Masukلم تغب الرصاصة عن أذهانهم، مرّت ساعات طويلة منذ سقوط الوسيط، لكن صورته وهو يفتح فمه محاولًا نطق الاسم، ثم ينهار قبل أن يخرج الحرف الأول، بقيت عالقة في رؤوس الجميع، مشهد واحد. قصير، متكرر، يرفض أن ينتهي، داخل المقر السري لمنظمة X، ظلّت الأضواء مشتعلة رغم اقتراب الفجر، كانت الشاشات تعمل بلا توقف، تعرض تسجيلات المراقبة، وخرائط المواقع، وتقارير التحليل الجنائي. تنقّل الخبراء بين الطاولات بصمت مثقل، بينما تكدّست الملفات المفتوحة فوق بعضها، كأنهم يحاولون انتزاع إجابة من فوضى لا تمنحهم سوى المزيد من الأسئلة. أما إياد، فكان جالسًا وحده أمام الشاشة الرئيسية لم ينم، ولم يفكر في النوم أصلًا ظلّت عيناه معلّقتين بالتسجيل، يعيده للمرة تلو الأخرى، متوقفًا عند اللحظة ذاتها هروب الوسيط المطاردة، الحصار، ثم. ذلك الرعب الذي ظهر فجأة على وجه الرجل، أوقف إياد التسجيل ثم أعاده ومرة أخرى كان هناك شيء في تعابير الوسيط لم يستطع تجاهله لا، ذلك لم يكن خوف رجل أدرك أنه على وشك الموت كان شيئًا أعمق. شيئًا انتزع منه القدرة على التفكير، وجعله ينسى الرجال المحيطين به، والأسلحة الموجهة نحوه، وحتى إياد نفسه لقد رأ
دوى صوت الرصاصة في المكان، ثم ساد صمت ثقيل بدا وكأن الزمن نفسه توقف داخله للحظة. اتسعت عينا الوسيط في اللحظة الأخيرة وبقيت فيهما دهشة لم تجد وقتًا لتتحول إلى كلمة، وقبل أن تنقضي ثانية واحدة انطفأ البريق داخلهما لتتراخى جثته وتسقط فوق الإسفلت البارد، بينما بدأت بقعة الدم تتمدد ببطء تحت رأسه، ليبقى الاسم الذي كان على وشك النطق به حبيسًا داخل صدره إلى الأبد.— قناص! انطلق الصوت عبر أجهزة الاتصال، وفي اللحظة التالية، انفجرت الحركة في المكان، اندفع رجال منظمة X في جميع الاتجاهات، بعضهم اتجه نحو الأسطح، وآخرون اقتحموا المباني المجاورة، بينما تحركت مجموعة ثالثة نحو النقطة التي يُرجح أن الرصاصة خرجت منها. توزعوا بسرعة، وأغلقوا الممرات، وبدأوا بتفتيش كل زاوية يمكن أن يكون القناص قد استخدمها، لكن إياد لم يتحرك، بقي واقفًا أمام الجثة، كانت عيناه ثابتتين على الوسيط، وملامحه باردة إلى درجة يصعب معها معرفة ما يدور داخله، لكن خلف ذلك الهدوء، كان شيء آخر يتحرك، شيء ثقيل، غاضب، ومقلق حتى بالنسبة إلى رجل اعتاد رؤية الموت، أما رامز، فلم يكن يملك القدرة نفسها على إخفاء ما بداخله، اندفع نحو الجثة، ثم اس
لم يكن الفجر قد اقترب بعد، ومع ذلك كانت نيوفيرا مستيقظة؛ ليس بسبب أضوائها أو حركة شوارعها المعتادة، بل بسبب مطاردة تجري في أحد أطرافها الصناعية بعيداً عن أعين السكان. كانت عشرات السيارات السوداء التابعة لمنظمة X تشق الطرق المعتمة بسرعة مخيفة، بينما كانت أوامر متقطعة تتردد عبر أجهزة الاتصال، ويتوزع الرجال بين المستودعات المهجورة كظلال مسلحة تتحرك وفق خطة واحدة. لم يكن أحد منهم يتحدث