأمر خطأ، أريد سماع شرح الدكتور دون تعليقك." انتزعت القلم من يده وقالت: "سأعيده مكسورًا." رد فورًا: "يشبه أصله إذًا." في الاستراحة خرجت تالين إلى الساحة مع رند، والشمس الخفيفة تلامس المقاعد الحجرية، فيما تتناثر أصوات الطلبة في الأرجاء. كانت تشكو كعادتها، تتحدث بيديها وبنبرة مسرحية جعلت رند تضحك أكثر مما تتعاطف. قالت رند: "أظن أنك تفكرين به أكثر مما تكرهينه." توقفت تالين في مكانها كأن أحدهم صفعها بالكلمات. "أعوذ بالله. أنا فقط أتمنى اختفاءه." سألتها رند وهي تكتم ضحكتها: "من الجامعة؟" أجابت بحدة: "من الكوكب." وفي اللحظة نفسها مر شهاب من خلفهما، ومن دون أن يبطئ خطاه قال: "سمعتك... لكن الكوكب أوسع من أحلامك." شهقت رند ضاحكة، بينما التفتت تالين بسرعة وقالت: "هل تتجسس علينا أيضًا؟!" رد من غير أن يلتفت: "أصواتكم تصل للقارات." بعد المحاضرة الثانية أعلن أحد الأساتذة عن مشروع جماعي إجباري. امتلأت القاعة بالهمهمات فورًا، وبدأ الجميع يلتفون نحو أصدقائهم لتشكيل المجموعات. أمسكت تالين بذراع رند بسرعة، كأنها تؤمن نفسها من كارثة قادمة. لكن الأستاذ رفع يده وقال: "الأسماء ستوزع عشوائيًا لضمان العدالة." شعرت تالين بانقباض غير مبرر. بدأ يقرأ القائمة اسمًا تلو الآخر. "رند مع ميار..." فابتسمت رند وابتعدت وهي تعتذر بعينيها. ازداد توتر تالين. ثم جاء الاسم الذي تمنّت ألا تسمعه. "تالين... مع شهاب." ساد صمت قصير، تلاه ضحك خافت انتشر في القاعة، فقد كان الجميع قد لاحظ التوتر الواضح بينهما منذ أيام. رفعت تالين يدها فورًا وقالت: "دكتور، أطلب إعادة النظر." أجاب الأستاذ بصرامة: "مرفوض." رفع شهاب يده بهدوء وقال: "وأنا أطلب دعمًا نفسيًا." انفجرت الضحكات أعلى هذه المرة. التفتت إليه مصدومة: "أنا المشكلة؟!" قال وهو يغلق دفتـره: "أنا لم أذكر اسمًا." بعد انتهاء الدوام وقفت عند بوابة الجامعة تنتظر سيارة أجرة، تحمل ملفات المشروع وتتمتم غاضبة بكلمات غير مترابطة. فجأة هبت ريح قوية، فانتزعت الأوراق من بين يديها ونثرتها في الشارع كأسراب بيضاء مذعورة. صرخت بلا تفكير: "لااا!" ركضت خلفها مرتبكة، وانحنت تلتقط ما استطاعت، بينما انزلقت إحدى الأوراق نحو الطريق. وقبل أن تصل إليها، سبقها شهاب وأمسكها. ثم انحنى يجمع بقية الأوراق بصمت، بحركة سريعة وهادئة، وكأنه معتاد على إصلاح الفوضى التي يسببها الآخرون. وقفت أمامه تلهث. "كنت سأجمعها." قال وهو يناولها الأوراق مرتبة: "واضح." ثم أضاف بنبرة محايدة: "أنتِ كارثة متحركة." أخذتها منه بعصبية وقالت: "وأنت متكبر متحرك." صمت لحظة، ثم قال: "غدًا في المكتبة الساعة العاشرة لمناقشة المشروع." قالت فورًا: "لن آتي." "ستأتين." "لن آتي." اقترب خطوة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتشعرها بارتباك غير مفهوم. نظر إليها بثبات وقال: "لأنك تريدين الدرجة... ستأتين." ثم غادر. بقيت واقفة مكانها، تمسك الأوراق بقوة، وقلبها يغلي من الغضب لدرجة أنها لم تعرف أهو غضب منه أم من نفسها. تمتمت: "من يظن نفسه هذا؟" في الليل حاولت أن تذاكر، لكن الكلمات كانت تتداخل أمامها. كلما فتحت كتابًا تذكرت نبرته الواثقة. كلما كتبت سطرًا سمعت ردوده الساخرة في رأسها. تناولت هاتفها لتلهي نفسها، فوجدت رسالة في مجموعة الصف: شهاب أرسل ملفًا