Share

٣

last update Petsa ng paglalathala: 2026-04-23 00:10:35

جلست تالين أمام شهاب في مكتبة الجامعة وهي تضرب طرف القلم على الطاولة بإيقاع عصبي يكشف ضيقها أكثر مما تخفيه ملامحها. كانت المكتبة هادئة إلا من أصوات الصفحات المقلوبة وهمسات متفرقة، وضوء الظهيرة يتسلل من النوافذ العالية فيرسم خطوطًا باهتة فوق الطاولات الخشبية. أما هو، فكان يقلب صفحات المرجع أمامه بتركيز كامل، كأن وجودها في المقعد المقابل لا يغيّر شيئًا في العالم. ازداد انزعاجها من هدوئه المصطنع، وقالت أخيرًا بحدة: "هل ستبقى صامتًا هكذا؟"

أجاب من غير أن يرفع عينيه: "كنت أظن أن هذا ما تريدينه."

شدّت على القلم وقالت: "أنا أريد إنهاء المشروع فقط."

قال ببرود: "وأنا أيضًا، لذلك حاولي ألّا تعيقي المهمة."

ضيقت عينيها وحدقت فيه طويلًا. "أتعلم؟ لديك موهبة حقيقية في استفزاز الناس."

رفع نظره أخيرًا، وكانت عيناه ساكنتين على نحو يربكها، ثم قال: "وأنتِ لديك موهبة في الاستفزاز دون قصد."

شعرت برغبة صادقة في أن تضربه بالكتاب المفتوح أمامها، لكن كبرياءها أجبرها على الجلوس باستقامة. قالت من بين أسنانها: "حسنًا... ماذا سنفعل؟"

دفع نحوها ورقة كتب فيها عناوين مرتبة بخط دقيق. "هذه المحاور، وأنتِ ستجمعين المعلومات عن القسم الأول."

نظرت إلى الورقة، ثم إليه. "ومن أعطاك حق توزيع الأدوار؟"

أجاب فورًا: "لأنك لو توليتِ التنظيم، سنسلّم المشروع بعد التخرج."

شهقت بصدمة. "أنت—"

قاطعها وهو يعود إلى كتابه: "نعم، أعرف."

بدأت تعمل مرغمة، وكلما كتبت فقرة أو رتبت سطرًا، مد يده وأخذ الورقة ليراجعها كما يفعل مدرس صارم مع تلميذته المشاغبة. وبعد المرة الثالثة سحبت الورقة من يده بعصبية. "كفّ عن التعامل معي كأنني طالبة ابتدائية."

قال من دون أن يتأثر: "إذًا توقفي عن كتابة أخطاء ابتدائية."

حدقت فيه بغيظ، ثم أنزلت عينيها إلى السطر الذي أشار إليه. كان محقًا. الكلمة ناقصة، والمعلومة غير دقيقة. زادها ذلك غيظًا أكثر من إهانته نفسها. همست: "حتى عندما تكون محقًا... أكرهك."

أعاد عينيه إلى الكتاب وقال: "الشعور متبادل جزئيًا."

مرّت ساعة، ثم أخرى، وتالين تشعر أنها تدخل معركة تخسر فيها كل جولة. كلما حاولت افتعال مشكلة، رد بجملة قصيرة باردة تعيدها إلى مكانها. وكلما ظنت أنها أربكته، وجدته أكثر ثباتًا. بدأت تقتنع أنه يستمتع بإغاظتها، وأن هدوءه ليس طبعًا بل سلاحًا يستخدمه ببراعة.

وفي لحظة شرود رفعت رأسها لتجده يسعل بخفة، ثم يضغط أصابعه على صدره لثانية عابرة قبل أن يكمل القراءة. تجمدت، وقد مرّ المشهد أمامها سريعًا لكنه لم يَخْفَ عنها.

قالت بتردد: "هل أنت بخير؟"

أجاب فورًا: "نعم."

"لكن—"

رفع نظره إليها هذه المرة وقال بحدة غير معتادة: "قلت نعم."

سكتت فورًا. لم يكن الرفض وحده ما أدهشها، بل ذلك التوتر الخاطف الذي شق بروده المعتاد ثم اختفى.

عند الظهيرة نهضت تالين وهي تمد ذراعيها بتعب. "سأشتري شيئًا من المقصف."

قال دون أن ينظر إليها: "أحضري قهوة سوداء."

استدارت ببطء وكأنها لم تسمع جيدًا. "هل أبدو لك موظفة توصيل؟"

"لا."

"إذًا لماذا طلبت؟"

أجاب ببساطة: "لأنك ذاهبة أصلًا."

