LOGINالعنوان: حين عرفتُ معنى الرجولة بقلم: نور أحمد نبذه كانت تظن أن الزواج يكفي ليصنع الأمان... حتى اكتشفت أن بعض الرجال يحملون لقب زوج، وقليلون فقط يستحقون لقب رجل. بين زوجٍ خذلها، ورجلٍ أعاد إليها احترامها لنفسها، تبدأ رحلة مليئة بالمشاعر، والصراع، والاختيارات التي قد تغيّر حياتها إلى الأبد. فهل يمكن للقلب أن يحب للمرة الأولى... بعد فوات الأوان؟
View Moreالفصل الأول
البداية التي لم تتوقعها دقّت الساعة الثامنة صباحًا. كان مبنى شركة الرواد للاستثمار يستقبل موظفيه كعادته، لكن بالنسبة إلى ريم لم يكن هذا الصباح عاديًا. وقفت أمام المرآة في دورة مياه الشركة، تحاول أن تخفي آثار ليلة أخرى قضتها بلا نوم. وضعت قليلًا من مستحضر التجميل فوق الهالات السوداء، ثم ابتسمت لنفسها ابتسامة باهتة. همست: "هتعدي... زي كل مرة." لكنها كانت تعرف أنها تكذب. رن هاتفها. نظرت إلى الاسم. محمود. زوجها. أجابت بسرعة، وكأنها تخشى أن يغضب إذا تأخرت ثانية واحدة. "أيوة يا محمود." جاءها صوته باردًا: "حولتي الفلوس؟" أغمضت عينيها. لم يسأل إن كانت وصلت العمل. لم يسأل إن كانت بخير. لم يقل حتى صباح الخير. أول سؤال... كان عن المال. قالت بهدوء: "المرتب لسه منزلش." رد بضيق: "أنا قولتلك محتاجهم النهارده." "هتصرف." ثم أغلق الهاتف. بقيت تنظر إلى الشاشة للحظات. لا تعرف لماذا كانت تنتظر منه كلمة لطيفة، رغم أنه لم يقلها منذ سنوات. خرجت من دورة المياه، وعدلت حجابها، ثم اتجهت إلى مكتبها. كانت تعمل سكرتيرة تنفيذية في الشركة منذ ثلاث سنوات. ذكية. منظمة. لكنها لا تتحدث كثيرًا. الجميع يعرف أنها تبتسم دائمًا... ولا أحد يعرف أنها تعود كل ليلة لتبكي. قبل التاسعة بدقائق، عمّ الهدوء الطابق كله. همس أحد الموظفين: "وصل." لم تفهم ريم سألت زميلتها سارة: "مين؟" ابتسمت سارة. "واضح إنك ناسية." "المدير العام الجديد هيستلم النهارده." أجابت ريم بلا اهتمام: "ربنا يعينه علينا." ضحكت سارة. "بيقولوا شخصية صعبة جدًا." "وبيفصل أي حد يغلط." تنهدت ريم لم تعد تخاف من المديرين. من يعيش تحت سقف رجل لا يعرف الرحمة... لا يخاف من أحد بعده. توقفت سيارة سوداء أمام مدخل الشركة. نزل منها رجل يرتدي بدلة رمادية أنيقة. كان قصير القامة. شعره أبيض بالكامل. ملامحه هادئة. لكن هيبته جعلت الجميع يقف دون أن يشعر. لم يكن يبتسم. ولم يكن عابسًا. كان فقط... واثقًا. دخل المبنى بخطوات ثابتة. صافح موظف الاستقبال. ثم قال: "صباح الخير." تفاجأ الرجل. كل من سبقوه كان يدخل دون أن ينظر لأحد. أما هو... فبدأ يومه بتحية الجميع. صعد إلى الطابق الأخير. وبعد دقائق... وصل تعميم داخلي. يرجى حضور جميع الموظفين