Share

‫الفصل 3‬

Author: كرات الحظ المحشوة
‫وأثناء نزولي بالمصعد، ظللت أستعيد في ذهني تصرفات مازن خلال الأشهر الثلاثة الماضية.‬

‫وعندما فكرت في الأمر الآن، أدركت أن تمثيله كان رديئًا حقًا.‬

‫لكنني ظللت ألتمس له عذرًا في كل تصرفاته بحجة فقدانه للذاكرة.‬

‫ومن شدة شرودي، خرجت من المصعد من دون قصد مع الشخص الذي كان بجواري، قبل طابقي، عند قسم النساء والتوليد.‬

‫وعندما انتبهت إلى نفسي، كنت قد ابتعدت عن المصعد مسافة طويلة.‬

‫وبينما كنت أستعد للعودة، لمحت فجأة شخصًا لم يكن ينبغي له أن يكون هناك.‬

‫مازن.‬

‫ألم يكن يفترض به أن يكون في المنزل الآن يعد الطعام مع ريم؟‬

‫توقفت عند الباب من دون وعي، وفي اللحظة نفسها سمعت الطبيب في الداخل يقول:‬

‫"أنت حامل في الأسبوع الثامن."‬

‫"هل تريدين الاحتفاظ بالطفل؟"‬

‫وقبل أن تفتح ريم فمها، أجاب مازن بلهفة نيابةً عنها من خلفها:‬

‫"نعم، سنحتفظ به."‬

‫كان مازن يحمل تقرير فحص الموجات فوق الصوتية في يده.‬

‫ثم مد ذراعيه بلهفة وضم ريم بقوة إلى صدره.‬

‫"هل سمعت ما قاله الطبيب؟ سيكون لدينا طفل!"‬

‫وبدأ حتى يخطط للمستقبل:‬

‫"ما دام حملك لم يظهر بعد، فلنسجل زواجنا ونقيم حفل الزفاف أولًا."‬

‫"سأتصل بوالديّ غدًا لنتشاور."‬

‫"الوقت ضيق قليلًا، وقد لا أتمكن من منحك ما تستحقينه."‬

‫"لكن لا تقلقي، فلن ينقصك شيء مما يحق لك."‬

‫كان مازن يقف وظهره للباب.‬

‫أما ريم، فتلاقت عيناها بعينيّ وأنا واقفة عند الباب.‬

‫وما إن رأت وجهي الخالي من التعبير حتى شحب وجهها من الخوف.‬

‫ومدت يديها ودفعت مازن عنها بقوة.‬

‫التفت مازن متتبعًا نظرات ريم.‬

‫وفي اللحظة التي رآني فيها، لمعت في عينيه لمحة ارتباك خفية.‬

‫"يارا، ألم تذهبي إلى العمل؟"‬

‫"لماذا أنت هنا فجأة في عيادة النساء؟"‬

‫لم أجب عن سؤاله.‬

‫بل ثبت نظري على ريم وسألتها سؤالًا أعرف إجابته:‬

‫"أنت حامل؟"‬

‫خفضت ريم رأسها بمسكنة، ولم تجرؤ على النظر إليّ.‬

‫عقد مازن حاجبيه ووقف أمامها حاجبًا إياها عني.‬

‫"نحن مخطوبان، وحين غلبنا الشغف في الفراش نسينا اتخاذ الاحتياطات، لذلك من الطبيعي أن يحدث حمل غير مخطط له."‬

‫ضحكت ساخرةً من نفسي.‬

‫ولم أدر إن كنت أجيبه أم أخاطب نفسي:‬

‫"صحيح، فأنتما الآن المخطوبان."‬

‫وفي طريق العودة، جلست ريم بجانبي، وقد خفضت رأسها ولم تقل كلمة واحدة.‬

‫أما مازن، الجالس خلف المقود، فبدا شديد الحذر.‬

‫وظل يرمقني بين الحين والآخر عبر مرآة الرؤية الخلفية، كأنه يخشى أن أمسّ ريم، حبيبته الغالية، بسوء.‬

‫أما أنا، فاكتفيت بخفض بصري، ثم أرسلت رسالة إلى قسم الموارد البشرية أبلغهم فيها بردي:‬

‫"أوافق على نقلي إلى إيطاليا ضمن فريق المهندسين المنتدبين."‬

‫كانت إدارة المقر الرئيسي قد قررت، خلال اجتماع مراجعة منتصف العام، التوسع في الأسواق الخارجية.‬

