LOGIN
في حي شعبي مزدحم، بين أصوات الباعة ورائحة الخبز الطازج، كان يقف بيت صغير متوسط الحال، لكنه رغم ضيقه كان مليئًا بالحياة.
في إحدى غرفه، جلست ملك على طرف سريرها، تحدق في الفراغ. كانت في الثامنة عشرة من عمرها، لكن عينيها كانتا تحملان شيئًا أكبر من عمرها بكثير. منذ أن فقدت والدتها وهي في العاشرة، تغيّر كل شيء. كبرت ملك وهي تحاول التأقلم مع غياب المرأة التي كانت تعتبرها عالمها كله. وبعد سنوات، قرر والدها الزواج من حسنية، جارته القديمة. في البداية، ظن أن الأمر سيكون جيدًا لملك. كانت حسنية تعرفهم منذ سنوات، ولديها ابنة تُدعى سمر، وكان والد ملك مقتنعًا أنها ستكون المرأة التي تعوض ابنته عن حنان أمها. لكنّه لم يكن يعرف أن بعض الوجوه لا تكشف حقيقتها من البداية. منذ الأيام الأولى، بدأت ملك تلاحظ شيئًا غريبًا في تصرفات حسنية. كانت تراقبها باستمرار. تنتقد ملابسها. تعلق على دراستها. وتجد دائمًا سببًا لتطلب منها المزيد من الأعمال المنزلية. لم تشعر ملك يومًا أنها ابنة في هذا البيت. بل شعرت أنها ضيفة ثقيلة. وفجأة، انفتح باب الغرفة. دخلت حسنية دون أن تطرق. – «لسه نايمة؟ قومي يا ملك.» فتحت ملك عينيها بتعب. – «صباح الخير يا خالتي.» – «صباح إيه؟ قومي حضري الفطار وروقي البيت قبل ما تروحي الجامعة.» نظرت ملك إلى الساعة، فانتفضت من مكانها. – «أنا اتأخرت!» ردت حسنية ببرود: – «يبقى اتحركي أسرع.» نهضت ملك بسرعة، واتجهت إلى الحمام. وبعد دقائق، خرجت وهي ترتدي ملابسها وتحاول ترتيب شعرها أمام المرآة. كان شعرها الأسود الطويل يصل إلى خصرها، وعيناها الرماديتان تمنحان وجهها هدوءًا مميزًا، رغم التعب الذي أخفته بصعوبة. وقبل أن تخرج، عادت حسنية للغرفة. نظرت إليها من رأسها حتى قدميها. – «إنتِ هتخرجي باللبس ده؟» نظرت ملك إلى ملابسها باستغراب. – «ماله؟» – «مش شايفة إنه مش مناسب للجامعة؟» تنهدت ملك. لم يكن لديها وقت للنقاش. – «حاضر، هغيره.» ابتسمت حسنية بانتصار خفيف. – «أهو كده الكلام.» خرجت ملك من الغرفة وهي تشعر بالاختناق. في الصالة، كانت سمر جالسة على الأريكة، تمسك هاتفها وكأنها لا ترى شيئًا مما يحدث. رفعت عينيها نحو ملك، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. – «اتأخرتي؟» – «آه.» – «معلش.» قالتها سمر بلا اهتمام، وعادت إلى هاتفها. لم ترد ملك. أنهت ما طلبته منها حسنية بأسرع ما تستطيع، ثم أمسكت حقيبتها. – «خالتي، أنا خلصت.» – «روحي.» خرجت ملك من البيت وهي تأخذ نفسًا عميقًا. كلما ابتعدت عن المنزل، شعرت وكأنها تستعيد جزءًا صغيرًا من نفسها. بعد حوالي نصف ساعة، وصلت إلى الجامعة. كانت لمى تنتظرها أمام البوابة. وبمجرد أن رأتها، رفعت يدها وقالت: – «يا بنتي! إنتِ فين؟ المحاضرة هتبدأ!» ضحكت ملك وهي تلتقط أنفاسها. – «متسأليش.» – «حسنية؟» نظرت ملك إليها. – «حسنية.» ضحكت لمى. – «كنت عارفة.» دخلتا الجامعة معًا، وبدأت ملك تشعر أن يومها قد يتحسن. لكنها لم تكن تعرف أن حياتها على وشك أن تتغير من مكان آخر تمامًا. في مكان بعيد عن الحي الشعبي، كان عالم آخر يستيقظ. قصر ضخم تحيط به حدائق واسعة، وبحيرة صغيرة تعكس ضوء الصباح، بدا كأنه خرج من إحدى الروايات القديمة. في إحدى غرف القصر، رن المنبه. مدّ جاسر الراشد يده وأوقفه دون أن يفتح عينيه. بعد لحظات، نهض من سريره. كان الحفيد الأكبر لعائلة الراشد، والعقل الذي يستعد يومًا بعد يوم لتحمل مسؤوليات العائلة وشركاتها. عينان زرقاوان، شعر أسود كثيف، وقامة طويلة جعلت حضوره لافتًا حتى قبل أن يتحدث. لكن أكثر ما كان يميزه لم يكن مظهره. بل شخصيته. هادئ. حازم. ولا يحب أن يكرر كلامه مرتين. دخل الحمام، ثم خرج بعد وقت قصير متجهًا إلى غرفة ملابسه. اختار بدلة سوداء أنيقة وقميصًا أسود، ثم وقف أمام المرآة للحظة. لم يكن يهتم كثيرًا بمظهره. كان يهتم بأن يكون كل شيء تحت سيطرته. أخذ هاتفه ومفاتيح سيارته، ثم غادر القصر. في الأسفل، كان أحد الموظفين ينتظره. – «صباح الخير يا أستاذ جاسر.» – «صباح النور.» اتجه إلى سيارته دون أن يضيف شيئًا. وبعد دقائق، انطلقت السيارة نحو شركة الراشد. كان يومًا عاديًا بالنسبة لجاسر. على الأقل… هكذا كان يظن. لأنه لم يكن يعرف أن فتاة اسمها ملك ستدخل عالمه قريبًا، وأن اللقاء بينهما لن يكون عاديًا على الإطلاق.لكن الهاتف ظل صامتًا. ظل جاسر واقفًا أمام باب مكتبه للحظات، وعيناه معلقتان بشاشة هاتفه. كان هناك شيء بداخله يخبره أن الأمر ليس طبيعيًا. ملك لم تكن تتجاهله. خصوصًا بعد أن أخبرته أنها ستخرج مع سمر. اتصل بسمر. مرة. لم تجب. اتصل مرة أخرى. هذه المرة ردت، لكن صوتها كان مرتبكًا. — «ألو؟» قال جاسر بسرعة: — «إنتِ مع ملك؟» سكتت سمر. — «سمر، ردي عليا.» ترددت للحظات، ثم قالت: — «لا.» تغير وجه جاسر. — «يعني إيه لا؟» — «ملك مش معايا.» — «فين هي؟» لم تستطع سمر الرد. — «سمر!» قالت بصوت مرتجف: — «مش عارفة.» أغمض جاسر عينيه للحظة، محاولًا السيطرة على خوفه. ثم سألها: — «آخر مرة شفتيها فيها كانت فين؟» أخبرته بالمكان. لم يسألها أي شيء آخر. أغلق الهاتف، وأخذ مفاتيحه وغادر مكتبه فورًا. وفي الطريق، حاول الاتصال بملك مرة أخرى. لا رد. كتب لها: «ملك، ردي عليا حتى لو بكلمة.» ثم أرسل رسالة ثانية: «أنا جاي أدور عليكي.» وضع الهاتف بجانبه، وانطلق بسرعة. لم يكن يعرف ماذا حدث. لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا بالنسبة له... ملك لم تختفِ بإرادتها. في نفس الوقت، كانت سمر لا تزال واقفة
