ANMELDENالفصل الثاني — العقد
بعد ساعة، كانت هبة تجلس إلى جوار عبد الرحمان. القاعة مليئة بالناس. وجوه كثيرة. ابتسامات كثيرة. وكلمات تهنئة لا تسمع منها شيئًا. كانت تنظر إلى يدها. الخاتم أصبح هناك. خاتم زواجها. زوجها. عبد الرحمان. الرجل الذي كانت تعرف عنه شيئًا واحدًا فقط: أنه خطير. وقّعت. ثم وقّع هو. انتهى كل شيء. أو هكذا ظنت. عندما خرجا من القاعة، فتح أحد رجاله باب السيارة. جلست هبة في المقعد الخلفي. جلس عبد الرحمان بجانبها. انطلقت السيارة. ظل الصمت بينهما عدة دقائق. ثم قالت: — إلى أين؟ — منزلي. — لا أريد الذهاب. — أعرف. التفتت إليه. — إذن لماذا تأخذني؟ نظر من النافذة. — لأنك زوجتي الآن. — على الورق فقط. نظر إليها. — سنرى. اشتعل الغضب في عينيها. — لا تتوقع مني أن أحبك. — لم أفعل. — ولا أن أطيعك. — لم أطلب ذلك. — ولا أن أكون زوجة مثالية. — هذا آخر شيء أريده. توقفت. — ماذا تريد إذن؟ هذه المرة لم يجب فورًا. نظر إليها طويلًا. ثم قال: — الانتقام. شعرت أن قلبها توقف لحظة. — مني؟ — لا. — إذن من أبي؟ ظل صامتًا. — عبد الرحمان. نظر إليها. — لا تسألي عن أشياء لن تعجبك إجاباتها. — أنا زوجتك الآن، ومن حقي أن أعرف. ابتسم ابتسامة صغيرة بلا دفء. — زوجتي؟ اقترب قليلًا. — منذ دقائق كنتِ تقولين إننا زوجان على الورق فقط. تراجعت إلى الخلف. — لا تحاول تغيير الموضوع. عاد إلى مكانه. — والدك أخذ مني شيئًا. — ماذا؟ — شيئًا لا يمكن تعويضه. سكت لحظة. ثم أضاف: — ولهذا أخذت منكِ الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يؤلمه. شعرت هبة بالبرد. — أنا. أجاب بهدوء: — نعم. نظرت إليه طويلاً. ثم قالت: — ستندم. لأول مرة منذ دخل حياتها، ظهرت ابتسامة حقيقية على وجهه. — أتمنى ذلك. — لماذا؟ نظر أمامه. — لأنني أريد أن يكون هناك شيء واحد على الأقل يجعلك تكرهينني أقل مما أكره والدك. لم تعرف هبة ماذا تقول. لكنها أدركت شيئًا واحدًا. هذا الزواج لم يكن بداية قصة حب. كان بداية حرب. وكانت هي المرأة التي وضعها عبد الرحمان في قلب الحرب. دون أن يعرف أن الحرب ستنتهي يومًا... وأن المرأة التي أراد استخدامها للانتقام ستكون المرأة الوحيدة التي سيخشى خسارتها حين صار الانتقام حبًّا — قصر عبد الرحمان لم تكن هبة مستعدة للمنزل الذي وصلت إليه. منزل؟ كانت الكلمة صغيرة جدًا لوصف المكان. بوابة حديدية ضخمة انفتحت ببطء أمام السيارة، وخلفها امتدت طريق طويلة تحيط بها أشجار عالية ومصابيح أرضية مضاءة رغم أن الليل لم يكن قد حلّ بالكامل. رفعت هبة عينيها نحو المبنى عندما توقفت السيارة. كان قصرًا ضخمًا، حديثًا من الخارج، لكنه احتفظ بشيء غامض في تصميمه. نوافذ طويلة، جدران داكنة، وشرفات واسعة تطل على حديقة لا ترى نهايتها. نزل عبد الرحمان أولًا. فتح لها أحد الحراس الباب. نظرت هبة إلى يد الرجل ثم نزلت. دخلت القصر وهي تحاول ألا تظهر دهشتها. في الداخل كان كل شيء هادئًا. رخام أبيض، درج واسع، لوحات ضخمة، وثريات تلمع من السقف المرتفع. لكن رغم كل هذا الثراء، شعرت هبة بأن المكان بارد. بارد جدًا. كأنه منزل شخص لا يعيش فيه أحد. قال عبد الرحمان: — غرفتك في الطابق الثاني. التفتت إليه. — غرفتي؟ — نعم. — وأنت؟ — لدي غرفة أخرى. حدقت فيه للحظة. كانت تتوقع شيئًا آخر. ربما أراد أن يجعلها تشعر بأنها أسيرة. لكنه لم يفعل. تابع: — لن أجبرك على شيء. قالتها بسخرية: — باستثناء الزواج. توقف. التفت إليها. — هذا الشيء الوحيد الذي أجبرتك عليه. — وهذا يكفي. لم يجادل. صعدت هبة الدرج. وقبل أن تصل إلى الطابق الثاني، سمعته يقول: — هبة. استدارت. كان واقفًا أسفل الدرج. — ماذا؟ — هناك قاعدة واحدة في هذا المنزل. — ما هي؟ نظر إليها بنظرة جدية. — لا تدخلي المكتب الموجود في الجناح الغربي. رفعت حاجبها. — لماذا؟ — لأنه مكان خاص. — وأنا؟ — أنتِ زوجتي. توقفت. — وهذا يعني؟ قال بهدوء: — يعني أن هناك أشياء كثيرة ستعرفينها مع الوقت. ثم استدار وغادر. نظرت هبة إلى ظهره. لم تعرف لماذا شعرت أن تلك الجملة لم تكن تهديدًا. بل وعدًا. --- في تلك الليلة، لم تستطع النوم. جلست على حافة السرير وهي تحدق في الخاتم. خلعته. وضعته على الطاولة. ثم أعادته. ثم خلعته مرة أخرى. كانت تكره وجوده في يدها. لكنها لم تستطع التخلص منه. نهضت واتجهت نحو النافذة. الحديقة في الخارج كانت مظلمة. لاحظت رجلًا يقف قرب البوابة. ثم رجلًا آخر. ثم ثالثًا. حراسة مشددة. وفجأة أدركت شيئًا. لم تكن تعيش في قصر. كانت تعيش في قلعة. وقبل أن تغلق الستائر، رأت سيارة سوداء تدخل إلى المكان.مرّت سنة كاملة منذ انتهت الحرب.سنة واحدة فقط...لكنها كانت كافية لتجعل هبة تشعر وكأنها تعيش حياة أخرى.لم تعد تستيقظ على أصوات الحراس.لم تعد تخشى أن يكون الهاتف الذي يرن يحمل خبرًا سيئًا.لم تعد هناك ملفات سرية على مكتب عبد الرحمان، ولا رجال يراقبون البوابات، ولا أسماء يخاف الجميع من ذكرها.كان كل شيء هادئًا.هادئًا إلى درجة جعلتها أحيانًا تشك أن كل ما حدث لم يكن سوى كابوس طويل.وفي صباح أحد الأيام، دخل عبد الرحمان إلى غرفة النوم وهو يحمل ظرفًا أسود.كانت هبة جالسة أمام المرآة تمشط شعرها القصير.نظرت إليه عبر المرآة.— ماذا تخفي؟ابتسم.— لماذا تظنين أنني أخفي شيئًا؟— لأنك عندما تبتسم بهذه الطريقة تكون قد خططت لشيء.ضحك.— ما زلتِ تعرفينني جيدًا.اقترب ووضع الظرف أمامها.فتحته.كانت بداخله تذاكر سفر.نظرت إليها باستغراب.— ماذا هذا؟— تذاكر.— أعرف أنها تذاكر، عبد الرحمان.ضحك.— أول محطة باريس.اتسعت عيناها.— باريس؟— ثم روما.قلبت الأوراق.— ثم؟— فيينا.ثم أخرج بطاقة أخرى.— وبعدها اليابان.رفعت رأسها.— أنت مجنون.جلس أمامها.— قلتِ ذات يوم إنك تريدين رؤية العالم.— قلت ذلك من
