LOGIN
الفصل الأول: حين بدأت الحكاية بنظرة
لم تكن سلمى تؤمن بالصدف. كانت دائمًا ترى أن كل شيء يحدث لسبب، حتى الأشخاص الذين يدخلون حياتنا فجأة ويتركون وراءهم فوضى لا نعرف كيف نتخلص منها. لكنها لم تكن تعرف، وهي تستيقظ في ذلك الصباح، أن شخصًا واحدًا سيجعلها تعيد التفكير في كل شيء كانت تؤمن به. "سلمى!" دفنت وجهها في الوسادة عندما سمعت صوت أمها خلف الباب. "قومي." ردت بصوت مكتوم: "قمت." ضحكت أمها وقالت: "إنتِ بتقولي قمتِ وإنتِ لسه نايمة؟" رفعت سلمى رأسها بصعوبة وقالت: "أنا بجهز نفسي نفسيًا." "نفسيًا لإيه؟ عندك مناسبة مش داخلة حرب." "النوم أهم جزء في اليوم." "قومي يا بنتي قبل ما أبوكي يطلعلك." ما إن سمعت كلمة "أبوكي" حتى جلست على السرير. كان هناك شيء غريب منذ الصباح. والدها مستيقظ مبكرًا على غير عادته، وأمها تدخل الغرفة وتخرج منها دون سبب واضح، وكلما سألتها عن السبب أجابت بأنها لا تعرف. فتحت سلمى دولابها وهي تتمتم: "أكيد في حاجة." من خلفها جاء صوت أمها: "إنتِ بتتكلمي مع مين؟" "مع نفسي. "طب كلمي نفسك بعد ما تلبسي." ضحكت سلمى. "حاضر يا ست الكل." بعد ساعة تقريبًا، نزلت إلى الصالة وهي ترتب شعرها بيدها، فتوقفت فجأة عندما وجدت والدها يجلس مع رجل لم تره من قبل. كان الرجل في منتصف العمر، أنيقًا وهادئًا، وبجواره شاب في عمرها تقريبًا. كان طويلًا، ملامحه هادئة، لكن في عينيه شيء جعلها تشعر بأنه واثق من نفسه أكثر مما ينبغي. رفع الشاب عينيه إليها. التقت عيناه بعينيها. ابتسم. سلمى لم تبتسم. قال والدها: "تعالي يا سلمى، سلمي على الأستاذ سامح وابنه ياسين." اقتربت وهي تقول: "أهلًا. قال الرجل: "أهلًا يا بنتي، إحنا كنا مستنيينك." نظرت إليه باستغراب. "مستنييني أنا؟" ضحك والدها: "مش كده يا سلمى، اقعدي بس." جلست على الكرسي المقابل لياسين، الذي ظل ينظر إليها للحظات. قال فجأة: "إنتِ دايمًا بتبصي كده؟" رفعت حاجبها. "ببص إزاي؟" "كأنك مستنية مشكلة." ابتسمت ابتسامة ساخرة. "يمكن لقيتها." ضحك ياسين وقال: "لسه بدري." نظرت إليه باستغراب. "بدري على إيه؟" "على المشكلة. "إنت غريب." "وأنتِ سريعة الحكم." "وأنت سريع الاستفزاز." تدخل والدها ضاحكًا: "واضح إنكم هتتفاهموا بسرعة." قالت سلمى وياسين في نفس اللحظة: "مستحيل. نظر الاثنان إلى بعضهما، فضحكا رغمًا عنهما. لكن سلمى أخفت ابتسامتها بسرعة لم تكن تعرف لماذا شعرت بالارتباك عندما ضحك. ولم تكن تعرف أن تلك اللحظة الصغيرة ستظل في ذاكرتها طويلًا. بعد قليل، دخلت أمها وجلست بجوارها. كانت تبتسم للضيوف، لكن سلمى لاحظت أن ابتسامتها لم تصل إلى عينيها. همست لها: "ماما، مين دول؟" ردت بسرعة: "أصدقاء بابا." "أول مرة أشوفهم." "يمكن عشان مش بييجوا كتير." "طب ليه شكلك متوتر؟" نظرت إليها أمها للحظة، ثم قالت: "أنا؟ متوترة ليه؟" "معرفش." "بطلي تحللي في وشي." ضحكت سلمى، لكنها لم تقتنع. بعد ساعات، أقيمت المناسبة التي جاء من أجلها الضيوف، وبدأ المكان يمتلئ بالأقارب والأصدقاء. كانت سلمى تقف مع مريم عندما ظهر ياسين أمامهما. قال: "إنتِ صاحبة سلمى؟" مريم ردت: "آه." "ربنا يعينك." سلمى عقدت حاجبيها. "على إيه؟" "عليها." قالت مريم وهي تضحك: "إنتوا لسه عارفين بعض من كام ساعة وبدأتوا؟" رد ياسين: "هي بدأت." سلمى أشارت إلى نفسها: "أنا؟" "آه." "إنت اللي سألتني ببصلك ليه." "عشان كنتِ بتبصي." "ما كنتش ببص." "كنتِ." "ما كنتش." مريم رفعت يدها وقالت: "أنا هبعد، واضح إن الموضوع محتاج لجنة تحكيم." ضحك ياسين. نظرت سلمى إليه وقالت: "مبسوط؟" "جداً." "ليه؟" "عشان أول مرة أشوف حد بيتعصب بسرعة كده." "وأنا أول مرة أشوف حد مستفز بالشكل ده." "يبقى اتفقنا." "على إيه؟" "إننا مش هنحب بعض." صمتت سلمى للحظة. ثم قالت: "أنا أصلًا ما كنتش ناوية." ابتسم ياسين: "ولا أنا." لكن بعد دقائق، ابتعد كل منهما عن الآخر، ووجدت سلمى نفسها تبحث عنه دون قصد. رأته واقفًا مع فتاة جميلة ترتدي فستانًا أسود، وكانت تضحك معه. ظلت سلمى تنظر للحظة. ثم قالت لمريم: "مين دي؟" مريم التفتت إليها ببطء، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة. "إنتِ مهتمة؟" "لأ." "طب بتسألي ليه؟" "فضول." "آه، فضول." "مريم، بلاش." "حاضر." ثم قالت وهي تحاول ألا تضحك: "دي نور." "تعرفه؟" "واضح إنها تعرفه." "يعني إيه؟" "يعني اسأليه." "أنا مالي؟" "ما أنا ما قلتش إنك مالك." رمقتها سلمى بنظرة حادة. وفي اللحظة نفسها ظهر ياسين أمامهما. "مالك؟" قالت بسرعة: "ولا حاجة." "مضايقة؟" "من إيه؟" نظر إلى نور من بعيد ثم عاد إليها. "مش عارف." "يبقى لما تعرف ابقى قولي." ضحك وقال: "حاضر." ثم اقترب منها قليلًا وهمس: "على فكرة، نور بنت خالتي." تجمدت سلمى. "إيه؟" ضحك. "وشك كان لازم يتصور." "أنا ما سألتش." "عارف." "وبعدين؟" "ولا حاجة." "طب امشي." "حاضر يا ست الكل." ابتعد وهو يضحك. ضربت مريم كتفها بخفة. "بنت خالته!" "اسكتي." "كنتِ غيرانة." "مريم!" ضحكت مريم: "خلاص خلاص." انتهت الليلة وعادت سلمى إلى غرفتها وهي تحاول أن تقنع نفسها أن كل ما حدث مجرد موقف عابر. لكن هاتفها أضاء فجأة. رسالة من رقم مجهول. "ما تثقيش في ياسين." جلست على السرير. حدقت في الرسالة للحظات. ثم وصلت رسالة ثانية: "هو مش داخل حياتك بالصدفة." شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. كتبت: "مين؟" انتظرت. لا رد. كتبت مرة أخرى: "إنت مين؟" لا شيء. وضعت الهاتف بجانبها، لكنها لم تستطع النوم. وبعد دقائق، سمعت صوت والديها في الخارج. خرجت من غرفتها بهدوء، ووقفت خلف الباب. كان والدها يقول بصوت منخفض: "هو مش عارف حاجة." ردت أمها: "بس البنت شافته." تجمدت سلمى. سمعت والدها يقول: "ما تقلقيش، الموضوع خلص من زمان." ردت أمها: "إنت عارف إن الماضي عمره ما بيموت." صمت والدها. ثم قالت الأم بصوت مرتجف: "ولو عرف الحقيقة؟" جاء الرد: "مش هيعرف." وضعت سلمى يدها على فمها حتى لا تصدر صوتًا. الحقيقة؟ أي حقيقة؟ ولماذا كانوا يتحدثون عنها؟ تراجعت إلى غرفتها وأغلقت الباب. جلست على السرير، وأمسكت هاتفها مرة أخرى. كانت الرسالتان ما زالتا أمامها. "ما تثقيش في ياسين." "هو مش داخل حياتك بالصدفة." رفعت عينيها إلى الظلام. وفي تلك اللحظة، لم يعد ياسين هو الشيء الوحيد الذي يشغل تفكيرها. بل أصبحت تريد أن تعرف شيئًا أخطر: ما الحقيقة التي يخفيها أهلها عنها؟الفصل الثاني: السر الذي بدأ يطرق الباب لم تنم سلمى تلك الليلة إلا بصعوبة. كانت كلما أغمضت عينيها، سمعت صوت والدها من جديد: "مش هيعرف." ثم تتذكر رسالة الرقم المجهول: "ما تثقيش في ياسين." وكانت المشكلة أنها لم تكن تعرف أيهما يخيفها أكثر؛ أن يكون ياسين فعلًا يخفي عنها شيئًا، أم أن يكون أهلها هم من يخفون عنها الحقيقة. في الصباح، دخلت أمها الغرفة وهي تحمل كوب الشاي. "صباح الخير." لم ترد سلمى. اقتربت منها أمها وقالت: "إنتِ نمتي؟" "شوية." "مالك؟" رفعت سلمى عينيها إليها. "ماما، هو أنا شفت ياسين قبل كده؟" تغيرت ملامح أمها للحظة، لكنها سرعان ما أخفت ارتباكها. "طبعًا لأ." "متأكدة؟" "أيوه." "طب إنتِ تعرفي أهله من إمتى؟" "من زمان." "قد إيه؟" "سلمى، هو تحقيق؟" "أنا بس بسأل." وضعت أمها الكوب على الطاولة وقالت: "ابعدي عن الأسئلة دي." "ليه؟" "عشان مش كل حاجة لازم تعرفيها." ضحكت سلمى بسخرية. "واضح إن دي الجملة المفضلة عندكم." توقفت أمها. "مين قالك كده؟" "ولا حد." "سلمى." "أنا نازلة." خرجت قبل أن تسمع ردًا. كانت مريم تنتظرها أمام الجامعة. ما إن رأتها حتى قالت: "شكلك ما نمتيش." "ما نمتش." "ليه؟" "حصل حاجات غريبة." جلستا في مكان هادئ، وحكت لها سلمى عن الرسائل وعن حديث والديها. مريم ظلت صامتة للحظات. ثم قالت: "أنا شايفة إن في حاجة كبيرة مستخبية." "وأنا كمان." "طب وياسين؟" "مش عارفة." "إنتِ مصدقاه؟" سلمى ترددت. "مش عارفة." ابتسمت مريم. "بس عايزة تصدقيه." "مريم..." "حاضر، مش هقول." وقبل أن تكمل سلمى، ظهر ياسين من بعيد. قالت مريم: "أهو صاحب الأسرار وصل." "اسكتي." اقترب ياسين وقال: "صباح الخير." ردت مريم: "صباح النكد." ضحك ياسين. "هي بتتكلم عني؟" قالت سلمى بسرعة: "لأ." نظر إليها. "متأكدة؟" "آه." جلس أمامهما وقال: "كنت عايز أكلمك." "أنا؟" "أيوه." مريم وقفت فورًا. "أنا هروح أجيب حاجة." سلمى نظرت إليها بغيظ، لكنها رحلت وهي تضحك. قال ياسين: "إنتِ كويسة؟" "آه." "وشك بيقول لأ." "إنت بقيت خبير في وشي؟" "شوية." سكتت سلمى، ثم قالت: "ممكن أسألك سؤال؟" "اتفضلي." "إنت تعرفني من قبل؟" اختفت الابتسامة من وجهه. "ليه بتسألي؟" "رد." "لأ." "متأكد؟" "أيوه." نظرت إليه طويلًا. "إنت بتكدب." تنهد ياسين. "أنا ما بحبش الكذب." "بس بتكدب." "أنا مش فاكر إني شوفتك قبل كده." "يعني فيه احتمال؟" "ممكن." "ياسين!" ضحك قليلًا وقال: "إنتِ بتخوفيني." "جاوبني بجد." سكت لحظات، ثم قال: "أنا أول مرة شوفتك كانت إمبارح." لم تعرف لماذا شعرت بالراحة رغم أن الشك لم يختفِ. ثم سألته: "طب إنت تعرف أمي؟" هذه المرة لم يجب. رفعت حاجبها. "أهو." "أهو إيه؟" "سكت." "عشان السؤال غريب." "يعني تعرفها؟" "أمي تعرف أهلك." "من إمتى؟" "مش عارف." "أمال إنت بتعرف إيه؟" نظر إليها طويلًا ثم قال: "أعرف إن في حاجة قديمة بين العيلتين." شعرت سلمى بتوتر. "إيه هي؟" "لسه بحاول أعرف." "ليه؟" "عشان أمي اختفت." سلمى صمتت. "اختفت؟" "من سنين." "يعني ماتت؟" "مش عارف." نظرت إليه بدهشة. "إنت مش عارف أمك عايشة ولا لأ؟" هز رأسه. "كل اللي أعرفه إنها اختفت، وكل ما أسأل ألاقي الناس بتغير الموضوع." شعرت سلمى بأن قلبها بدأ يدق أسرع. "وأبويا يعرف؟" رفع ياسين عينيه إليها. "إنتِ ليه بتسألي عن أبوكي؟" "عشان سمعتهم بيتكلموا." "قالوا إيه؟" ترددت. ثم أخبرته. ظل ياسين صامتًا. "إنت مالك؟" قال: "مش عارف." "إيه؟" "بس الكلام ده مش طبيعي." في تلك اللحظة، وصل إشعار إلى هاتف سلمى. فتحت الرسالة. "لو عايزة تعرفي ليه ياسين دخل حياتك، تعالي الساعة 8 عند الكافيه القديم." رفعت عينيها. ياسين لاحظ تغير وجهها. "في إيه؟" "ولا حاجة." "سلمى." "قلت ولا حاجة." "إنتِ مش كويسة." "أنا كويسة." وقفت. "لازم أمشي." أمسك هاتفه ونظر إليها. "استني." "ليه؟" "إنتِ بتخبي حاجة." "وأنت كمان." نظر إليها للحظات. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة. "واضح إننا اتعلمنا من بعض بسرعة." رحلت. لكن ياسين لم يتركها تذهب وحدها. وبعد دقائق، خرج خلفها. --- في الثامنة مساءً، وصلت سلمى إلى الكافيه القديم. كان المكان شبه خالٍ. جلست في آخر طاولة وانتظرت. بعد دقائق، جاء رجل غريب وجلس أمامها. قال: "إنتِ سلمى؟" "أيوه." أخرج ظرفًا ووضعه أمامها. "ده ليكي." "من مين؟" "مش مهم." "أنا مش هاخده." وقف الرجل. "لو عايزة تعرفي الحقيقة، افتحيه." ثم رحل. نظرت سلمى إلى الظرف. فتحتْه بيد مرتجفة. وجدت بداخله صورة قديمة. كانت أمها في الصورة. وبجوارها امرأة أخرى. شعرت بالصدمة. كانت المرأة الأخرى هي والدة ياسين. وفي الخلفية، يقف رجل لم تستطع رؤية وجهه بوضوح. لكن أسفل الصورة كانت هناك جملة مكتوبة بخط اليد: "قبل أن تبحثي عن ياسين، ابحثي عن الرجل الذي كان واقفًا خلف أمك." رفعت سلمى رأسها. كان ياسين واقفًا عند باب الكافيه. نظر إلى الصورة في يدها، فتغير وجهه تمامًا. اقترب منها وقال بصوت منخفض: "إنتِ جبتي الصورة دي منين؟" "حد اداهالي." أخذها منها ونظر إليها. ثم قال: "سلمى... لازم تمشي من هنا." "ليه؟" "لأن الشخص اللي بعتها لك عايزك توصلي لحاجة." "إيه؟" نظر إلى الرجل الموجود في الصورة. ثم قال: "عايزك توصلي له." سألت سلمى: "مين هو؟" رفع ياسين عينيه إليها. "الشخص اللي أمي كانت بتهرب منه." وفي اللحظة نفسها، انطفأت أنوار الكافيه. وسُمع صوت باب يُغلق بعنف. تمسكت سلمى بذراع ياسين. "ياسين..." قال بهدوء: "متخافيش." "أنا خايفة." نظر إليها. "المرة دي... أنا كمان."الفصل الثالث: الصورة التي لم يكن يجب أن تراها ظل المكان غارقًا في الظلام لثوانٍ بدت لسلمى أطول من اللازم. كانت يدها ما زالت ممسكة بذراع ياسين دون أن تنتبه، بينما كان هو يحاول أن يرى شيئًا وسط العتمة. قالت بصوت منخفض: "إنت قلت إنك خايف." "أيوه." "ودي أول مرة تقولها." "عشان أول مرة أكون مش عارف اللي قدامي." سمعت صوت حركة في آخر الكافيه، فاقتربت منه أكثر. "في حد هنا." "عارف." "نعمل إيه؟" "هنخرج." "إزاي؟" "من الباب الخلفي." "وأنا جاية هنا أصلًا ليه؟" نظر إليها رغم الظلام وقال: "عشان عنادك." "إنت اللي قلتلي تعالي." "أنا؟" "آه." "أنا قلتلك؟" "لا، بس أنت كنت ورايا." ابتسم رغم التوتر. "حتى وإحنا في مصيبة لازم تجادلي." "وأنت لازم تستفزني." أمسك يدها وقال: "يلا." تحركا بحذر حتى وصلا إلى الباب الخلفي، لكن قبل أن يفتح ياسين الباب سمعا صوتًا من الداخل. "ياسين." تجمد. كان صوت فتاة. التفت ببطء. أضاءت أنوار الكافيه فجأة، وظهرت نور واقفة في منتصف المكان. سلمى نظرت إليها بدهشة. "إنتِ؟" نور كانت تنظر إلى ياسين بجدية غير معتادة. "إنت ليه هنا؟" رد ياسين: "أنا المفروض أسألك." قالت نور: "وصلتني رسالة." "من مين؟" "رقم مجهول." أخرجت هاتفها وأرتهما الرسالة. كانت نفس الجملة تقريبًا: "لو عايزة تعرفي الحقيقة عن ياسين، تعالي للكافيه القديم." سلمى نظرت إلى ياسين. "يعني إحنا التلاتة اتجابوا هنا بنفس الطريقة؟" نور قالت: "مش إحنا بس." توقف ياسين. "مين كمان؟" نظرت نور إلى الباب. "كان فيه شخص رابع هنا." "فينه؟" "اختفى." اقترب ياسين منها. "إنتِ شفتيه؟" "أيوه." "شكله؟" "رجل، طويل، لابس جاكيت أسود." سلمى قالت: "ده نفس الشخص اللي كان بيراقبنا." التفتت نور إليها. "إنتِ شوفتيه قبل كده؟" "أيوه." سادت لحظة صمت. ثم قالت نور: "يبقى الموضوع مش متعلق بياسين وحده." رد ياسين: "أومال متعلق بمين؟" نظرت نور إلى سلمى. "بيها." شعرت سلمى بانقباض في صدرها. "بيا أنا؟" "أيوه." قال ياسين بسرعة: "متدخليش سلمى في الموضوع." ضحكت نور بمرارة. "هي بالفعل دخلت." "نور." "ياسين، بلاش تتصرف كأنك تقدر تحميها من كل حاجة." قالت سلمى: "ممكن حد يفهمني؟" لم يرد أحد. صرخت: "أنا تعبت من السكوت!" ساد الصمت. "كل واحد فيكم عارف حاجة وأنا الوحيدة اللي واقفة في النص ومش فاهمة حاجة. أمي بتكدب عليا، أبويا بيخبي، وإنت من أول ما ظهرت في حياتي وكل شوية تقول لي استني، هتعرفي، ولسه ما عرفت أي حاجة!" خفض ياسين عينيه. اقترب منها وقال بهدوء: "معاكي حق." نظرت إليه. "بس مش كل حاجة نعرفها بتكون سهلة." "أنا مستعدة." "ممكن الحقيقة تغير نظرتك لناس بتحبيهم." "هي أصلًا اتغيرت." سكت. ثم قال: "طيب." أخرج هاتفه، وفتح صورة. "دي صورة أمي." نظرت سلمى. كانت نفس المرأة الموجودة في الصورة التي وجدتها. قال ياسين: "الصورة دي اتاخدت قبل اختفائها بأيام." سألت: "والرجل اللي وراها؟" "مش عارف." نور قالت: "أنا عارفة." التفتا إليها. "مين؟" أجابت: "اسمه فؤاد." سأل ياسين: "إنتِ تعرفيه؟" "مش شخصيًا." "عرفتي اسمه منين؟" "أبويا." تغير وجه ياسين. "أبوكي يعرفه؟" "أيوه." "وليه ما قلتيش الكلام ده قبل كده؟" نور نظرت إلى سلمى ثم قالت: "لأن أبويا منعني." قالت سلمى: "ليه؟" ردت نور: "عشان قال إن كل اللي حصل زمان لازم يفضل مدفون." وقبل أن يسألها أحد، سمعوا صوت سيارة بالخارج. اقترب ياسين من النافذة. السيارة السوداء نفسها. قال: "لازم نمشي." سلمى سألت: "ودلوقتي؟" "هقولك كل حاجة." "وعد؟" نظر إليها. "وعد." خرج الثلاثة من الباب الخلفي، لكن هذه المرة لم يركضوا. ساروا بسرعة حتى وصلوا إلى سيارة ياسين. جلست سلمى في الخلف، وجلست نور بجوار السائق. راقبت سلمى الاثنين من المرآة. لم يعجبها قرب نور منه. وبدون أن تشعر قالت: "هو لازم هي تقعد قدام؟" التفتت نور إليها. ياسين أخفى ابتسامته. "عشان هي عارفة الطريق." قالت سلمى: "وأنا؟" "إنتِ ورا." "ليه؟" "عشان إنتِ ضيفة." "أنا مش ضيفة." ضحكت نور. "واضح." قالت سلمى: "في إيه؟" "ولا حاجة." تدخل ياسين: "ممكن نركز في المصيبة اللي إحنا فيها؟" سلمى قالت: "أنا مركزة." "واضح جدًا." صمتت وهي تشعر بالضيق. وبعد دقائق، أوقف ياسين السيارة أمام منزل مريم. قال لسلمى: "انزلي." "ليه؟" "هتكلمي مريم وتباتي عندها." "وأنت؟" "هتصرف." "مش هسيبك." "سلمى..." "قلت مش هسيبك." نظر إليها طويلًا. ثم قال: "تمام." نور كانت تراقبهما في صمت. وعندما نزلت سلمى، اقتربت من ياسين وقالت بهدوء: "إنت بتحبها." نظر إليها. "مالك؟" "ولا حاجة." "نور." "أنا بس بحذرك." "من إيه؟" قالت: "لأن الشخص اللي بيدور وراها مش هيسيبها بسهولة." ثم أضافت: "وأنت أول شخص هيستخدمه عشان يوصل لها." --- في صباح اليوم التالي، استيقظت سلمى على اتصال من أمها. "إنتِ فين؟" "عند مريم." "ليه؟" "كنت محتاجة أغير جو." صمتت أمها قليلًا. ثم قالت: "سلمى، ارجعي البيت." "ليه؟" "بس ارجعي." "ماما، في إيه؟" لم تجب. سمعت سلمى صوت شيء يسقط في الخلفية. ثم جاء صوت أمها مرتجفًا: "هو رجع." "مين؟" "فؤاد." ثم انقطع الاتصال. جلست سلمى في مكانها، عاجزة عن الحركة. بعد ثوانٍ، وصلتها رسالة من ياسين: "ماترجعيش البيت." ثم رسالة ثانية: "فؤاد عرف إنك عرفتي." نظرت سلمى إلى الشاشة، وشعرت بقلبها يهبط. كتبت: "إنت عرفت منين؟" جاء الرد: "لأن أبويا اختفى." ثم رسالة ثالثة: "وأنا عرفت مين فؤاد." توقفت سلمى عن التنفس تقريبًا. "مين؟" ظهرت كلمة "يكتب..." لعدة ثوانٍ. ثم اختفت. ثم عاد. وأخيرًا وصلت الرسالة: "أخو أمي... وعمرك ما هتصدقي علاقته بأبوكي."الفصل الرابع: حين بدأ الشك يأكل كل شيء ظلت سلمى تحدق في رسالة ياسين، وكأنها تنتظر أن تظهر جملة أخرى تجعل كل ما قرأته مجرد سوء فهم. لكنها لم تظهر. كتبت بسرعة: "علاقة فؤاد بأبويا إيه؟" انتظرت. لم يرد. كتبت مرة ثانية: "ياسين، رد." بعد دقائق جاءها الرد: "مش هنا." تنفست بعصبية. "إنت بتحب تستفزني؟" رد: "للأسف آه." رغم خوفها، ابتسمت رغماً عنها. ثم وصلتها رسالة أخرى: "بس المرة دي الموضوع مش هزار. خليكي عند مريم وما تروحيش البيت." رفعت عينيها عن الهاتف، فوجدت مريم واقفة أمامها وهي تحمل كوبين من الشاي. "من الصبح وإنتِ بتبصي للموبايل كأنك مستنية نتيجة الثانوية." قالت سلمى: "مريم، أنا عندي مشكلة." جلست مريم بجوارها. "أنا بدأت أحس إن حياتك بقت مسلسل تركي." "فؤاد رجع." تغيرت ملامح مريم. "مين فؤاد؟" "مش عارفة." "طيب وإنتِ ليه مرعوبة؟" "عشان أمي أول ما سمعت اسمه قالت: هو رجع." سكتت مريم لحظة. "طيب نعمل إيه؟" "مش عارفة." "نتصل بياسين." "اتصلت." "ورد؟" "قال لي ما أرجعش البيت." مريم رفعت حاجبها. "وأنتِ هتسمعي كلامه؟" "مش عارفة." "يعني هتسمعي." ابتسمت سلمى رغماً عنها. "إنتِ رخمة." "وأنتِ واقعة." "مريم!" ضحكت مريم وقالت: "خلاص، هسكت." لكن قبل أن تكمل، رن هاتف سلمى. هذه المرة كان المتصل ياسين. أجابت فورا "إنت فين؟" قال: "قدام بيت مريم." وقفت سلمى بسرعة. "إنت جيت؟" "آه." "ليه؟" "عشان آخدك." "آخدني فين؟" "مكان آمن." "ومين قال إنك مكان آمن؟" سكت لحظة. ثم قال: "محدش." ابتسمت رغم نفسها. "على الأقل صريح." "انزلي." "مش هنروح فين؟" "هتعرفي." "أكره الجملة دي." "عارف." نزلت سلمى مع مريم، فوجدت ياسين واقفًا بجوار السيارة. كان يبدو أكثر توترًا من المعتاد. ما إن رأته حتى قالت: "إنت كويس؟" "آه." "كذاب." ابتسم قليلًا. "بقيتي تعرفيني." اقتربت منه. "أبويا عمل