وصل جاسر إلى المكان بأقصى سرعة. نزل من السيارة ودخل المبنى، وقلبه يدق بعنف. كان ينادي باسمها وهو يتحرك بين الغرف. — «ملك!» جاءه صوتها من الداخل. — «جاسر! أنا هنا!» ركض ناحية الصوت، وما إن فتح الباب حتى وجدها واقفة في زاوية الغرفة. كانت خائفة، لكن بمجرد أن رأته، أسرعت نحوه. — «جاسر!» ضمها إليه بقوة. ظل يحتضنها للحظات، وكأنه غير مصدق أنه وجدها أخيرًا. أبعدها عنه قليلًا، ونظر إلى وجهها بقلق. — «إنتِ كويسة؟» هزت رأسها. — «أيوه... أنا كويسة.» — «متأكدة؟» — «متأكدة.» تنفس جاسر براحة، ثم احتضنها مرة أخرى. — «خلعتيني عليكي.» قالت ملك بصوت منخفض: — «كنت عارفة إنك هتيجي.» ابتسم رغم الخوف الذي كان يملأه. — «كنت هدور عليكي في الدنيا كلها.» وقبل أن يخرجا، ظهر عمار أمام الباب. — «مش هتخرج بيها.» تغيرت ملامح جاسر، ووقف أمام ملك مباشرة. — «كفاية يا عمار.» حاول عمار الاقتراب، لكن جاسر منعه. — «ابعد عنها.» — «إنت فاكر إنك كسبت؟» نظر إليه جاسر بثبات. — «أنا مش داخل أكسب منك حاجة. أنا داخل آخد مراتي وأرجع بيها.» زاد غضب عمار، وبدأ بينهما شجار قصير، لكن قبل أن يتطور الأمر،
في تلك اللحظة... بدأت تشعر أن الموضوع لم يعد مجرد انتقام بسيط كما كانت تظن. أما ملك... فلم تكن تعرف أن قرارها بالثقة في سمر مرة أخرى... كان سيغيّر كل شيء. نظرت سمر إلى هاتفها مرة أخرى. كانت رسالة عمار ما زالت أمام عينيها. «دلوقتي.» رفعت رأسها ونظرت إلى ملك. — «مالك؟» سألت ملك باستغراب. أغلقت سمر الهاتف بسرعة. — «ولا حاجة.» — «متأكدة؟ شكلك اتغير فجأة.» حاولت سمر الابتسام. — «أنا بس... افتكرت حاجة.» ثم تحركت إلى الأمام. — «تعالي، المكان من هنا.» مشت ملك خلفها دون شك. كانت تثق بها. وهذا أكثر شيء جعل سمر تشعر بالذنب. بعد دقائق، توقفت سمر فجأة. نظرت حولها، ثم إلى ملك. — «استنيني هنا دقيقة.» استغربت ملك. — «هتروحي فين؟» — «هخلص حاجة بسرعة وهرجعلك.» — «ماشي.» ابتعدت سمر خطوات قليلة. لكنها لم تكد تفعل شيئًا حتى سمعت صوتًا جعل قلبها يرتجف. التفتت بسرعة. وفي لحظات قليلة... وجدت نفسها أمام موقف لم تكن مستعدة له. تراجعت سمر خطوة. — «لا... إحنا متفقناش على كده.» لم تجد إجابة. فقط شعرت أن الأمور خرجت من يدها تمامًا. نظرت ناحي
في اليوم التالي... منذ الصباح، كانت ملك تشعر بشيء غريب. لم تكن تعرف السبب، لكن رسالة سمر ظلت في بالها. «محتاجة أتكلم معاكي في حاجة.» لم تكن الجملة مخيفة، لكنها جعلتها تشعر أن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. وقفت أمام المرآة، رتبت شعرها، ثم أخذت حقيبتها. وقبل أن تخرج من الغرفة، وصلتها رسالة من جاسر. جاسر: «وصلتي؟» ابتسمت. ملك: «لسه خارجة.» لم تمر دقيقة حتى جاء الرد. جاسر: «لما توصلي ابعتيلي.» كتبت له: ملك: «حاضر، متقلقش عليا.» ثم أغلقت الهاتف ونزلت. كانت سمر تنتظرها في مكان هادئ. وحين رأت ملك