LOGINالفصل الثاني عشر
دفء لا يُشبه الشتاء لم تنم ريم جيدًا تلك الليلة. كلما أغمضت عينيها... عاد إليها صوت إنذار الأمن. والممر المظلم. ثم تذكرت وجه عمر وهو يسألها بهدوء: **"إنتِ كويسة؟" لم تكن الكلمة وحدها هي التي بقيت في ذاكرتها... بل الطريقة التي قالها بها. كأنه كان يخشى أن تكون الإجابة غير ذلك. فتحت عينيها. وظلت تنظر إلى سقف الغرفة للحظات. ثم ابتسمت لنفسها دون أن تشعر. لكنها سرعان ما تداركت ابتسامتها وهمست: "مالك يا ريم..." "دي مجرد كلمة." لكن قلبها... لم يعتبرها مجرد كلمة. في الصباح... كانت السماء تمطر مطرًا خفيفًا. خرجت ريم من منزلها تحمل مظلتها القديمة. كان الهواء باردًا، لكن البرودة الحقيقية لم تكن في الطقس... كانت في الأفكار التي لم تغادر رأسها منذ الليلة الماضية. سارت بخطوات هادئة حتى وصلت إلى الشركة. وكان المطر قد ازداد قليلًا. دخلت وهي تحاول تجفيف أطراف حجابها. استقبلتها سارة بابتسامة واسعة. وقالت: "الحمد لله إنك جيتي." ضحكت ريم. "خير؟" أشارت سارة إلى مكتبها. "واضح إن حد سبقك." تعجبت ريم. اقتربت من مكتبها. فوجدت كوبًا من القهوة الساخنة. وبجواره علبة صغيرة من الدواء. وتحتهما ورقة بيضاء. لم يكن مكتوبًا فيها سوى سطر واحد. "الطبيب قال إن معصمك يحتاج راحة... لا تنسي الدواء." لم يكن هناك توقيع. لكنها عرفت فورًا صاحب الخط. ابتسمت دون أن تشعر. ثم أمسكت بالورقة برفق. وظلت تتأملها لثوانٍ. قالت سارة وهي تراقبها: "واضح إن اللي كتبها يعرفك كويس." أغلقت ريم الورقة بسرعة. وقالت وهي تحاول أن تبدو طبيعية: "يمكن من الإدارة." ضحكت سارة. "الإدارة بقت تكتب بخط جميل كمان؟" احمر وجه ريم. ولم تجد جوابًا. في الطابق العلوي... كان عمر يقف أمام شاشة الكمبيوتر. دخل مدير الأمن. ووضع ملفًا فوق المكتب. وقال: "دي نتيجة مراجعة الكاميرات يا فندم." فتح عمر التسجيلات. بدأ يشاهدها واحدة تلو الأخرى. حتى توقفت الصورة عند رجل يرتدي قبعة سوداء. وجهه لم يكن ظاهرًا. لكن في يده... كان يحمل الملف رقم سبعة عشر. قال عمر بهدوء: "كبر الصورة." نفذ مدير الأمن الطلب. لكن قبل أن تتضح الملامح... اختفى التسجيل بالكامل. قال الرجل بأسف: "الملف اتحذف من النظام." أغلق عمر الشاشة ببطء. وقال: "يبقى اللي بيدور حوالينا..." "عارف هو بيعمل إيه." في تلك اللحظة... طرق الباب. دخلت ريم وهي تحمل ملف المشروع. وقالت باحترام: "حضرتك طلبتني." رفع عمر رأسه. ولاحظ أن الإرهاق ما زال ظاهرًا على ملامحها. ثم نظر إلى معصمها. وسأل بهدوء: "وجعك خف؟" رفعت عينيها إليه. ولمست في صوته اهتمامًا صادقًا. ابتسمت ابتسامة هادئة. وقالت: "الحمد لله..." "بفضل الله... ثم القهوة." ارتسمت على شفتي عمر ابتسامة صادقة. وقال بهدوء: "إذن... العلاج بدأ يجيب نتيجة." وفي اللحظة نفسها... رن هاتف مكتبه. نظر إلى الشاشة. فاختفت ابتسامته. كان المتصل... رقم والده المتوفى. ظل عمر ينظر إلى شاشة الهاتف لثوانٍ. لم يرمش. ولم يتحرك. كان الرقم محفوظًا في ذاكرته قبل أن يكون محفوظًا في هاتفه. رقم والده... الذي أغلقه بنفسه يوم دفنه. ضغط زر الإجابة. رفع الهاتف إلى أذنه. لكن الطرف الآخر لم يتكلم. لم يكن هناك سوى صوت أنفاس هادئة. ثم... أُغلق الخط. وقف عمر مكانه دون أن ينطق. لاحظت ريم التغير المفاجئ في ملامحه. كانت هذه أول مرة ترى ذلك الرجل الواثق يفقد تركيزه، ولو للحظة واحدة. قالت بهدوء: "حضرتك... في حاجة حصلت؟" عاد إليها بنظره. وكأنه تذكر فجأة أنها ما زالت تقف أمامه. ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة، حاول بها أن يخفي ما بداخله. وقال: "لا... مجرد اتصال غلط." عرفت ريم أنه لا يقول الحقيقة. لكنها لم تسأله. كانت تؤمن أن لكل إنسان بابًا لا يفتحه إلا إذا أراد. وأدركت أن عمر من هذا النوع. أخذ منها ملف المشروع. وبدأ يقلب صفحاته. توقف عند إحدى الملاحظات. ثم رفع رأسه وقال: "الملاحظة دي... فكرتك؟" أومأت ريم. "أيوه." قرأها مرة أخرى. ثم أغلق الملف. وقال بنبرة إعجاب صادقة: "لو نفذنا الاقتراح ده..." "هنوفر على الشركة وقت ومصاريف كتير." لمعت عينا ريم. لم تكن تنتظر مدحًا. لكنها كانت تحتاج أن يشعر أحد بقيمة ما تبذله. قالت بخجل: "كنت خايفة يكون الاقتراح مش مناسب." ابتسم عمر. وقال: "أكبر غلطة إن الإنسان يسكت عن فكرة كويسة... لمجرد إنه خايف." شعرت أن الجملة لم تكن عن العمل فقط. بل عن الحياة أيضًا. خرجت ريم من المكتب. وكان قلبها أخف مما دخلت. مرت بجوار سارة. فسألتها الأخيرة بسرعة: "خير؟" ابتسمت ريم. "الحمد لله." ضحكت سارة. "واضح إن الاجتماع كان أحسن من المتوقع." لم تجب ريم. لكن ابتسامتها كانت كافية. في المساء... غادر معظم الموظفين. وبقي عمر وحده في مكتبه. أعاد تشغيل الهاتف مرة أخرى. وسجل الرقم الذي اتصل به. بعد ثوانٍ... ظهر له اسم صاحب الشريحة. لكن بدلاً من الاسم... ظهرت عبارة واحدة: "البيانات غير متاحة." عقد حاجبيه. ولأول مرة منذ سنوات... شعر أن أحدًا يراقبه من بعيد. أغلق الهاتف. ثم فتح درج مكتبه. وأخرج الصورة القديمة التي كانت داخل الظرف. ظل ينظر إليها طويلًا. حتى وقع بصره على وجه الطفلة الصغيرة. همس بصوت بالكاد يُسمع: "لو كنتِ فعلًا لسه عايشة..." "تبقي فين دلوقتي؟" وفي اللحظة نفسها... دق باب المكتب. دخل عامل النظافة معتذرًا. وقال: "آسف يا فندم... لقيت الورقة دي واقعة قدام باب مكتب حضرتك." أخذها عمر. كانت ورقة بيضاء مطوية. لم يكن عليها اسم. فتحها ببطء. وفي داخلها سطر واحد مكتوب بخط اليد: "ابعد ريم عن الموضوع... قبل ما تدفع الثمن." تجمدت ملامحه. وأعاد قراءة الجملة مرة ثانية. هذه المرة... لم يكن التهديد موجهًا إليه. بل إليها. وللمرة الأولى... شعر عمر أن الخطر لم يعد يقترب من ماضيه فقط... بل بدأ يقترب من الإنسان الوحيد الذي أصبح يقلق عليه دون أن يعترف بذلك.الفصل المائة: حين عادت ريم إلى نفسهاالفصل الأخيروقفت ريم في نهاية الممر، والرسالة الأخيرة بين يديها.كان سؤال واحد يطاردها:من الشخص الذي ساعد والدها على إنقاذها؟لم تنتظر طويلًا.أسرعت نحو المصعد، وضغطت على الزر عدة مرات، لكن الأبواب كانت قد أُغلقت بالفعل.استدارت لتجد والدها يقترب منها برفقة فارس.قال حسن: — لسه بتدوري على الإجابة؟رفعت ريم الرسالة أمامه.— أنت عارف مين الشخص ده؟أومأ.— أيوه.— مين؟نظر والدها إلى فارس، ثم قال:— محمود.تجمدت ريم.— محمود؟!