LOGINالفصل الثالث عشر
المسافة التي تؤلم لم تغادر تلك الورقة عقل عمر طوال الليل. "ابعد ريم عن الموضوع... قبل ما تدفع الثمن." لم يكن يخاف على نفسه. منذ سنوات وهو يعلم أن الماضي لن يتركه بسهولة. لكن... لأول مرة أصبح يخشى أن يدفع شخص آخر ثمن حرب لا يعرف عنها شيئًا. جلس في مكتبه قبل حضور الموظفين بساعة كاملة. كان كوب القهوة أمامه كما اعتاد. لكنه لم يلمسه. ظل ينظر من النافذة إلى المطر الذي لم يتوقف منذ الأمس. وأخذ قرارًا لم يكن سهلًا عليه. يجب أن يبتعد عن ريم. ليس لأنها أخطأت. ولا لأنها أصبحت عبئًا. بل لأنها أصبحت نقطة ضعف يعرف خصومه أنهم يستطيعون الوصول إليه من خلالها. في الثامنة والنصف... دخلت ريم الشركة. كانت تحمل ملفات كثيرة بين ذراعيها. ابتسمت لسارة كعادتها. ثم اتجهت نحو مكتبها. وقبل أن تجلس... وصلها اتصال من السكرتيرة. "الأستاذ عمر طالب ملف مشروع الشرق." ابتسمت. حملت الملف. ثم صعدت إلى مكتبه. طرقت الباب. جاءها صوته الهادئ: "اتفضلي." دخلت. لكنها توقفت للحظة. شيء ما كان مختلفًا. لم يرفع رأسه فور دخولها كما اعتاد. ظل يراجع بعض الأوراق. ثم قال دون أن ينظر إليها: "سيبي الملف على المكتب." وضعت الملف بهدوء. وانتظرت. كانت تنتظر أن يسألها عن معصمها... أو عن المشروع... أو حتى أن يبتسم ابتسامته الخفيفة. لكنه لم يفعل. قال فقط: "شكرًا." ثم عاد إلى أوراقه. شعرت ريم بوخزة صغيرة في قلبها. لم تفهم سببها. خرجت من المكتب بهدوء. وأغلقت الباب خلفها. لاحظت سارة تغير ملامحها. اقتربت منها. "مالك؟" ابتسمت ريم ابتسامة باهتة. "مفيش." ضحكت سارة. "دي كلمة الناس اللي فيها كل حاجة." جلست ريم على كرسيها. وقالت بعد لحظة صمت: "هو الأستاذ عمر زعلان مني؟" رفعت سارة حاجبيها بدهشة. "ليه بتقولي كده؟" تنهدت ريم. "حاسّة إنه بيتجنب الكلام معايا." ابتسمت سارة ابتسامة هادئة. وقالت: "يمكن عنده مشاكل." هزت ريم رأسها. "يمكن." لكن قلبها... لم يقتنع. في الداخل... كان عمر يقف خلف الباب بعد خروجها. رآها من خلال الزجاج وهي تعود إلى مكتبها. ثم سمع ضحكتها الخافتة مع سارة. أغمض عينيه للحظة. وقال لنفسه: "سامحيني يا ريم..." "دي أول مرة أكون مضطر أجرح حد... عشان أحميه." لكن ما لم يكن يعلمه... أن البرود الذي اختاره حمايةً لها... بدأ يوجعها أكثر مما توقع. وفي اللحظة نفسها... وصلت رسالة إلى هاتفه. فتحها. لم يكن فيها سوى صورة. صورة التُقطت منذ دقائق... لريم. وهي تخرج من مكتبه. وتحتها عبارة واحدة: "أنت تأخرت... نحن نراقبها بالفعل." ارتفع نبض قلب عمر. وأدرك أن الأمر أخطر بكثير مما تخيل. مرت ثلاثة أيام... وثلاثة أيام كانت كافية لتشعر ريم أن شيئًا انكسر. لم يعد عمر يستدعيها إلا في حدود العمل. وإذا احتاج إلى ملف... أرسله مع أحد الموظفين. وإذا كان هناك اجتماع... كان حديثه معها لا يزيد على كلمات قليلة. "شكرًا." "تمام." "اتفضلي." لا أكثر. كانت الكلمات مهذبة... لكنها باردة. والبرود أحيانًا يؤلم أكثر من القسوة. في صباح اليوم الرابع... دخلت ريم الشركة وهي عازمة على ألا تفكر في الأمر مرة أخرى. قالت لنفسها: "يمكن أنا اللي فهمت غلط." "يمكن ده أسلوبه الطبيعي." لكنها كانت تعرف في داخلها... أن هذا ليس عمر الذي عرفته. وقبل موعد انتهاء العمل بقليل... وصلها اتصال من السكرتيرة. "الأستاذ عمر طالب حضرتك." أغلقت الملف الذي أمامها. وأخذت نفسًا عميقًا. ثم صعدت. طرقت