Teilen

حين همست الظلال
حين همست الظلال
علي الزهراني

قصر لا ينام

last update Veröffentlichungsdatum: 15.07.2026 19:17:05

الفصل الأول 

لم يكن سليمان الهاشمي يؤمن إلا بما يستطيع أن يلمسه بيديه أو يثبته بالأرقام.

بلغ الخامسة والخمسين من عمره، وبدأ حياته موظفًا بسيطًا، ثم شق طريقه حتى صار واحدًا من أثرى رجال الأعمال في المنطقة. امتلك شركات، وعقارات، وأساطيل من الشاحنات، واستثمارات تمتد من الخليج إلى شرق آسيا. وكانت الصحف الاقتصادية تصفه بأنه رجل لا يغامر إلا بعد أن يحسب كل احتمال.

أما هو، فكان يرى أن العالم أبسط مما يتخيله الناس.

كل شيء له سبب.

وكل لغز له تفسير.

وكل حكاية عن الأشباح ليست سوى خوفٍ يرتدي ثوب الخيال.

في إحدى أمسيات الشتاء، جلس في مكتبه المطل على المدينة. كانت الأضواء تتلألأ تحت قدميه، والسيارات تنساب كخيوط مضيئة بين الأبراج.

دخل مدير أعماله يحمل ملفًا جلديًا أسود.

قال باحترام:

— سيدي… هناك عقار جديد عُرض للبيع.

رفع سليمان رأسه دون اهتمام.

— وما الذي يميزه؟

— السعر.

ابتسم ابتسامة خفيفة.

— الجميع يقول ذلك.

فتح المدير الملف ووضع صورة كبيرة أمامه.

كان قصرًا حجريًا شامخًا، تحيط به غابة كثيفة، تعلوه أبراج قديمة، وتغطي جدرانه نباتات متسلقة كأنها تحاول ابتلاعه.

— هذا القصر معروض بأقل من ربع قيمته.

أمسك سليمان الصورة.

تأملها طويلًا.

كان البناء فخمًا على نحو يثير الإعجاب، لكنه يحمل شيئًا يصعب وصفه… شيئًا يجعل العين تتردد في البقاء عليه.

سأل بهدوء:

— لماذا هذا الثمن؟

تردد المدير لحظة.

ثم قال مبتسمًا ابتسامة مرتبكة:

— الناس يقولون… إنه مسكون.

ساد الصمت.

ثم انفجر سليمان ضاحكًا.

ضحكة طويلة حتى انحنى على كرسيه.

— في القرن الحادي والعشرين ما زال الناس يخافون من الأشباح؟

قال المدير:

— خمس عائلات اشترته خلال عشرين سنة… ولم يمكث أحد منهم أكثر من شهر.

— ولماذا؟

— لكل واحد قصة مختلفة.

— ممتاز.

نظر إليه المدير باستغراب.

— ممتاز؟

— نعم… هذا يعني أن لا أحد يريد منافستي عليه.

بعد أسبوع، أصبح القصر ملكًا لسليمان.

وحين وصل إليه لأول مرة، كانت الشمس تميل نحو المغيب.

فتح الحارس البوابة الحديدية التي أطلقت صريرًا طويلًا، كأنها لم تُفتح منذ سنوات.

امتد الطريق بين أشجار سرو شاهقة، حتى ظهر القصر كاملًا.

كان أجمل مما في الصور.

وأشد وحشة.

ترجل سليمان من سيارته الفاخرة.

رفع رأسه إلى النوافذ العالية.

كلها مغلقة.

كلها مظلمة.

ومع ذلك…

راوده شعور غريب بأن أحدًا يراقبه.

ابتسم ساخرًا.

“يبدو أن القصص بدأت تؤثر حتى فيّ.”

دخل القصر.

كان الهواء باردًا على غير المتوقع، رغم أن النهار لم ينتهِ بعد.

غطى الغبار الأرضية، بينما تدلت ثريات كريستالية ضخمة من السقف، وقد خفت بريقها تحت طبقات الزمن.