بعنوان "خطة المشروع". فتحته بفضول قاومته ثم استسلمت له. كان الملف منظمًا على نحو مبالغ فيه، مقسمًا بدقة، محدد المهام والمواعيد والمراجع، وفي آخر الصفحة سطر واحد فقط: "مهمتك الوحيدة: لا تفسدي التنظيم." شهقت من الغيظ وصرخت في غرفتها: "أكرهه!" لكنها، دون أن تشعر، ابتسمت. في صباح اليوم التالي أقسمت أنها لن تذهب إلى المكتبة. كررت القسم أكثر من مرة، وصدّقته تقريبًا. وعند الساعة التاسعة وتسعٍ وخمسين دقيقة، كانت تقف أمام باب المكتبة، تتنفس بغيظ، وكأن قدميها خانتا عقلها. دفعت الباب ودخلت. رأته جالسًا وحده إلى طاولة جانبية قرب النافذة. كانت أمامه نسختان من المراجع، وأوراق مرتبة، ومقعد مقابل تركه فارغًا لها. رفع عينيه عندما اقتربت وقال: "تأخرتِ دقيقة." جلست بقوة وقالت: "احمد ربك أني جئت." أعاد نظره إلى الكتاب وقال بهدوء: "بدأت أشك أن القدر يحبني فعلًا." عضّت على شفتيها كي لا ترمي الكتاب في وجهه. ولم تكن تعرف، وهي تراقبه بغيظ من خلف صمتها، أن هذه الجلسة المزعجة ستكون أول مرة تراه فيها عن قرب حقًا، وأول مرة تلاحظ أن خلف بروده المزعج تعبًا خفيًا يسكن عينيه.حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم يعد شهاب يتحرك بعشوائية كما كان من قبل، ولا حتى كمن يحاول النجاة من شيء يطارده. كان كل شيء في خطواته محسوبًا بدقة غريبة، كأنه لا يعيش اليوم فقط، بل يغلق به سلسلة طويلة من الأيام التي لم تكن تشبه الحياة بقدر ما كانت تشبه البقاء على الحافة. في ذلك الصباح، كان البيت ساكنًا على نحو مختلف، ليس هدوء الراحة الذي يسبق الاطمئنان، بل هدوء يشبه الوقوف أمام باب يُغلق نهائيًا بعد طول انتظار.تالين شعرت بذلك التغيّر قبل أن تسمع أي كلمة. كان في الهواء شيء مشدود، في الضوء، في طريقة وقوفه وهو يرتدي معطفه بصمت لا يحمل ارتباكًا هذه المرة. رفعت نظرها إليه ببطء، وكأن داخلها يتوقع شيئًا لا تريد تسميته، وقالت بصوت منخفض: "أنت مختلف اليوم." لم ينكر، لم يتهرب، فقط قال بثبات هادئ: "اليوم ينتهي كل شيء." توقفت يداها عن الحركة للحظة، وشعرت بشيء يشبه الانقباض الخفيف في صدرها، ثم سألته: "كيف يعني ينتهي؟" اقترب منها قليلًا، ونظر إليها مباشرة وكأنه يختار كلماته من مكان بعيد: "سأسلم كل الملفات… وكل ما تبقى… وأغلق هذا الملف بالكامل."كانت تلك البداية التي لم تشبه أي بداية سابقة، بل نهاي
حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم يعد البيت كما كان من قبل، ولم تعد تالين أيضًا كما كانت في الأيام التي سبقت هذا الهدوء الجديد. كان هناك تغيّر يحدث بصمت، لا يعلن عن نفسه ولا يطلب الاعتراف، لكنه يترك أثره في كل شيء؛ في طريقة جلوسها، في تنفسها، في نظرتها حين تقع على شهاب دون أن تدرك أنها لم تعد تراه بالخوف ذاته الذي كان يسبق حضوره. لم يكن الألم قد اختفى، لكنه لم يعد يحتل المساحة كاملة كما كان يفعل، كأنه تراجع قليلًا إلى الخلف ليمنح شيئًا آخر فرصة الظهور، شيئًا أشبه بالسكينة المترددة.كانت تالين تجلس على الأريكة، والطفل نائم بجانبها، وجسدها مستند بخفة لا تشبه ذلك التوتر القديم الذي كان يسكن كتفيها دائمًا. وجهها بدا أخف، كأن التعب الطويل بدأ يهدأ في ملامحه دون أن يختفي تمامًا. حين دخل شهاب الغرفة بهدوءه المعتاد، لم تتحرك كما كانت تفعل سابقًا، لم تُشدّ ملامحها ولم تتصلب، بل رفعت نظرها إليه فقط، ثم ابتسمت. كانت ابتسامة صغيرة جدًا، لكنها بالنسبة لها كانت شيئًا غير مألوف، وكأنها خرجت من مكان داخلي لم يكن يستخدم منذ وقت طويل. والأغرب أنها وصلت إليه مباشرة.توقف للحظة، وكأنه يحاول قراءة هذا التغ
