ログインلم يكن الصباح الذي تلى تلك الليلة العاصفة هادئاً، بل كان يحمل في طياته نذر شؤمٍ لم تحسب له سيليا حساباً. استيقظت وهي تشعر بثقل في صدرها، كأن جدران القصر تضيق عليها يوماً بعد يوم. ارتدت ملابسها بهدوء، وهمت بالخروج إلى الحديقة لتتنفس بعض الهواء النقي، لكن صوت جرس الباب الخارجي في ساعة مبكرة كهذه جعلها تتوقف مكانها.
لم تكن الطارقة سوى لينا منصور القاضي. دخلت لينا القصر بخطوات واثقة، تتفحص الأثاث العتيق والتحف النادرة بعينين يملؤهما الجشع والفضول. لم تنتظر إذن الدخول، بل وقفت في وسط البهو وكأنها تمتلك المكان. عندما رأت سيليا تنزل الدرج، رسمت على وجهها ابتسامة باردة وقالت: — "أعتذر عن الزيارة المفاجئة يا سيدة سيليا، لكنني لم أستطع الانتظار حتى نلتقي في الشركة. صهيب لم يكن يرد على اتصالاتي، فقلت في نفسي.. ربما هو بحاجة لزيارة ودية في منزله." وقفت سيليا أمامها، شامخة الرأس رغم اضطراب قلبها. أجابتها بنبرة رخيمة: — "السيد صهيب لا يزال في جناحه الخاص يا سيدة لينا. والزيارات الرسمية مكانها المكاتب، أما البيوت.. فلها حرمة لا يدركها إلا من يقدر معنى 'السكن'." ضحكت لينا ضحكة رنانة، ونزعت قفازاتها الحريرية وهي تقترب من سيليا: — "السكن؟ يا لكِ من امرأة حالمة! صهيب رجل يعيش للمستقبل، وهذا القصر بالنسبة له ليس سوى مخزن للذكريات التي يريد التخلص منها. لقد جئتُ لأضعه أمام خياره النهائي.. إما أنا وشراكتي المليارية، وإما 'الركود' الذي تمثلينه أنتِ." في تلك اللحظة، ظهر صهيب في أعلى الدرج، كان يرتدي رداءه المنزلي، وبدت عليه علامات المفاجأة. نزل مسرعاً وهو ينظر إلى لينا بدهشة: — "لينا؟ ما الذي أتى بكِ إلى هنا في هذه الساعة؟" اتجهت إليه لينا، وأمسكت بذراعه بدلالٍ أمام عيني سيليا، وقالت بصوت مسموع: — "صهيب حبيبي، لقد سئمتُ من الألغاز. سكرتيرتك.. أو ابنة عمك، لا أعلم ما صفتها بالضبط، تتحدث معي وكأنها سيدة هذا القصر. لقد جئتُ لأسمع منك الحقيقة أمامها. من هي سيليا بالنسبة لك؟ ومن أنا؟" ساد صمتٌ رهيب. تطلعت سيليا إلى صهيب بعينين دامعتين، ترجوه في سرها أن ينطق بالحقيقة، أن يحررها من هذا القيد الخفي ولو لمرة واحدة. أما صهيب، فقد كان ممزقاً؛ فإعلان زواجه يعني خسارة الاندماج مع شركة القاضي، وخسارة المرأة التي تمثل طموحه. ونفيه يعني كسر ما تبقى من كرامة سيليا. نظر صهيب إلى سيليا، ثم إلى لينا، وقال بصوت متحشرج: — "لينا، سيليا هي..." قاطعته سيليا بقوة، وقد استجمعت كل شجاعتها: — "أنا زوجته يا سيدة لينا. زوجته منذ عامين على سنة الله ورسوله. وصهيب الذي تقفين بجانبه الآن هو زوجي الذي أتممتُ معه عامي الثاني في هذا القصر تحت ظلال السرية التي فرضها طموحه وجبن مشاعره." وقعت الكلمات كالصاعقة على مسامع لينا التي تراجعت خطوة إلى الوراء، بينما شحب وجه صهيب وكأنه رآى شبحاً. صرخت لينا بغضب: — "متزوج؟ صهيب.. هل ما تقوله هذه المرأة صحيح؟ هل جعلت مني أضحوكة طوال هذه المدة؟" انفجر صهيب غضباً، لكن غضبه لم يكن موجهاً للينا، بل لسيليا التي تجرأت وحطمت جدار الصمت. صرخ فيها: — "سيليا! هل جننتِ؟ كيف تجرئين على نطق هذا الآن؟ لقد دمرتِ كل شيء!" ردت سيليا وهي تشعر بمرارة الانتصار: — "بل بنيتُ نفسي يا صهيب. لن أعيش دقيقة أخرى في الظل لتستمتع أنت بضوئك مع غيري. إن كان ثمن طموحك هو كرامتي، فقد بعتُ طموحك واشتريتُ كرامتي." التفتت لينا نحو صهيب، وعيناها تشتعلان حقداً: — "أما أنت يا صهيب.. فموعدنا في المحاكم. الاندماج انتهى، واسم الجارحي سأجعله في الحضيض. استمتع بزوجتك 'السرية' في قصرك المهجور." خرجت لينا من القصر وهي تتوعد، تاركةً خلفها حطام زواج وحطام صفقة. التفت صهيب نحو سيليا، واقترب منها بخطوات ثقيلة، كان وجهه يحمل تعبيراً لم تره من قبل.. مزيجاً من الرغبة في تحطيمها والرغبة في الانحناء أمام قوتها. — "هل أنتِ سعيدة الآن؟" سأل بصوت خفيض يشبه فحيح الأفاعي. "لقد خسرنا كل شيء. الشركة، الصفقة، والمستقبل." أجابته سيليا وهي تتجاوزه لتصعد إلى غرفتها: — "بل كسبنا الحقيقة يا صهيب. والحقيقة هي الوحيدة التي ستحررك مني، أو تحررني منك. اذهب الآن وابحث عن مستقبلك في ركام أكاذيبك." أغلق صهيب عينيه بقوة، وشعر لأول مرة ببرد القصر الحقيقي. لم يعد يرى صورة لينا، بل صار يرى صورة سيليا وهي تصرخ بحقها، وأدرك أن المعركة الحقيقية لم تبدأ مع لينا، بل بدأت الآن بينه وبين قلبه الذي بدأ يتمرد على عقله.وفي القاهرة، كان الصباح قد انتصف في مكتب آل الشافعي، لكن الأجواء كانت لا تزال مشحونة بالقلق والتوتر. كانت آسيا تقف في الممر المؤدي لمكتب شقيقتها ليلى، تروح وتجيء بخطوات سريعة متوترة، وتقضم أظافرها بقلق عارم بعد أن رأت ليلى تغلق الباب على نفسها وترفض الإجابة عن اتصالاتها. تقدم قيس بخطواته الواثقة المتمهلة، يمسك بيده حقيبة أوراق رسمية، وعلى وجهه تلك الابتسامة المتهكمة التي يحاول بها دائماً السيطرة على جنون خطيبته الشرسة. وقف أمامها، وامتدت يده ليمسك كفها ويسحبها برفق إليه: — "أرى أنكِ تحاولين ممارسة رياضة المشي السريع في ممرات الشركة يا ابنة الشافعي. اهدئي قليلاً، فالأرض كادت تشتكي من ضربات كعبيكِ العالية." التفتت إليه آسيا بعينين تشتعلان غيظاً وقلقاً، وهتفت بنبرة مرتفعة: — "قيس! لستُ في حالة تسمح لي بتقبل سخريتك المعتادة! ليلى أغلقت وصدت مكتبها منذ ساعات بعد أن أخبرتها بنبأ ريان وآسما، وسفيان خرج منذ قليل وملامحه كانت تبدو كأنه عائد من جنازة! هناك كارثة تحدث في هذه العائلة وأنا لا أستطيع الوقوف متفرجة!" تلاشت الابتسامة المتهكمة من وجه قيس، وحلت محلها ملامح جادة تحمل الكثير من الح
وفي تلك الأثناء، في مشفى بلدة "سيينا" الإيطالية، كان الليل قد انتصف، واستقرت العاصفة الثلجية لتترك خلفها غطاءً أبيض ساكناً يعكس ضوء القمر الشاحب عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة. كان ريان الجارحي يقف في الممر البارد المؤدي إلى غرفة آسما. كان قد خلع معطفه الملطخ بالدماء، وبقي بقميصه الأسود الذي ظهرت عليه بقع عرق خفيفة أثر المجهود المرعب الذي بذله ليلة أمس. كانت كفاه ملفوفتين بضمادات بيضاء خفيفة بسبب الجروح التي أصيب بها وهو يحاول تثبيت إطارات السيارة وسط الجليد. نظر ريان إلى يديه المضمدتين، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة مليئة بالمرارة والقهر الداخلي. > "من أنت يا ريان؟" سأل نفسه بصوت خافت وهو يستند برأسه إلى الجدار البارد. "قبل أشهر كنتَ تقسم أنك ستدمر آسما، وأنك ستجعلها تدفع ثمن كبريائها وإجهاضها لطفليك في الماضي.. واليوم، تخاطر بحياتك وتقود سيارتك وسط عاصفة انتحارية لتنقذها وتنقذ جنينها! هل هو الخوف على النسل فقط؟ أم أن هذا الوعاء اللعين الذي يحمل طفلك بدأ يستدرج عطفك رغماً عن قسوتك الصخرية؟" > انقطع حبل أفكاره عندما خرج الطبيب الإيطالي بيانكي من الغرفة، وأومأ له برأسه احتراماً:
