ログインالفصل العاشر
الوجه الذي عاد من الماضي الجزء الأول وقف عمر أمام باب مكتبه للحظات. لم يكن يخشى المرأة التي تنتظره في الخارج... بل كان يخشى الذكريات التي ستدخل معها. تنفس بعمق. ثم قال للمساعد: "خليها تدخل." فتح الباب بهدوء. دخلت امرأة في أواخر الثلاثينيات. ملامحها هادئة، لكنها تحمل آثار سنوات طويلة من التعب. كانت ترتدي ملابس بسيطة، وتمسك حقيبة جلدية قديمة بيديها وكأنها تخشى أن تضيع منها. ما إن وقعت عيناها على عمر... حتى تجمدت في مكانها. أما هو... فاكتفى بالنظر إليها طويلًا. لم يعرف أيهما تغيّر أكثر. الزمن... أم الألم. كانت أول من كسر الصمت. قالت بصوت مرتعش: "السلام عليكم يا عمر." أجاب بهدوء: "وعليكم السلام..." ثم أشار إلى المقعد المقابل. "اتفضلي." جلست ببطء. لكنها لم تستطع أن تنظر في عينيه. أما عمر... فكان يراقب ارتباكها دون أن يتكلم. مرت ثوانٍ ثقيلة. حتى قالت: "يمكن مكانشي من حقي أجيلك بعد السنين دي كلها." ظل صامتًا. فأكملت: "لكن مكنش عندي حد غيرك." رفع عمر رأسه لأول مرة. وسأل سؤالًا واحدًا: "هي فين؟" ارتجفت شفتاها. وأخفضت رأسها. ثم قالت: "قبل ما أجاوب..." "لازم تعرف الحقيقة من أولها." في الخارج... كانت ريم تراجع ملفات المشروع الجديد. لكن تركيزها لم يكن كما اعتادت. لاحظت سارة ذلك. ابتسمت وسألتها: "مالك؟" أغلقت ريم الملف. وقالت وهي تحاول تغيير الموضوع: "مفيش." ضحكت سارة. "إنتِ مبتعرفيش تخبي." تنهدت ريم. "حاسّة إن الأستاذ عمر متغير من يومين." أومأت سارة. "أنا كمان." ثم اقتربت منها وهمست: "فيه ست دخلتله من نص ساعة." رفعت ريم رأسها بسرعة. "ست؟" "أيوه." "تعرفيها؟" هزت سارة رأسها. "أول مرة أشوفها." ساد صمت قصير. لم تشعر ريم بالغيرة... بل بالفضول. كانت تريد أن تعرف لماذا بدا الحزن على وجه عمر منذ ظهور تلك المرأة. داخل المكتب... أخرجت ندى صورة قديمة من حقيبتها. وضعتها على المكتب برفق. لم يمد عمر يده إليها. كان يعرفها قبل أن يراها. قالت ندى: "فاكر اليوم ده؟" نظر إلى الصورة أخيرًا. كانت تجمع أربعة أشخاص. هو. ووالده. وندى. وامرأة تبتسم وهي تحمل طفلة صغيرة بين ذراعيها. اختفت ملامحه الهادئة للحظة. ثم سأل بصوت خافت: "الطفلة..." ابتسمت ندى ابتسامة ممزوجة بالدموع. وقالت: "كبرت." توقف قلب عمر لثانية. همس: "يعني..." أومأت ندى. "أيوه..." "بنتها عايشة." وفي اللحظة نفسها... طرق أحدهم باب المكتب. دخل المساعد مرتبكًا. وقال: "آسف يا فندم..." "بس فيه خبر لازم تعرفه حالًا." نظر إليه عمر. فقال المساعد: "في حد بيحاول يدخل ملفات الشركة... من حساب قديم باسم والد حضرتك." ساد الصمت. ونظر عمر إلى ندى. ثم إلى الصورة. وأدرك... أن الماضي لم يعد يطرق الباب فقط... بل دخل بالفعل. ظل عمر ينظر إلى المساعد لثوانٍ. ثم قال بهدوء، رغم أن عينيه كانتا تكشفان عاصفة داخله: "إحنا لوحدنا دلوقتي؟" أجاب المساعد: "أيوه يا فندم... لكن قسم التقنية بيقول إن حد حاول يدخل على ملفات قديمة باسم الأستاذ فؤاد السيوفي." ساد