ابتسمت بسخرية وقالت: "اشرب الماء."

وغادرت. لكنها عادت بعد خمس دقائق، تحمل كوبين؛ أحدهما لها، والآخر قهوة سوداء. وضعته أمامه بعنف متعمد. نظر إلى الكوب، ثم إليها، وقال ببساطة أربكتها: "شكرًا."

تلعثمت وهي تشيح بوجهها: "لا تعتد."

بعد قليل انقطع التيار الكهربائي في المكتبة، وتعالت همهمات الطلاب دفعة واحدة. توقفت أجهزة التكييف، وبدأ الهواء يثقل، واختلطت رائحة الورق القديم بحرارة المكان. قالت تالين بضيق: "رائع... ينقصنا فقط حريق."

جمع شهاب أوراقه وقال: "تعالي."

نظرت إليه بريبة. "إلى أين؟"

"هناك قاعة دراسة جانبية فيها مولدة."

رفعت ذقنها متحدية: "ومن قال إني سأتبع أوامرك؟"

حمل كتبه ومشى دون رد.

بعد ثلاث ثوانٍ فقط، لحقت به.

كانت القاعة الجانبية شبه فارغة، هادئة، يملؤها ضوء أصفر خافت وصوت المولدة البعيد. جلسا متقابلين من جديد، وبدآ العمل. هذه المرة بدا الصمت أقل توترًا، كأن العزلة الصغيرة نزعت من بينهما بعض الحدة.

فجأة قالت تالين: "لماذا أنت هكذا؟"

رفع حاجبه. "كيف؟"

"بارد، مستفز، تتصرف وكأنك أكبر من الجميع."

أعاد ترتيب الأوراق أمامه، ثم قال: "وأنتِ لماذا أنتِ هكذا؟"

ضيقت عينيها. "كيف؟"

"صاخبة، متسرعة، وتتحدثين قبل أن تفكري."

فتحت فمها لترد بعنف، ثم توقفت. لأن كلامه، على كرهها للاعتراف، لم يكن كذبًا تمامًا.

قالت بعد لحظة: "على الأقل أنا صريحة."

رد من دون أن يبتسم: "وعلى الأقل أنا هادئ."

رن هاتف تالين فجأة، فقطع السكون بينهما. نظرت إلى الشاشة، فتبدل وجهها فورًا، وانطفأت فيه السخرية المعتادة. أغلقت المكالمة بسرعة.

لاحظ شهاب ذلك. "لن تردي؟"

قالت بحدة دفاعية: "لا شأن لك."

أعاد نظره إلى أوراقه. "جيد."

لكن الهاتف عاد يرن ثانية، ثم ثالثة. ازدادت ارتباكًا، ونهضت مسرعة وخرجت إلى الممر. تبعها بنظره من غير أن يتحرك.

بعد دقائق عادت، وعيناها محمرتان قليلًا، كأنها كانت تقاوم دموعًا أو غضبًا قديمًا. جلست بصمت.

قال هذه المرة بصوت أهدأ مما اعتادت: "هل هناك مشكلة؟"

ردت بسرعة: "لا."

قال وهو يقلب الصفحة: "تكذبين بشكل سيئ."

نظرت إليه بضيق، ثم تنهدت وقالت: "إنه أخي. يريد مني العودة مبكرًا كل يوم، ويتصرف كأن الجامعة مكان حرب."

صمت قليلًا، ثم قال: "ربما يقلق عليك."

ردت بمرارة: "بل يخنقني."

أعاد نظره إلى الكتاب وقال: "الفرق بينهما أحيانًا صغير."

لم تعرف لماذا، لكن الجملة بقيت معلقة في ذهنها كشيء قيل من تجربة لا من رأي.

مع اقتراب العصر كانا قد أنجزا نصف المشروع. شعرت تالين بفخر طفولي، وقالت وهي تشير إلى الأوراق: "انظر، رغم وجودي أنجزنا كثيرًا."

قال من دون أن يرفع رأسه: "تخيلي لو لم تكوني هنا."

التقطت الممحاة ورمتها نحوه. أمسكها بسهولة، ثم رفع رأسه... وابتسم.

ابتسامة واضحة هذه المرة.

توقفت تالين لثانية. بدا مختلفًا تمامًا؛ أخفّ، أصغر سنًا، وأقل قسوة. اختفى ذلك الحاجز الجامد عن وجهه للحظة، فبان إنسانًا آخر لم تره من قبل.

قالت بسرعة وهي تشيح بنظرها: "لا تبتسم كثيرًا."

سأل بهدوء: "لماذا؟"

قالت: "يخرب صورة المتعجرف."