انقشع صخب مكتب آل الشافعي تدريجياً، وبقيت ليلى وحيدة خلف الباب الخشبي الثقيل الذي وصدته جيدا ، كأنها تحاول إغلاق منافذ العالم بأكمله عن روحها المنهكة. استندت بظهرها إلى الخشب المصقول، وشعرت بركبتيها تعجزان عن حملها، لتنزلق ببطء حتى استقرت على الأرض الباردة، دافنةً وجهها بين كفيها.كانت شهقاتها المكتومة تمزق هدوء الغرفة، وكل كلمة نطقت بها آسيا عن ريان وعاصفته وإيطاليا كانت ترتد في ذهنها كصوت سياط تجلد كبرياءها شهران كاملان وهي تبني حصوناً من الوهم، شهران وهي تقنع نفسها بأن خاتم سفيان الماسي القابع في إصبعها هو طوق النجاة، وأنها استطاعت أخيراً نفض غبار ريان الجارحي عن ثوب حياتها لكن مكالمة هاتفية فائتة منذ شهرين، ونبأ تعرض زوجته لخطر الموت الليلة الماضية، كانا كفيلين بهدم تلك الحصون وتحويلها إلى رماد.> "لماذا يزلزلني اسمه هكذا؟" همست ليلى بحرقة، والدموع تغسل وجنتيها الشاحبتين. "ريان يصارع الموت والطبيعة من أجل امرأته وطفله.. هناك في أقصى الأرض يصنع مجده وعائلته، وأنا هنا، أموت قهراً على رجل لم يعد لي، رجل اختار غيري علانية وأمام العالم بأكمله!"> وفي تلك اللحظة الحرجة من انكسارها، تنا
في صباح اليوم التالي، دلف قيس بدر إلى مكتب صديقه الطبيب آدم وعلامات القلق والوجع واضحة على وجهه. كانت سيرين تجلس هناك أيضاً، تتابع الأخبار عبر شاشة التلفاز. قال قيس بصوت خفيض وجاد: — "آدم.. تواصلتُ مع إدارة مجموعة الجارحي منذ قليل. هناك أنباء مسربة من إيطاليا عن تعرض آسما الرفاعي لانتكاسة صحية خطيرة ليلة أمس، وأن ريان نقلها إلى المشفى وسط عاصفة ثلجية مدمرة. الوضع هناك غامض، والهواتف مقطوعة." انتفض آدم من مقعده: — "ماذا؟ اطلعتُ على تقرير بيانكي منذ أيام وكان الوضع مستقراً! النزيف في هذا التوقيت يعني كارثة يا قيس! يجب أن أجد طريقة للتواصل مع المشفى الإقليمي في توسكانا فوراً." اقتربت سيرين من آدم، ووضعت يدها على كفه لتثبيته، وقالت بنبرة حانية ومواساة صادقة: — "اهدأ يا آدم.. القلق لن يفتح الطرق المغلقة بالثلوج. ريان رجل قوي ومستعد لكل الاحتمالات، والمشفى هناك مجهز. دعنا نحاول الاتصال عبر السفارة." في تلك الأثناء، كانت آسيا قد علمت بالخبر من مصادرها بالشركة، ودلفت مسرعة إلى مكتب شقيقتها ليلى وهي تصرخ: — "ليلى! كارثة!!! آسما سقطت ليلة أمس في إيطاليا وهناك خطر على الجنين وعليها.. ريا
مرّ ستون يوماً على ذلك الفجر الذي تفرقت فيه الطرق. شهران كاملا الأيام والساعات، والقاهرة تخلع ثوب الخريف لترتدي برود الشتاء القرص. في قصر آل الشافعي، كانت عقارب الساعة تتحرك بانتظام قاتل، تماماً كخطوات ليلى التي أصبحت أشبه بآلة صمّاء تتحرك وفق جداول العمل والمواعيد العائلية. تغير كل شيء في المظهر، وبقي كل شيء على حاله في المخبر. أصبحت ليلى الآن تحمل لقب "خطيبة القاضي" رسمياً؛ فخاتم سفيان الماسي يلمع في بنصرها اليمنى، يذكرها في كل ثانية بأنها اختارت النجاة