الصمت. استدار عمر ببطء نحو ندى. كانت ملامحها قد شحبت. سألها مباشرة: "إنتِ عرفتي منين إني هوصل النهارده؟" ارتبكت. ثم قالت: "والله ما أعرف حاجة عن اللي حضرتك بتقوله." ظل ينظر إليها. كان يعرف متى يكذب الناس. لكن هذه المرة... لم يرى الكذب في عينيها. رأى الخوف. قال للمساعد: "اطلب من مدير الأمن يطلعلي كل تسجيلات الكاميرات من الصبح." "ومحدش يعرف بالموضوع." أغلق المساعد الباب خلفه. وعاد الصمت من جديد. قالت ندى بصوت منخفض: "واضح إنهم سبقوني." عقد عمر حاجبيه. "مين هما؟" رفعت رأسها إليه لأول مرة. وقالت: "الناس اللي طول عمرهم عايزين الحقيقة تفضل مدفونة." في الطابق السفلي... كانت ريم تحمل بعض الملفات متجهة إلى قسم الحسابات. وأثناء مرورها بجوار غرفة الأرشيف... سمعت صوت شخصين يتحدثان. لم تكن تقصد التنصت. لكن اسم عمر جعلها تتوقف دون إرادة. قال أحد الموظفين: "واضح إن الشركة داخلة على أزمة." رد الآخر: "سمعت إن في ملفات قديمة اتفتحت." "ولو الكلام ده صح..." "ناس كتير هتخسر." تجمدت ريم مكانها. أي ملفات؟ وما علاقة عمر بها؟ قبل أن تسمع المزيد... فتح باب الأرشيف فجأة. خرج الموظفان. ابتسمت ريم ابتسامة مرتبكة وكأنها كانت تمر مصادفة. ثم أكملت طريقها. لكن قلبها لم يكمل معها. في مكتب عمر... أخرجت ندى ظرفًا أصفر صغيرًا. وضعته على المكتب. وقالت: "أنا احتفظت بده سنين." "لأنها قالتلي..." "لو حصلي حاجة..." "أسلمه لعمر." توقف الزمن. نظر عمر إلى الظرف. كانت يده تمتد نحوه... ثم تتراجع. كأنه يخشى أن يفتح بابًا لن يستطيع إغلاقه. وأخيرًا... أمسك به. فتح الظرف ببطء. لم يكن بداخله سوى مفتاح قديم... وورقة مطوية. فتح الورقة. قرأ السطر الأول. وفجأة... تغير لون وجهه. وقف من مكانه بعنف حتى سقط الكرسي خلفه. همست ندى: "إيه اللي مكتوب؟" رفع عمر الورقة. لكن قبل أن ينطق... انطفأت أنوار الشركة كلها دفعة واحدة. ساد الظلام. وتعالى صوت إنذار الأمن في جميع الطوابق. وفي الممر... صرخة امرأة مزقت السكون. كانت... صرخة ريم.الفصل المائة: حين عادت ريم إلى نفسهاالفصل الأخيروقفت ريم في نهاية الممر، والرسالة الأخيرة بين يديها.كان سؤال واحد يطاردها:من الشخص الذي ساعد والدها على إنقاذها؟لم تنتظر طويلًا.أسرعت نحو المصعد، وضغطت على الزر عدة مرات، لكن الأبواب كانت قد أُغلقت بالفعل.استدارت لتجد والدها يقترب منها برفقة فارس.قال حسن: — لسه بتدوري على الإجابة؟رفعت ريم الرسالة أمامه.— أنت عارف مين الشخص ده؟أومأ.— أيوه.— مين؟نظر والدها إلى فارس، ثم قال:— محمود.تجمدت ريم.— محمود؟!قال فارس: — في الليلة اللي اختفيت فيها، محمود هو اللي ساعد والدك يخرج من المكان قبل ما يوصل له الأشخاص اللي كانوا بيدوروا على الملفات.حدقت ريم فيهما.— بس محمود قال لي إنه رجع الشركة، وإنه ما عرفش مكان بابا!تنهد حسن.— لأنه ما كانش عايز يعرّضك للخطر. يومها، محمود رجع للمكان بعد ما طلبت منه يمشي. ولما اكتشف إن فيه ناس بتفتش عني، اتصل بيا وحذرني.تابع فارس: — محمود كان عارف إن فيه خطة لاستغلالك للوصول للمستندات. لكنه ما كانش عارف كل تفاصيلها. ولما فهم إنك ممكن تتأذي، قرر يساعد والدك في إخفاء الأدلة وإبعادك عن القضية.قالت ريم
