ANMELDENلم يكن الفجر قد اقترب بعد، ومع ذلك كانت نيوفيرا مستيقظة؛ ليس بسبب أضوائها أو حركة شوارعها المعتادة، بل بسبب مطاردة تجري في أحد أطرافها الصناعية بعيداً عن أعين السكان. كانت عشرات السيارات السوداء التابعة لمنظمة X تشق الطرق المعتمة بسرعة مخيفة، بينما كانت أوامر متقطعة تتردد عبر أجهزة الاتصال، ويتوزع الرجال بين المستودعات المهجورة كظلال مسلحة تتحرك وفق خطة واحدة. لم يكن أحد منهم يتحدث أكثر مما يلزم، فالهدف كان واضحًا، والتعليمات أكثر وضوحًا، في السيارة الأمامية، جلس إياد بصمت، وعيناه مثبتتان على الخريطة الرقمية المعروضة أمامه. كانت نقاط التحرك تتغير على الشاشة، بينما تتقلص المسافة بينهم وبين الموقع المحدد، لكن داخله، كان أبعد ما يكون عن الهدوء. منذ وفاة علاء، وكل شيء يسير بطريقة خاطئة، كلما ظن أنه اقترب من الحقيقة، ظهرت أمامه أسئلة جديدة، وكل سؤال كان أكثر تعقيدًا وإزعاجًا من سابقه، لم يعد الأمر متعلقًا بمقتل علاء وحده. بل بما سبق موته، وبما حدث بعده، وبالأشخاص الذين بدوا كأنهم يتحركون داخل مخطط أكبر من قدرة الجميع على رؤيته، جاء صوت أحد الرجال عبر جهاز الاتصال: — دقيقتان فقط ونص
لم يكن الليل قد انتهى بعد، لكن التعب كان قد استقر فوق المدينة بأكملها. بدت نيوفيرا هادئة من الخارج؛ شوارعها غارقة في العتمة، وأضواء مبانيها تنعكس باهتة على الأرصفة الرطبة. غير أن الهدوء الذي غلّف المدينة لم يكن سوى قشرة رقيقة تخفي تحتها حركة لا تتوقف. ففي أماكن متفرقة، كانت الحروب تبدأ بصمت، وكانت القرارات التي ستغيّر مصائر أشخاص كثيرين تُتخذ خلف أبواب مغلقة، بعيدًا عن أعين العامة. داخل أحد المقرات السرية التابعة لمنظمة X، جلس دومينيك مقيدًا إلى كرسي معدني ثقيل. كانت يداه موثقتين خلف ظهره، بينما لا تزال آثار الاشتباك واضحة على وجهه وملابسه. غطّت بقع الدم الجاف جزءًا من قميصه، وامتدت كدمة داكنة أسفل عينه، فيما كان جرح صغير عند طرف جبينه قد بدأ يتخثر، ومع ذلك كله، كان يبتسم. ابتسامة باردة، مستفزة، لا تشبه ابتسامة رجل أُسر بعد معركة عنيفة، بل تشبه تعبير شخص يملك معلومة لا يعرفها الآخرون، ويستمتع بمراقبتهم وهم يحاولون الوصول إليها. وقف رامز أمامه مباشرة، كانت عيناه حمراوين من السهر، ووجهه شاحبًا تحت وطأة الغضب والإرهاق. منذ دفن علاء، وهو يحاول التماسك بكل ما بقي لديه من قوة، لكن ش
لم تكن القاعة الرئيسية في المقر السري لمنظمة X تعرف الراحة، عشرات الشاشات العملاقة أضاءت الجدران بخرائط نيوفيرا، ومسارات المراقبة، وبيانات العمليات التي تتغير لحظة بعد أخرى. أصوات لوحات المفاتيح امتزجت بأوامر قصيرة يتبادلها الرجال، بينما كانت الفرق المختلفة تراجع ما وصلها من معلومات دون أن ترفع أعينها عن شاشاتها كان التوتر محسوسًا في كل حركة. ومنذ موت علاء، أصبح كل تقرير يصل إلى القاعة يحمل احتمالًا جديدًا أو كارثة أخرى، وقف إياد في مقدمة القاعة، وعيناه مثبتتان على إحدى الشاشات. لم يكن يحتاج إلى رفع صوته حتى ينتبه الجميع إلى وجوده، فحين يكون سيد X واقفًا بينهم، كان الهدوء يفرض نفسه بطريقة تلقائية، اقترب أحد الخبراء أخيرًا، وفي يده مجموعة من النتائج، توقف على مسافة مناسبة، ثم قال:_سيدي... أعدنا فحص العينة ثلاث مرات.