إيه؟" "مش أبوكي بس." "مين كمان؟" "أبويا." "إيه اللي حصل له؟" "اختفى." تجمدت ملامحها. "اختفى إزاي؟" "خرج من البيت بالليل وما رجعش." "بلغت الشرطة؟" "لسه." نظرت إليه باستغراب. "ليه؟" "لأن قبل ما يخرج، ساب لي رسالة." "بتقول إيه؟" أخرج ورقة مطوية. قرأ منها: "لو حصل لي حاجة، ما تثقش في فؤاد، وما تخليش سلمى تعرف الحقيقة لوحدها." رفعت سلمى رأسها. "لو حصل له حاجة؟" "أيوه." "يعني هو كان متوقع حاجة؟" "واضح." قالت مريم: "أنا آسفة، بس ممكن أسأل سؤال؟" نظر إليها ياسين. "إنتِ مين؟" قالت: "أنا مريم." "آه." "صاحبة سلمى." "تمام." "أنا بس عايزة أفهم، هو ليه كل الناس عارفة حاجات وإحنا لأ؟" ضحك ياسين رغم الموقف. "سؤال ممتاز." قالت مريم: "أنا مش بضحك." "وأنا مش بضحك." نظرت سلمى إليهما. "ممكن نركز؟" قالت مريم: "أنا مركزة." ثم نظرت إلى ياسين وقالت: "بس لو كسرت قلبها، هتلاقيني أنا المشكلة الأكبر." ابتسم ياسين. "اطمني." قالت سلمى: "مريم!" ضحكت وهي تبتعد. "هسيبكم تتخانقوا." جلست سلمى في السيارة بجوار ياسين. ساد الصمت لحظات. ثم قالت: "إنت لسه فاكر إن نور مجرد صديقة؟" التفت إليها بدهشة. "إيه دخل نور دلوقتي؟" "ولا حاجة." "غيرانة؟" "لا." "أمال؟" "أنا بس بسأل." ضحك. "إنتِ لما بتقولي بس بسأل، أعرف إن الموضوع كبير." "خلاص ما تجاوبش." "نور صديقة." "وبس؟" "وبس." سكتت. ثم قال: "في حد غيرها مضايقك؟" "لا." "طيب." وبعد ثوانٍ أضاف: "بس على فكرة، أنا بحب غيرتك." التفتت إليه. "أنا مش بغير." "حاضر." "بلاش تستفزني." "مش هبطل." "ليه؟" ابتسم. "عشان لما بتتعصبي بتبقي أحلى." نظرت إليه للحظة ثم أدارت وجهها للنافذة. "سخيف." ضحك. لكن الضحكة لم تستمر طويلًا. توقف أمام منزل قديم. قال: "وصلنا." نزلت سلمى ونظرت إلى المكان. "إحنا فين؟" "بيت أمي القديم." نظرت إليه بدهشة. "إنت قلت إنها اختفت." "أيوه." "طب البيت لسه موجود؟" "أيوه، بس محدش دخله من سنين." فتح الباب ودخل. كان المكان مليئًا بالغبار، لكن كل شيء بدا وكأنه تُرك فجأة. على الحائط صور قديمة. اقتربت سلمى من إحدى الصور. ثم تجمدت. كانت أمها. وبجانبها والدة ياسين. قالت بصوت خافت: "ماما كانت هنا." وقف ياسين بجوارها. "واضح." نظرت إلى صورة أخرى. كان فيها الرجل نفسه الذي ظهر في الصورة السابقة. فؤاد. لكن هذه المرة كان يقف بجانب والد سلمى. شهقت. "ياسين." اقترب. نظر إلى الصورة. "دي أول مرة أشوفها." "أبويا كان يعرفه." "أيوه." تحت الصورة كانت هناك ورقة صغيرة. فتحها ياسين. قرأها. ثم تغير وجهه. سلمى سألته: "إيه؟" لم يرد. "ياسين." ناولها الورقة. كانت جملة واحدة: "اللي حصل لأم ياسين بدأ بسبب سلمى، قبل ما سلمى حتى تتولد." رفعت رأسها ببطء. "إزاي؟" ياسين لم يجد إجابة. وفي تلك اللحظة، سمعا صوت باب البيت يُفتح. التفتا معًا. كان هناك شخص يقف في المدخل. لم يظهر وجهه. قال بصوت هادئ: "كنت عارف إنكم هتيجوا هنا." تراجعت سلمى خطوة. ياسين وقف أمامها. "إنت فؤاد؟" ضحك الرجل. "أخيرًا سألت السؤال الصح." ثم أغلق الباب خلفه. وأطفأ النور. سمعت سلمى صوت ياسين يقول: "خليكي ورايا." ثم جاء صوت الرجل من الظلام: "اطمن يا ياسين... أنا مش جاي أأذيها." توقف لحظة، ثم قال: "أنا جاي أقول لها مين أبوها الحقيقي."الفصل الخامس: الرجل الذي كان يعرف الحقيقة ظل المكان مظلمًا، ولم تكن سلمى ترى سوى ظل الرجل الواقف عند الباب. شعرت بيد ياسين تمتد خلفه، وكأنه يحاول أن يمنعها من الاقتراب. قال ياسين بحدة: "إنت فؤاد؟" جاء صوت الرجل هادئًا بشكل مستفز: "واضح إنك بقيت تعرف اسمي." "أنا سألت سؤال." "وأنا جاوبتك." أشعل الرجل مصباحًا صغيرًا كان في يده، فظهر وجهه أخيرًا. كان في أواخر الخمسينات، ملامحه جامدة، وعيناه تحملان شيئًا جعل سلمى تشعر بأنها رأته من قبل رغم يقينها بأنها لم تلتقِ به. تقدم خطوة. تراجعت سلمى تلقائيًا. لاحظ ياسين ذلك، فقال: "خليك مكانك." ابتسم فؤاد. "لسه بتحميها." "ومش هبطل." نظرت سلمى إلى ياسين للحظة. رغم خوفها، شعرت بشيء دافئ في قلبها. فؤاد لاحظ النظرة، وقال ساخرًا: "واضح إن أمك ما كانتش غلطانة." ياسين عقد حاجبيه. "إيه علاقة أمي بالموضوع؟" "علاقة كبيرة." ثم نظر فؤاد إلى سلمى. "خصوصًا بيها." قالت سلمى: "إنت قلت إنك هتقولي مين أبويا." "هقول." "دلوقتي." "مستعجلة ليه؟" "لأن كل الناس حواليا بتكدب." ضحك فؤاد بخفة. "أخيرًا قلتي حاجة صح." تقدم ياسين خطوة. "بلاش تلعب معاها." "وأنت مالك؟" "أنا مالي؟" ابتسم فؤاد. "أنت أكتر واحد ماله." سلمى قالت: "ياسين، سيبه." التفت إليها. "سلمى..." "أنا عايزة أسمع." نظر إليها ثم تنهد. "تمام." جلس فؤاد على الكرسي القديم. "قبل ما تتولدي بسنين، كانت أمك وأمي أصحاب." سلمى صححت له: "أم ياسين." "أيوه، أم ياسين. وكان أبوكي يعرفهم الاتنين." سألت: "إزاي؟" "كان شريكهم في مشروع." "مشروع إيه؟" "تجارة." "وبعدين؟" "وبعدين حصلت مشكلة." سأل ياسين: "إيه المشكلة؟" فؤاد نظر إليه. "أمك اكتشفت إن والدك كان بيخبي عنها فلوس." تغير وجه ياسين. "أبويا؟" "أيوه." "إنت بتكدب." "كنت متوقع إنك تقول كده." أخرج فؤاد ملفًا قديمًا من حقيبته ووضعه على الطاولة. "دي مستندات." فتح ياسين الملف، وبدأ يقلب الأوراق. كانت هناك توقيعات وحسابات وصور. سلمى اقتربت منه. "إيه ده؟" قال: "مش فاهم." فؤاد أجاب: "لأنكم بتدوروا في المكان الغلط." سلمى نظرت إليه. "أمال الحقيقة فين؟" نظر إليها مباشرة. "الحقيقة إن أمك كانت حامل وقت اختفاء أمي." تجمدت سلمى. "حامل؟" أومأ. "بمين؟" فؤاد لم يجب. نظرت سلمى إلى ياسين. ثم عادت إليه. "بمين؟" قال فؤاد: "بطفل." "إنت بتتكلم عن إيه؟" "طفل اتولد بعد اختفائها." صمت. ثم قال: "الطفل ده هو إنتِ." تراجعت سلمى. "أنا؟" هز رأسه. "أيوه." ياسين ظل صامتًا. قالت سلمى: "يعني إيه؟" "يعني أمك مش أمك الحقيقية." شعرت أن الكلمات لم تصل إليها. "لأ." "سلمى..." "لأ!" رفعت صوتها. "إنت بتكدب!" فؤاد لم يرد. التفتت إلى ياسين. "قوله إنه كذاب." ظل صامتًا. "ياسين!" قال أخيرًا: "أنا مش عارف." نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع. "حتى إنت؟" اقترب منها. "أنا مش مصدق." "بس ما قلتش إنه كذاب." "عشان مش هكدب عليكِ." هزت رأسها. "أنا مش عايزة أسمع حاجة." واتجهت نحو الباب. لكن فؤاد قال: "قبل ما تمشي، اسألي أمك عن اسمها الحقيقي." توقفت. ثم التفتت. "إيه؟" "اسمك الحقيقي." شعرت بقلبها يضرب بقوة. "اسمي سلمى." "ده الاسم اللي اتربيتي عليه." "وأنا ماليش اسم غيره." "عندك." سألته: "إيه؟" لكنه لم يجب. فقط قال: "أمك عندها الإجابة." ثم فتح الباب. "روحي اسأليها." --- خرجت سلمى وهي لا تشعر بالطريق تحت قدميها. ياسين لحق بها. "سلمى، استني." لم تتوقف. "سلمى!" أمسك يدها برفق. سحبت يدها. "سيبني." "مش هسيبك." "أنا مش عايزة حد معايا." "حتى أنا؟" نظرت إليه والدموع في عينيها. "خصوصًا إنت." تألم من كلامها، لكنه لم يغضب. "تمام." توقفت. "تمام إيه؟" "هفضل بعيد." "ليه؟" "عشان إنتِ طلبتي." سكتت. ثم قالت بصوت مكسور: "أنا آسفة." اقترب خطوة. "ما تعتذريش." "أنا خايفة." "عارف." "كل حاجة أعرفها عن نفسي ممكن تطلع كذبة." "بس إحساسك مش كذبة." نظرت إليه. "يعني؟" "يعني حتى لو كل حاجة اتغيرت... إنتِ لسه سلمى." ابتسمت وسط دموعها. "إنت ساعات بتقول كلام حلو." "ساعات؟" "ما تتعودش." ضحك. "حاضر." سكتا قليلًا. ثم قال: "بس في حاجة واحدة مش هتتغير." "إيه؟" "أنا." نظرت إليه. "أنا مش فاهم كل حاجة، ومش عارف النهاية هتبقى إيه، بس أنا مش هبعد." هذه المرة لم تجبه. فقط اقتربت منه وأسندت رأسها على كتفه. ظل ساكتًا. ثم قال بمزاح خفيف: "ده معناه إنك سامحتيني؟" "ما تتكلمش." "حاضر." "ومتتحركش." "حاضر." ابتسم. لكن لحظة الهدوء لم تستمر. وصل إلى هاتف ياسين إشعار. نظر إليه. تغير وجهه. سألته سلمى: "في إيه؟" ناولها الهاتف. كانت رسالة من رقم مجهول: "أنت قربت منها زيادة يا ياسين." ثم وصلت صورة لهما الآن. سلمى رفعت رأسها بسرعة. "كان في حد بيصورنا." نظر ياسين حوله. "أيوه." وصلت رسالة ثانية: "لو عايز تعرف الحقيقة كاملة، ابعد عنها قبل الساعة 12." ثم رسالة ثالثة: "لأن اللي هتكتشفه بعدها مش هتقدر تتعامل معاه." قالت سلمى: "هو عايزك تبعد عني." "واضح." "هتعمل إيه؟" نظر إليها. "ولا حاجة." "يعني؟" "مش هبعد." ابتسمت رغم خوفها. "كنت عارفة." قال: "بس عندي سؤال." "إيه؟" "إنتِ لسه خايفة مني؟" فكرت لحظة. ثم قالت: "لأ." "طب مني؟" "منك؟ لأ." "من إيه؟" نظرت إلى الطريق المظلم أمامهما. "من إنك تختفي زي باقي الناس." صمت ياسين. ثم أمسك يدها. "أنا مش أمي." رفعت عينيها إليه. "ومش هختفي." --- في نفس الوقت، كانت هدى في منزلها تقف أمام صندوق خشبي قديم. فتحت القفل. أخرجت منه شهادة ميلاد وصورة ورسالة. جلست على الأرض وهي تبكي. قالت لنفسها: "كنت عارفة إن اليوم ده هييجي." ثم فتحت الرسالة. كان مكتوبًا فيها: "لو سألت سلمى عن اسمها الحقيقي، قولي لها الحقيقة... لكن ما تقوليلهاش مين أبوها." وضعت يدها على فمها. ثم سمعت صوتًا خلفها. "لسه مخبية الأوراق؟" تجمدت. استدارت ببطء. كان والد سلمى واقفًا أمامها. قالت: "إنت رجعت؟" "أيوه." "وفؤاد؟" "عرف." شهقت. "عرف إن سلمى عرفت؟" "أيوه." ثم اقترب منها وقال: "ولازم نلحقها قبل ما هو يوصل لها." سألت بخوف: "وفين سلمى؟" قال: "مع ياسين." أغمضت عينيها. "يبقى إحنا اتأخرنا." وفي الخارج، كانت سيارة سوداء تتحرك ببطء في الشارع. وفي داخلها كان فؤاد ينظر إلى صورة سلمى، ثم يقول للرجل الجالس بجواره: "المرة دي مش هنخوفها." سأله الرجل: "هنعمل إيه؟" رفع فؤاد عينيه وقال: "هنخليها تعرف الحقيقة بنفسها." ثم ابتسم ابتسامة غامضة. "بس قبل ما تعرف مين أبوها... لازم تعرف مين أمها الحقيقية."