توقفت السيارة أمام جبل صخري.قال سامر:— هنا؟هبة نزلت.كانت العلامة على معصمها تزداد ضوءًا.وضعت يدها على صخرة.صدر صوت معدني.ثم انفتح الجبل.ظهر ممر واسع تحت الأرض.دخلوا.وفي النهاية وجدوا قاعة هائلة.كانت الجدران مغطاة بشعارات الوردة السوداء.وفي المنتصف...كرسي واحد.فوقه تاج أسود.قال والد هبة:— هذا المكان لم يدخله أحد منذ عشرين عامًا.اقتربت هبة.وعندما لمست الكرسي...اشتعلت الأضواء.وظهر تسجيل.رجل لم تره من قبل.لكنه كان يشبهها.ابتسم.وقال:— إذا كنتِ تشاهدين هذا، فأنتِ ابنتي.ارتجفت هبة.— أبي الحقيقي...تابع الرجل:— أعرف أنهم أخفوا عنك الحقيقة.ثم نظر مباشرة إلى الكاميرا.— لكنني لم أترك لكِ إمبراطورية.توقف.— تركت لكِ خيارًا.ظهرت أمامها شاشتان.الأولى:«احكمي.»والثانية:«دمّري كل شيء.».....قال عبد الرحمان:— لا تختاري الآن.نظرت إليه.— لماذا؟— لأنهم يريدون منك أن تختاري وأنت غاضبة.ابتسمت.— وأنت؟— أريدك أن تختاري وأنتِ هبة.أخفضت يدها.لم تضغط أي زر.فجأة ظهرت رسالة جديدة:«إجابة صحيحة.»نظر الجميع إلى الشاشة.ثم ظهرت جملة:«الوريث الحقيقي لا يحكم بالغضب.»ثم
وجد عبد الرحمان بابًا خلف لوحة.فتحه.كانت هناك غرفة بيضاء.وفي وسطها كرسي.وعلى الكرسي...كان والد هبة.مقيدًا.ركضت نحوه.— أبي!رفع رأسه.— هبة...احتضنته.قال:— لا ينبغي أن تكوني هنا.— جئت لأخرجك.نظر إلى عبد الرحمان.— وأنت أيضًا.اقترب عبد الرحمان.— من فعل هذا؟قال والدها:— نادر.— أين هو؟هز رأسه.— لم يعد نادر هو المشكلة.تجمد عبد الرحمان.— ماذا تقصد؟رفع الرجل عينيه.— نادر يعمل لصالح شخص آخر.— من؟صمت.ثم قال:— المرأة التي أحببتها قبل أمك.تغير وجه عبد الرحمان.— مستحيل.هبة نظرت إليه.— من؟قال والدها:— والدة عبد الرحمان........سقط الصمت على الغرفة.قال عبد الرحمان:— أمي ماتت منذ سنوات.والده نظر إليه.— لم تمت.— لا تكذب عليّ.— لقد رأيتها.تراجع عبد الرحمان خطوة.— أين؟— قبل ثلاثة أشهر.— لماذا؟— لأنها كانت تعمل مع نادر منذ البداية.هبة أمسكت ذراع عبد الرحمان.— هل أنت بخير؟لم يجب.كان وجهه خاليًا من التعبير.ثم سمعوا صوتًا خلفهم.— اشتقت إليك يا بني.استدار عبد الرحمان.كانت امرأة تقف عند الباب.لم تتغير ملامحها كثيرًا.لكن عينيها...كانتا نفس العينين اللتي
سكتت ليان.ثم قالت:— حاولت حماية الجميع.هبة أغمضت عينيها.كم من الأكاذيب يمكن لقلب واحد أن يتحمل؟....فُتح باب جانبي فجأة.دخلت سارة.لكنها كانت مصابة في ذراعها.ركضت هبة نحوها.— سارة!قالت:— لا تقتربي.توقفت هبة.— لماذا؟قالت سارة:— لأنني فعلت أشياء لن تسامحيني عليها.ردت هبة:— أنت أختي.ابتسمت بحزن.— وهذا بالضبط ما استغلوه.قال عبد الرحمان:— ماذا حدث؟أجابت:— نادر هددني.— بماذا؟— بكِ.نظرت إلى هبة.— قال إنه إذا لم أساعده، سيقتلك.صمت الجميع.قالت سارة:— لذلك جعلتكم تظنون أنني خائنة.