لم يلتفت إياد.والنتيجة؟" تردد الرجل لحظة._نفسها في كل مرة. رفع إياد عينيه نحو الشاشة، ظهرت أمامه مقارنة دقيقة بين العينات المأخوذة من موقع الانفجار والعينة التي استُخرجت من الجثة المتفحمة، قال الخبير: _الدم الذي عُثر عليه بالقرب من موقع الانفجار لا يعود إلى الجثة. ار
لم يكن المساء قد انتصف بعد عندما عاد إياد إلى المقر السري لمنظمة X. كان الهدوء الذي يخيّم على القاعة الرئيسية خادعًا؛ فعشرات الشاشات المضيئة كانت تعرض خرائط وتحليلات وتقارير تتبدّل كل بضع ثوانٍ، بينما انشغل رجال المنظمة بمتابعة الخيوط المتناثرة منذ أيام دون أن يمنحوا أجسادهم وقتًا كافيًا للراحة. كان الإرهاق ظاهرًا على الوجوه، في حركات الأيدي البطيئة، وفي العيون التي أثقلها السهر، لكن أحدًا لم يكن يتحدث عنه. فما حدث لعلاء ترك في المكان شيئًا أثقل من التعب، دخل إياد بخطوات ثابتة، وملامح جامدة لا تسمح بقراءة ما يدور خلفها. بدا هادئًا إلى درجة مقلقة، إلا أن كل من عرفه جيدًا كان يدرك أن ذلك البرود لم يكن غيابًا للغضب، بل صورته الأكثر خطورة. كان رامز يقف أمام إحدى الشاشات، يتابع نتائج عمليات البحث بصمت. احمرار عينيه لم يكن بحاجة إلى تفسير، كما أن القسوة التي استقرت على ملامحه لم تكن موجودة قبل موت علاء. منذ ذلك اليوم، اختفى المزاح من أحاديثه، لم يعد هناك من يرد على نكات علاء السخيفة، أو يجرّه إلى شجار بسبب كلمة عابرة، أو يقتحم يومه بفوضاه المعتادة. حلّ مكانه فراغ ثقيل، فراغ لم يكن
لم تكن الساعة قد تجاوزت منتصف الليل حين عاد إياد إلى مقر منظمة X. كان المكان غارقًا في الضوء الأزرق المنبعث من عشرات الشاشات، بينما جلس رجال المنظمة أمام أجهزتهم يراقبون الخرائط والبيانات والتقارير التي تتدفق بلا توقف. ما إن دخل إياد حتى توقفت بعض الأصوات، وقف الموجودون من أماكنهم، لم يتحدث أحد، لم يكن بحاجة إلى ذلك، كانت ملامحه كافية لتخبرهم أن شيئًا ما تغير. عيناه بدتا أكثر ظلمة من المعتاد، ووجهه خاليًا من أي تعبير تقريبًا، كأن موت علاء ترك داخله فراغًا لم يعد يسمح لشيء بالوصول إلى سطحه، وعلى بعد خطوات، كان رامز يقف أمام إحدى الشاشات. ملابسه السوداء ما زالت تحمل آثار المطر، وشحوب وجهه يكشف عن ليالٍ لم يعرف فيها النوم طريقًا إليه، حتى عيناه الحمراوان فقدتا شيئًا من بريقهما المعتاد، لم يعد ذلك الرجل الذي كان يجادل علاء على أصغر التفاصيل، ثم ينتهي به الأمر ضاحكًا معه بعد دقائق. منذ موته، أصبح كل شيء في رامز أكثر صمتًا، وأكثر قسوة، اقترب أحد رجال المنظمة بسرعة، — سيدي... تمكنا من تتبع جزء من المكالمة.رفع إياد عينيه إليه: — النتيجة؟ ابتلع الرجل ريقه، ثم أشار إلى الشاشة: — الغراب ال