والعقل. لكن، خلف هذا اللمعان البراق، كان هناك قلب ينزف بصمت خلف أسوار كبريائها المنيع. وفي ليلة شتوية شديدة البرودة، كانت ليلى تقف أمام نافذة مكتبها في الشركة، ترتدي معطفاً صوفياً أسود، وتراقب حبات المطر الأولى وهي تنقر على الزجاج بعنف. دلف سفيان بخطواته الهادئة الموزونة، يحمل في يديه كوبين من الشوكولاتة الساخنة. اقترب منها، ووضع الكوبين على المكتب، ثم وقف خلفها مباشرة، دون أن يلمسها، محترماً تلك الهالة من العزلة التي تحيط بها نفسها دائماً. قال سفيان بصوته الرخيم الممتلئ بالدفء: — "الشهر القادم هو موعد زفافنا يا ليلى.. لقد حجزتُ
وفي مكان آخر من العاصمة، كان الطبيب آدم يجلس خلف مكتبه، ينظر إلى تقرير طبي أرسله إليه الدكتور بيانكي من إيطاليا عبر البريد الإلكتروني. كان وجهه منقبضاً، وقلقه على صديق عمره ريان يكاد يدفعه لركوب أول طائرة متوجهة إلى ميلانو. دخلت سيرين ، إلى مكتبه بوقارها المعتاد وهدوء خطواتها التي تجلب معها السلام أينما حلت. وضعت كوباً من القهوة الدافئة أمامه، وجلست على المقعد المقابل، وتأملت ملامحه القلقة وقالت بنبرة تفيض بالحنكة والنعومة: — "ما زلت تفكر في ريان وآسما يا آدم؟ التقرير يبدو مستقراً كما أرى." تنهد آدم بعمق، وفرك وجهه بكفيه تعباً: — "المشكلة ليست في التقرير الطبي يا سيرين.. المشكلة في ريان نفسه. تواصلتُ معه بالأمس، ونبرة صوته كانت تخلو من أي حياة. يتعامل مع آسما كأنه جلاد ينفذ حكماً قضائياً. هذا العناد الكبريائي بينهما سينتهي بكارثة. آسما تحاول جاهدة إصلاح ما أفسدته في الماضي، لكن ريان أغلق قلبه ووضع مفاتيحه في قاع المحيط." نهضت سيرين بخطوات واثقة، واقتربت منه حتى وقفت بجانبه. مدت يدها برقة متناهية، وربتت على كتفه، ثم انحنت قليلاً لتلتقي عيناها بعينيه، وقالت بصوت دافئ يملك قدرة عجيب
مضت الأيامُ التاليةُ مُثقلةً بصمتٍ يُشبهُ الهدوءَ الذي يسبقُ العاصفة. كانت سيليا تُحاولُ استعادةَ توازنِها داخل أسوارِ "المرفأ"، لكنَّ خيالَ صهيب ووعيدَهُ الأخيرَ كانا يتربصانِ بها في كل زاوية. وبدلاً من أن يكونَ رحيلُ ناردين وفشلُ الزفافِ سبباً في ارتياحِها، أصبحَ وقوداً لتوترٍ جديد؛ فصهيبُ "الوحي
غادر صهيب الجناح بخطواتٍ وئيدة، تاركاً خلفه أصداء كلماتٍ وقعت على مسمع سيليا كوقع الصواعق. كان صرير الباب وهو يُغلق خلفه بمثابة إعلان هدنةٍ مؤقتة في حربٍ لم تضع أوزارها بعد. بقيت سيليا في مكانها، مُتصلبة كتمثالٍ من ملح، تُحاول استجماع أنفاسها التي سلبتها منه تلك المسافة الضئيلة التي كانت تفصل شفتيه
لم يحتمل صهيب هذا البرود، فاقترب منها بخطواتٍ وئيدة حتى كاد جسده يلامس جسدها، فتوترت أنفاس سيليا رغماً عنها. انحنى نحو أذنها، وبصوتٍ منخفض مفعم بالإثارة والغموض، همس بكلماتٍ جعلت الدماء تتجمد في عروقها: صهيب: — "ليست هذه المرة الأولى التي أخسر فيها شخصاً يحبني ويمتلك قدرةً على التحمل.. لكن هذه ا
لم تكن عاصفة "لينا القاضي" سوى تمهيد لزلزالٍ أعنف، زلزالٍ لم يضرب استقرار شركة الجارحي، بل ضرب كبرياء صهيب في مقتل. بدأت الحكاية في مؤتمر "القمة الاقتصادية العربية"، حيث دُعي صهيب بصفته قطباً من أقطاب المعمار، وأصرّ هذه المرة على حضور سيليا بجانبه، ليس كسكرتيرة، بل كزوجة رسمية أراد من خلالها استع