ضحك بخفة.

وشعرت هي بانزعاج غريب... من صوت ضحكته الذي أعجبها أكثر مما يجب.

حين همّا بالمغادرة حمل شهاب الكتب دفعة واحدة. قالت: "أعطني بعضها."

"لا حاجة."

"أنا قادرة."

"أعرف، لكنك ستوقعينها."

قالت بعناد: "لن أوقعها."

وفي اللحظة نفسها تعثرت بحقيبتها وكادت تسقط. مد يده بسرعة وأمسك ذراعها قبل أن ترتطم بالأرض.

ساد صمت قصير.

كانت قريبة جدًا منه. قريبة أكثر مما ينبغي. استطاعت أن ترى الخطوط الخفيفة تحت عينيه، وأن تشم رائحة قهوته، وأن تسمع أنفاسها المضطربة أعلى من اللازم.

تركها فورًا وقال ببرود مصطنع: "أثبتِّ وجهة نظري."

ابتعدت خطوة، وقلبها يخفق بعنف. تمتمت: "الأرض غير مستقرة."

قال: "طبعًا."

خرجا من المكتبة معًا، والسماء تميل إلى الغروب، والجامعة تفرغ ببطء من ضجيجها. سارا جنبًا إلى جنب على نحو بدا طبيعيًا أكثر مما يجب.

قالت فجأة: "هل أنت دائمًا وحدك؟"

نظر إليها بطرف عينه. "سؤال غريب."

"أجب فقط."

قال بعد لحظة: "غالبًا."

"ولماذا؟"

أجاب: "لأن الهدوء مريح."

ابتسمت بسخرية. "أو لأن الناس لا يطيقونك."

نظر إليها ثم قال بهدوء: "وأنتِ؟ لديك صديقات كثيرات، ومع ذلك تبدين وحيدة أحيانًا."

توقفت فجأة، كأن كلماته أمسكت بشيء حاولت إخفاءه طويلًا. "ماذا تقصد؟"

قال وهو يكمل سيره: "لا شيء."

شعرت بانزعاج أكبر من أي إهانة سابقة... لأنه أصاب شيئًا حقيقيًا.

عند البوابة توقفت سيارة أجرة لتالين. فتحت الباب، ثم التفتت إليه وقالت بعنادها المعتاد: "لا تظن أنني بدأت أطيقك."

قال: "لا تقلقي... ما زلتِ بعيدة جدًا عن ذلك."

أغلقت الباب بعنف. ومن خلف الزجاج رأته يضع يده على صدره مرة أخرى، ويأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يمشي.

اختفت سخريتها فورًا.

ما به؟

لكن السيارة تحركت قبل أن تجد جوابًا.

في الليل جلست على سريرها تراجع ما حدث كأنها تعيد مشاهدة يوم كامل لا تفهمه. تشاجرا عشرات المرات. أهانها مرات. ساعدها مرات. ابتسم. أمسك ذراعها. وسعل ذلك السعال الغريب.

رن هاتفها بإشعار جديد.

فتحت المجموعة الدراسية، فوجدت رسالة منه: "أرسلي الجزء الذي كتبته. وراجعي الصفحة الثالثة، لديكِ ثلاثة أخطاء."

صرخت: "حتى في الهاتف يزعجني!"

ثم فتحت الملف... وبدأت تصحح الأخطاء.

وقبل أن تنام بدقائق، وجدت نفسها تبتسم دون سبب واضح. عبست بسرعة وقالت لنفسها: "مستحيل... أنا فقط أريد إثبات أنني أفضل منه."

لكن شيئًا صغيرًا كان قد بدأ يتغير، رغم إنكارها.

وفي الجهة الأخرى من المدينة، كان شهاب يجلس وحيدًا في غرفته، ينظر إلى علبة دواء على الطاولة طويلاً... ثم يطفئ الضوء دون أن يتناولها.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٦ والأخير

