مشاركة

الفصل الثامن

مؤلف: H.E.D
last update تاريخ النشر: 2026-03-27 02:18:56

انقطع الهواء في صدرها قبل أن تتحرك، لم يكن بسبب الظلام بل بسبب ذلك الضوء الأحمر الصغير الذي ظل ثابتًا في عمق الموقف كعين لا ترمش، تراقب، تنتظر، وتعرف. لم يكن انعكاسًا عشوائيًا، لم يكن جهازًا مهملًا، بل حضورًا متعمدًا، شيء كان هنا قبل أن يصلوا، قبل أن يختاروا هذا المكان ظنًا منهم أنه مخبأ.

يد ليان شدّت على المقود حتى تألمت مفاصلها، ولم تلتفت فورًا إلى كمال، لكنها شعرت به إلى جانبها، صامتًا أكثر من اللازم، ساكنًا بطريقة لا تشبهه إلا عندما يكون في أخطر حالاته. لم يمد يده، لم يطلب منها الحركة، فقط كان ينظر إلى النقطة نفسها في الظلام، كأنهما يشتركان في إدراك واحد دون اتفاق.

ثم جاء الصوت.

"تأخرتما."

الصوت لم يكن مرتفعًا، لكنه ملأ المكان بسهولة، ناعمًا على نحو مزعج، كما لو أن صاحبه لا يحتاج إلى الصراخ ليُسمع. لم تتحرك ليان، لكن جسدها شدّ نفسه بالكامل، مستعدًا لأي انفجار. كمال تنفس ببطء، ثم قال بصوت منخفض جدًا: "ابقِ مكانك."

لم تجبه.

لم تعد تقبل الأوامر بسهولة.

لكنها لم تتحرك أيضًا.

في الظل، تحرك الضوء الأحمر قليلًا، ثم انطفأ، وكأن العين أغمضت نفسها لتفتح شيئًا آخر. بعد لحظة، انبثق ضوء خافت من جهاز صغير في يد الرجل الذي خرج تدريجيًا من العتمة. لم يكن مسرعًا، لم يكن حذرًا، بل كان واثقًا من المسافة بينه وبينهما، من أن الهروب لم يعد خيارًا، ومن أن كل الطرق التي ظناها آمنة كانت مرصودة منذ البداية.

توقف على بعد خطوات، يكفي ليكون مرئيًا دون أن يكون قريبًا.

كان نفس الرجل.

وجهه نصف مضاء، ابتسامته لم تتغير، وكأن ما حدث في الموقف السابق لم يكن إلا تفصيلًا صغيرًا في مسار أطول.

"اختيار جيد." قالها وهو ينظر إلى السيارة. "الاختباء في مكان نعرفه أفضل من الهرب إلى مكان لا نعرفه."

بردت أطرافها.

لم يكن يتوقع.

كان يعلم.

إلى جانبها، شعرت بحركة خفيفة من كمال، لكن لم يكن هجومًا، بل تعديلًا بسيطًا في جلسته، كأنه يعيد توزيع الألم داخل جسده دون أن يسمح له بالسيطرة. الدم لا يزال ينزف، أبطأ، لكنه موجود، مستمر، يسرق منه الوقت.

قال كمال: "إن كنت تريدها، اقترب."

رفع الرجل حاجبه قليلًا، كأن العرض لم يكن مفاجئًا بل متوقعًا. "لو أردتها بهذه الطريقة، لما كنت أضعت وقتي في الحديث."

ثم نقل نظره إلى ليان.

"تعالي."

لم تتحرك.

ليس لأن جسدها لم يستجب، بل لأن شيئًا أعمق شدّها في مكانها، ليس خوفًا بل رفضًا. لم تعد تلك الفتاة التي تُقاد من صوت إلى آخر، من تهديد إلى آخر. كل ما حدث خلال الساعات الماضية، كل ما سقط من حقائق، كل ما انكسر، لم يترك لها خيارًا إلا أن تقف.

قالت بصوت ثابت: "اقترب أنت."

للحظة، ساد صمت خفيف.

ثم ابتسم.

ليس بسخرية، بل بشيء أقرب إلى الإعجاب البارد. "أنتِ تشبهينه أكثر مما توقعت."