أكثر مما يلزم، فالهدف كان واضحًا، والتعليمات أكثر وضوحًا، في السيارة الأمامية، جلس إياد بصمت، وعيناه مثبتتان على الخريطة الرقمية المعروضة أمامه. كانت نقاط التحرك تتغير على الشاشة، بينما تتقلص المسافة بينهم وبين الموقع المحدد، لكن داخله، كان أبعد ما يكون عن الهدوء. منذ وفاة علاء، وكل شيء يسير بطريقة خاطئة، كلما ظن أنه اقترب من الحقيقة، ظهرت أمامه أسئلة جديدة، وكل سؤال كان أكثر تعقيدًا وإزعاجًا من سابقه، لم يعد الأمر متعلقًا بمقتل علاء وحده. بل بما سبق موته، وبما حدث بعده، وبالأشخاص الذين بدوا كأنهم يتحركون داخل مخطط أكبر من قدرة الجميع على رؤيته، جاء صوت أحد الرجال عبر جهاز الاتصال: — دقيقتان فقط ونص
لم يكن الليل قد انتهى بعد، لكن التعب كان قد استقر فوق المدينة بأكملها. بدت نيوفيرا هادئة من الخارج؛ شوارعها غارقة في العتمة، وأضواء مبانيها تنعكس باهتة على الأرصفة الرطبة. غير أن الهدوء الذي غلّف المدينة لم يكن سوى قشرة رقيقة تخفي تحتها حركة لا تتوقف. ففي أماكن متفرقة، كانت الحروب تبدأ بصمت، وكانت القرارات التي ستغيّر مصائر أشخاص كثيرين تُتخذ خلف أبواب مغلقة، بعيدًا عن أعين العامة. داخل أحد المقرات السرية التابعة لمنظمة X، جلس دومينيك مقيدًا إلى كرسي معدني ثقيل. كانت يداه موثقتين خلف ظهره، بينما لا تزال آثار الاشتباك واضحة على وجهه وملابسه. غطّت بقع الدم الجاف جزءًا من قميصه، وامتدت كدمة داكنة أسفل عينه، فيما كان جرح صغير عند طرف جبينه قد بدأ يتخثر، ومع ذلك كله، كان يبتسم. ابتسامة باردة، مستفزة، لا تشبه ابتسامة رجل أُسر بعد معركة عنيفة، بل تشبه تعبير شخص يملك معلومة لا يعرفها الآخرون، ويستمتع بمراقبتهم وهم يحاولون الوصول إليها. وقف رامز أمامه مباشرة، كانت عيناه حمراوين من السهر، ووجهه شاحبًا تحت وطأة الغضب والإرهاق. منذ دفن علاء، وهو يحاول التماسك بكل ما بقي لديه من قوة، لكن ش
لم تكن القاعة الرئيسية في المقر السري لمنظمة X تعرف الراحة، عشرات الشاشات العملاقة أضاءت الجدران بخرائط نيوفيرا، ومسارات المراقبة، وبيانات العمليات التي تتغير لحظة بعد أخرى. أصوات لوحات المفاتيح امتزجت بأوامر قصيرة يتبادلها الرجال، بينما كانت الفرق المختلفة تراجع ما وصلها من معلومات دون أن ترفع أعينها عن شاشاتها كان التوتر محسوسًا في كل حركة. ومنذ موت علاء، أصبح كل تقرير يصل إلى القاعة يحمل احتمالًا جديدًا أو كارثة أخرى، وقف إياد في مقدمة القاعة، وعيناه مثبتتان على إحدى الشاشات. لم يكن يحتاج إلى رفع صوته حتى ينتبه الجميع إلى وجوده، فحين يكون سيد X واقفًا بينهم، كان الهدوء يفرض نفسه بطريقة تلقائية، اقترب أحد الخبراء أخيرًا، وفي يده مجموعة من النتائج، توقف على مسافة مناسبة، ثم قال:_سيدي... أعدنا فحص العينة ثلاث مرات.لم يلتفت إياد.والنتيجة؟" تردد الرجل لحظة._نفسها في كل مرة. رفع إياد عينيه نحو الشاشة، ظهرت أمامه مقارنة دقيقة بين العينات المأخوذة من موقع الانفجار والعينة التي استُخرجت من الجثة المتفحمة، قال الخبير: _الدم الذي عُثر عليه بالقرب من موقع الانفجار لا يعود إلى الجثة. ار