الفصل التاسع والتسعون: سقوط الأقنعةلم تنم ريم تلك الليلة.ظلت تحدق في العنوان الذي وصلها، وتعيد قراءة الرسالة عشرات المرات."والدك ينتظرك في مكان آخر."كان عقلها يرفض تصديق أن الرجل الذي غاب عن حياتها كل تلك السنوات قد يكون على بُعد ساعات منها.لكنها لم تعد تلك الفتاة التي تصدق كل رسالة تصلها، أو تثق في كل شخص يزعم أنه يريد حمايتها.مع أول ضوء للصباح، كانت قد اتخذت قرارها.ستذهب إلى المكان المذكور، لكنها لن تذهب وحدها، ولن تسمح لأحد بأن يقودها إلى فخ جديد.في الثامنة صباحًا، اجتمع عمر ومحمود وسامح في مكتب عمر.وضعت ريم الهاتف على الطاولة.— ده العنوان اللي وصلني.فحص عمر الخريطة على حاسوبه، ثم رفع رأسه.— المكان ده مبنى إداري قديم، تابع لإحدى الشركات اللي اتقفلت من سنين.سأله محمود: — تابع لمين؟أجاب عمر: — كان تابعًا للشركة الأم اللي كانت بتدير مشروع الرواد قبل إعادة الهيكلة.تدخل سامح: — أنا أعرف المكان ده.التفت الجميع إليه.قال عمر: — إنت تعرفه منين؟تردد سامح لحظة، ثم فتح حقيبته وأخرج صورة قديمة.— لأن والد ريم كان بيقابل فارس هناك.أخذت ريم الصورة.ظهر فيها والدها واقفًا بجوار
لم تستطع ريم إبعاد عينيها عن الورقة الموضوعة أمامها.إقرار تنازل عن هوية.وتحت العنوان، كان توقيع والدها الذي تعرفه جيدًا.مررت أصابعها فوق التوقيع، وكأنها تحاول التأكد من أنه حقيقي.— ده توقيع بابا!قال سامح بهدوء: — أيوه.رفعت رأسها نحوه بعينين دامعتين.— إزاي؟! هو بابا اختفى من سنين! وإيه معنى تنازل عن هوية؟ هو كان عايش طول الفترة دي؟لم يجب سامح مباشرة.أما محمود، فظل واقفًا في مكانه، يراقبها دون أن يتدخل.قال عمر: — لازم نفهم الورقة دي الأول. ممكن تكون مرتبطة باسم مستعار أو بملف قانوني قديم، مش بالضرورة معناها إنه غيّر هويته فعلًا.التفتت ريم إليه.— أنا مش عايزة احتمالات. عايزة أعرف أبويا فين!فتح سامح الملف الرمادي مرة أخرى، وأخرج مستندًا آخر.— والدك كان مسؤولًا عن مراجعة التحويلات في مشروع الرواد. اكتشف إن فيه مبالغ ضخمة بتخرج من حسابات الشركة من خلال شركات وسيطة، وبدأ يجمع الأدلة. لكنه اكتشف كمان إن فيه أشخاصًا داخل الشركة بيحاولوا يغطوا على الموضوع.سألته ريم: — وفارس كان بيساعده؟— أيوه. فارس كان حلقة الوصل بينه وبين بعض المستندات.— طب ليه اختفى؟تنهد سامح.— لأنهم عرفوا
تجمدت ريم أمام باب الشقة.الصوت القادم من الخارج كان هادئًا، لكنه يحمل نبرة استعجال واضحة.— ريم، افتحي الباب. مفيش وقت.تراجعت خطوة ونظرت إلى محمود.كان وجهه شاحبًا، وعيناه معلقتين بالمقبض.سألته ريم بصوت منخفض:— أنت تعرفه؟لم يجب.اقتربت منه بغضب.— محمود، كفاية أسرار! مين اللي واقف بره؟قال أخيرًا:— مهما قال لك، ما تصدقيش كل كلامه.ضحكت بسخرية.— غريبة! كل واحد بيحذرني من التاني، ومحدش فيكم بيقول الحقيقة كاملة!