أخذ يتجول بين القاعات والغرف، يلتقط الصور بهاتفه، ويُملي ملاحظاته على مدير المشروع:

— هذه الصالة تُرمم بالكامل.

— المكتبة تُحافظ على طابعها القديم.

— الحديقة تحتاج إلى إعادة تصميم.

كان يتحدث بثقة رجل يرى في كل شيء مشروعًا قابلًا للإصلاح.

حتى وصل إلى آخر الممر.

هناك وجد بابًا خشبيًا أسود، يختلف عن سائر أبواب القصر.

لا زخارف.

لا مقبض ذهبي.

بل خشب قاتم، تتخلله شقوق دقيقة، كأن الزمن نفسه حاول كسره ولم ينجح.

اقترب منه.

مد يده.

وما إن لامست أصابعه الباب…

حتى سمع همسة.

واضحة.

هادئة.

قريبة جدًا.

“لا تفتح…”

سحب يده بسرعة.

التفت خلفه.

لم يكن هناك أحد.

تفقد الممر.

الغرف.

السلالم.

كل شيء ساكن.

ابتسم لنفسه، لكن ابتسامته لم تكن واثقة كما كانت قبل دقائق.

قال بصوت منخفض:

“لا بد أن أحد العمال وصل قبلي.”

غير أن هاتفه رن في تلك اللحظة.

كان مدير المشروع.

قال:

— أعتذر يا أستاذ سليمان… تأخر الفريق بسبب حادث في الطريق. لن نصل قبل ساعتين.

تجمدت ملامحه.

نظر إلى شاشة الهاتف.

ثم إلى الممر الخالي.

ثم عاد ببصره إلى الباب الأسود.

وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة…

شعر أن ثروته، ونفوذه، وكل ما يملكه…

لا يجيب عن سؤال واحد:

من الذي همس باسمه

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • حين همست الظلال   مكتبة الأب

    الفصل الخامس عشرمكتبة الأبلم تكن الرحلة إلى مكة طويلة.لكنها كانت أثقل رحلة عاشها سليمان منذ أن اشترى القصر.جلس خلف المقود بصمت، بينما كانت قطرات المطر تنساب على الزجاج الأمامي، فتشوّه أضواء السيارات القادمة من الاتجاه الآخر.لم يفتح جهاز الراديو.ولم يحاول أحد كسر الصمت.كل واحد منهم كان منشغلًا بسؤال واحد:لماذا مكتبة والده؟⸻كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل عندما دخلوا أطراف مكة.بدت المدينة هادئة على غير عادتها، وقد خفتت حركة الطرق مع اقتراب الفجر.انعطف سليمان نحو حي قديم، تتجاور فيه المنازل التي بُني معظمها قبل عقود.توقف أمام منزل ذي طابقين، تحيط به أشجار السدر والنخيل.ظل ينظر إليه طويلًا دون أن ينزل.قال يوسف:— هذا هو؟أجاب سليمان بصوت خافت:— نعم…هنا عشت طفولتي.وهنا مات والدي.نظر إلى الباب الخارجي، وقد علاه الغبار، بينما تسلقت بعض النباتات أجزاءً من السور.لم يزر المنزل منذ سنوات طويلة.كان يؤجّل العودة إليه دائمًا، وكأن المكان يحتفظ بذكريات لم يكن مستعدًا لمواجهتها.⸻أخرج من جيبه مفتاحًا قديمًا.تردد لحظة.ثم أدخله في القفل.دار المفتاح بسهولة، رغم مرور