الباب. سمعت صوته: "اتفضلي." دخلت. كان واقفًا أمام النافذة. ولم يلتفت إليها إلا بعد لحظات. قال بهدوء: "اقعدي." جلست. ساد صمت قصير. قطعته ريم هذه المرة. وقالت بهدوء، لكن بثقة: "حضرتك... أنا عملت حاجة ضايقتك؟" رفع عمر رأسه إليها. نظر إليها طويلًا. ثم قال باستغراب: "ليه السؤال ده؟" أجابت بصراحة: "لأن حضرتك اتغيرت." لم يتكلم. فأكملت: "أنا يمكن أكون فهمت غلط..." "لكن حضرتك بقيت بتتجنب حتى الكلام العادي." شعر عمر أن كلماتها أصابت ما كان يحاول إخفاءه. لكنه لم يستطع أن يقول الحقيقة. قال بهدوء: "دي مجرد ظروف شغل." هزت رأسها برفق. ثم ابتسمت ابتسامة حزينة. وقالت: "أنا اشتغلت في أماكن كتير." "وأعرف الفرق بين ضغط الشغل..." "...والهروب." ساد الصمت. كانت أول مرة تواجهه بهذه الصراحة. ولم يغضب. بل شعر باحترام أكبر لها. قال بصوت منخفض: "أحيانًا..." "الإنسان بيبعد عن ناس بيحترمهم..." "مش لأنه عايز يبعد." "...لكن لأنه مضطر." تعلقت عينا ريم بعينيه. كانت تشعر أن وراء هذه الكلمات قصة كاملة. لكنها أيضًا أدركت أنه لن يحكيها الآن. وقفت من مكانها. وقالت بهدوء: "أنا مش هسأل حضرتك عن السبب." "لكن أوعدني بحاجة." نظر إليها. "إيه هي؟" قالت بثبات: "لو في يوم احتجت حد يقف جنبك..." "ما تستبعدنيش قبل ما تديني حق الاختيار." تركته كلماتها صامتًا. لأول مرة منذ سنوات... يشعر أن هناك من يرى ألمه دون أن يعرف تفاصيله. خرجت ريم من المكتب. وأغلقت الباب خلفها بهدوء. أما عمر... فجلس على كرسيه ببطء. وأغمض عينيه. وهمس لنفسه: "كل مرة بحاول أحميها..." "...بلاقيها بتقرب خطوة." وفي تلك اللحظة... رن هاتفه مرة أخرى. هذه المرة لم يكن رقمًا مجهولًا. كان رقم ندى. فتح الخط بسرعة. لكنها لم تمنحه فرصة للكلام. جاءها صوتها مرتجفًا: "عمر... الحقني." "هما عرفوا مكاني." ثم انقطع الاتصال. نهض عمر في لحظة. أمسك مفاتيح سيارته. وخرج مسرعًا. لكن قبل أن يصل إلى المصعد... تلقى رسالة جديدة. فتحها. كانت صورة لندى... وهي مقيدة داخل مكان مهجور. وتحت الصورة عبارة قصيرة: "اختر... ماضيك أو مستقبلها." وقف عمر مكانه. ولأول مرة... شعر أن المعركة بدأت فعلًا.لم تنتظر ريم حتى تخلع معطفها.أغلقت باب المنزل خلفها، وبقيت واقفة للحظات في الصمت، تحدق أمامها وكأنها تحاول أن تستوعب كل ما حدث خلال الساعات الماضية.المفتاح ما زال في حقيبتها.والورقة التي كتبها فارس منصور ما زالت في ذاكرتها.«اسألي محمود لماذا تم اختيارك أنتِ.»رفعت ريم عينيها نحو غرفة النوم.كان محمود هناك.ولأول مرة منذ سنوات، لم تشعر ريم أنها تدخل بيت زوجها.شعرت أنها تدخل مكانًا يخفي عنها شيئًا.وضعت حقيبتها بهدوء، ثم اتجهت إلى الغرفة.كان محمود يجلس على طرف السرير، منشغلًا بهاتفه. رفع عينيه إليها للحظة، ثم أعاده إلى الشاشة.قال ببرود:— اتأخرتي.لم تجبه.توجهت مباشرة إلى الخزانة، وفتحت أحد الأدراج القديمة.رفع محمود رأسه.— بتدوري على إيه؟توقفت يدها.ثم التفتت إليه.— على حاجات تخص شغلي القديم.تغيرت ملامحه فورًا.لم يكن التغيير كبيرًا، لكنه كان واضحًا بما يكفي لامرأة قضت معه سنوات طويلة.أغلقت ريم الدرج ببطء.— ليه اتوترت؟— أنا ما اتوترتش.— لأ.اقتربت منه خطوة.— أنت عرفت أنا بدور على إيه قبل ما أقول لك.ظل صامتًا.ابتسمت ريم ابتسامة خالية من الفرح.— غريبة يا محمود... كل م