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم يعد شهاب يتحرك بعشوائية كما كان من قبل، ولا حتى كمن يحاول النجاة من شيء يطارده. كان كل شيء في خطواته محسوبًا بدقة غريبة، كأنه لا يعيش اليوم فقط، بل يغلق به سلسلة طويلة من الأيام التي لم تكن تشبه الحياة بقدر ما كانت تشبه البقاء على الحافة. في ذلك الصباح، كان البيت ساكنًا على نحو مختلف، ليس هدوء الراحة الذي يسبق الاطمئنان، بل هدوء يشبه الوقوف أمام باب يُغلق نهائيًا بعد طول انتظار.تالين شعرت بذلك التغيّر قبل أن تسمع أي كلمة. كان في الهواء شيء مشدود، في الضوء، في طريقة وقوفه وهو يرتدي معطفه بصمت لا يحمل ارتباكًا هذه المرة. رفعت نظرها إليه ببطء، وكأن داخلها يتوقع شيئًا لا تريد تسميته، وقالت بصوت منخفض: "أنت مختلف اليوم." لم ينكر، لم يتهرب، فقط قال بثبات هادئ: "اليوم ينتهي كل شيء." توقفت يداها عن الحركة للحظة، وشعرت بشيء يشبه الانقباض الخفيف في صدرها، ثم سألته: "كيف يعني ينتهي؟" اقترب منها قليلًا، ونظر إليها مباشرة وكأنه يختار كلماته من مكان بعيد: "سأسلم كل الملفات… وكل ما تبقى… وأغلق هذا الملف بالكامل."كانت تلك البداية التي لم تشبه أي بداية سابقة، بل نهاي

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٥

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم يعد البيت كما كان من قبل، ولم تعد تالين أيضًا كما كانت في الأيام التي سبقت هذا الهدوء الجديد. كان هناك تغيّر يحدث بصمت، لا يعلن عن نفسه ولا يطلب الاعتراف، لكنه يترك أثره في كل شيء؛ في طريقة جلوسها، في تنفسها، في نظرتها حين تقع على شهاب دون أن تدرك أنها لم تعد تراه بالخوف ذاته الذي كان يسبق حضوره. لم يكن الألم قد اختفى، لكنه لم يعد يحتل المساحة كاملة كما كان يفعل، كأنه تراجع قليلًا إلى الخلف ليمنح شيئًا آخر فرصة الظهور، شيئًا أشبه بالسكينة المترددة.كانت تالين تجلس على الأريكة، والطفل نائم بجانبها، وجسدها مستند بخفة لا تشبه ذلك التوتر القديم الذي كان يسكن كتفيها دائمًا. وجهها بدا أخف، كأن التعب الطويل بدأ يهدأ في ملامحه دون أن يختفي تمامًا. حين دخل شهاب الغرفة بهدوءه المعتاد، لم تتحرك كما كانت تفعل سابقًا، لم تُشدّ ملامحها ولم تتصلب، بل رفعت نظرها إليه فقط، ثم ابتسمت. كانت ابتسامة صغيرة جدًا، لكنها بالنسبة لها كانت شيئًا غير مألوف، وكأنها خرجت من مكان داخلي لم يكن يستخدم منذ وقت طويل. والأغرب أنها وصلت إليه مباشرة.توقف للحظة، وكأنه يحاول قراءة هذا التغ

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٤

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًافي الأيام التي تلت ذلك، لم يكن كل شيء قد استقر كما يبدو من الخارج، لكن شيئًا خفيًا كان يتشكل بهدوء، كطبقة دافئة تُضاف فوق تعب طويل. لم يكن هناك سلام كامل، بل نوع مختلف من الحياة، حياة تمشي على حافة الإرهاق لكنها تحمل بين طياتها دفئًا صغيرًا لا يُفسَّر بسهولة، أشياء لا تُقال لكنها تُفهم من نظرة، من حركة يد، من صمت لا يبدو فارغًا هذه المرة.كانت تالين تجلس على الأريكة، تحتضن طفلها بين ذراعيها، تحاول أن تمنحه الرضاعة بهدوء متماسك، لكن داخلها لم يكن هادئًا تمامًا. جسدها مشدود قليلًا، وكتفاها يحملان توترًا خفيًا لا تستطيع إخفاءه، خصوصًا مع وجود شهاب في الغرفة نفسها. كان حضوره وحده كافيًا ليجعلها أكثر وعيًا بكل حركة تقوم بها، وكأن الهواء نفسه أصبح أكثر كثافة حين يكون قريبًا.شهاب كان واقفًا قرب النافذة، لا يتدخل، لا يقتحم المسافة بينها وبين طفلها، لكنه في الوقت نفسه لم يكن غائبًا. عينيه كانتا تعودان إليها بين لحظة وأخرى، بهدوء مراقب لا يحمل استعجالًا، وكأنه يمنحها مساحة من جهة، ويظل حاضرًا فيها من جهة أخرى. هذا التوازن تحديدًا هو ما جعل توترها لا يهدأ تمامًا.ق