  • حين همست الظلال   ما بين الحقيقة والوهم

    الفصل الرابع عشرما بين الحقيقة والوهملم يدم الظلام سوى ثوانٍ.لكن تلك الثواني بدت لسليمان كأنها امتدت إلى عمرٍ كامل.وقف في مكانه، لا يسمع سوى صوت قطرات الماء المتساقطة في القاعة الحجرية، وصدى أنفاس من حوله.ثم عاد الضوء تدريجيًا.لم يكن مصدره الشموع هذه المرة، بل المصابيح الكهربائية التي حملها يوسف، بعد أن تمكن من تشغيل أحدها.أدار شعاع الضوء في أرجاء القاعة بسرعة.كانت عين الماء في مكانها.والأنفاق السبعة كما هي.والشيخ ما يزال واقفًا عند مدخل الممر الخامس.لكن…الرجل الذي يشبه سليمان اختفى.كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.اقترب يوسف من المكان الذي كان يقف فيه.سلط الضوء على الأرض.ثم انحنى.— انظروا…اقتربت ليان وسليمان.كانت الأرض مغطاة بطبقة رقيقة من الغبار القديم.لكن لم تكن عليها سوى آثار أقدامهم هم.أما الرجل الآخر…فلم يترك أثرًا واحدًا.نظر يوسف إلى الشيخ.— كيف تفسر هذا؟أجاب الشيخ بهدوء:— وهل أنت متأكد أنه كان يقف على الأرض؟ساد الصمت.⸻لم تعجب الإجابة يوسف.قال بنبرة حازمة:— لا، لن أقبل بهذا.منذ دخلنا القصر، كلما سألنا سؤالًا، كانت الإجابة لغزًا جديدًا.إذا كنت تعرف شيئً

  • حين همست الظلال   الممر السابع

    الفصل الثالث عشرالممر السابعلم يتحرك أحد.كانت الخطوات القادمة من أعماق الممر بطيئة، منتظمة، كأن صاحبها لا يخشى من ينتظره عند المدخل.أطفأ يوسف المصباح اليدوي غريزيًا.همس:— لا تصدروا أي صوت.لكن الخطوات لم تتوقف.بل ازدادت وضوحًا.دق…دق…دق…حتى بدا وكأنها تصعد درجات حجرية مخفية تحت الأرض.وقف سليمان أمام فتحة الممر، وعيناه لا تفارقان الظلام الممتد في الداخل.لم يكن يشعر بالخوف كما في الليالي الأولى.كان يشعر بشيء آخر…فضولٌ يختلط بالحذر.التفت إلى ليان.— هل هذا الممر موجود في مخططات القصر؟هزت رأسها نفيًا.— اطلعت على جميع المخططات التي وجدناها، ولا يوجد أي إشارة إليه.ثم أضافت:— وكأن من بناه لم يرد حتى أن يُعرف بوجوده.⸻رفع يوسف مسدسه المرخص، ثم نظر إلى سليمان.— سأدخل أولًا.لكن سليمان أمسك بذراعه.— لا.نظر إليه يوسف باستغراب.— لماذا؟قال سليمان بهدوء:— لأن الذي فتح هذا الممر أرادنا أن ندخله.وإذا دخلناه بالطريقة التي يريدها…فنحن نلعب وفق قواعده.ابتسمت ليان لأول مرة منذ ساعات.— بدأت تتعلم.نظر إليها سليمان.— من القصر.⸻اقترب من فتحة الممر، ثم انحنى قليلًا.كان الهوا

  • حين همست الظلال   الوصية التي لم تكتب

    الفصل الثاني عشرالوصية التي لم تُكتبغابت الشمس خلف الغيوم الكثيفة، بينما كانت سيارة سليمان تشق طريقها عائدة إلى القصر.لم يتبادل أحد الحديث طوال الرحلة.كان كل منهم غارقًا في أفكاره، وكأن الكلمات أصبحت عاجزة عن تفسير ما حدث في الأرشيف الوطني.الرجل الذي لا يظهر له ظل…الصورة التي التقطت عام 1927…واختفاؤه بالطريقة نفسها التي ظهر بها.أما أكثر ما أقلق سليمان، فلم يكن كل ذلك، بل الجملة التي ما زالت تتردد في رأسه:“أنت لا تبحث عن تاريخ القصر… أنت تبحث عن تاريخك أنت.”ضغط بيده على المقود، محاولًا أن يطرد الفكرة، لكنها كانت تعود في كل مرة بصورة أقوى.كيف يمكن لرجل لم يره من قبل أن يعرف شيئًا عن ماضيه؟⸻قطعت ليان الصمت لأول مرة.— هل ستأخذ بتحذيره؟نظر إليها سليمان في مرآة السيارة.— أي تحذير؟— عندما قال: “لا تعد إلى القصر الليلة.”ابتسم يوسف ابتسامة ساخرة.— بعد كل ما رأيناه، أصبحنا نصدق أي رجل غريب يظهر فجأة ثم يختفي!لم ترد ليان.كانت تنظر من نافذة السيارة إلى الطريق الممتد بين الجبال.ثم قالت بهدوء:— المشكلة أنه لم يطلب منا الهرب…طلب منا فقط ألا نعود الليلة.وهناك فرق كبير.التفت