‫لذلك اختارت مجموعةً من المهندسين من مختلف الفروع لإرسالهم دعمًا لهذا التوسع.‬

‫ومن قبيل المصادفة، كنت الموظفة الوحيدة في الشركة التي درست الإيطالية كتخصص ثان في الجامعة.‬

‫وبصرف النظر عن فقدان مازن لذاكرته سابقًا، فحتى لو كان بخير تمامًا، لم أكن لأقبل بأن نعيش علاقة عن بُعد، كلٌّ منا في بلد.‬

‫عندما اضطررت سابقًا للاختيار بين مستقبلي المهني ومازن، اخترته هو.‬

‫أما قراراتي من الآن فصاعدًا، فسأتخذها من أجل نفسي وحدي.‬

‫ولم أعرف ما حدث إلا بعدما عدنا إلى المنزل.‬

‫فقد أصيبت ريم بنوبة قيء شديدة فجأة وهي تعد العشاء.‬

‫وخشي مازن أن تكون تعاني مشكلة في معدتها، فسارع إلى نقلها بسيارته إلى المستشفى.‬

‫ولأنه خشي أن تشعر بالغثيان مجددًا إن شمت روائح المطبخ، عرض من تلقاء نفسه أن أحل محل ريم وأساعده في المطبخ.‬

‫نظرت إلي ريم بتردد.‬

‫"لكن يارا لم تدخل المطبخ قط."‬

‫أسندها مازن وأجلسها على الأريكة.‬

‫"إن لم تكن تعرف، فبوسعها أن تتعلم. لا يعقل أن تفعلي كل شيء وحدك وأنت حامل."‬

‫كان وقع كلمة "حامل" على مسمعي أشبه بوخزة مؤلمة، فاستدرت ودخلت المطبخ لغسل الخضراوات.‬

‫ولحق بي مازن على الفور.‬

‫وما إن دخل حتى أوصد باب المطبخ من الداخل.‬

‫"إن أصاب ريم أو الطفل أدنى أذى، فلن أسامحك أبدًا."‬

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين صار تمثيلك حقيقة، انسحبت من المشهد   ‫الفصل 10‬

    ‫"يا للنحس!"‬‫اكفهر وجه أمي فورًا، ومدت يدها لتغلق الباب.‬‫لكن مازن دس قدمه في فتحة الباب، ومنع أمي بالقوة من إغلاقه.‬‫"أعرف أنك حضرت حفل الزفاف ذلك اليوم أيضًا. يارا هي من طلبت منك الحضور، أليس كذلك؟"‬‫"أين هي الآن؟ أريد مقابلتها."‬‫أطلقت أمي ضحكة باردة، ووضعت يديها على خصرها.‬‫"لقد أرسلت دعوة الزفاف حتى باب بيتي، فمن الطبيعي أن أذهب لأشاهد المهزلة بنفسي."‬‫"ابنتي ليست حيوانًا أليفًا تستدعيه حين تشاء وتصرفه حين تشاء."‬‫"وما دمت تملك كل هذا الوقت، فالأولى أن تذهب وتطمئن على ابن غيرك الذي تحمله ريم؛ فأنت تعوّل عليه ليرعاك في شيخوختك ويدفنك بعد موتك."‬‫لطالما عاملته أمي بتسامح ولطف، ولم يسبق لها قط أن خاطبته بمثل هذه النبرة.‬‫ظل مازن واقفًا في مكانه مذهولًا لوقت طويل، غير قادر على استيعاب ما سمعه.‬‫ضحكت أمي بسخرية.‬‫"ماذا؟ لا تقل إنك جئت الآن لتخبرني..."‬‫"أنك خلطت بين يارا وريم بسبب فقدانك الذاكرة، وأن يارا كانت دائمًا من تحبها حقًا؟"‬‫"مازن، هل تظن أن أفراد عائلتنا جميعًا حمقى يمكنك خداعهم كما يحلو لك؟!"‬‫وحين انكشف ما يخفيه، فضحت ملامح الذنب على وجهه كل شيء.‬‫نفد صبر أ