قال فارس: — في الليلة اللي اختفيت فيها، محمود هو اللي ساعد والدك يخرج من المكان قبل ما يوصل له الأشخاص اللي كانوا بيدوروا على الملفات.حدقت ريم فيهما.— بس محمود قال لي إنه رجع الشركة، وإنه ما عرفش مكان بابا!تنهد حسن.— لأنه ما كانش عايز يعرّضك للخطر. يومها، محمود رجع للمكان بعد ما طلبت منه يمشي. ولما اكتشف إن فيه ناس بتفتش عني، اتصل بيا وحذرني.تابع فارس: — محمود كان عارف إن فيه خطة لاستغلالك للوصول للمستندات. لكنه ما كانش عارف كل تفاصيلها. ولما فهم إنك ممكن تتأذي، قرر يساعد والدك في إخفاء الأدلة وإبعادك عن القضية.قالت ريم
الفصل التاسع والتسعون: سقوط الأقنعةلم تنم ريم تلك الليلة.ظلت تحدق في العنوان الذي وصلها، وتعيد قراءة الرسالة عشرات المرات."والدك ينتظرك في مكان آخر."كان عقلها يرفض تصديق أن الرجل الذي غاب عن حياتها كل تلك السنوات قد يكون على بُعد ساعات منها.لكنها لم تعد تلك الفتاة التي تصدق كل رسالة تصلها، أو تثق في كل شخص يزعم أنه يريد حمايتها.مع أول ضوء للصباح، كانت قد اتخذت قرارها.ستذهب إلى المكان المذكور، لكنها لن تذهب وحدها، ولن تسمح لأحد بأن يقودها إلى فخ جديد.في الثامنة صباحًا، اجتمع عمر ومحمود وسامح في مكتب عمر.وضعت ريم الهاتف على الطاولة.— ده العنوان اللي وصلني.فحص عمر الخريطة على حاسوبه، ثم رفع رأسه.— المكان ده مبنى إداري قديم، تابع لإحدى الشركات اللي اتقفلت من سنين.سأله محمود: — تابع لمين؟أجاب عمر: — كان تابعًا للشركة الأم اللي كانت بتدير مشروع الرواد قبل إعادة الهيكلة.تدخل سامح: — أنا أعرف المكان ده.التفت الجميع إليه.قال عمر: — إنت تعرفه منين؟تردد سامح لحظة، ثم فتح حقيبته وأخرج صورة قديمة.— لأن والد ريم كان بيقابل فارس هناك.أخذت ريم الصورة.ظهر فيها والدها واقفًا بجوار
لم تستطع ريم إبعاد عينيها عن الورقة الموضوعة أمامها.إقرار تنازل عن هوية.وتحت العنوان، كان توقيع والدها الذي تعرفه جيدًا.مررت أصابعها فوق التوقيع، وكأنها تحاول التأكد من أنه حقيقي.— ده توقيع بابا!قال سامح بهدوء: — أيوه.رفعت رأسها نحوه بعينين دامعتين.— إزاي؟! هو بابا اختفى من سنين! وإيه معنى تنازل عن هوية؟ هو كان عايش طول الفترة دي؟لم يجب سامح مباشرة.أما محمود، فظل واقفًا في مكانه، يراقبها دون أن يتدخل.قال عمر: — لازم نفهم الورقة دي الأول. ممكن تكون مرتبطة باسم مستعار أو بملف قانوني قديم، مش بالضرورة معناها إنه غيّر هويته فعلًا.التفتت ريم إليه.— أنا مش عايزة احتمالات. عايزة أعرف أبويا فين!فتح سامح الملف الرمادي مرة أخرى، وأخرج مستندًا آخر.— والدك كان مسؤولًا عن مراجعة التحويلات في مشروع الرواد. اكتشف إن فيه مبالغ ضخمة بتخرج من حسابات الشركة من خلال شركات وسيطة، وبدأ يجمع الأدلة. لكنه اكتشف كمان إن فيه أشخاصًا داخل الشركة بيحاولوا يغطوا على الموضوع.سألته ريم: — وفارس كان بيساعده؟— أيوه. فارس كان حلقة الوصل بينه وبين بعض المستندات.— طب ليه اختفى؟تنهد سامح.— لأنهم عرفوا