اجتماع التعارف مع المدير العام الجديد خلال عشر دقائق. دخلت ريم قاعة الاجتماعات وجلست في آخر صف. لا تحب لفت الانتباه. بعد لحظات... دخل الرجل. ساد الصمت. وقف أمام الجميع. ثم قال بصوت هادئ: "أنا عمر السيوفي." "يشرفني أشتغل معاكم." لم يتحدث عن السلطة. ولا عن العقوبات. ولا عن اللوائح. بل قال جملة أدهشت الجميع: "النجاح في أي شركة يبدأ باحترام الناس." رفعت ريم رأسها لأول مرة. ونظرت إليه باهتمام. كان يتحدث بثقة... لكن دون تكبر. أكمل: "أنا لا أطلب الكمال." "أطلب الصدق." "ومن يخطئ ويتعلم... مكانه محفوظ." ثم سكت قليلًا. وأضاف: "أما الكذب..." "فليس له مكان هنا." لا تعرف لماذا... لكن تلك الجملة بقيت تتردد في داخلها. ظلّت ريم تنظر إلى عمر السيوفي دون أن تشعر. لم يكن يشبه أي مدير عملت معه من قبل. لا صوته مرتفع. ولا كلماته متعالية. حتى طريقة وقوفه كانت توحي بالثقة، لا بالغرور. انتهى الاجتماع، وبدأ الموظفون يغادرون القاعة. وقبل أن يخرج، قال عمر بهدوء: "أحب أن أتعرف على كل قسم بنفسي." "وسأمر على المكاتب واحدًا واحدًا." تعالت الهمسات. ضحكت سارة وهي تقترب من ريم. "واضح إنه هيعرف أسماءنا كلنا." ابتسمت ريم ابتسامة خفيفة. "يمكن." لكنها لم تكن تعلم أن هذا اليوم سيغير حياتها كلها. في الثانية عشرة ظهرًا... كان عمر يتفقد أقسام الشركة. لم يكن يمر مرورًا سريعًا. بل يقف أمام كل موظف. يسأله عن عمله. وعن الصعوبات التي تواجهه. حتى عامل النظافة صافحه وشكره على مجهوده. وقف الجميع يراقبونه بدهشة. أما ريم... فكانت تكتب تقريرًا مهمًا دون أن ترفع رأسها. توقف عمر أمام مكتبها. نظر إلى لوحة الاسم. "ريم حسن." رفعت رأسها بسرعة. وقفت احترامًا. "أهلًا يا فندم." ابتسم ابتسامة خفيفة. "لا داعي للوقوف." ثم أشار إلى الملف الذي بين يديها. "تقرير المناقصة؟" أومأت. "نعم." مد يده. قرأ أول صفحتين. ثم أغلق الملف. وقال بهدوء: "ممتاز." كانت كلمة واحدة. لكنها أربكتها. منذ سنوات... لم تسمع أحدًا يمدح عملها. لا في البيت... ولا في العمل. قال عمر قبل أن يتحرك: "استمري." وغادر. بقيت ريم تنظر إلى المكان الذي كان يقف فيه. همست سارة وهي تبتسم: "واضح إن التقرير عجبه." ابتسمت ريم للمرة الأولى منذ أيام. ابتسامة صغيرة... لكنها كانت حقيقية. في المساء... أنهت عملها وغادرت الشركة. ركبت الحافلة. كانت تمسك حقيبتها بقوة، وتفكر في كلمة واحدة فقط. "ممتاز." كيف يمكن لكلمة بسيطة... أن تجعلها تشعر بهذه السعادة؟ هزت رأسها وهي تبتسم لنفسها. ثم قالت: "أكيد عشان محدش بيقولها لي." فتحت باب شقتها بهدوء. كان الظلام يملأ المكان. وضعت حقيبتها. ثم سمعت صوت زوجها من الداخل. "اتأخرتي." دخلت غرفة المعيشة. كان محمود يجلس أمام التلفاز، دون أن ينظر إليها. قالت بهدوء: "كان عندنا اجتماع." رد ببرود: "اعمليلي شاي." نظرت إليه للحظات. كانت متعبة. قدماها تؤلمانها. لكنها دخلت المطبخ دون كلمة. بعد دقائق... وضعت كوب الشاي أمامه. أخذ رشفة واحدة. ثم عقد حاجبيه. "بارد." وألقى الكوب على الطاولة بعصبية. تناثر الشاي على الأرض. ارتجفت ريم. ليس خوفًا... بل انكسارًا. انحنت لتنظف ما سقط. وفجأة... توقفت. تذكرت عمر. "ممتاز." ثم نظرت إلى زوجها. "بارد." كلمتان فقط... لكن بينهما عمر كامل من الفرق. لم تنطق بحرف. دخلت غرفتها. أغلقت الباب. جلست على الأرض. وأخرجت من حقيبتها مفكرة صغيرة. كانت تكتب فيها كلما ضاق بها العالم. فتحت صفحة جديدة. وكتبت سطرًا واحدًا: "هل يمكن أن يغيّر الاحترام قلب إنسان أكثر مما يغيّره الحب؟" أغلقت المفكرة بسرعة عندما سمعت طرقًا على الباب. دخل محمود. وقف أمامها. وقال بنبرة جافة: "بكرة فيه عزومة عند أمي." "متتأخريش من الشغل." أومأت بصمت. ثم خرج. لكن هاتفها رن في اللحظة نفسها. كان رقمًا من الشركة. ترددت قبل أن تجيب. جاءها صوت السكرتير التنفيذي: "أستاذة ريم..." "الأستاذ عمر طلب حضرتك أول واحدة تقابله بكرة الصبح." تجمدت في مكانها. سألت بدهشة: "أنا؟" "نعم." "قال بالحرف..." "قولوا للأستاذة ريم تجيلي أول ما توصل." أغلقت الهاتف. وظلت تحدق في الشاشة. لا تعرف... هل هذا بداية فرصة جديدة؟ أم بداية اختبار جديد... سيغيّر حياتها إلى الأبد؟الفصل التاسع والثلاثونرسالة من الماضيظل الجميع واقفًا في مكانه.صوت الزجاج الذي تحطم ما زال يتردد في الخارج.اقترب شريف من النافذة بحذر.أزاح الستارة قليلًا.نظر إلى الشارع.ثم تنهد."هرب..."سألته والدة ريم بقلق:"شفت مين؟"هز رأسه."لأ...""بس اللي عمل كده كان عايز يقول حاجة."نظرت ريم إليهما في حيرة."أنا مش فاهمة أي حاجة."التفت إليها شريف.اقترب منها خطوة.ثم وضع الظرف القديم بين يديها.وقال بصوت هادئ:"الرسالة دي كتبها أبوكي قبل آخر يوم في حياته."ارتجفت يدا ريم.كانت تنظر إلى الظرف وكأنه قطعة من روح والدها.قالت والدتها وهي تمسح دموعها:"افتحيه...""جه الوقت تعرفي."أخذت ريم نفسًا عميقًا.ثم فتحت الظرف بحذر شديد.كان داخله ورقة واحدة.اصفر لونها من الزمن.وفي أعلاها...خط والدها.بدأت تقرأ بصوت مرتجف:«"إلى ريم...لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا مقدرتش أرجعلك.وأول حاجة عايزك تعرفيها...إن أبوكي كان بيحبك أكتر من عمره."»توقفت ريم.لم تستطع إكمال القراءة.انهمرت دموعها.وأخذت الورقة تضمها إلى صدرها.اقتربت والدتها واحتضنتها.أما شريف...فأدار وجهه حتى لا ترى دموعه.بعد لحظات...