الفصل الرابع والثمانون: المفتاحلم تنم ريم تلك الليلة.وضعت المفتاح الصغير فوق الطاولة، وظلت تنظر إليه طويلًا.قطعة معدنية بسيطة.لكنها تحمل سرًا ظل مخفيًا لسنوات.والأغرب من ذلك كله…أن فارس منصور ذكر اسمها قبل اختفائه.«المفتاح ده هيوصل ريم للحقيقة.»لماذا هي؟ماذا كان يعرف عنها؟وهل كان يعرفها أصلًا؟في الصباح، وضعت المفتاح داخل حقيبتها، وذهبت إلى الشركة.كانت تريد أن تسأل عمر.لكنها لم تكن مستعدة لإخباره بكل شيء.ما إن وصلت إلى مكتبها حتى وجدت سارة تنتظرها.قالت:— إنتِ كنتِ فين امبارح؟ اتصلت بيكي كتير.— كنت مشغولة.نظرت سارة إلى وجهها.— في حاجة حصلت؟ابتسمت ريم ابتسامة صغيرة.— لا.لكن سارة لم تقتنع.قبل أن تسأل مرة أخرى، وصلها استدعاء من مكتب عمر.دخلت ريم.كان عمر واقفًا أمام مكتبه.قال:— اقفلي الباب.فعلت.ثم أشار إلى الكرسي.— اقعدي.جلست.نظر إليها للحظات.— رجعتي للمقر القديم؟ترددت.— أيوه.— ومعاكِ حاجة؟شعرت ريم بالتوتر.— ليه بتسأل؟— لأن شخصًا دخل المكان بعدك.رفعت رأسها.— مين؟— ما نعرفش.ثم أضاف:— لكنه كان يبحث عن شيء.أمسكت ريم بحقيبتها دون شعور.لاحظ عمر الحرك
الفصل الثالث والثمانون: الأسبوع الأخيرظلت ريم تحدق في الورقة.«اسألي عمر: ماذا حدث في الأسبوع الأخير من مشروع الرواد؟»كانت الجملة قصيرة.لكنها حملت أسئلة أكثر مما تحمل من إجابات.رفعت عينيها نحو محمود.— إنت عارف؟ظل صامتًا.— محمود، أنا بسألك.قال أخيرًا:— مش كل اللي حصل أعرفه.— لكنك كنت هناك.— أيوه.— وعرفت فارس.هز رأسه.— عرفتُه.— وكنت تعرف إنه اختفى؟— أيوه.— وسكت؟خفض محمود عينيه.— كنت خايف.شعرت ريم بالغضب.— كل مرة أسمع نفس الكلمة... خايف!ثم أضافت:— وأنا؟ أنا كنت إيه طول السنين دي؟لم يجب.لم تجد ريم في وجهه هذه المرة البرود المعتاد.كان هناك شيء آخر.ندم.قال محمود:— كنت بحاول أحميكي.ضحكت ريم بمرارة.— تحميني من إيه؟ من الحقيقة؟لم يرد.رن هاتفها.كان عمر.نظرت إلى الشاشة طويلًا.ثم أجابت.— أيوه يا أستاذ عمر.جاء صوته هادئًا:— إنتِ فين؟نظرت إلى محمود.ثم قالت:— في المقر القديم.ساد الصمت على الطرف الآخر.عرفت من صمته أنه لم يتوقع ذلك.قال:— مين قالك تروحي هناك؟— لقيت رسالة.— من مين؟— مش عارفة.توقف عمر لحظة.ثم قال:— ارجعي الشركة فورًا.— قبل ما أرجع، عاي
الفصل الثاني والثمانون: المكان الذي بدأ منه كل شيءظلت ريم واقفة أمام المصعد.الإحداثيات ما زالت مضيئة على شاشة هاتفها.أعادت قراءة الرسالة مرة أخرى.«زوجك ذهب إلى المكان الذي بدأ فيه كل شيء.»لم تكن تعرف من أرسلها.ولم تكن تعرف لماذا يريد منها أن تذهب.لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا...أن محمود يخفي عنها سرًا.وسر مشروع الرواد أصبح أكبر من مجرد ملف قديم.دخلت المصعد.ضغطت الزر.وقبل أن تغلق الأبواب، نظرت خلفها.كان عمر يقف عند نهاية الممر.ينظر إليها.لم ينادها.ولم يحاول إيقافها.وهذا جعلها أكثر حيرة.بعد أقل من نصف ساعة، كانت ريم أمام مبنى قديم في منطقة هادئة.المكان بدا مهجورًا تقريبًا.واجهته تحمل اسمًا باهتًا لشركة لم تعد موجودة.اقتربت من البوابة.نظرت إلى هاتفها.الإحداثيات تشير إلى الداخل.دفعت البوابة بحذر.انفتحت بسهولة.دخلت.كان المكان مليئًا بالأثاث القديم والملفات المغلقة.وعلى أحد الجدران علقت لوحة قديمة.شركة الرواد للاستثمار — الإدارة السابقة.شعرت ريم بأن أنفاسها توقفت للحظة.إذن هذا هو المقر القديم.المكان الذي بدأ فيه كل شيء.تحركت ببطء في الممر.سمعت صوتًا.توقفت.