لم يكن المساء قد انتصف بعد عندما عاد إياد إلى المقر السري لمنظمة X. كان الهدوء الذي يخيّم على القاعة الرئيسية خادعًا؛ فعشرات الشاشات المضيئة كانت تعرض خرائط وتحليلات وتقارير تتبدّل كل بضع ثوانٍ، بينما انشغل رجال المنظمة بمتابعة الخيوط المتناثرة منذ أيام دون أن يمنحوا أجسادهم وقتًا كافيًا للراحة. كان الإرهاق ظاهرًا على الوجوه، في حركات الأيدي البطيئة، وفي العيون التي أثقلها السهر، لكن أحدًا لم يكن يتحدث عنه. فما حدث لعلاء ترك في المكان شيئًا أثقل من التعب، دخل إياد بخطوات ثابتة، وملامح جامدة لا تسمح بقراءة ما يدور خلفها. بدا هادئًا إلى درجة مقلقة، إلا أن كل من عرفه جيدًا كان يدرك أن ذلك البرود لم يكن غيابًا للغضب، بل صورته الأكثر خطورة. كان رامز يقف أمام إحدى الشاشات، يتابع نتائج عمليات البحث بصمت. احمرار عينيه لم يكن بحاجة إلى تفسير، كما أن القسوة التي استقرت على ملامحه لم تكن موجودة قبل موت علاء. منذ ذلك اليوم، اختفى المزاح من أحاديثه، لم يعد هناك من يرد على نكات علاء السخيفة، أو يجرّه إلى شجار بسبب كلمة عابرة، أو يقتحم يومه بفوضاه المعتادة. حلّ مكانه فراغ ثقيل، فراغ لم يكن
مرّت خمس سنوات… لكن داخل نور، لم يمر شيء. ما زالت تلك الطفلة التي فقدت كل شيء في ليلة واحدة، الطفلة التي تعلمت أن العالم قاسٍ، وأن الانتظار لا يعني الأمان. في صباح بارد، كانت واقفة عند بوابة المدرسة، تضم حقيبتها إلى صدرها كأنها تحتمي بها، وعيناها تبحثان عن أي ملامح مألوفة وسط زحام الطلاب. الض
لم يكن الليل عاديًا تلك الليلة… السماء تمزقت بصوت الرعد، والمطر كان يهطل بغزارة، يغسل الطريق وكأنه يحاول محو كل أثر خطأ، كل ذنب لم يُغتفر بعد. الهواء كان ثقيلاً، رطبًا، يحمل رائحة البرق والتراب المبتل، والظلام كان يلتف حول الطريق كغطاء ثقيل لا ينكشف. على طريق مظلم، كانت شاحنة ضخمة تشق الطريق بس
مرّ أسبوع كامل، ثم أسبوع آخر، والتنمر لم يتوقف. بل، ازداد سوءًا مع كل يوم يمر. كانت أوراق نور تُخفي عن أعين الآخرين، وحقيبتها الرمادية تُرمى بلا رحمة على الأرض، وكرسيها في الصف يُكسر أحيانًا أمام زملائها، وأوراقها المهمة تُمزق أمام أعينها. كل مرة، كان يحدث نفس الشيء… صمتها كان الرد الوحيد. صمت ي
لم تبدأ القصة بضربة… بل بكلمات، ثقيلة، تنغرس في الصدر قبل أن تصل إلى الأذن، تهز المشاعر وتزرع الخوف قبل أي فعل. في نهاية الدوام، حين وقفت نور خارج المدرسة، كانت الشمس تتسلل بخجل بين الأشجار، تلقي بظلالها على الأرض، وشعرها الأسود الطويل ينسدل على كتفيها برقة، يموج مع نسيم الصباح. طولها متوسط، وقوا