الفصل الثامن والثلاثونالصورة التي أيقظت الماضيظلت ريم تنظر إلى والدتها في ذهول.كانت المرة الأولى التي ترى فيها تلك الدموع.لطالما كانت والدتها قوية...حتى في أصعب الأيام.لكن الآن...كانت ترتجف.اقتربت ريم منها، وجلست إلى جوارها.وأمسكت يدها برفق."ماما...""مين الراجل اللي في الصورة؟"أغلقت والدتها عينيها لثوانٍ طويلة.ثم أخذت نفسًا عميقًا.وقالت بصوت متعب:"اسمه... شريف."توقفت قليلًا.وأكملت:"كان أقرب صاحب لوالدك."اتسعت عينا ريم."يعني الراجل ده كان يعرف بابا؟"هزت والدتها رأسها."كانوا أكتر من أصحاب...""...كانوا إخوات."ساد الصمت.شعرت ريم أن قلبها يخفق بقوة."طيب... هو فين دلوقتي؟"تغيرت ملامح والدتها فجأة.وأبعدت الصورة عن نظرها."مش عايزة نتكلم في الموضوع ده."عقدت ريم حاجبيها."ليه؟"قالت الأم وهي تنهض من مكانها:"لأن الماضي لما بيرجع...""...بيوجع."أمسكت ريم بيدها قبل أن تبتعد.وقالت بهدوء:"ماما...""أنا كبرت.""ومن حقي أعرف بابا كان مين."توقفت الأم.ظهر الصراع على وجهها بوضوح.كانت تريد أن تحمي ابنتها...لكنها كانت تعرف أيضًا أن الكذب لن يدوم.قالت بصوت مبحوح:"أبوك
الفصل السابع والثلاثونالماضي لا يموتكان الليل قد أرخى ستاره على المدينة.توقفت السيارة السوداء أمام مقبرة قديمة.ترجل الرجل الغامض ببطء.وفي يده باقة من الزهور البيضاء.سار بين القبور كأنه يعرف الطريق جيدًا.حتى توقف أمام شاهد قبر بسيط.انحنى ووضع الزهور.ثم جلس على ركبتيه.ظل صامتًا لدقائق...قبل أن يهمس بصوت مكسور لأول مرة:"سامحني يا صاحبي...""اتأخرت أوي."كانت دمعة حبيسة تلمع في عيني. مد يده يزيل بعض الأتربة عن اسم صاحب القبر.ثم قال:"وعدتك...""إني أحافظ عليهم.""لكنهم سبقوني."أخرج من جيبه صورة قديمة.نظر إليها طويلًا.كانت الصورة تضم ثلاثة رجال شباب يضحكون...وبينهم طفل صغير لا يتجاوز الخامسة.ابتسم بحزن.ثم أعاد الصورة إلى جيبه.ونهض.وقبل أن يغادر...قال وهو ينظر إلى القبر:"اطمن...""الحقيقة هتظهر."---في صباح اليوم التالي...دخلت ريم الشركة مبكرًا.كان عمر قد سبق الجميع.وقف في غرفة الاجتماعات يراجع بعض الأوراق.طرقت الباب بخفة.رفع رأسه.ابتسم عندما رآها."صباح الخير."ابتسمت هي الأخرى."صباح النور."ترددت لحظة.ثم قالت بخجل:"طنط أخبارها إيه؟"ارتسم الامتنان على وجه
الفصل السادس والثلاثونخيوط في الظلامتوقفت السيارة السوداء أمام مبنى قديم في أحد الأحياء الهادئة.نزل منها الرجل الغامض.كان يرتدي بدلة سوداء بسيطة، ونظارة شمسية أخفت جزءًا كبيرًا من ملامحه.أغلق باب السيارة بهدوء.ثم نظر إلى المبنى طويلًا.ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:"قربنا..."صعد درجات السلم ببطء.وتوقف أمام شقة في الطابق الثاني.طرق الباب.بعد لحظات...فتحت له سيدة تجاوزت الستين من عمرها.ما إن رأته...حتى تغير لون وجهها.تراجعت خطوة إلى الخلف.وقالت بصوت مرتجف:"إنت..."ابتسم الرجل."وحشتيني يا أم مصطفى."ازدادت أنفاسها اضطرابًا."إنت رجعت ليه؟"خلع نظارته ببطء.وقال وهو ينظر في عينيها:"عشان في حقوق... لازم ترجع لأصحابها."شهقت المرأة.وأغلقت الباب بسرعة.لكن الرجل وضع قدمه قبل أن يُغلق.وقال بهدوء مخيف:"بعد كل السنين دي...""لسه خايفة؟"همست وهي ترتجف:"سيب البنت في حالها."تغيرت ملامحه لأول مرة.وقال بحدة:"بعد اللي حصل لأبوها...""لسه بتقولي أسيبها؟"ساد الصمت.ثم ترك الباب.واستدار مغادرًا.وقبل أن ينزل السلم...قال دون أن يلتفت:"بلغي اللي مخبي الحقيقة...""إن الوقت خلص."ث






reviews