الكلمة أصابتها دون أن تظهر ذلك.

تشبه من؟

أباها… أم كمال؟

لم تسأل.

لأن السؤال سيعطيه أكثر مما يستحق.

في تلك اللحظة، تحرك كمال.

ببطء هذه المرة، لكن بحسم. فتح باب السيارة، نزل، وقف بينهما، جسده نصف منحني بسبب الجرح، لكنه بقي مستقيمًا بما يكفي ليغلق المسافة.

"انتهى هذا." قالها بهدوء.

ضحك الرجل، ضحكة قصيرة، خالية من المرح. "أنت الوحيد هنا الذي لا يملك حق إنهاء أي شيء."

ثم أخرج شيئًا من جيبه.

جهاز صغير.

ضغط عليه.

في اللحظة التالية، اهتز هاتف ليان في يدها.

نظرت إليه دون أن تشعر.

شاشة سوداء… ثم فيديو بدأ يعمل.

ليس الفيديو السابق.

هذا مختلف.

صورة كاميرا مراقبة.

غرفة.

مكتب.

والدها مرة أخرى.

لكن هذه المرة… لم يكن هادئًا.

كان واقفًا، يتحدث بسرعة، بحدة، يلوّح بيده، وكأن الوقت ينفد. الصوت كان مشوشًا في البداية، ثم استقر تدريجيًا.

"لا يمكنك إبقاؤها خارج هذا للأبد—"

الصورة اهتزت.

ثم ظهر كمال في الإطار.

أصغر قليلًا، ملامحه أقل قسوة، لكنه هو.

"كلما بقيت بعيدة… كانت أكثر أمانًا."

رد والدها، بغضب واضح: "لن تكون آمنة إن لم تفهم!"

توقفت أنفاس ليان.

المشهد ليس مجرد ذكرى.

هذا نقاش.

خلاف.

بين رجلين… على حياتها.

"ستفهم حين يحين الوقت." قال كمال.

"لن يكون هناك وقت!" صرخ والدها.

انقطع الفيديو فجأة.

الظلام عاد.

لكن هذه المرة… لم يعد كما كان.

رفعت رأسها ببطء.

نظرت إلى كمال.

لم تقل شيئًا.

لكن كل ما في نظرتها تغيّر.

العداء لم يختفِ.

لكنه لم يعد نقيًا.

قال الرجل بهدوء: "هذا هو الجزء الذي لم تره."

ثم أضاف، وهو ينظر إلى كمال: "كنت تحاول إخفاءها… أو احتكارها؟"

لم يرد كمال.

وهذا الصمت… كان أخطر من أي جواب.

داخلها، بدأت الأشياء تتحرك.

كل ما اعتقدته، كل ما بنت عليه كراهيتها، لم يعد ثابتًا. لم ينهار بالكامل، لكنه تشقق. وهذا التشقق كان كافيًا ليُدخل شيئًا آخر.

الشك.

ثم… شيء آخر أخطر.

الرغبة في الفهم.

خفضت الهاتف ببطء.

وقالت: "لماذا أنا؟"

هذه المرة، لم ينظر الرجل إلى كمال.

نظر إليها فقط.

"لأنك لست مجرد ابنة نادر."

اقترب خطوة.

"أنتِ الشيء الذي حاول حمايته… لأنه لم يكن يثق بأحد ليحمله."

سكت.

ثم قال:

"وأنتِ الآن… تحمليه بالفعل."

نظرت إليه، ثم إلى كمال، ثم إلى يدها.

بطاقة الذاكرة.

لكن… هل هي فقط؟

شعرت بشيء بارد ينساب داخلها.

ماذا لو لم يكن الأمر متعلقًا بما تحمله…

بل بما هي؟

وقبل أن تستوعب الفكرة بالكامل—

تحرك كمال فجأة.

ليس نحو الرجل.

بل نحوها.

يده امتدت، قبضت على معصمها، سحبها خلفه، وصوته خرج منخفضًا، قريبًا جدًا:

"الآن ستفعلين ما أقوله."

شدّت يدها، حاولت الإفلات. "أنا لست—"

"ليس وقتك لتكوني حرة."

الجملة كانت قاسية.