حين جلس بقربي، أحببته متأخرًافي الأيام التي تلت ذلك، لم يكن كل شيء قد استقر كما يبدو من الخارج، لكن شيئًا خفيًا كان يتشكل بهدوء، كطبقة دافئة تُضاف فوق تعب طويل. لم يكن هناك سلام كامل، بل نوع مختلف من الحياة، حياة تمشي على حافة الإرهاق لكنها تحمل بين طياتها دفئًا صغيرًا لا يُفسَّر بسهولة، أشياء لا تُقال لكنها تُفهم من نظرة، من حركة يد، من صمت لا يبدو فارغًا هذه المرة.كانت تالين تجلس على الأريكة، تحتضن طفلها بين ذراعيها، تحاول أن تمنحه الرضاعة بهدوء متماسك، لكن داخلها لم يكن هادئًا تمامًا. جسدها مشدود قليلًا، وكتفاها يحملان توترًا خفيًا لا تستطيع إخفاءه، خصوصًا مع وجود شهاب في الغرفة نفسها. كان حضوره وحده كافيًا ليجعلها أكثر وعيًا بكل حركة تقوم بها، وكأن الهواء نفسه أصبح أكثر كثافة حين يكون قريبًا.شهاب كان واقفًا قرب النافذة، لا يتدخل، لا يقتحم المسافة بينها وبين طفلها، لكنه في الوقت نفسه لم يكن غائبًا. عينيه كانتا تعودان إليها بين لحظة وأخرى، بهدوء مراقب لا يحمل استعجالًا، وكأنه يمنحها مساحة من جهة، ويظل حاضرًا فيها من جهة أخرى. هذا التوازن تحديدًا هو ما جعل توترها لا يهدأ تمامًا.ق
حين جلس بقربي، أحببته متأخرًامرّ أسبوعان على الولادة، لكن الزمن بدا وكأنه فقد طريقه المعتاد داخل هذا البيت. لم يعد يُقاس بالساعات أو الأيام، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر: بكاء خفيف من الغرفة المجاورة، حركة طفلة جديدة في الحياة، وخطوات هادئة لشهاب بدأت تملأ الفراغ الذي كان يبتلعه سابقًا. لم يعد الصمت هو السيد هنا، بل شيء أشبه بتوازن هش بين التعب والطمأنينة.تالين كانت تجلس على السرير، تحمل طفلها بين ذراعيها كأنها ما زالت تتعلم كيف تصدّق وجوده. ملامحه الصغيرة كانت تستقر في عينيها طويلاً، كأنها تحفظه لا تراه فقط، وكل نفس منه كان يعيد ترتيب شيء داخلها لم تكن تعرف أنه ما زال قابلًا للترتيب. كان وجهها مرهقًا، لكن التعب هذه المرة لم يكن انكسارًا، بل أثر حياة بدأت تتشكل من جديد فوق أنقاض ما قبلها.شهاب وقف عند الباب في البداية دون أن يدخل، يراقب المشهد بصمت طويل. لم يكن ذلك التردد القديم الذي يسبق حضوره، بل نوع مختلف من السكون، كأنه يخشى أن يفسد اللحظة بمجرد أن يخطو خطوة خاطئة. كان ينظر إليهما وكأنهما شيء لا يريد أن يلمسه الزمن، شيء يستحق أن يُحفظ كما هو ولو للحظة واحدة."هل نام؟"سأل أخيرًا بصوت
حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم تعد اللحظة داخل الغرفة تحتمل أي تأجيل، وكأن كل ما سبق كان مجرد تمهيد طويل لثقل هذه الدقائق التي انضغط فيها الزمن حتى صار أشبه بفراغ مشدود على حافة الانفجار. الأوامر الطبية تتسارع، الأيدي تتحرك، والأصوات تتداخل بين توجيه ونداء، بينما الهواء نفسه بدا أكثر كثافة من أن يُتنفس بسهولة.