عاد الصوت من الخارج:— لو سمحتي يا ريم، افتحي. أنا مش عدوك.ترددت لحظة، ثم نظرت من العين السحرية مرة أخرى.كان رجلًا في أواخر الخمسينيات، يرتدي معطفًا داكنًا، ويحمل حقيبة جلدية قديمة. لم ترَ ملامحه بوضوح من قبل، لكن شيئًا في وجهه بدا مألوفًا.فتحت الباب قليلًا، وأبقت السلسلة مكانها.قال الرجل:— أنا اسمي سامح.لم يتحرك محمود، لكن ريم لاحظت أن يده انقبضت بقوة.سألت:— إيه علاقتك بفارس؟تنهد الرجل.— كنت مسؤولًا عن مراجعة بعض ملفات مشروع الرواد. وكنت موجودًا في اليوم اللي قابلتي فيه فارس لأول مرة.تراجعت ريم قليلًا.— وإيه اللي حصل يومها؟نظر سامح إلى محمود من خلال فتحة البا
لم تستطع ريم إبعاد عينيها عن الصورة.كانت تحدق في الوجه الظاهر على شاشة هاتف عمر، بينما تتسارع دقات قلبها.رجل تعرفه جيدًا...رجل لم تتوقع أبدًا أن يكون له أي علاقة بمشروع الرواد أو بالأسرار التي قلبت حياتها رأسًا على عقب.همست بصوت مرتجف:— مستحيل!اقترب محمود منها.— ريم، اسمعيني...ابتعدت عنه فورًا.— إنت كنت عارف؟لم يجب.صرخت:— محمود! كنت عارف إن الشخص ده موجود في الصورة؟نظر عمر إلى محمود بحدة، ثم قال:— جاوبها.مرر محمود يده على وجهه بتوتر.— كنت شاكك.ضحكت ريم بمرارة.— شاكك؟ كل اللي حواليا شاكين وعارفين، وأنا الوحيدة اللي عايشة في الظلام؟أمسك عمر الهاتف، وقرّب الصورة لتظهر ملامح الرجل بوضوح أكبر.قال:— الصورة دي قديمة، لكن واضح إنها اتصورت في نفس اليوم اللي كنتِ بتدوري فيه على الورقة.أخذت ريم الهاتف من يده.— أنا عايزة أعرف هو كان بيعمل إيه هناك.قال محمود:— قبل ما تعرفي الإجابة، لازم تعرفي إن وجوده في الصورة مش معناه إنه كان جزءًا من المؤامرة.التفتت إليه بحدة.— وإنت عرفت منين؟!سكت محمود.كانت تلك اللحظة كافية لتدرك ريم أن هناك شيئًا آخر يخفيه.جلست على حافة السرير، و
الفصل الخامس والتسعون: الورقة المخفيةلم تتحرك ريم من مكانها.كانت تنظر إلى محمود، بينما يدها ما زالت ممسكة بالهاتف.— إيه الورقة اللي أخفيتها عني؟لم يجب.اقتربت منه خطوة.— أنا بسألك يا محمود.قال عمر بهدوء:— لازم تجاوبها.رفع محمود عينيه إليه.— متدخلش.رد عمر:— الموضوع بقى أكبر منك ومني.ثم عاد ينظر إلى ريم.— لو الورقة اللي بيتكلموا عنها موجودة، لازم تعرفيها.استدارت ريم نحو محمود.— فينها؟ظل صامتًا لثوانٍ، ثم قال:— في البيت.اتسعت عيناها.— في بيتنا؟— أيوه.— من إمتى؟— من قبل ما نتجوز.تراجعت ريم خطوة وكأن الإجابة أصابتها في مقتل.— قبل ما نتجوز؟هز محمود رأسه.— كنت عارف إنك ممكن تلاقيها في يوم.— وفضلت ساكت؟— كنت بحاول أحميك.ضحكت ريم بمرارة.— كل مرة تقول لي "بحميك"... وفي الآخر ألاقي إنك بتخبي عني الحقيقة!لم يرد.قال عمر:— لازم نرجع البيت.لكن ريم أوقفته.— لا.نظر إليها.— مش هنرجع البيت قبل ما أفهم حاجة.ثم التفتت إلى محمود.— أنت قلت إنك ما كنتش تعرف إن البنت اللي هتقابلها هي أنا.— صحيح.— طيب بعد ما عرفت إني أنا... ليه اتجوزتني؟ساد صمت ثقيل.هذه المرة لم يتهرب