  • حين صار تمثيلك حقيقة، انسحبت من المشهد   ‫الفصل 9‬

    ‫وبالفعل، استقلت أمي القطار السريع خصيصًا لتشهد ما سيحدث.‬‫بل وسجّلت مقطع فيديو وأرسلته إليّ.‬‫وفي منتصف مراسم الزفاف، اندفع رجل غريب فجأة إلى المنصة وانتزع الميكروفون من مقدم الحفل.‬‫"أنا أعترض على هذا الزواج."‬‫لم يكن أحد يعرفه، فارتسمت الحيرة على وجوه الجميع.‬‫وحدها ريم شحب وجهها، وغطته بيدها وهي تتوارى بهدوء خلف مازن.‬‫عبس مازن بضيق، وظن أنني أرسلت ذلك الرجل عمدًا لإفساد الزفاف.‬‫وكان على وشك أن يأمر رجال الأمن بجره إلى الخارج.‬‫لكن لم يخطر لأحد أن كلماته التالية ستكون أشد إثارة للصدمة.‬‫"ريم، لا تظني أن زواجك من رجل يقبل باللقيط الذي في بطنك سيجعلك بمنأى عني!"‬‫"أنا والد الطفل البيولوجي، وحتى حين يكبر، فسيتعيّن عليه أن يناديني أبي."‬‫"ماذا قلت؟"‬‫اتسعت عينا مازن من شدة الغضب والصدمة.‬‫أما الرجل، فزاد ضحكه تهكمًا ووقاحةً.‬‫"ماذا؟ وافقت على الزواج منها وأنت لا تعرف شيئًا عن كل هذا؟"‬‫"أتحب أن تكون زوجًا مخدوعًا إلى هذا الحد، حتى تتهافت على تربية طفل رجل آخر؟"‬‫تعلقت ريم بذراع مازن بقوة، ودافعت عن نفسها بصوت خافت:‬‫"أنا لا أعرف هذا الرجل أصلًا! مازن، صدقني."‬‫ثم غير

  • حين صار تمثيلك حقيقة، انسحبت من المشهد   ‫الفصل 8‬

    ‫"لقد استوليتما على شقتي كل هذا الوقت، وكان اكتفائي باستعادتها منتهى التسامح مني."‬‫"وبوسعك أيضًا أن تختار عدم المغادرة."‬‫"لكنني سأطلب من أحدهم إلقاء أغراضكما في القمامة مباشرةً."‬‫"أما الشقة التي استأجرتها، فاحتفظ بها لك ولريم واستمتعا بها كما تشاءان."‬‫تجمد في مكانه، وبدا صوته أجش قليلًا.‬‫"متى عرفت أنني استعدت ذاكرتي؟"‬‫"هذا لا يهم."‬‫"لقد انتهى كل شيء بيننا منذ اللحظة التي تظاهرت فيها بفقدان الذاكرة واخترت ريم."‬‫وما إن انتهيت من كلامي حتى أنهيت المكالمة، ثم أضفت رقمه إلى قائمة الحظر مباشرةً.‬‫ظل مازن واقفًا في الشرفة طويلًا.‬‫وعندما عاد إلى غرفة المعيشة، كان ظهره قد انحنى.‬‫كان يظن أن خطته ستتيح له التقدم أو التراجع متى شاء، لكن لم يبق أمامه الآن سوى المضي مع ريم في هذا الطريق حتى نهايته.‬‫أدركت ريم فورًا أنه اتصل بي، فتقدمت نحوه مسرعة بحماس.‬‫"ماذا حدث؟ هل وافقت يارا على عدم بيع الشقة؟"‬‫صمت مازن لحظة، ثم قال بصوت خافت:‬‫"اذهبي واحزمي أغراضك."‬‫ورغم غضب ريم، لم يكن أمامها سوى البدء في حزم أغراضها.‬‫وحين رأى مازن انزعاجها الواضح، لم يجد بدًا من أن يعدها:‬‫"اطمئن

  • حين صار تمثيلك حقيقة، انسحبت من المشهد   ‫الفصل 7‬

    ‫لأن حرارة الظهيرة كانت شديدة، طلب الراغبان في شراء الشقة معاينتها صباحًا.‬‫ولم يتردد الوسيط بالطبع في تلبية طلبهما.‬‫وفي الصباح الباكر، وبينما كان مازن وريم لا يزالان نائمين، دخل عدة أشخاص إلى المنزل بالمفتاح الذي أعطيته للوسيط.‬‫ثم أخذوا يتجولون في أرجائه ويتفحصونه.‬‫وأيقظ صوت فتح باب غرفة النوم الرئيسية مازن.‬‫فتح عينيه، وما إن رأى المشهد أمامه حتى سارع إلى إحكام الغطاء حول ريم.‬‫"تقتحمون منزلنا في الصباح الباكر؟ سأتصل بالشرطة لتلقي القبض عليكم."‬‫لكن الوسيط، الذي كان ينفذ تعليماتي، لم يتراجع خطوة واحدة.‬‫"فوضت الآنسة يارا شركتنا ببيع الشقة، وقد نالت إعجاب المشتريين."‬‫سخر مازن ببرود، ثم تناول هاتفه من المنضدة المجاورة للسرير واتصل مباشرةً بالشرطة.‬‫"والآن، اخرجوا من هنا حالًا! زوجتي تريد ارتداء ملابسها."‬‫سخر الوسيط من كلامه، ولم يبد عليه أي خوف.‬‫ثم استدار واصطحب المشتريين لتفقد بقية أرجاء الشقة.‬‫أما الزوجان اللذان كانا يعتزمان شراء الشقة، فبعد ما شاهداه للتو، بدآ يترددان.‬‫فسارع الوسيط إلى طمأنتهما بثقة:‬‫"هذه أفضل شقة من حيث التشطيبات ضمن ميزانيتكما؛ ويمكنكما الا