ثم نظرت إلى ليان عبر الكاميرا.— لكنها كانت تعرف الحقيقة.قالت ليان:— لم أستطع إخبارك.صرخت هبة:— لماذا؟!— لأن نادر كان يراقبنا.الفصل المئة والخامس والستون — الصفرظهر الرقم:00:59عبد الرحمان قال:— انتهى وقت الكلام.أمسك يد هبة.— ماذا نفعل؟قالت:— أفتح النظام.— وماذا سيحدث؟— لا أعرف.— إذن لا.نظرت إليه.— إذا لم أفعل، سنموت هنا.— سأجد طريقة أخرى.ابتسمت.— هذه المرة ثق بي.نظر إليها طويلًا.ثم أومأ.— حسنًا.وضعت يدها على اللوحة.00:20أضاءت العلامة على معصمها.00:10بدأت الشاش
سمعت صوت رصاصة.ثم أخرى.أمسك عبد الرحمان بها وأسقطها خلف الأريكة.قال:— لا تتحركي.— أين نادر؟لم يجب.كانت القاعة مظلمة.ثم اشتعل ضوء واحد.كان نادر واقفًا قرب الباب.لكن الرجل الذي كان معه اختفى.قال نادر:— لقد بدأوا.— من؟ابتسم.— الأشخاص الذين كنت تخاف منهم.ثم سمعوا انفجارًا بعيدًا.اهتز القصر.قال نادر:— أمامكم عشر دقائق.سأل عبد الرحمان:— لماذا؟قال نادر:— لأنهم سيصلون.— ومن؟ابتسم.— كل من خدعتموه......أمسك عبد الرحمان يد هبة.ركضا نحو الممر الخلفي.كان الدخان يملأ المكان.قالت:— إلى أين؟— إلى القبو.— لماذا؟— هناك نفق.— منذ متى تعرفه؟نظر إليها.— منذ اشتريت هذا القصر.— ولم تخبرني؟— لم أعتقد أننا سنحتاجه.وصلوا إلى الباب.أخرج مفتاحًا.لكن الباب لم يفتح.نظر إليه.— مستحيل.قالت هبة:— ماذا؟أشار إلى القفل.— أحدهم غيّر النظام.ثم ظهرت رسالة على الشاشة الصغيرة:«مرحبًا هبة.»تجمدت.ثم ظهرت جملة ثانية:«إذا أردتِ إنقاذ عبد الرحمان، افتحي الباب.»نظرت إليه.— لماذا كتبوا اسمي؟لم يجب.لأن رسالة ثالثة ظهرت:«أنتِ وحدك تستطيعين فتحه.»الفصل المئة والستون — البابو
في لحظة فوضى، تمكنت هبة من الابتعاد عن آدم.ركضت نحو عبد الرحمان.احتضنها بقوة.للحظة لم يقل أي منهما شيئًا.ثم همس قرب أذنها:— أنا آسف.أغمضت عينيها.— على ماذا؟— على كل شيء.ثم ابتعد قليلًا.— على كلمتي الأخيرة لكِ.نظرت إليه.— كنت غاضبًا.— الغضب ليس عذرًا.ثم قال:— عندما اختفيتِ، أدركت أنني مستعد لخسارة كل شيء إلا أنتِ.لم تجبه.فقط وضعت يدها على وجهه.قال:— لا أعرف إن كنتِ تستطيعين مسامحتي.همست:— أنا غاضبة منك.ابتسم بحزن.— أعرف.— لكنني أحبك.أغمض عينيه للحظة.وكأن تلك الكلمات أعادته إلى الحياة.......لكن آدم لم يهرب.كان واقفًا أمامهما.قال:— اسمعاني.التفت عبد الرحمان.— ليس لدي وقت.— إذا قتلتني، ستخسر هبة.تغير وجه عبد الرحمان.— ماذا تقصد؟قال آدم:— الاختطاف لم يكن خطتي وحدي.ثم نظر إلى هبة.— والدك يعرف أين أنت.سكتت.— ماذا؟أخرج هاتفه.— هو من أمرني بأخذك.تجمد عبد الرحمان.قال آدم:— لكنه لم يأمرني بإيذائك.ثم نظر إلى عبد الرحمان.— كان يريد أن يختبرك.— لماذا؟ابتسم آدم بمرارة.— ليرى إن كنت ستحرق إمبراطوريته كلها من أجلها.ثم قال:— والآن حصل على الإجابة.ف