تجمدت ريم أمام باب الشقة.الصوت القادم من الخارج كان هادئًا، لكنه يحمل نبرة استعجال واضحة.— ريم، افتحي الباب. مفيش وقت.تراجعت خطوة ونظرت إلى محمود.كان وجهه شاحبًا، وعيناه معلقتين بالمقبض.سألته ريم بصوت منخفض:— أنت تعرفه؟لم يجب.اقتربت منه بغضب.— محمود، كفاية أسرار! مين اللي واقف بره؟قال أخيرًا:— مهما قال لك، ما تصدقيش كل كلامه.ضحكت بسخرية.— غريبة! كل واحد بيحذرني من التاني، ومحدش فيكم بيقول الحقيقة كاملة!عاد الصوت من الخارج:— لو سمحتي يا ريم، افتحي. أنا مش عدوك.ترددت لحظة، ثم نظرت من العين السحرية مرة أخرى.كان رجلًا في أواخر الخمسينيات، يرتدي معطفًا داكنًا، ويحمل حقيبة جلدية قديمة. لم ترَ ملامحه بوضوح من قبل، لكن شيئًا في وجهه بدا مألوفًا.فتحت الباب قليلًا، وأبقت السلسلة مكانها.قال الرجل:— أنا اسمي سامح.لم يتحرك محمود، لكن ريم لاحظت أن يده انقبضت بقوة.سألت:— إيه علاقتك بفارس؟تنهد الرجل.— كنت مسؤولًا عن مراجعة بعض ملفات مشروع الرواد. وكنت موجودًا في اليوم اللي قابلتي فيه فارس لأول مرة.تراجعت ريم قليلًا.— وإيه اللي حصل يومها؟نظر سامح إلى محمود من خلال فتحة البا
لم تستطع ريم إبعاد عينيها عن الصورة.كانت تحدق في الوجه الظاهر على شاشة هاتف عمر، بينما تتسارع دقات قلبها.رجل تعرفه جيدًا...رجل لم تتوقع أبدًا أن يكون له أي علاقة بمشروع الرواد أو بالأسرار التي قلبت حياتها رأسًا على عقب.همست بصوت مرتجف:— مستحيل!اقترب محمود منها.— ريم، اسمعيني...ابتعدت عنه فورًا.— إنت كنت عارف؟لم يجب.صرخت:— محمود! كنت عارف إن الشخص ده موجود في الصورة؟نظر عمر إلى محمود بحدة، ثم قال:— جاوبها.مرر محمود يده على وجهه بتوتر.— كنت شاكك.ضحكت ريم بمرارة.— شاكك؟ كل اللي حواليا شاكين وعارفين، وأنا الوحيدة اللي عايشة في الظلام؟أمسك عمر الهاتف، وقرّب الصورة لتظهر ملامح الرجل بوضوح أكبر.قال:— الصورة دي قديمة، لكن واضح إنها اتصورت في نفس اليوم اللي كنتِ بتدوري فيه على الورقة.أخذت ريم الهاتف من يده.— أنا عايزة أعرف هو كان بيعمل إيه هناك.قال محمود:— قبل ما تعرفي الإجابة، لازم تعرفي إن وجوده في الصورة مش معناه إنه كان جزءًا من المؤامرة.التفتت إليه بحدة.— وإنت عرفت منين؟!سكت محمود.كانت تلك اللحظة كافية لتدرك ريم أن هناك شيئًا آخر يخفيه.جلست على حافة السرير، و
الفصل الخامس والتسعون: الورقة المخفيةلم تتحرك ريم من مكانها.كانت تنظر إلى محمود، بينما يدها ما زالت ممسكة بالهاتف.— إيه الورقة اللي أخفيتها عني؟لم يجب.اقتربت منه خطوة.— أنا بسألك يا محمود.قال عمر بهدوء:— لازم تجاوبها.رفع محمود عينيه إليه.— متدخلش.رد عمر:— الموضوع بقى أكبر منك ومني.ثم عاد ينظر إلى ريم.— لو الورقة اللي بيتكلموا عنها موجودة، لازم تعرفيها.استدارت ريم نحو محمود.— فينها؟ظل صامتًا لثوانٍ، ثم قال:— في البيت.اتسعت عيناها.— في بيتنا؟— أيوه.— من إمتى؟— من قبل ما نتجوز.تراجعت ريم خطوة وكأن الإجابة أصابتها في مقتل.— قبل ما نتجوز؟هز محمود رأسه.— كنت عارف إنك ممكن تلاقيها في يوم.— وفضلت ساكت؟— كنت بحاول أحميك.ضحكت ريم بمرارة.— كل مرة تقول لي "بحميك"... وفي الآخر ألاقي إنك بتخبي عني الحقيقة!لم يرد.قال عمر:— لازم نرجع البيت.لكن ريم أوقفته.— لا.نظر إليها.— مش هنرجع البيت قبل ما أفهم حاجة.ثم التفتت إلى محمود.— أنت قلت إنك ما كنتش تعرف إن البنت اللي هتقابلها هي أنا.— صحيح.— طيب بعد ما عرفت إني أنا... ليه اتجوزتني؟ساد صمت ثقيل.هذه المرة لم يتهرب