لم يكن الألم أكثر ما أزعج زياد في تلك اللحظة، ولا الدم الذي انساب من جانب جبينه، ولا الألم الحاد الذي امتد من كتفه بعد الضربة التي تلقاها قبل دقائق، كان هناك شيء آخر. إحساس ثقيل يخبره بأن اللعبة التي حاول الاقتراب منها أصبحت أكبر بكثير مما توقع، وقف بصعوبة وسط المستودع. أنفاسه متقطعة، ويده تضغط على كتفه المصاب، بينما تناثرت أجساد الرجال الذين هاجموه حوله، بعضهم فقد وعيه. وبعضهم كان يحاول النهوض، قبل أن يعود إلى الأرض من شدة الألم. لكن زياد لم يكن ينظر إليهم كانت عيناه معلقتين بالرجل الواقف أمامه. الرجل الذي ظهر في اللحظة الأخيرة، كما يفعل دائمًا، سيد X. ملابس سوداء، وجه مخفي، وقفة ثابتة لا توحي بأدنى ارتباك، رغم الفوضى التي امتلأ بها المكان، كان حضوره وحده كافيًا لتغيير طبيعة الغرفة، مرت عدة ثوان، ثم قال زياد:— تأخرت. جاءه الرد باردًا:— ما زلت حيًا. ظهرت ابتسامة باهتة على شفتي زياد — هذه ليست إجابة. اقترب سيد X خطوة هذه المرة، لم يكن هادئًا كما اعتاده زياد. كانت حركته أكثر حدة، وصوته يحمل ضيقًا واضحًا. — وأنت ما زلت تتصرف كالأحمق. توقفت عينا سيد X عنده، فأكمل زياد بهدوء: "
مرّ أسبوع كامل، ثم أسبوع آخر، والتنمر لم يتوقف. بل، ازداد سوءًا مع كل يوم يمر. كانت أوراق نور تُخفي عن أعين الآخرين، وحقيبتها الرمادية تُرمى بلا رحمة على الأرض، وكرسيها في الصف يُكسر أحيانًا أمام زملائها، وأوراقها المهمة تُمزق أمام أعينها. كل مرة، كان يحدث نفس الشيء… صمتها كان الرد الوحيد. صمت ي
لم تبدأ القصة بضربة… بل بكلمات، ثقيلة، تنغرس في الصدر قبل أن تصل إلى الأذن، تهز المشاعر وتزرع الخوف قبل أي فعل. في نهاية الدوام، حين وقفت نور خارج المدرسة، كانت الشمس تتسلل بخجل بين الأشجار، تلقي بظلالها على الأرض، وشعرها الأسود الطويل ينسدل على كتفيها برقة، يموج مع نسيم الصباح. طولها متوسط، وقوا
لم تكن جوليا من النوع الذي يترك الأمور للصدفة. منذ اللحظة التي رأت فيها نور تضع الرسالة، وهي تعرف أن هناك شيئًا مخفيًا… شيئًا لا تراه العيون بسهولة لكنه حاضر بقوة. ولهذا— بدأت جوليا تراقب وتبحث، تحلل كل حركة، كل ابتسامة، وكل نظرة. في صباح اليوم التالي، وقفت قرب بوابة المدرسة، تتأمل الطلاب وهم
في بعض الأحيان، لا تحتاج إلى ضربة لتسقط… كلمة واحدة تكفي. منذ أيام، شعرت نور بأن شيئًا يتغير حولها. لم يكن فقط تصرفات الآخرين، بل نظراتهم الثقيلة المليئة بالحكم والهمس. كل حركة، كل همسة، كانت كأنها سهم يصيب قلبها الصغير. لم تعرف سبب هذا التغيير، لكنها شعرت بثقل في صدرها، وكأن العالم أصبح أصغر