الفصل الحادي والثمانون: الحقيقة الناقصةظلت ريم تحدق في شاشة هاتفها.«لا تثقي في عمر السيوفي.»ثم الرسالة الثانية:«محمود ليس أخطر شخص في هذه القصة.»رفعت عينيها ببطء.كان محمود يقف أمامها، بينما جلس عمر خلف مكتبه، يراقبها دون أن يحاول انتزاع الهاتف منها.قال محمود:— مين بعتلك؟لم تجب.كرر سؤاله:— ريم، بسألك مين بعتلك؟قال عمر بهدوء:— واضح إن السؤال مش ليك يا محمود.التفت إليه محمود.— وأنا مش بكلمك.ساد الصمت.شعرت ريم بأن شيئًا ما تغير.لم يعد الأمر مجرد ملف قديم أو تحويل مالي مشبوه.هناك شخص يعرف ما يحدث.ويراقبهم.ويعرف بالضبط متى يتدخل.وضعت ريم هاتفها على المكتب.قالت:— الرسالة بتقول إني ما أثقش فيك يا أستاذ عمر.نظر عمر إلى الشاشة.لم يتفاجأ.وهذا الشيء جعلها أكثر توترًا.سألته:— مش متفاجئ؟أجاب:— لأن دي مش أول مرة حد يحاول يخليني أبان مذنب.تدخل محمود:— ويمكن لأنه فعلًا مذنب.نظر إليه عمر.— عندك دليل؟لم يجب محمود.قال عمر:— لو عندك، طلّعه.ظل محمود صامتًا.أما ريم فكانت تنظر إليه.لأول مرة بدأت ترى زوجها بطريقة مختلفة.لم يكن مجرد الرجل الذي تعودت على بروده.كان هناك
الفصل الثمانون: خلف الباب المغلقلم تستطع ريم النوم تلك الليلة.منذ أن أخبرها السكرتير أن عمر السيوفي يريد مقابلتها في الصباح، وهي تحاول أن تفهم السبب.لم تكن قد ارتكبت خطأ.بل على العكس، كانت تقضي ساعات طويلة في إنجاز عملها بدقة، وتحاول ألا تمنح أحدًا فرصة لانتقادها.ومع ذلك، كان هناك شيء في الأمر جعل قلبها غير مطمئن.في السادسة صباحًا، أغلقت مفكرتها.لم تنم إلا ساعات قليلة.ارتدت ملابسها، وأعدت حقيبتها، ثم خرجت من الغرفة بهدوء.كان محمود مستيقظًا.قال دون أن ينظر إليها:— رايحة بدري ليه؟— الأستاذ عمر طلب يقابلني أول ما أوصل.رفع عينيه إليها.— عمر مين؟— المدير العام الجديد.ظل ينظر إليها لثوانٍ.ثم قال ببرود:— خدي بالك من نفسك.كانت جملة عادية.لكنها خرجت منه بطريقة جعلتها تشعر بأن وراءها شيئًا آخر.لم تجب.وغادرت.وصلت ريم إلى الشركة قبل الموعد بربع ساعة.كان الطابق هادئًا.وضعت حقيبتها على مكتبها، ثم توجهت إلى مكتب السكرتير.قال لها:— الأستاذ عمر مستنيك.طرقت الباب.جاءها صوته:— ادخلي.دخلت ريم.كان عمر يقف أمام النافذة، وفي يده ملف أسود.التفت إليها.— صباح الخير يا ريم.— ص