لكنها كانت صادقة.

ولذلك أطاعته.

للمرة الأولى… دون مقاومة.

في اللحظة التالية، أخرج شيئًا صغيرًا من جيبه، قطعة معدنية دقيقة، وضعها في يدها، ثم دفعها نحو الجانب الآخر من السيارة.

"اركضي عندما أقول."

"وماذا عنك؟"

لم ينظر إليها.

"هذه ليست المرة الأولى."

فهمت.

وهذا ما أوجعها.

قبل أن تسأله، قبل أن تعترض—

تحرك.

اندفع نحو الرجل مباشرة.

الرجل لم يتفاجأ.

رفع سلاحه—

لكن كمال كان أسرع.

الصوت تردد في المكان.

ضربة.

ارتطام.

صرخة مكتومة.

والضوء الأحمر سقط على الأرض.

ليان لم تنتظر.

ركضت.

كما قال.

لكن هذه المرة… لم يكن الهروب هو الشيء الوحيد داخلها.

كانت تحمل شيئًا آخر.

القطعة المعدنية في يدها.

والحقيقة… التي بدأت تتشكل.

وصلت إلى نهاية الممر.

باب.

دفعته.

فتح.

الهواء البارد ضرب وجهها.

لكن قبل أن تخرج—

سمعت صوتًا خلفها.

ليس صراخًا.

ليس إطلاق نار.

بل… ضحكة.

هادئة.

مطمئنة.

صوت الرجل.

"أخيرًا… بدأتِ تفهمين."

تجمدت.

ثم استدارت ببطء.

الموقف خلفها كان مظلمًا من جديد.

لكن كمال…

لم يكن هناك.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • حين وقعتُ في حب عدوي   الفصل 153

    الهدوء كان غريبًا… كأنه شيء لا ينتمي لهذا المكان. لا أصوات إنذار. لا خطوات مطاردة. لا أنفاس مقطوعة. فقط… فراغ. ليان وقفت في منتصف الغرفة، تنظر إلى الرجل المقيد أمامها. لم يعد يحاول المقاومة. لم يعد يتكلم. وكأن كل ما كان يملكه… سُحب منه فجأة. لكن عينيه… ما زالتا ثابتتين عليها. ليستا خائفتين. ليستا نادمتين. بل… تعرفان. كمال كان خلفها مباشرة. لم يلمسها. لم يوقفها. فقط كان هناك… كما كان دائمًا في اللحظات التي تقرر فيها أن لا تعود للخلف. "خلص." قالها بهدوء. صوته لم يكن أمرًا. كان اختبارًا. ليان لم تلتفت. عيناها لم تبتعدا عن الرجل. "لا." الجملة خرجت ببطء. لكن بثقل. اقتربت خطوة.

  • حين وقعتُ في حب عدوي   الفصل 152

    الصمت لم يكن هدوءًا… كان فراغًا بعد شيء انكسر. كل شيء انطفأ. الضوء. الشاشات. الصوت. لكن ليان… لم تنطفئ. وقفت في منتصف الغرفة، لا تتحرك، لا تتكلم… فقط تشعر. ليس بالخوف. ولا بالألم. بشيء آخر. شيء… يعرف. كمال اقترب. خطوة. ثم أخرى. توقف أمامها. "ليان." صوته هذه المرة… لم يكن ثابتًا. كان يحمل شيئًا لم يسمح له بالظهور من قبل. قلق. ليان لم تنظر إليه فورًا. لكن أنفاسها… كانت منتظمة. بشكل غريب. ثم— رفعت رأسها. ونظرت إليه. لكن النظرة… لم تكن كما عرفها. لم تكن باردة. ولا حادة. كانت… واضحة. بشكل يخيف. كمال شدّ فكه. "وين هو؟