  • حين صار تمثيلك حقيقة، انسحبت من المشهد   ‫الفصل 6‬

    ‫وبينما كنت على وشك حظر ريم أيضًا، وصلتني منها فجأة رسالة.‬‫"مازن هو من أصر على أن أرتدي الخاتم الذي ظهر في منشوري وأن أنشر صورته."‬‫"لكنني أعدك بأنني سأختفي فور استعادة مازن ذاكرته."‬‫"ولن أظهر أمامكما مجددًا أو أزعج حياتكما بعد ذلك."‬‫"كل ما أرجوه منك أن تدعي الطفل وشأنه، فهو بريء."‬‫توقفت للحظة.‬‫فالضرر وقع بالفعل، وما ضاع لم يعد من الممكن تداركه.‬‫ولم أفهم حقًا ما جدوى أن تقول لي كل هذا الآن.‬‫لو لم تمد يدها، لما وجد الخاتم طريقه إلى إصبعها من تلقاء نفسه.‬‫ولو أنها لم تخلع سروالها أصلًا، لما ظهر طفل في بطنها من العدم.‬‫"ما يجري بينكما لا علاقة لي به."‬‫"ومن اليوم، لم نعد صديقتين."‬‫"فلتحذف كل واحدة منا الأخرى."‬‫"حتى لا يواصل مازن مراسلتي واتهامي بالتنمر عليك."‬‫وبعد أن أرسلت الرسالة، لم أنتظر ردها.‬‫وبادرت بحذفها من جهات اتصالي.‬‫تنفست الصعداء أخيرًا.‬‫ثم ركزت على إتمام تسليم العمل لزميلي الجديد.‬‫وأثناء تناولي العشاء، اتصلت بي أمي فجأة على عجل، وسألتني بقلق:‬‫"هل وقع خلاف بينك وبين مازن؟"‬‫"لماذا رأيته ينشر على حسابه مقطعًا يتقدم فيه لخطبة فتاة أخرى؟"‬‫ثم سكت

  • حين صار تمثيلك حقيقة، انسحبت من المشهد   ‫الفصل 5‬

    ‫بدا أن مازن لم يتوقع أن أغادر بهذه السرعة ومن دون تردد.‬‫وظل واقفًا في مكانه مذهولًا لعدة دقائق، يحدق في ظهري وأنا أبتعد. ثم تحرك من دون وعي وهمّ باللحاق بي.‬‫لكن ريم، الجالسة على الأريكة، تحدثت فجأة:‬‫"ليس من الصواب أن نجعل يارا تجمع أغراضها وتغادر في هذا الوقت المتأخر."‬‫"فهي تخاف الظلام كثيرًا، والوقت متأخر والدنيا مظلمة في الخارج."‬‫"اذهب وأقنعها بالعودة، أو أوصلها على الأقل إلى الشقة التي عثرت عليها سابقًا."‬‫"وبالمناسبة، لا تنس أن تحضر لي المرهم قبل أن تخرج."‬‫"تؤلمني ركبتي قليلًا، وأظن أنني بحاجة إلى وضع بعض الدواء عليها."‬‫رفعت ريم ساق بنطالها، فكشفت عن ركبتها المليئة بالكدمات الزرقاء والبنفسجية.‬‫فتوقف مازن في مكانه فورًا، ثم أسرع نحوها.‬‫"ركبتك متورمة هكذا، ومع ذلك تحملت الألم وحدك ولم تقولي شيئًا."‬‫"وبعد كل ما فعلته بك، ما زلت تقلقين عليها."‬‫قالها غاضبًا، ثم نقر جبين ريم بإصبعه المثني.‬‫كأنه لم يكن قبل لحظات مستعدًا للركض خلفي من تلقاء نفسه.‬‫أوضحت ريم بصوت خافت:‬‫"قلت لك إن قدمي انزلقت فحسب."‬‫"لقد اعتدت هذه الإصابات البسيطة منذ زمن."‬‫صمت مازن لثوان.‬‫

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status