الفصل السادس: اسمٌ آخر للحقيقة كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، وسلـمى جالسة في سيارة ياسين تحدق من النافذة دون أن ترى شيئًا مما يمر أمامها. الشوارع كانت هادئة، لكن رأسها لم يكن كذلك. كل كلمة قالها فؤاد كانت تدور داخل عقلها، وكلما حاولت ترتيب الأحداث، ظهرت أمامها علامة استفهام جديدة. لاحظ ياسين صمتها، فقال: "عايزة نرجع عند مريم؟" هزت رأسها. "لأ." "طب عندك مكان تاني؟" "البيت." نظر إليها بسرعة. "أبوك قال ما ترجعيش." "أنا لازم أشوف أمي." "سلمى..." "لازم." "ممكن تكون مش مستعدة." التفتت إليه وقالت: "وأنا مستعدة؟" لم يجد ما يقوله. أكملت: "من إمبارح وأنا بكتشف إن كل حاجة أعرفها ممكن تكون كذبة. عايزة أسمع منها، حتى لو الحقيقة هتوجعني." قال ياسين بهدوء: "تمام. هنروح." ثم أضاف: "بس أنا هفضل معاكي." ابتسمت بخفة. "كنت عارفة إنك هتقول كده." "طب كويس." "بس ما تدخلش." "ليه؟" "لأنها أمي." "حاضر." نظر إليها وقال: "بس لو حصل أي حاجة..." قاطعته: "هنده عليك." "اتفقنا." وصل الاثنان إلى المنزل، وكانت الأنوار مضاءة. استغربت سلمى؛ والدها لم يكن من عادته ترك الأنوار كلها مفتوحة في هذا الوقت. قالت: "استنى هنا." أمسك ياسين بذراعها برفق. "خلي بالك." "حاضر." دخلت. كان البيت هادئًا بشكل مخيف. "ماما؟" لا إجابة. "ماما!" جاء صوتها من الغرفة: "أنا هنا." دخلت سلمى فوجدت أمها جالسة على السرير، وأمامها صندوق خشبي مفتوح. توقفت عند الباب. نظرت هدى إليها، ثم إلى ياسين الواقف بعيدًا. "إنتي رجعتي." قالت سلمى: "عايزة الحقيقة." خفضت هدى عينيها. "عن إيه؟" "عن كل حاجة." "سلمى..." "مش هخرج من هنا غير لما أعرف." وقفت هدى ببطء. "مين قالك؟" "فؤاد." تغير وجهها. "قابلتيه؟" "أيوه." "قالك إيه؟" "قال إنك مش أمي الحقيقية." ساد صمت ثقيل. لم تنكر هدى. وهذا كان أسوأ من أي اعتراف. قالت سلمى بصوت ضعيف: "قولي إنه كذاب." ظلت هدى صامتة. "ماما..." امتلأت عينا هدى بالدموع. "أنا ربيتك." "أنا ما سألتش عن التربية!" صرخت سلمى، ثم خفضت صوتها وهي تبكي: "أنا بس عايزة أعرف... إنتِ أمي ولا لأ؟" اقتربت هدى منها، لكن سلمى تراجعت. قالت هدى: "أنا مش أمك اللي ولدتِك." أغمضت سلمى عينيها. كانت تعرف الإجابة، لكنها عندما سمعتها شعرت وكأن شيئًا داخلها انهار. "مين أمي؟" هزت هدى رأسها. "مش دلوقتي." "ليه؟" "لأنك مش مستعدة." ضحكت سلمى وسط دموعها. "أنا مستعدة من إمتى؟ من أول ما بدأتوا تخبوا عني؟" "أنا كنت بحميكي." "من مين؟" "من ناس ما تعرفيش عنهم حاجة." "وفؤاد؟" "فؤاد كان واحد منهم." "هو عايز مني إيه؟" هنا دخل ياسين الغرفة بعد أن سمع صوتها. قالت هدى فورًا: "إنت مين سمحلك تدخل؟" رد ياسين: "أنا آسف، بس صوتها..." قاطعته: "اطلع." سلمى تدخلت: "لا." نظرت إليها أمها. "سلمى." "خليه." جلس ياسين بعيدًا. قالت سلمى: "كملي." تنهدت هدى. "أمك اسمها ليلى." توقفت سلمى. "ليلى مين؟" "ليلى منصور." قال ياسين فجأة: "منصور؟" التفتت إليه. "تعرف الاسم؟" "أيوه." "إزاي؟" "ده اسم أمي." ساد الصمت. سلمى نظرت إلى هدى. "إنتِ تقصدي إن أمي الحقيقية هي..." لم تكمل. قالت هدى: "أم ياسين." تراجعت سلمى خطوة. نظر ياسين إليها وكأنه فقد القدرة على الكلام. قالت سلمى: "يعني... أنا بنت أم ياسين؟" أومأت هدى. "أيوه." ضحكت سلمى ضحكة قصيرة غير مصدقة. "يعني أنا وأنت..." نظرت إلى ياسين. هو أيضًا كان مصدومًا. "إخوات؟" لم تجب هدى. اقترب ياسين منها. "ماما؟" "ليلى كانت حامل قبل اختفائها." قال ياسين: "وأنا؟" "أنت ابنها." "وسلمى؟" "بنتها." ساد الصمت. شعرت سلمى أن الأرض اختفت من تحت قدميها. كل اللحظات التي قضتها مع ياسين، كل النظرات، كل المشاعر التي بدأت تتشكل بينهما، أصبحت فجأة مرعبة. نظرت إليه والدموع تنزل من عينيها. "إحنا..." لم تستطع إكمال الجملة. ياسين ابتعد عنها خطوة. "لا." قالت هدى: "اسمعوني." قال ياسين بغضب: "إنتِ بتقولي إيه؟" "الحقيقة مش كاملة." "يعني إيه مش كاملة؟" "ليلى كانت أم سلمى بالتبني." رفع ياسين رأسه بسرعة. "إيه؟" قالت هدى: "سلمى مش بنت ليلى." سكت الجميع. سلمى لم تفهم. "يعني إيه؟" أخرجت هدى شهادة الميلاد من الصندوق. "دي الحقيقة." أخذتها سلمى بيد مرتجفة. نظرت إلى الاسم. ثم تجمدت. كان اسم الأم مختلفًا تمامًا. لكن اسم الأب كان فارغًا. قالت: "ليه اسم الأب مش موجود؟" لم تجب هدى. اقترب ياسين وأخذ الورقة. ثم قال: "إنتِ كنتِ عارفة إن فيه أب." "أيوه." "مين؟" أغمضت هدى عينيها. "والد سلمى." شهقت سلمى. "أبويا؟" "أيوه." لم تستطع استيعاب شيء. "يبقى أنا بنت مين؟" نظرت هدى إليها، ثم قالت: "إنتِ بنت أبوكي... لكن أمك الحقيقية ماتت قبل ما تتولدي." سقطت دموع سلمى. "ومين هي؟" قبل أن تجيب هدى، دوى صوت زجاج يتحطم في الصالة. انتفض الجميع. قال ياسين: "مين هناك؟" أمسك يد سلمى. "خليكي ورايا." خرج إلى الصالة، لكن لم يجد أحدًا. على الأرض كانت هناك صورة قديمة. انحنى والتقطها. كانت صورة لرجل وامرأة. نظر إليها ثم اتسعت عيناه. قال: "سلمى..." اقتربت. "إيه؟" رفع الصورة. "ده أبوكي." نظرت إلى الرجل. ثم إلى المرأة الواقفة بجواره. لم تعرفها. لكن خلف الصورة كانت جملة مكتوبة: "لو عايزة تعرفي أمك الحقيقية... اسألي الرجل اللي كنتِ فاكرة إنه أبوكي." وفي الخارج، كانت السيارة السوداء قد توقفت أمام المنزل. أما فؤاد، فكان يراقب النوافذ من بعيد، ويبتسم. قال للرجل بجواره: "دلوقتي بدأت اللعبة بجد." ثم أخرج هاتفه واتصل برقم مجهول. "خليهم يعرفوا إننا وصلنا." سأله الرجل: "والموعد؟" أجاب فؤاد: "بكرة." ثم نظر إلى منزل سلمى. "بكرة هتعرف مين أبوها الحقيقي... ومين قتل أمها." الفصل السادس: اسمٌ آخر للحقيقة كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، وسلـمى جالسة في سيارة ياسين تحدق من النافذة دون أن ترى شيئًا مما يمر أمامها. الشوارع كانت هادئة، لكن رأسها لم يكن كذلك. كل كلمة قالها فؤاد كانت تدور داخل عقلها، وكلما حاولت ترتيب الأحداث، ظهرت أمامها علامة استفهام جديدة. لاحظ ياسين صمتها، فقال: "عايزة نرجع عند مريم؟" هزت رأسها. "لأ." "طب عندك مكان تاني؟" "البيت." نظر إليها بسرعة. "أبوك قال ما ترجعيش." "أنا لازم أشوف أمي." "سلمى..." "لازم." "ممكن تكون مش مستعدة." التفتت إليه وقالت: "وأنا مستعدة؟" لم يجد ما يقوله. أكملت: "من إمبارح وأنا بكتشف إن كل حاجة أعرفها ممكن تكون كذبة. عايزة أسمع منها، حتى لو الحقيقة هتوجعني." قال ياسين بهدوء: "تمام. هنروح." ثم أضاف: "بس أنا هفضل معاكي." ابتسمت بخفة. "كنت عارفة إنك هتقول كده." "طب كويس." "بس ما تدخلش." "ليه؟" "لأنها أمي." "حاضر." نظر إليها وقال: "بس لو حصل أي حاجة..." قاطعته: "هنده عليك." "اتفقنا." وصل الاثنان إلى المنزل، وكانت الأنوار مضاءة. استغربت سلمى؛ والدها لم يكن من عادته ترك الأنوار كلها مفتوحة في هذا الوقت. قالت: "استنى هنا." أمسك ياسين بذراعها برفق. "خلي بالك." "حاضر." دخلت. كان البيت هادئًا بشكل مخيف. "ماما؟" لا إجابة. "ماما!" جاء صوتها من الغرفة: "أنا هنا." دخلت سلمى فوجدت أمها جالسة على السرير، وأمامها صندوق خشبي مفتوح. توقفت عند الباب. نظرت هدى إليها، ثم إلى ياسين الواقف بعيدًا. "إنتي رجعتي." قالت سلمى: "عايزة الحقيقة." خفضت هدى عينيها. "عن إيه؟" "عن كل حاجة." "سلمى..." "مش هخرج من هنا غير لما أعرف." وقفت هدى ببطء. "مين قالك؟" "فؤاد." تغير وجهها. "قابلتيه؟" "أيوه." "قالك إيه؟" "قال إنك مش أمي الحقيقية." ساد صمت ثقيل. لم تنكر هدى. وهذا كان أسوأ من أي اعتراف. قالت سلمى بصوت ضعيف: "قولي إنه كذاب." ظلت هدى صامتة. "ماما..." امتلأت عينا هدى بالدموع. "أنا ربيتك." "أنا ما سألتش عن التربية!" صرخت سلمى، ثم خفضت صوتها وهي تبكي: "أنا بس عايزة أعرف... إنتِ أمي ولا لأ؟" اقتربت هدى منها، لكن سلمى تراجعت. قالت هدى: "أنا مش أمك اللي ولدتِك." أغمضت سلمى عينيها. كانت تعرف الإجابة، لكنها عندما سمعتها شعرت وكأن شيئًا داخلها انهار. "مين أمي؟" هزت هدى رأسها. "مش دلوقتي." "ليه؟" "لأنك مش مستعدة." ضحكت سلمى وسط دموعها. "أنا مستعدة من إمتى؟ من أول ما بدأتوا تخبوا عني؟" "أنا كنت بحميكي." "من مين؟" "من ناس ما تعرفيش عنهم حاجة." "وفؤاد؟" "فؤاد كان واحد منهم." "هو عايز مني إيه؟" هنا دخل ياسين الغرفة بعد أن سمع صوتها. قالت هدى فورًا: "إنت مين سمحلك تدخل؟" رد ياسين: "أنا آسف، بس صوتها..." قاطعته: "اطلع." سلمى تدخلت: "لا." نظرت إليها أمها. "سلمى." "خليه." جلس ياسين بعيدًا. قالت سلمى: "كملي." تنهدت هدى. "أمك اسمها ليلى." توقفت سلمى. "ليلى مين؟" "ليلى منصور." قال ياسين فجأة: "منصور؟" التفتت إليه. "تعرف الاسم؟" "أيوه." "إزاي؟" "ده اسم أمي." ساد الصمت. سلمى نظرت إلى هدى. "إنتِ تقصدي إن أمي الحقيقية هي..." لم تكمل. قالت هدى: "أم ياسين." تراجعت سلمى خطوة. نظر ياسين إليها وكأنه فقد القدرة على الكلام. قالت سلمى: "يعني... أنا بنت أم ياسين؟" أومأت هدى. "أيوه." ضحكت سلمى ضحكة قصيرة غير مصدقة. "يعني أنا وأنت..." نظرت إلى ياسين. هو أيضًا كان مصدومًا. "إخوات؟" لم تجب هدى. اقترب ياسين منها. "ماما؟" "ليلى كانت حامل قبل اختفائها." قال ياسين: "وأنا؟" "أنت ابنها." "وسلمى؟" "بنتها." ساد الصمت. شعرت سلمى أن الأرض اختفت من تحت قدميها. كل اللحظات التي قضتها مع ياسين، كل النظرات، كل المشاعر التي بدأت تتشكل بينهما، أصبحت فجأة مرعبة. نظرت إليه والدموع تنزل من عينيها. "إحنا..." لم تستطع إكمال الجملة. ياسين ابتعد عنها خطوة. "لا." قالت هدى: "اسمعوني." قال ياسين بغضب: "إنتِ بتقولي إيه؟" "الحقيقة مش كاملة." "يعني إيه مش كاملة؟" "ليلى كانت أم سلمى بالتبني." رفع ياسين رأسه بسرعة. "إيه؟" قالت هدى: "سلمى مش بنت ليلى." سكت الجميع. سلمى لم تفهم. "يعني إيه؟" أخرجت هدى شهادة الميلاد من الصندوق. "دي الحقيقة." أخذتها سلمى بيد مرتجفة. نظرت إلى الاسم. ثم تجمدت. كان اسم الأم مختلفًا تمامًا. لكن اسم الأب كان فارغًا. قالت: "ليه اسم الأب مش موجود؟" لم تجب هدى. اقترب ياسين وأخذ الورقة. ثم قال: "إنتِ كنتِ عارفة إن فيه أب." "أيوه." "مين؟" أغمضت هدى عينيها. "والد سلمى." شهقت سلمى. "أبويا؟" "أيوه." لم تستطع استيعاب شيء. "يبقى أنا بنت مين؟" نظرت هدى إليها، ثم قالت: "إنتِ بنت أبوكي... لكن أمك الحقيقية ماتت قبل ما تتولدي." سقطت دموع سلمى. "ومين هي؟" قبل أن تجيب هدى، دوى صوت زجاج يتحطم في الصالة. انتفض الجميع. قال ياسين: "مين هناك؟" أمسك يد سلمى. "خليكي ورايا." خرج إلى الصالة، لكن لم يجد أحدًا. على الأرض كانت هناك صورة قديمة. انحنى والتقطها. كانت صورة لرجل وامرأة. نظر إليها ثم اتسعت عيناه. قال: "سلمى..." اقتربت. "إيه؟" رفع الصورة. "ده أبوكي." نظرت إلى الرجل. ثم إلى المرأة الواقفة بجواره. لم تعرفها. لكن خلف الصورة كانت جملة مكتوبة: "لو عايزة تعرفي أمك الحقيقية... اسألي الرجل اللي كنتِ فاكرة إنه أبوكي." وفي الخارج، كانت السيارة السوداء قد توقفت أمام المنزل. أما فؤاد، فكان يراقب النوافذ من بعيد، ويبتسم. قال للرجل بجواره: "دلوقتي بدأت اللعبة بجد." ثم أخرج هاتفه واتصل برقم مجهول. "خليهم يعرفوا إننا وصلنا." سأله الرجل: "والموعد؟" أجاب فؤاد: "بكرة." ثم نظر إلى منزل سلمى. "بكرة هتعرف مين أبوها الحقيقي... ومين قتل أمها."الفصل السابع: الحقيقة التي قلبت كل شيء ظلت سلمى واقفة في منتصف الصالة، والصورة بين يديها ترتجف. كانت تنظر إلى الرجل الموجود فيها وكأنها تحاول أن تستخرج من ملامحه إجابة عن كل السنوات التي عاشتها دون أن تعرف حقيقتها. قالت بصوت مبحوح: "ده أبويا؟" هزت هدى رأسها. "أيوه." رفعت سلمى الصورة أكثر. "طب مين الست دي؟" لم تجب هدى. التفتت إليها سلمى بعصبية: "ماما، أنا تعبت من السكوت! كل مرة أسأل سؤال تقولي بعدين، ولما ييجي بعدين ألاقي عشرة أسئلة جداد!" قال ياسين بهدوء: "خلّيها تتكلم." نظرت إليه سلمى، فوجدت في عينيه شيئًا مختلفًا. لم يعد الغضب موجودًا، بل كان هناك ارتباك وقلق واضحان. قالت هدى: "الست دي اسمها ليلى." تجمد ياسين. "ليلى؟" أومأت. "أمي؟" "أيوه." نظر ياسين إلى الصورة مرة أخرى. "يعني سلمى مش أختي؟" هزت هدى رأسها بسرعة. "لا." أغمض ياسين عينيه وكأنه استعاد أنفاسه التي حبسها منذ دقائق. أما سلمى، فبقيت تنظر إليه. قالت بخوف: "يعني... مفيش بينا صلة؟" أجابتها هدى: "مفيش." ساد الصمت. لم تنتبه سلمى إلا وهي تمسح دموعها، بينما ابتعد ياسين قليلًا وأخذ نفسًا عميقًا. قالت هدى: "ليلى كانت صاحبة عمرك تقريبًا وقتها، وكانت مرتبطة بأبوك." "مرتبطة؟" "أيوه." "وأنا؟" "إنتِ بنتهم." سلمى شعرت بأن الكلمات تثقل على صدرها. "طب ليه ربيتيني؟" نظرت هدى إليها بحزن. "لأن ليلى ماتت بعد ولادتك بفترة قصيرة، وأبوك كان في حالة سيئة جدًا. وقتها حصلت مشكلة كبيرة، واضطرينا نخبي وجودك." "ليه؟" "عشان فؤاد." رفع ياسين رأسه. "هو كان عايز إيه منها؟" قالت هدى: "فلوس... وانتقام." "من مين؟" "من أبوك." سلمى قالت: "بس فؤاد قال إن أم ياسين كانت بتخاف منه." "كانت بتخاف عليه هو." صمت الجميع. أكملت هدى: "ليلى اكتشفت إن فؤاد كان بيستخدم اسم أبوك في شغل مش قانوني، ولما حاولت تفضحه، بدأ يهددها." قال ياسين: "وأمي اختفت." "أيوه." "وإنتِ قلتي إنها ماتت." "لأننا وجدنا عربيتها، لكن ما لقيناش جثتها." سأل ياسين: "يعني ممكن تكون..." هزت هدى رأسها. "ما نعرفش." التفتت سلمى إلى الصورة. "طب أنا إزاي بقيت معاكم؟" قالت هدى: "أبوك طلب مني أخبيكي. كان مقتنع إن فؤاد لو عرف إن ليلى خلفت طفلة، هيستخدمك عشان يضغط عليه." "وعشان كده اسمي اتغير؟" "أيوه." "وكنتِ بتكدبي عليا كل السنين دي؟" نزلت دموع هدى. "كنت بخاف عليكي." سلمى ظلت صامتة. كانت غاضبة منها، لكنها في الوقت نفسه لم تستطع أن تكرهها. فقد كانت المرأة التي حملتها وربتها ووقفت بجوارها في كل مرض وخوف وفرح. قالت سلمى: "أنا مش عارفة أزعل منك ولا أحضنك." اقتربت هدى منها. "اعملي الاتنين." ارتمت سلمى في حضنها وبكت. وبعيدًا عنهما، كان ياسين واقفًا ينظر إليهما في صمت. بعد دقائق، خرج إلى الشرفة. لحقت به سلمى. وقفا بجوار بعضهما دون كلام. قالت أخيرًا: "كنت فاكرة إننا إخوات." ابتسم ياسين ابتسامة صغيرة. "وأنا أول مرة في حياتي أخاف بالشكل ده." "أنا كمان." سكتت لحظة، ثم قالت: "بس فيه حاجة غريبة." "إيه؟" "لما عرفت إننا مش إخوات... حسيت براحة." نظر إليها. "وأنا كمان." رفعت عينيها إليه، ثم ضحكت رغم دموعها. "إنت غبي." "ليه؟" "عشان بتقولها بصراحة." "أنتِ اللي سألتي." "كان المفروض تكذب." "ما اتفقناش إننا ما نكدبش على بعض؟" ابتسمت. "اتفقنا." اقترب خطوة. "يبقى أنا هقولك حاجة تانية." "إيه؟" "أنا من أول يوم شفتك فيه وأنا مش قادر أبعد عيني عنك." سكتت سلمى. "بس كنت مستفز." "كنتِ مستفزة." "وكنت بتتخانق معايا." "وأنتِ كنتِ بتستفزيني." "يعني كنا بنحب بعض وإحنا بنتخانق؟" ابتسم. "يمكن." خفضت عينيها بخجل. لكن قبل أن يقول أي شيء آخر، رن هاتفه. كان والده. أجاب بسرعة. "بابا؟" لم يسمع سوى صمت. "بابا، رد." جاء صوت ضعيف من الطرف الآخر: "ياسين..." "إنت فين؟" "اسمعني كويس." "أنا سامعك." "ما تثقش في فؤاد." "عرفنا." "لأ... أنت مش فاهم." سعل الرجل. "فؤاد مش لوحده." تغير وجه ياسين. "مين معاه؟" جاء الرد: "واحد منكم." ثم انقطع الاتصال. نظر ياسين إلى سلمى. "إيه؟" قال ببطء: "أبويا قال إن فؤاد مش لوحده." "مين معاه؟" "واحد منكم." نظرت إلى داخل البيت. كانت أمها ووالدها في الصالة. قالت: "واحد مننا يعني مين؟" لم يجب. فجأة سمعا صوتًا من الداخل. صوت والد سلمى. "إنتوا لازم تخرجوا من هنا." دخلا بسرعة. كان والدها واقفًا أمام الباب، وفي يده مفتاح السيارة. قالت سلمى: "إنت كنت فين؟" "مش مهم." "لأ، مهم." نظر إليها. "سلمى، لازم تمشي مع ياسين دلوقتي." "ليه؟" "لأنهم وصلوا." قال ياسين: "مين؟" وقبل أن يرد، انطفأت أنوار المنزل مرة أخرى. لكن هذه المرة لم يكن هناك صوت باب. بل سمعوا صوت سيارة تتوقف أمام البيت. اقترب والد سلمى من النافذة ونظر بحذر. تغير وجهه. "اتأخرنا." قال ياسين: "فؤاد؟" هز رأسه. "أخطر." سألت سلمى: "مين؟" التفت والدها إليها. "الشخص اللي كان بيساعد فؤاد من البداية." "مين؟" صمت. ثم قال: "عمك." اتسعت عيناها. "عمي؟" "أيوه." وقبل أن تستوعب كلامه، سُمع طرق هادئ على الباب. ثلاث طرق فقط. ثم جاء صوت رجل من الخارج: "افتح يا سامح... أنا عارف إنكم جوه." تجمد الجميع. قال ياسين: "عمي؟" اقترب من الباب. لكن والده أمسك بذراعه. "ماتفتحش." جاء صوت الرجل مرة أخرى: "أنا مش جاي أؤذي حد." ابتسم والد سلمى بمرارة. "دي نفس الجملة اللي قالها فؤاد." ثم نظر إلى ياسين وسلمى وقال: "والحقيقة إن الشخص اللي بره مش عايز يقتلكم." سألته سلمى بخوف: "أمال عايز إيه؟" نظر إليها. "عايز ياخدك." وفي اللحظة نفسها، تحطم زجاج النافذة. صرخت سلمى، وسحبها ياسين نحوه بسرعة. انطلقت سيارة مسرعة من أمام المنزل. ساد الصمت لثوانٍ. ثم وجد ياسين ورقة صغيرة على الأرض. فتحها. قرأها، وتغير وجهه. قالت سلمى: "مكتوب إيه؟" رفع عينيه إليها. "الموعد اتقدم." "لإمتى؟" "الليلة." "وفين؟" نظر إلى والدها. لكن والدها كان قد أصبح شاحب الوجه. قال: "في المكان اللي بدأت فيه الحكاية." سألت سلمى: "فين؟" أجابها: "بيت ليلى القديم." ثم أضاف بصوت منخفض: "ولو وصل فؤاد قبلكم... مش هتكون الحقيقة هي الحاجة الوحيدة اللي هتخسروها." الفصل السابع: الحقيقة التي قلبت كل شيء ظلت سلمى واقفة في منتصف الصالة، والصورة بين يديها ترتجف. كانت تنظر إلى الرجل الموجود فيها وكأنها تحاول أن تستخرج من ملامحه إجابة عن كل السنوات التي عاشتها دون أن تعرف حقيقتها. قالت بصوت مبحوح: "ده أبويا؟" هزت هدى رأسها. "أيوه." رفعت سلمى الصورة أكثر. "طب مين الست دي؟" لم تجب هدى. التفتت إليها سلمى بعصبية: "ماما، أنا تعبت من السكوت! كل مرة أسأل سؤال تقولي بعدين، ولما ييجي بعدين ألاقي عشرة أسئلة جداد!" قال ياسين بهدوء: "خلّيها تتكلم." نظرت إليه سلمى، فوجدت في عينيه شيئًا مختلفًا. لم يعد الغضب موجودًا، بل كان هناك ارتباك وقلق واضحان. قالت هدى: "الست دي اسمها ليلى." تجمد ياسين. "ليلى؟" أومأت. "أمي؟" "أيوه." نظر ياسين إلى الصورة مرة أخرى. "يعني سلمى مش أختي؟" هزت هدى رأسها بسرعة. "لا." أغمض ياسين عينيه وكأنه استعاد أنفاسه التي حبسها منذ دقائق. أما سلمى، فبقيت تنظر إليه. قالت بخوف: "يعني... مفيش بينا صلة؟" أجابتها هدى: "مفيش." ساد الصمت. لم تنتبه سلمى إلا وهي تمسح دموعها، بينما ابتعد ياسين قليلًا وأخذ نفسًا عميقًا. قالت هدى: "ليلى كانت صاحبة عمرك تقريبًا وقتها، وكانت مرتبطة بأبوك." "مرتبطة؟" "أيوه." "وأنا؟" "إنتِ بنتهم." سلمى شعرت بأن الكلمات تثقل على صدرها. "طب ليه ربيتيني؟" نظرت هدى إليها بحزن. "لأن ليلى ماتت بعد ولادتك بفترة قصيرة، وأبوك كان في حالة سيئة جدًا. وقتها حصلت مشكلة كبيرة، واضطرينا نخبي وجودك." "ليه؟" "عشان فؤاد." رفع ياسين رأسه. "هو كان عايز إيه منها؟" قالت هدى: "فلوس... وانتقام." "من مين؟" "من أبوك." سلمى قالت: "بس فؤاد قال إن أم ياسين كانت بتخاف منه." "كانت بتخاف عليه هو." صمت