تالين كانت هناك، لكنها لم تكن هناك بالكامل. جسدها على السرير، ممسكة بحافته وكأنها تتشبث بآخر نقطة ثابتة في عالم يتفكك حولها، ويدها الأخرى تبحث بشكل غريزي عن شيء يمنعها من السقوط داخل الألم وحده. كانت تتنفس بصعوبة، كل نفس يخرج منها وكأنه انتصار صغير على موجة جديدة من الانقباضات التي تعود أقوى من السابقة. عيناها نصف مفتوحتين، زائغتين بين السقف والوجوه حولها، لكن الحقيقة الوحيدة التي كانت تبحث عنها لم تكن في أي منهم.كانت في الباب.وعندما انفتح، لم يحدث شيء في الغرفة سوى أن الزمن نفسه بدا وكأنه توقف لحظة قصيرة، احترامًا لذلك الدخول الذي لم يكن عاديًا. شهاب وقف عند العتبة، جسده متوتر كوتر مشدود، وعينيه تمسكان بها كما لو أنه يخشى أن تختفي إذا رمش. لم يكن في نظرته خوف واضح، ولا راحة
حين جلس بقربي، أحببته متأخرًامرّ الدفن على تالين كأنه حدث وقع في عالم آخر، عالم يخص غرباء لا يخصها، رغم أن قلبه انغرس في صدرها أكثر من أي أحد. عاد البيت بعده ساكنًا على نحو غير طبيعي؛ سكون لا يشبه الراحة بل يشبه الفراغ بعد العاصفة. لا أصوات زائرين، لا رنين هواتف، لا حركة سوى خطوات رند الخفيفة وهي تتنقل بين الغرف كأنها تخشى أن تزعج الحزن إذا رفعت صوتها. حتى الهواء بدا أثقل، كأن الجدران امتصت البكاء واحتفظت به داخلها. لم تعد تالين تجلس قرب النافذة كما كانت تفعل من قبل، بل اختارت زاوية أبعد عن الضوء، في الداخل، حيث لا تصل الشمس كاملة ولا تصل الحياة كاملة. كانت تجلس هناك منحنية قليلًا، يداها ساكنتان فوق حضنها، وعيناها غارقتان في مكان لا يراه أحد. وضعت رند كوب ماء أمامها وقالت برفق: "اشربي قليلًا." لم تمد يدها إليه. عادت رند تقول: "تالين... أنتِ لا تأكلين منذ يومين." أجابت بصوت خافت خالٍ من الانفعال: "لا أشعر بالجوع." قالت رند بصرامة محبطة: "هذا ليس جوابًا." عندها رفعت تالين عينيها ببطء، وكانت فيهما مسافة مرهقة، وقالت: "أنا لا أشعر بشيء أصلًا."في الجهة الأخرى، داخل الغرفة البيضاء التي صا
حين جلس بقربي، أحببته متأخرًاكان الصوت الخارج من الهاتف هادئًا أكثر مما ينبغي، هدوءًا مصقولًا يثير الخوف أكثر من أي صراخ. أدرك شهاب ذلك فورًا، ولذلك لم يجب مباشرة. ضغط زر السماعة، وبقي ينظر إلى الفراغ أمامه كأنه يحدق في وجه خصم غير مرئي. كانت تالين ما تزال بين ذراعيه، تلتقط أنفاسها بسرعة، وقلبها ي
حين جلس بقربي، أحببته متأخرًاارتفع السلاح في يد الرجل الأصلع ببطء محسوب، كأن الزمن نفسه انحنى ليمنحه مساحة أوسع. وفي الثانية التي تلت، تمدد كل شيء على نحو غير طبيعي؛ الهواء صار أثقل، الأصوات تراجعت إلى خلفية بعيدة، وارتجف الضوء فوق الشارع المغبرّ كأنه يتهيأ لصدمة جديدة. رأت تالين فوهة السلاح مصوبة
حين جلس بقربي، أحببته متأخرًابقيت السيارة السوداء متوقفة بعيدًا عن العيادة كأنها جزء من الظلال، ساكنة من الخارج إلى حد الخداع، بينما كانت في داخلها حركة أخطر من أي مطاردة في الشوارع. جلس الرجل في المقعد الخلفي مستندًا إلى الجلد الداكن، يمرر إصبعه على الجرح المشقوق عند حاجبه قبل أن يخرج جهاز اتصال
حين جلس بقربي، أحببته متأخرًاساد الصمت داخل الغرفة بعد أن انطفأت آخر الكلمات، صمت كثيف كأنه مادة ملموسة تستقر فوق الأثاث والجدران والأنفاس. بقي الملف مفتوحًا على السرير، وصفحاته مائلة قليلًا، بينما تناثرت الصور حوله كما لو أنها شظايا حادث قديم عاد لينفجر من جديد. لم تتحرك تالين، لكن سكونها لم يكن