  • حين همست الظلال   الرجل الذي لا وجود له

    الفصل الحادي عشرالرجل الذي لا وجود لهلم تغادر كلمات الشرطي أذن سليمان منذ الليلة الماضية.“اختفى… ولم نجد في غرفة الحراسة سوى عبارة واحدة: لقد بدأ العدّ التنازلي.”كانت الجملة بسيطة في ظاهرها، لكنها حملت معنى أثقل من أن يُحتمل.لأول مرة منذ دخوله القصر، شعر سليمان أن الخطر لم يعد محصورًا بين الجدران القديمة، ولم يعد مجرد همسات غامضة أو أبواب خفية، بل أصبح يقترب من الأشخاص الذين يحيطون به. وهذا ما أقلقه أكثر من أي شيء آخر.وقف في شرفة الطابق الثاني، يتأمل الضباب الذي غطى الحديقة مع ساعات الفجر الأولى.كان القصر يبدو هادئًا، بصورة تكاد تكون مخادعة.الأشجار ثابتة.النوافذ مغلقة.والريح بالكاد تحرك أطراف الستائر.لكن سليمان لم يعد يثق بالهدوء.لقد تعلم خلال الأيام الماضية أن أكثر اللحظات رعبًا هي تلك التي يسبقها صمت طويل.⸻دخل يوسف بخطوات مترددة.كانت ملامحه مرهقة، وعيناه حمراوين من قلة النوم.قال وهو يحمل ملفًا أزرق:— الشرطة أنهت التحقيق الأولي.استدار سليمان إليه.— وهل وجدوا شيئًا؟هز يوسف رأسه.— لا شيء… وهذا هو الأمر الغريب.اقترب ووضع الملف على الطاولة.— لم يجدوا أي أثر لكسر أو

  • حين همست الظلال   ذاكرة الحارس

    الفصل العاشر: ذاكرة الحارسساد صمتٌ ثقيل داخل الغرفة السرية.لم يكن سببه الصندوق الأسود، ولا العبارة المنقوشة عليه، بل الطريقة التي نطقت بها الدكتورة ليان الجملة الأخيرة.“لقد رأيت هذه العبارة من قبل…”نظر إليها سليمان مليًّا.ثم قال بهدوء:— أريد أن أعرف كل شيء.تنهدت ليان، وأغلقت عينيها للحظة، وكأنها تستعيد ذكرى حاولت نسيانها سنوات طويلة.ثم قالت:— قبل خمسة عشر عامًا كنت عضوة في فريق دولي لفهرسة مجموعة من المخطوطات النادرة، كانت محفوظة في مكتبة خاصة لا يُعرف عنها الكثير. لم تكن مكتبة عامة، بل مجموعة يملكها أحد جامعي المخطوطات، ولم يكن يسمح بدخولها إلا للباحثين الذين يختارهم بنفسه.سكتت قليلًا.ثم تابعت:— كان بين تلك المخطوطات كتاب لا يحمل اسمًا، ولا اسم مؤلف، ولا تاريخًا. كان غلافه من الجلد الأسود، وصفحاته مكتوبة بثلاث لغات مختلفة، لم أستطع التعرف إلا على اثنتين منها.سألها يوسف:— وما اللغة الثالثة؟قالت:— لم أرَ مثلها في حياتي.⸻اقترب سليمان من الصندوق.كانت يده ترتجف، لكنه لم يمدها إليه.قال:— وما علاقة هذا الكتاب بما نحن فيه؟أجابت ليان:— في الصفحة الأولى كانت هناك عبارة و

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status