الجميع. أكملت هدى: "ليلى اكتشفت إن فؤاد كان بيستخدم اسم أبوك في شغل مش قانوني، ولما حاولت تفضحه، بدأ يهددها." قال ياسين: "وأمي اختفت." "أيوه." "وإنتِ قلتي إنها ماتت." "لأننا وجدنا عربيتها، لكن ما لقيناش جثتها." سأل ياسين: "يعني ممكن تكون..." هزت هدى رأسها. "ما نعرفش." التفتت سلمى إلى الصورة. "طب أنا إزاي بقيت معاكم؟" قالت هدى: "أبوك طلب مني أخبيكي. كان مقتنع إن فؤاد لو عرف إن ليلى خلفت طفلة، هيستخدمك عشان يضغط عليه." "وعشان كده اسمي اتغير؟" "أيوه." "وكنتِ بتكدبي عليا كل السنين دي؟" نزلت دموع هدى. "كنت بخاف عليكي." سلمى ظلت صامتة. كانت غاضبة منها، لكنها في الوقت نفسه لم تستطع أن تكرهها. فقد كانت المرأة التي حملتها وربتها ووقفت بجوارها في كل مرض وخوف وفرح. قالت سلمى: "أنا مش عارفة أزعل منك ولا أحضنك." اقتربت هدى منها. "اعملي الاتنين." ارتمت سلمى في حضنها وبكت. وبعيدًا عنهما، كان ياسين واقفًا ينظر إليهما في صمت. بعد دقائق، خرج إلى الشرفة. لحقت به سلمى. وقفا بجوار بعضهما دون كلام. قالت أخيرًا: "كنت فاكرة إننا إخوات." ابتسم ياسين ابتسامة صغيرة. "وأنا أول مرة في حياتي أخاف بالشكل ده." "أنا كمان." سكتت لحظة، ثم قالت: "بس فيه حاجة غريبة." "إيه؟" "لما عرفت إننا مش إخوات... حسيت براحة." نظر إليها. "وأنا كمان." رفعت عينيها إليه، ثم ضحكت رغم دموعها. "إنت غبي." "ليه؟" "عشان بتقولها بصراحة." "أنتِ اللي سألتي." "كان المفروض تكذب." "ما اتفقناش إننا ما نكدبش على بعض؟" ابتسمت. "اتفقنا." اقترب خطوة. "يبقى أنا هقولك حاجة تانية." "إيه؟" "أنا من أول يوم شفتك فيه وأنا مش قادر أبعد عيني عنك." سكتت سلمى. "بس كنت مستفز." "كنتِ مستفزة." "وكنت بتتخانق معايا." "وأنتِ كنتِ بتستفزيني." "يعني كنا بنحب بعض وإحنا بنتخانق؟" ابتسم. "يمكن." خفضت عينيها بخجل. لكن قبل أن يقول أي شيء آخر، رن هاتفه. كان والده. أجاب بسرعة. "بابا؟" لم يسمع سوى صمت. "بابا، رد." جاء صوت ضعيف من الطرف الآخر: "ياسين..." "إنت فين؟" "اسمعني كويس." "أنا سامعك." "ما تثقش في فؤاد." "عرفنا." "لأ... أنت مش فاهم." سعل الرجل. "فؤاد مش لوحده." تغير وجه ياسين. "مين معاه؟" جاء الرد: "واحد منكم." ثم انقطع الاتصال. نظر ياسين إلى سلمى. "إيه؟" قال ببطء: "أبويا قال إن فؤاد مش لوحده." "مين معاه؟" "واحد منكم." نظرت إلى داخل البيت. كانت أمها ووالدها في الصالة. قالت: "واحد مننا يعني مين؟" لم يجب. فجأة سمعا صوتًا من الداخل. صوت والد سلمى. "إنتوا لازم تخرجوا من هنا." دخلا بسرعة. كان والدها واقفًا أمام الباب، وفي يده مفتاح السيارة. قالت سلمى: "إنت كنت فين؟" "مش مهم." "لأ، مهم." نظر إليها. "سلمى، لازم تمشي مع ياسين دلوقتي." "ليه؟" "لأنهم وصلوا." قال ياسين: "مين؟" وقبل أن يرد، انطفأت أنوار المنزل مرة أخرى. لكن هذه المرة لم يكن هناك صوت باب. بل سمعوا صوت سيارة تتوقف أمام البيت. اقترب والد سلمى من النافذة ونظر بحذر. تغير وجهه. "اتأخرنا." قال ياسين: "فؤاد؟" هز رأسه. "أخطر." سألت سلمى: "مين؟" التفت والدها إليها. "الشخص اللي كان بيساعد فؤاد من البداية." "مين؟" صمت. ثم قال: "عمك." اتسعت عيناها. "عمي؟" "أيوه." وقبل أن تستوعب كلامه، سُمع طرق هادئ على الباب. ثلاث طرق فقط. ثم جاء صوت رجل من الخارج: "افتح يا سامح... أنا عارف إنكم جوه." تجمد الجميع. قال ياسين: "عمي؟" اقترب من الباب. لكن والده أمسك بذراعه. "ماتفتحش." جاء صوت الرجل مرة أخرى: "أنا مش جاي أؤذي حد." ابتسم والد سلمى بمرارة. "دي نفس الجملة اللي قالها فؤاد." ثم نظر إلى ياسين وسلمى وقال: "والحقيقة إن الشخص اللي بره مش عايز يقتلكم." سألته سلمى بخوف: "أمال عايز إيه؟" نظر إليها. "عايز ياخدك." وفي اللحظة نفسها، تحطم زجاج النافذة. صرخت سلمى، وسحبها ياسين نحوه بسرعة. انطلقت سيارة مسرعة من أمام المنزل. ساد الصمت لثوانٍ. ثم وجد ياسين ورقة صغيرة على الأرض. فتحها. قرأها، وتغير وجهه. قالت سلمى: "مكتوب إيه؟" رفع عينيه إليها. "الموعد اتقدم." "لإمتى؟" "الليلة." "وفين؟" نظر إلى والدها. لكن والدها كان قد أصبح شاحب الوجه. قال: "في المكان اللي بدأت فيه الحكاية." سألت سلمى: "فين؟" أجابها: "بيت ليلى القديم." ثم أضاف بصوت منخفض: "ولو وصل فؤاد قبلكم... مش هتكون الحقيقة هي الحاجة الوحيدة اللي هتخسروها."الفصل الثامن: البيت الذي أخفى آخر أسراره لم تتحرك سلمى من مكانها بعد أن سمعت آخر جملة من والدها. كانت تنظر إليه وكأنها تنتظر أن يقول إن ما يحدث مجرد سوء تفاهم، لكن وجهه كان كافيًا ليؤكد أن الخطر هذه المرة حقيقي. قال ياسين: "بيت ليلى القديم فين؟" أجاب والد سلمى: "على أطراف المدينة." "هنروح." قالها ياسين دون تردد. اعترض والده فورًا: "لأ." التفت إليه ياسين بغضب: "أبويا لسه اتصل وقال إن فؤاد مش لوحده، وإنت عايزني أقعد هنا؟" "أنا عايزك تبعد عن الموضوع." "الموضوع بقى يخص سلمى." سكت الجميع. نظرت سلمى إليه، وشعرت بشيء يتغير داخلها كلما قال اسمها بهذه الطريقة؛ كأنه لم يعد مجرد شخص قابلته بالصدفة، بل أصبح الشخص الوحيد الذي تشعر بالأمان عندما تكون الدنيا كلها ضدها. قال والدها: "إنت مش فاهم." رد ياسين: "لا، أنا فاهم كويس. أنتم قضيتوا سنين بتخفوا الحقيقة، وكل ما حد يسأل تقولوا بعدين. دلوقتي بقى دوري أعرف." قالت هدى: "ياسين، الموضوع أخطر من اللي فاكره." "يبقى قولولي." صمتت. اقتربت سلمى من والدتها. "ماما، لو إحنا رايحين المكان ده عشان نعرف الحقيقة، يبقى لازم نروح." هزت هدى رأسها بسرعة. "لأ." "ليه؟" "لأن فؤاد عايزك تروحي." "وإيه المشكلة؟" "المشكلة إنك مش عارفة هو عايزك هناك ليه." قالت سلمى: "يمكن عشان أعرف الحقيقة." "الحقيقة مش دايمًا تستاهل إنك تخاطري بحياتك." ردت سلمى: "وأنا طول عمري عايشة بنص حقيقة." ساد الصمت. نظر والدها إليها، ثم قال بهدوء: "هروح معاكم." رفع ياسين حاجبه. "أنت متأكد؟" "أيوه." "وماما؟" قالت هدى: "وأنا كمان." نظر ياسين إلى سلمى. "يبقى هنروح كلنا." --- بعد أقل من ساعة، كانت السيارات تتحرك في طريق طويل خارج المدينة. جلست سلمى بجوار ياسين في المقعد الخلفي، بينما جلس والدها ووالدتها في الأمام. كان الصمت يسيطر على السيارة، لكن سلمى لم تستطع السكوت طويلًا. قالت: "ياسين." "همم؟" "إنت زعلان؟" "من إيه؟" "من اللي حصل." نظر إليها. "زعلان من إيه تحديدًا؟" "إننا كنا فاكرين إننا إخوات." ابتسم بخفة. "بصراحة؟" "آه." "أنا أول ما عرفت حسيت إن قلبي وقف." ضحكت رغم توترها. "وأنا كمان." "بس لما عرفت الحقيقة..." "إيه؟" "حسيت إن الحياة رجعت تتنفس." خفضت عينيها. "وأنا." سكتا قليلًا. ثم قال: "بس فيه حاجة مضايقاني." "إيه؟" "إنك من وقت ما عرفتي الحقيقة وإنتِ بتبعدي عني." "مش قصدي." "عارف." "أنا بس كنت محتاجة أستوعب." "خدي وقتك." نظرت إليه. "ولو أخدت وقت طويل؟" ابتسم. "هستنى." "ولو تعبت؟" "هستنى." "ولو اتخانقنا؟" "هنتخانق." ضحكت. "ولو زعلتك؟" "هزعلك أنا الأول." ضربته بخفة في كتفه. "مستفز." أمسك يدها للحظة ثم تركها. "بس إنتِ بتحبيني كده." نظرت إليه. "يمكن." "يمكن؟" "ما تكبرش دماغك." ابتسم، ثم عاد ينظر للطريق. في المقعد الأمامي، كانت هدى تستمع إلى الحوار دون أن تتدخل. لكنها نظرت إلى زوجها وقالت بصوت خافت: "شايف؟" قال: "شايف." "إنت عارف إن ده ممكن يصعب الموضوع." "عارف." "لو فؤاد عرف..." قاطعها: "مش هخليه يوصل لهم." لكن سلمى سمعت الجملة. سألت: "لو فؤاد عرف إيه؟" صمت والدها. قال ياسين: "واضح إن فيه حاجة تانية." قالت سلمى: "أنا تعبت من الجملة دي." تنهد والدها. "هتعرفي لما نوصل." "لا." التفتت إليه من الخلف. "هعرف دلوقتي." ظل صامتًا. قالت هدى: "خليها تعرف." نظر إليها زوجها باستغراب. "هدى..." "كفاية." ثم التفتت إلى سلمى. "فيه حاجة ما قلناهاش لك." شعرت سلمى بالتوتر. "إيه؟" قالت هدى: "أمك الحقيقية ما ماتتش." تجمدت سلمى. "إيه؟" ياسين التفت بسرعة. "إنتِ بتقولي إيه؟" أكملت هدى: "إحنا كنا فاكرين إنها ماتت. لكن قبل سنوات وصلتنا رسالة." قالت سلمى: "منها؟" "أيوه." "يعني أمي عايشة؟" "ما نعرفش." "إزاي؟" "الرسالة كانت قصيرة. قالت إنها بخير، وإنها لو رجعت، فده معناه إن فؤاد انتهى." قال ياسين: "ليه ما قلتوليش؟" رد والد سلمى: "لأننا ما كناش متأكدين إنها فعلًا ليلى." سألت سلمى: "طب الرسالة فين؟" أخرجت هدى ورقة صغيرة من حقيبتها. ناولتها لها. قرأت سلمى الكلمات أكثر من مرة. "لو وصلتي لابنتي، قولي لها إنني لم أتركها بإرادتي." بدأت دموعها تنزل. قالت: "هي كانت عارفة إني موجودة." "أيوه." "وما رجعتش؟" لم يجب أحد. قال ياسين: "يمكن كانت بتحاول تحميكي." نظرت إليه. "زي ما ماما عملت؟" "يمكن." "أنا تعبت من إن كل الناس تحميني من الحقيقة." أمسك ياسين يدها. "المرة دي هنواجهها سوا." --- بعد ساعة، توقفت السيارات أمام منزل قديم محاط بالأشجار. كان المكان مهجورًا، والنوافذ مغطاة بطبقة من التراب، لكن رغم ذلك كان هناك ضوء ضعيف يظهر من الطابق العلوي. قال ياسين: "في حد جوه." والد سلمى قال: "مستحيل." "أنا شايف النور." خرج الجميع من السيارات. قال والد سلمى: "أنا هدخل الأول." لكن ياسين أمسك ذراعه. "لأ. أنا هدخل." "إنت ابني." "وعشان كده مش هخليك تدخل لوحدك." ابتسم والده رغم التوتر. "عنيد." "وراثة." قالت سلمى: "وأنا؟" نظر إليها ياسين. "إنتِ هتفضلي جنبي." "دي أول مرة تقول حاجة عاقلة." دخلوا المنزل. كان الهواء باردًا بشكل غير طبيعي. في الصالة، كانت هناك صور قديمة معلقة على الجدران. اقتربت سلمى من إحدى الصور. كانت أمها. لكنها بدت أصغر سنًا. وبجانبها رجل لم تعرفه. قالت: "مين ده؟" اقترب