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٣

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًامرّ أسبوعان على الولادة، لكن الزمن بدا وكأنه فقد طريقه المعتاد داخل هذا البيت. لم يعد يُقاس بالساعات أو الأيام، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر: بكاء خفيف من الغرفة المجاورة، حركة طفلة جديدة في الحياة، وخطوات هادئة لشهاب بدأت تملأ الفراغ الذي كان يبتلعه سابقًا. لم يعد الصمت هو السيد هنا، بل شيء أشبه بتوازن هش بين التعب والطمأنينة.تالين كانت تجلس على السرير، تحمل طفلها بين ذراعيها كأنها ما زالت تتعلم كيف تصدّق وجوده. ملامحه الصغيرة كانت تستقر في عينيها طويلاً، كأنها تحفظه لا تراه فقط، وكل نفس منه كان يعيد ترتيب شيء داخلها لم تكن تعرف أنه ما زال قابلًا للترتيب. كان وجهها مرهقًا، لكن التعب هذه المرة لم يكن انكسارًا، بل أثر حياة بدأت تتشكل من جديد فوق أنقاض ما قبلها.شهاب وقف عند الباب في البداية دون أن يدخل، يراقب المشهد بصمت طويل. لم يكن ذلك التردد القديم الذي يسبق حضوره، بل نوع مختلف من السكون، كأنه يخشى أن يفسد اللحظة بمجرد أن يخطو خطوة خاطئة. كان ينظر إليهما وكأنهما شيء لا يريد أن يلمسه الزمن، شيء يستحق أن يُحفظ كما هو ولو للحظة واحدة."هل نام؟"سأل أخيرًا بصوت

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٢

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم تعد اللحظة داخل الغرفة تحتمل أي تأجيل، وكأن كل ما سبق كان مجرد تمهيد طويل لثقل هذه الدقائق التي انضغط فيها الزمن حتى صار أشبه بفراغ مشدود على حافة الانفجار. الأوامر الطبية تتسارع، الأيدي تتحرك، والأصوات تتداخل بين توجيه ونداء، بينما الهواء نفسه بدا أكثر كثافة من أن يُتنفس بسهولة.تالين كانت هناك، لكنها لم تكن هناك بالكامل. جسدها على السرير، ممسكة بحافته وكأنها تتشبث بآخر نقطة ثابتة في عالم يتفكك حولها، ويدها الأخرى تبحث بشكل غريزي عن شيء يمنعها من السقوط داخل الألم وحده. كانت تتنفس بصعوبة، كل نفس يخرج منها وكأنه انتصار صغير على موجة جديدة من الانقباضات التي تعود أقوى من السابقة. عيناها نصف مفتوحتين، زائغتين بين السقف والوجوه حولها، لكن الحقيقة الوحيدة التي كانت تبحث عنها لم تكن في أي منهم.كانت في الباب.وعندما انفتح، لم يحدث شيء في الغرفة سوى أن الزمن نفسه بدا وكأنه توقف لحظة قصيرة، احترامًا لذلك الدخول الذي لم يكن عاديًا. شهاب وقف عند العتبة، جسده متوتر كوتر مشدود، وعينيه تمسكان بها كما لو أنه يخشى أن تختفي إذا رمش. لم يكن في نظرته خوف واضح، ولا راحة

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧١

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًامرّ الدفن على تالين كأنه حدث وقع في عالم آخر، عالم يخص غرباء لا يخصها، رغم أن قلبه انغرس في صدرها أكثر من أي أحد. عاد البيت بعده ساكنًا على نحو غير طبيعي؛ سكون لا يشبه الراحة بل يشبه الفراغ بعد العاصفة. لا أصوات زائرين، لا رنين هواتف، لا حركة سوى خطوات رند الخفيفة وهي تتنقل بين الغرف كأنها تخشى أن تزعج الحزن إذا رفعت صوتها. حتى الهواء بدا أثقل، كأن الجدران امتصت البكاء واحتفظت به داخلها. لم تعد تالين تجلس قرب النافذة كما كانت تفعل من قبل، بل اختارت زاوية أبعد عن الضوء، في الداخل، حيث لا تصل الشمس كاملة ولا تصل الحياة كاملة. كانت تجلس هناك منحنية قليلًا، يداها ساكنتان فوق حضنها، وعيناها غارقتان في مكان لا يراه أحد. وضعت رند كوب ماء أمامها وقالت برفق: "اشربي قليلًا." لم تمد يدها إليه. عادت رند تقول: "تالين... أنتِ لا تأكلين منذ يومين." أجابت بصوت خافت خالٍ من الانفعال: "لا أشعر بالجوع." قالت رند بصرامة محبطة: "هذا ليس جوابًا." عندها رفعت تالين عينيها ببطء، وكانت فيهما مسافة مرهقة، وقالت: "أنا لا أشعر بشيء أصلًا."في الجهة الأخرى، داخل الغرفة البيضاء التي صا

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status