تقترب، وقفت بسرعة. — «ملك!» ابتسمت ملك. — «آسفة اتأخرت.» — «ولا يهمك.» جلستا معًا. في البداية، تحدثتا عن أشياء عادية. البيت. العمل. الأيام الماضية. حتى ضحكت ملك أكثر من مرة. كانت تشعر أن سمر فعلًا تحاول. لكن سمر كانت تخفي توترًا واضحًا. وبعد فترة قالت: — «ملك... أنا عايزة أطلب منك طلب.» — «قولي.» — «ممكن تيجي معايا مكان؟» رفعت ملك حاجبها. — «فين؟» ترددت سمر لحظة. — «مكان قريب. مش هنتأخر.» نظرت ملك إليها. كان بإمكانها أن ترفض
في اليوم التالي... منذ الصباح، كانت ملك تشعر بشيء غريب. لم تكن تعرف السبب، لكن رسالة سمر ظلت في بالها. «محتاجة أتكلم معاكي في حاجة.» لم تكن الجملة مخيفة، لكنها جعلتها تشعر أن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. وقفت أمام المرآة، رتبت شعرها، ثم أخذت حقيبتها. وقبل أن تخرج من الغرفة، وصلتها رسالة من جاسر. جاسر: «وصلتي؟» ابتسمت. ملك: «لسه خارجة.» لم تمر دقيقة حتى جاء الرد. جاسر: «لما توصلي ابعتيلي.» كتبت له: ملك: «حاضر، متقلقش عليا.» ثم أغلقت الهاتف ونزلت. كانت سمر تنتظرها في مكان هادئ. وحين رأت ملك تقترب، وقفت بسرعة. — «ملك!» ابتسمت ملك. — «آسفة اتأخرت.» — «ولا يهمك.» جلستا معًا. في البداية، تحدثتا عن أشياء عادية. البيت. العمل. الأيام الماضية. حتى ضحكت ملك أكثر من مرة. كانت تشعر أن سمر فعلًا تحاول. لكن سمر كانت تخفي توترًا واضحًا. وبعد فترة قالت: — «ملك... أنا عايزة أطلب منك طلب.» — «قولي.» — «ممكن تيجي معايا مكان؟» رفعت ملك حاجبها. — «فين؟» ترددت سمر لحظة. — «مكان قريب. مش هنتأخر.» نظرت ملك إليها. كان بإمكانها أن ترفض
مرّت الأيام التالية بهدوء غريب. سمر بدأت تظهر في حياة ملك من جديد، لكن المرة دي بشكل مختلف. كانت تسأل عنها، تبعت لها، وأحيانًا تيجي تقعد معاها من غير سبب واضح. وفي البداية، ملك كانت حذرة. لكن مع الوقت، الحذر بدأ يقل. في صباح أحد الأيام، كانت ملك جالسة في الصالة، تمسك هاتفها وتراجع بعض الرسائل، عندما دخلت سمر. — «صباح الخير.» رفعت ملك عينيها وابتسمت. — «صباح النور.» جلست سمر بجانبها، ووضعت كيسًا صغيرًا على الطاولة. — «جبتلك حاجة.» ضحكت ملك. — «إنتِ كل يوم هتجيبيلي حاجة؟» — «مش عاجبك؟» — «لا عاجبني طبعًا.» فتحت ملك الكيس، فوجدت فيه بعض الأشياء التي تحبها. نظرت لسمر بدهشة. — «إنتِ لسه فاكرة إني بحب الحاجات دي؟» ابتسمت سمر. — «أنا فاكرة حاجات كتير عنك.» تغيّرت ملامح ملك للحظة. ربما لأنها لأول مرة منذ وقت طويل شعرت أن سمر فعلًا تحاول إصلاح ما حدث بينهما. — «شكرًا.» — «ملك...» — «همم؟» ترددت سمر قليلًا قبل أن تقول: — «أنا فعلًا آسفة.» وضعت ملك ما بيدها جانبًا. — «إنتِ اعتذرتي قبل كده.» — «عارفة... بس المرة دي أنا مش عايزة أعتذر وخلاص