والدها. تغير وجهه. "ده..." "مين؟" "أخوها." قال ياسين: "فؤاد؟" هز رأسه. "لأ." سلمى نظرت إليه. "أمال مين؟" قبل أن يجيب، جاء صوت من أعلى الدرج: "أنا." رفع الجميع رؤوسهم. ظهرت امرأة تقف في الظلام. تقدمت خطوة. ثم خطوة أخرى. توقفت عند آخر درجة. كانت في الخمسينات تقريبًا، وملامحها متعبة، لكن عينيها كانتا مألوفتين بشكل غريب. نظرت إلى سلمى. ولم تقل شيئًا. أما سلمى فشعرت بقلبها يتوقف. قالت هدى بصوت مرتجف: "ليلى." تراجعت سلمى خطوة. ياسين همس: "أمي..." نزلت المرأة ببطء. كانت الدموع في عينيها. نظرت إلى ياسين أولًا. "كبرت." لم يستطع الرد. ثم نظرت إلى سلمى. اقتربت منها. "إنتِ سلمى." هزت سلمى رأسها. "إنتِ أمي؟" أغمضت ليلى عينيها، ثم فتحتها والدموع تنزل. "أيوه." لم تتحرك سلمى. كانت تتوقع أن تشعر بالفرح. لكنها شعرت بالغضب. قالت: "فين كنتِ؟" بكت ليلى. "كنت بحاول أرجعلك." "سنين؟" "أيوه." "وليه ما رجعتيش؟" "لأنهم كانوا هيموتوكي." "مين؟" نظرت ليلى خلفها. "فؤاد." قال ياسين: "هو لسه عايش." "عارفة." "وعايز إيه؟" قالت ليلى: "عايز ينتقم من أبوكي." سأل والد سلمى: "فين فؤاد؟" ليلى لم تجب. قالت سلمى: "إنتِ كنتِ بتستخبي هنا؟" "أيوه." "مين كان بيساعدك؟" نظرت ليلى إلى زوج سلمى. "هو." سلمى التفتت إلى والدها. "إنت كنت عارف إنها عايشة؟" قال: "عرفت من فترة." "وكنت ساكت؟" "كنت بحميكم." صرخت: "كل واحد بيقول نفس الجملة!" وقبل أن يكمل أحد، دوى صوت تصفيق من خلفهم. مرة. ثم مرة ثانية. ثم ضحكة باردة. استدار الجميع. كان فؤاد واقفًا عند الباب. "برافو." تجمدت ليلى. قال فؤاد: "لمّيتوا العيلة كلها أخيرًا." تقدم ياسين أمام سلمى. "إنت مش هتقرب منها." ضحك فؤاد. "لسه بتعمل نفسك بطل؟" "ومش هبطل." نظر فؤاد إلى ليلى. "كنتِ عارفة إن اليوم ده هييجي." قالت ليلى: "ومش خايفة منك." "كاذبة." ثم أخرج هاتفه. ضغط على الشاشة. فجأة رن هاتف والد سلمى. نظر إلى الشاشة. كان الرقم مسجلًا باسم "أبو سلمى". استغربت سلمى. "بابا، مين بيتصل؟" لم يجب. نظر الجميع إليه. رد. جاء صوت من الطرف الآخر: "لو عايز بنتك تفضل عايشة، سلّم الأوراق." تغير وجهه. قال: "الأوراق مش معايا." ضحك الصوت. "يبقى سلمى هتدفع الثمن." صرخت سلمى: "مين ده؟" أغلق والدها الهاتف. لكن فؤاد قال بهدوء: "دلوقتي فهمتي؟" سألته سلمى: "إيه؟" ابتسم. "إن مشكلتك مش معايا." ثم نظر إلى والدها. "مشكلتك مع الشخص اللي طول عمرك كنتِ بتناديه بابا." تجمدت سلمى. "إنت بتتكلم عن أبويا؟" قال فؤاد: "اسأليه عن سبب اختفاء أمك." التفتت سلمى إلى والدها. "بابا؟" لم يرد. "قولي إنه كذاب." ظل صامتًا. بدأت دموعها تنزل. "بابا!" وأخيرًا قال بصوت مكسور: "أنا السبب." سقطت الكلمات كالصاعقة. حتى ليلى أغمضت عينيها. أما ياسين، فنظر إلى والد سلمى ثم إلى سلمى، وكأنه فهم أن الحقيقة التي يبحثون عنها منذ البداية لم تكن مجرد قصة عن فؤاد. كانت أكبر بكثير. قال والدها: "أنا السبب في اختفاء أمك." تراجعت سلمى. لكن قبل أن تسأله كيف، انطفأت الأنوار مرة أخرى. وعندما عادت بعد ثوانٍ، كان فؤاد قد اختفى. وعلى الطاولة أمامهم كانت هناك ورقة واحدة. أمسكها ياسين وقرأ: "الحقيقة الأولى عرفتوها... دلوقتي دور الحقيقة اللي بعدها: مين قتل ليلى؟" رفع ياسين عينيه ببطء. لكن ليلى كانت قد انهارت على الأرض. قالت بصوت ضعيف: "أنا عارفة." اقتربت منها سلمى. "مين؟" رفعت ليلى عينيها إليها. ثم نظرت إلى والد سلمى. وقالت: "أبوكِ... مش هو القاتل." سكتت لحظة. ثم أضافت: "لكن الشخص اللي قتلني... كان أقرب شخص ليا."الفصل التاسع: أقرب شخص لم تتحرك سلمى. كانت الكلمات الأخيرة التي قالتها ليلى ما زالت معلقة في الهواء: "الشخص اللي قتلني... كان أقرب شخص ليا." نظرت سلمى إلى والدها، ثم إلى ليلى، ثم إلى ياسين. كان الجميع صامتًا. قالت سلمى أخيرًا: "يعني إيه قتلِك؟" ليلى لم تجب. اقتربت منها سلمى أكثر. "ماما، بصيلي." رفعت ليلى عينيها إليها. "أنا مش فاهمة." قالت ليلى بصوت متعب: "لأن في حاجات لو عرفتيها كلها مرة واحدة، هتكرهي كل الناس." "أنا أصلًا مش عارفة أثق في مين." تدخل والدها: "سلمى..." استدارت إليه. "أنت بالذات ما تتكلمش." سكت. قالت وهي تحاول منع دموعها: "طول عمري كنت فاكرة إنك أكتر شخص أقدر أثق فيه." اقترب خطوة. "وأنا طول عمري كنت بحاول أحميكي." "من أمي؟" هز رأسه. "لأ." "من مين؟" لم يجب. قالت ليلى: "من الحقيقة." ضحكت سلمى بمرارة. "الحقيقة بقت شخص عندكم ولا إيه؟ كل ما أسأل عنها تقولولي احذري منها." قال ياسين: "سلمى، اهدي." التفتت إليه. "إنت كمان متقوليش اهدي." توقف. اقترب منها وقال بهدوء: "مش هقولك اهدي. هقولك خدي نفس." نظرت إليه لحظات. ثم أخذت نفسًا طويلًا. "أحسن." ابتسم ابتسامة صغيرة. "أهو." قالت: "ما تبتسمش." "حاضر." "أنت مستفز." "عارف." رغم كل شيء، خرجت منها ضحكة صغيرة. لكنها اختفت بسرعة عندما تذكرت الموقف. قالت ليلى: "الشخص اللي حاول يقتلني كان حد قريب مني جدًا." سأل ياسين: "مين؟" "أخويا." تجمدت سلمى. "فؤاد؟" هزت ليلى رأسها. "لا." نظر الجميع إلى بعضهم. قالت سلمى: "إنتِ عندك أخ تاني؟" أجابت ليلى: "كان عندي." قال والد سلمى: "اسمه عادل." ياسين قال: "عادل؟" "أيوه." "فينه؟" لم يجب والد سلمى. قالت ليلى: "مات." سألته سلمى: "إزاي؟" قالت ليلى: "مات في حادثة." لكن صوتها لم يكن مقنعًا. لاحظ ياسين ذلك. "إنتِ مش مصدقة إنه مات." نظرت إليه. "لأنني أنا اللي شفته آخر مرة." سألها: "يعني؟" "عادل ما ماتش." صمت الجميع. قالت سلمى: "طب فين؟" ليلى نظرت ناحية النافذة. "من سنين وأنا بدور عليه." "وفؤاد؟" "فؤاد كان عايزني أصدق إنه مات." قال والد سلمى: "عشان كان عارف إن عادل هو اللي ورا كل حاجة." سلمى عقدت حاجبيها. "ورا إيه؟" قال والدها: "ورا تهديدات فؤاد، وورا اختفاء ليلى." التفتت إليه ليلى. "سامح..." قال: "لازم تعرف." ثم نظر إلى سلمى. "عادل كان شريك فؤاد." شهقت سلمى. "يعني عمك كان معاهم؟" "أيوه." "وإنت كنت تعرف؟" "كنت بشك." "بس ما قلتليش." "كنت خايف." "منهم؟" "عليكي." رفعت سلمى يديها بعجز. "أنا مش فاهمة حاجة." قال ياسين: "إحنا محتاجين نرتب كل حاجة من الأول." نظر إليه والده. "مافيش وقت." "يبقى لازم نعرف." اقترب ياسين من سلمى. "تعالي." "فين؟" "نطلع فوق." قالت: "ليه؟" "عايز أكلمك بعيد عنهم." نظرت إلى والدتها. ثم تبعته. --- جلسا في غرفة صغيرة بالطابق العلوي. كان المكان مليئًا بصناديق قديمة. قالت سلمى: "حاسّة إن دماغي هتنفجر." جلس ياسين أمامها. "أنا كمان." "بس إنت عندك على الأقل أمك ظهرت." ابتسم بحزن. "لسه مش مستوعب." "خايف؟" "أيوه." "من إيه؟" "من إن أمي تختفي تاني." نظرت إليه. "مش هتختفي." "إنتِ متأكدة؟" "لأ." ابتسم. "طب ليه قلتيها؟" "عشان لو فضلت أقولك كل حاجة ممكنة، هنفضل خايفين." سكت لحظة. ثم قال: "إنتِ لما بتكوني خايفة بتتكلمي كتير." "وأنت لما بتخاف بتسكت." "صحيح." "يبقى أنا أفضل." "واضح." ضحكت. ثم سكتت. قالت: "ياسين." "همم؟" "اللي حصل بينا..." "إيه؟" "أنت لسه شايفني زي الأول؟" نظر إليها طويلًا. "أكتر." ارتبكت. "ليه؟" "عشان دلوقتي عرفت إنك مش مجرد البنت اللي كانت بتخانقني." ابتسمت. "وأنا كنت فاكرة إنك مجرد شخص مستفز." "وأنا؟" "لسه مستفز." ضحك. "بس؟" سكتت. ثم قالت: "بس بقيت بخاف عليك." تغيرت ملامحه. "وأنا بخاف عليكي." سكتا. كانت المسافة بينهما قريبة، لكن لا أحد منهما قال شيئًا. ثم جاء صوت مريم من أسفل الدرج: "سلمى!" انتفضت سلمى. "مريم؟" خرجت من الغرفة بسرعة. وجدتها تقف عند الباب وهي تلهث. قالت: "أنا اتصلت بيكي عشرين مرة!" "إنتِ جيتي هنا إزاي؟" "أبوكِ اتصل بيا وقال لي أجيلكم." نظرت مريم حولها. "هو إيه المكان ده؟" قال ياسين: "بيت أمي القديم." نظرت إليه. "أمك؟" "أيوه." نظرت إلى سلمى. "استني... يعني هي ظهرت؟" أومأت سلمى. "أيوه." اقتربت مريم منها. "إنتِ كويسة؟" احتضنتها سلمى. "مش عارفة." ربتت مريم على ظهرها. "خلاص، طول ما أنا هنا مش هسيبك." قال ياسين: "وده بالضبط اللي كان ناقص." نظرت إليه مريم. "إنت ما تتكلمش." ضحكت سلمى لأول مرة من قلبها منذ ساعات. لكن فجأة ظهر والد سلمى عند باب الغرفة. "مريم، لازم تمشي." "ليه؟" "المكان مش آمن." قالت مريم: "مش هسيبها." قال ياسين: "مش هتروح لوحدها." ثم التفت إلى سلمى. "كلنا هنفضل مع بعض." وقبل أن تكمل مريم، سمعوا صوت سيارة بالخارج. توقف الجميع. قال والد سلمى: "اطفوا الأنوار." أطفأ ياسين المصباح. توجه الجميع إلى النافذة. كانت سيارة سوداء تقف أمام المنزل. نزل منها رجل. لم يظهر وجهه. قالت مريم بصوت منخفض: "ده فؤاد؟" قال ياسين: "مش عارف." اقترب الرجل من الباب. ثم توقف. رفع يده وطرق ثلاث طرق. تراجعت سلمى. قال ياسين: "خليكي ورايا." جاء صوت الرجل: "سامح." تغير وجه والد سلمى. "عادل." شهقت ليلى من خلفهم. "مستحيل." قال الصوت: "افتح." تراجعت ليلى خطوة. قالت سلمى: "ده أخوكي؟" لم تجب. قال والدها: "ماتفتحش." لكن الرجل في الخارج ضحك. "لسه زي ما أنت يا سامح." قال ياسين: "إنت عادل فعلًا؟" جاء الرد: "اسأل أمك." التفت ياسين إلى ليلى. كانت شاحبة. قالت: "أيوه." تقدم ياسين نحو الباب. أمسكه والده. "ماتعملش حاجة." "ده خالي." "وممكن يكون أخطر واحد فينا." قالت سلمى: "طيب ليه جه؟" قبل أن يجيب أحد، وصل إلى هاتف سلمى إشعار. رسالة من رقم مجهول: "ما تفتحيش الباب." ثم وصلت ثانية: "عادل مش هو الشخص اللي لازم تخافي منه." ثم ثالثة: "دوري على الرجل اللي واقف جنبك." رفعت سلمى عينيها ببطء. كان ياسين بجوارها. نظرت إليه. قال: "في إيه؟" لم تجب. لاحظ تغير وجهها. "سلمى؟" أغلقت الهاتف. "ولا