  • حين وقعتُ في حب عدوي   الفصل 151

    الأرض لم تهتز فقط… بل تغيّرت. الجدران التي بدت ثابتة بدأت تنزلق، الزجاج المعتم صار شفافًا، والممرات التي دخلوا منها اختفت كأنها لم تكن. الضوء الأبيض الحاد تحوّل إلى لون بارد، أزرق، يجعل كل شيء يبدو أبطأ… وأوضح. "Final Phase: L-17 vs K" الكلمات بقيت على الشاشة. ليان قرأتها. مرة. مرتين. لكنها لم تسأل. لأنها فهمت. كمال… لم ينظر للشاشة. كان ينظر لها. ليس كخصم. بل كشيء يعرفه أكثر من نفسه. الرجل ابتعد خطوة إلى الخلف، كأنه يترك لهم المسرح. "اختبار بسيط." قالها. بهدوء. "نشوف مين فيكم… كمل للنهاية." ليلى صرخت من الخلف: "هذا جنون!" لكن صوتها… لم يصل. كأن الغرفة نفسها قررت من يسمع ومن لا. ليان أخذت نفسًا. بطيئًا. ثم— تقدمت خط

  • حين وقعتُ في حب عدوي   الفصل 150

    الهواء لم يعد يتحرك كما قبل. لم يعد مجرد مكان… صار ساحة. "إنتِ اللي تأخرتِ." الجملة لم تكن تعليقًا. كانت حكمًا. ليان لم ترد فورًا. لكن قدميها… لم تتوقف. خطوة. ثم أخرى. حتى وقفت على مسافة محسوبة. ليست قريبة… وليست بعيدة. المسافة التي لا تسمح له بالسيطرة… ولا لها بالهروب. نظرت إليه. بهدوء. ثم قالت: "كنت عم بجرب أعيش." ابتسامة الرجل لم تختفِ. لكن عينيه… تغيّرت. "وكنتِ؟" سؤال بسيط. لكن فيه شيء… يتعمد كسرها. ليان لم تنكسر. "لا." الصمت. هذه الكلمة… لم تكن اعترافًا. كانت إعلانًا. الرجل أخذ نفسًا بطيئًا. ثم بدأ يتحرك. خطوة واحدة فقط. لكن كأن المكان كله… تبعه.

  • حين وقعتُ في حب عدوي   الفصل 149

    الهاتف ما زال في يدها… لكن الكلمات لم تعد مجرد كلمات. "أنا بانتظارك… ليان." لم يكن تهديدًا. لم يكن تحديًا. كان… تأكيدًا. أنه يعرفها. أكثر مما يجب. ليان لم تتحرك فورًا. لكن داخلها… شيء بدأ يتحول. ليس خوفًا. ليس ترددًا. بل وضوح. ذلك النوع الخطير من الوضوح… الذي يأتي عندما تتوقف كل الاحتمالات، ويبقى طريق واحد فقط. كمال كان يراقبها. بدقة. ليس لأنه لا يثق بها… بل لأنه يعرفها. ويعرف أن اللحظة التي تصمت فيها بهذا الشكل… هي اللحظة التي تقرر فيها. "ليان." قال اسمها. ليس ليوقفها. بل ليبقى داخل قرارها. رفعت عينيها إليه. هدوء. غير طبيعي. "ما رح أروح زي ما بده." الجملة خرجت ثابتة. مدروسة.

  • حين وقعتُ في حب عدوي   الفصل 148

    الرذاذ لم يتوقف… لكنه لم يعد هادئًا كما كان. قطراته على الزجاج صارت أسرع، كأن السماء نفسها بدأت تفهم أن الصمت انتهى. ليان لم تبتعد عن النافذة. لكن عينيها… لم تعد ترى المطر. كانت ترى الصورة. وجه الرجل. الهدوء الذي كان يبدو يومًا طمأنينة… أصبح الآن شيئًا آخر تمامًا. شيئًا مدروسًا. شيئًا… مقصودًا. "هو البداية." صوت كمال ما زال عالقًا في الهواء. لم يكن مرتفعًا. لكنه… كان أثقل من أن يُتجاهل. ليلى كسرت الصمت أولًا. "مستحيل." قالتها بسرعة… كأنها تريد إيقاف الفكرة قبل أن تكبر. "هذا كان معنا… هو اللي…" توقفت. لأنها تذكرت. كل مرة قال فيها "انتهى كل شيء". كل مرة أغلق فيها بابًا قبل أن يُفتح. كل مرة… كان يعرف أكثر مما يقول. نوال جلست ببطء. "يعني… كل اللي ص

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status