حاجة." لكنه عرف أنها تخفي شيئًا. قال بهدوء: "إنتِ مش بتعرفي تكذبي." ابتسمت بتوتر. "وأنت بتعرف؟" "لأ." ثم أضاف: "وعشان كده لازم تقولي." لكن قبل أن ترد، انفتح الباب فجأة. دخل رجل طويل. تراجعت سلمى. رفع الرجل وجهه. كان يشبه ليلى بشكل واضح. قال: "أنا عادل." اقتربت ليلى منه. "كنت فاكرة إنك مت." ابتسم. "كنتِ عايزة تصدقي كده." "إنت اللي خليتني أصدق." "كان لازم." قال ياسين بغضب: "ليه؟" نظر إليه عادل. "عشان أحميك." "تحميني من إيه؟" "من الحقيقة." سلمى همست: "الجملة دي بقت بتكرهني." نظر إليها عادل. "إنتِ سلمى." "أيوه." تأمل وجهها طويلًا. ثم قال: "أبوكِ ما قالكيش كل حاجة." قالت: "عارفة." "ولا أمك." "عارفة." "ولا ياسين." التفتت إليه. "ياسين؟" قال عادل: "لأنه ما يعرفش." نظر ياسين إليه بحدة. "إنت بتتكلم عن إيه؟" اقترب عادل. "أمك ما اختفتش عشان فؤاد." تجمد الجميع. "أمال؟" قال عادل: "اختفت لأنها اكتشفت إن أبوكي كان بيخدعها." نظر ياسين إلى والده. "بابا؟" لم يرد. صرخ ياسين: "قول حاجة!" ظل والده صامتًا. قال عادل: "والأسوأ..." ثم نظر إلى سلمى. "إن أمك كانت فاكرة إن أبوكي هو اللي قتلها." سلمى شهقت. "إيه؟" اقتربت ليلى. "أنا ما قلتش كده." قال عادل: "لكن ده اللي حصل." ثم أخرج صورة قديمة من جيبه. وضعها أمامهم. كانت صورة تجمع والد سلمى بامرأة مجهولة. قال عادل: "دي المرأة اللي كانت السبب في كل اللي حصل." سألت سلمى: "مين دي؟" نظر عادل إليها. وقال: "أخت فؤاد." ثم أضاف: "وأم الشخص اللي بيدور عليكي من أول يوم." ساد الصمت. سألت سلمى: "مين الشخص ده؟" لكن عادل لم يجب. فجأة سُمع صوت هاتف يرن. كان هاتف والد سلمى. نظر إلى الشاشة. ثم تغير وجهه تمامًا. قال ياسين: "مين؟" رفع الهاتف بيد مرتجفة. ظهرت على الشاشة صورة سلمى. وتحتها رسالة واحدة: "لو عايزها تفضل عايشة، ابعتلي ليلى." رفعت سلمى رأسها. "مين اللي بعتها؟" والدها لم يجب. لكن عادل قال بهدوء: "دلوقتي بدأت أفهم." سأله ياسين: "تفهم إيه؟" نظر عادل إلى سلمى. "اللي بنهرب منه من سنين... لحقنا." ثم أضاف: "واللي بعت الرسالة دي مش فؤاد." قالت سلمى: "أمال مين؟" رفع عادل عينيه إليها. "ابن فؤاد." وفي اللحظة نفسها، وصلتها رسالة جديدة: "أخيرًا عرفتي إني موجود." وتحتها صورة حديثة لياسين. لكن المفاجأة لم تكن في الصورة. كانت في الشخص الواقف خلفه. رجل يراقبه من بعيد. وتحت الصورة كُتبت جملة واحدة: "المرة الجاية مش هراقبه... هخليه يختفي."الفصل العاشر: حين أصبح ياسين هو الهدف ظلّت سلمى تحدّق في الصورة الموجودة على هاتفها، وكأن عقلها يرفض تصديق ما تراه. كان ياسين واقفًا في الصورة أمام الجامعة، يضحك مع أحد أصدقائه، لكن خلفه كان هناك رجل يراقبه من بعيد. رفعت عينيها إليه. "ياسين..." التفت لها فورًا. "إيه؟" ناولته الهاتف. قرأ الرسالة، ثم نظر إلى الصورة. اختفت الابتسامة من وجهه. قال عادل: "قلت لكم إن الموضوع أكبر من فؤاد." اقترب ياسين منه. "إنت تعرف مين ده؟" "لأ." "يبقى ليه بتتكلم كأنك فاهم؟" "لأن الشخص اللي بيبعت الرسائل دي عايزنا نتصرف بعصبية." قالت مريم: "يعني إيه؟" أجاب عادل: "عايز كل واحد فينا يشك في التاني." سلمى نظرت إلى ياسين. "بس هو قال إنه هيخليك تختفي." قال ياسين: "وده بالضبط اللي عايزه." "إزاي؟" "لو خفتِ عليا، هتعملي أي حاجة عشان تحميني." تجمدت. "وأنت؟" "أنا مش هعمل حاجة." "يعني إيه؟" ابتسم. "هخليه هو اللي يخاف." قال عادل: "دي مش لعبة يا ياسين." رد ياسين: "أنا عارف." "إنت مش عارف هو مين." "وأنت مش عارف." "بس أنا عارف إن الشخص ده مستعد يعمل أي حاجة." تدخلت سلمى: "خلاص." نظر الجميع إليها. "إحنا كل شوية بنختلف مين أخطر من مين، وفي الآخر محدش بيقول الحقيقة كاملة." قالت وهي تنظر إلى عادل: "إنت قلت إنك عارف حاجات." "أيوه." "يبقى اتكلم." تنهد عادل. "قبل اختفاء ليلى بفترة، كانت بتحاول تجمع أدلة ضد فؤاد." قالت ليلى: "كنت بحاول أوقفه." "وفؤاد ما كانش لوحده." قال ياسين: "عرفنا." "لأ. مش عارفين كل حاجة." جلس عادل على الكرسي. "فؤاد كان عنده شريك." سألته سلمى: "مين؟" "أبوكِ." ساد الصمت. التفتت سلمى إلى والدها. "بابا؟" قال والدها: "اسمعيني." "لا، المرة دي أنا اللي هسمع." جلس والدها. "أنا فعلًا كنت شريكه." توقفت أنفاسها. "في إيه؟" "في شركة." "الشركة اللي كنتوا بتتكلموا عنها؟" "أيوه." "وإيه اللي حصل؟" قال والدها: "فؤاد كان بيزوّر حسابات، وأنا اكتشفت." قال عادل: "وما بلغتش عنه." "كنت خايف." "فؤاد هددك." "أيوه." سألت سلمى: "وأمي؟" قالت ليلى: "أنا اللي اكتشفت." نظرت إليها سلمى. "يعني أنتِ وأبويا كنتوا تعرفوا بعض قبل ما أتولد؟" "أيوه." "وكان بينكم علاقة؟" ساد صمت طويل. قال والدها: "أيوه." سلمى أغمضت عينيها. "وعشان كده أنا اتولدت؟" هز رأسه. "أيوه." "طب ليه اتقال لي إن أمي ماتت؟" قالت ليلى: "لأنني اختفيت." "بس إنتِ كنتِ عايشة." "كنت بحاول أرجعلك." "ليه ما رجعتيش؟" بكت ليلى. "لأنني كنت مقتنعة إن رجوعي هيعرضك للخطر." "ومين كان معاكِ؟" نظرت ليلى إلى عادل. "هو." التفت الجميع إليه. قال ياسين: "خالي كان بيحميك؟" "أيوه." عادل قال: "كنت بحاول أبعد فؤاد عنها." "وبعدين؟" "حصلت خيانة." سألته سلمى: "من مين؟" صمت. قالت: "عادل." نظر إليها. "مين خانها؟" قال: "شخص كانت تثق فيه." "مين؟" نظر إلى والد سلمى. ثم قال: "سامح." شهقت سلمى. والدها لم يدافع عن نفسه. قالت: "إنت خنتها؟" "لا." "عادل قال كده." "لأني اضطريت أختفي." قالت ليلى: "سامح ما خاننيش." نظر الجميع إليها. أكملت: "هو كان بيحاول يحميني." سألت سلمى: "طب ليه عادل قال كده؟" نظر عادل إلى أخته. "لأنك ما كنتيش عارفة كل حاجة." "إيه اللي ما كنتش عارفاه؟" قال عادل: "فؤاد كان عنده شخص داخل بيت سامح." توقفت سلمى. "مين؟" قال عادل: "شخص كان بينقل له كل أخباركم." سألت مريم: "يعني جاسوس؟" "بالضبط." قالت سلمى: "مين؟" صمت. ثم قال عادل: "أنا." اتسعت عينا ياسين. "إنت؟" "أيوه." "كنت بتنقل له الأخبار؟" "كنت بعمل نفسي معاه." "ليه؟" "عشان أعرف هو بيخطط لإيه." قالت سلمى: "يعني كنت بتشتغل معاه من البداية؟" "ظاهريًا." "ومين صدقك؟" "فؤاد." قالت ليلى: "لكن في النهاية شك فيا." "وشك في عادل." قال والد سلمى: "وعشان كده حاول يقتل ليلى." سأل ياسين: "يعني فؤاد هو اللي حاول يقتلها؟" هز عادل رأسه. "أيوه." قالت سلمى: "بس أنت قلت إن الشخص اللي قتلها أقرب شخص ليها." "كنت أقصد إن فؤاد كان أقرب شخص لها وقتها." قالت ليلى: "فؤاد حاول يقتلني، لكنه فشل." "وبعدين؟" "هربت." سأل ياسين: "ومين ساعدك؟" "عادل." ثم نظرت إلى والد سلمى. "وسامح." ساد صمت آخر. بدأت سلمى تشعر أن كل قطعة من حياتها تتغير أمامها. قالت: "طيب الشخص اللي بيبعت الرسائل دلوقتي؟" عادل قال: "ده هو الخطر الحقيقي." "ابن فؤاد." "أيوه." "اسمه إيه؟" تردد عادل. ثم قال: "آدم." قال ياسين: "فينه؟" "مش عارف." قالت مريم: "طب إزاي نوصله؟" أجاب عادل: "هو اللي هيوصل لنا." --- بعد ساعات، قرروا العودة إلى المدينة. لكن هذه المرة لم يكن أحد يتحرك بمفرده. جلس ياسين بجوار سلمى في السيارة، بينما كانت مريم في الخلف مع ليلى. كانت سلمى صامتة. لاحظ ياسين ذلك. قال: "إنتِ بتفكري في إيه؟" "في كل حاجة." "ده خطر." "ليه؟" "عشان دماغك لما تشتغل زيادة بتعمل مصايب." ضحكت. "وأنت لما تتكلم بتعمل مصايب." "بس بتضحكي." "مش عشانك." "أكيد." نظرت إليه. "ياسين." "نعم؟" "الرسالة خوفتني." اختفت ابتسامته. "عارف." "مش على نفسي." "عارف." "عليك." نظر إليها. "أنا كويس." "ما تقولش كده." "ليه؟" "عشان كل اللي قالوا أنا كويس اختفوا بعدها." صمت. ثم مد يده وأمسك يدها. "بصيلي." نظرت إليه. "أنا مش هختفي." "وعد؟" "وعد." "ولو حصل لك حاجة؟" "هقولك قبلها." ضحكت رغم خوفها. "سخيف." "بس طمنيكي." "شوية." قال: "طيب." ثم أضاف بنبرة أكثر جدية: "ولو حصل لي أي حاجة، متروحيش ورايا." "مستحيل." "سلمى." "قلت مستحيل." "ده أمر." "وأنا ما بحبش الأوامر." ابتسم. "عارف." توقفت السيارة أمام منزل مريم. نزلت مريم وليلى. قبل أن تنزل سلمى، قال ياسين: "استني." التفتت. "إيه؟" "كنت عايز أقولك حاجة." "قول." تردد للحظة. ثم قال: "أنا..." رن هاتفه. نظر إلى الشاشة. رقم مجهول. أجاب. لم يسمع شيئًا. قال: "ألو؟" صمت. ثم جاء صوت رجل: "مساء الخير يا ياسين." تجمد. "مين؟" ضحك الرجل. "إنت عارف." نظر ياسين إلى سلمى. "آدم؟" "أخيرًا." قال ياسين: "إنت عايز إيه؟" "عايز حاجة بسيطة." "إيه؟" "سلمى." انتفضت سلمى. قال ياسين: "انسَ." "طيب." جاء الرد بهدوء. "خلاص، هاخدها منك." أغلق الخط. سألت سلمى: "قال إيه؟" لم يجب. "ياسين." "ولا حاجة." "إنت بتكدب." "مش دلوقتي." خرج من السيارة بسرعة. قالت: "استنى!" لكنه لم يتوقف. تبعتْه. "ياسين!" استدار. "ارجعي." "لأ." "سلمى، الموضوع بقى خطر." "ما أنا عارفة." "طيب ارجعي." "مش هسيبك." نظر إليها طويلًا. ثم قال بصوت منخفض: "إنتِ عارفة إنك أكتر حاجة ممكن يستخدمها ضدي؟" قالت: "وأنت عارف إنك أكتر شخص أنا مش هسيبه لوحده." سكت. ثم اقترب منها. "إنتِ عنيدة." "وأنت عارف." ابتسم. "عشان كده..." توقف. "عشان كده إيه؟" قال: "عشان كده أنا بحبك." تجمدت سلمى. لأول مرة لم تجد ردًا سريعًا. نظر إليها وهو ينتظر. قالت أخيرًا: "إنت اخترت الوقت ده تقولها؟" ضحك. "أيوه." "وإحنا مهددين؟" "أهو عشان لو حصل أي حاجة..." "متكملش." اقتربت منه. "مش هيحصل." قال: "متأكدة؟" "لأ." ثم ابتسمت. "بس أنا مصدقة." --- في صباح اليوم التالي، استيقظت سلمى على صوت طرق قوي على الباب. خرجت من غرفتها. كانت أمها واقفة في الصالة. "مين؟" لم تجب. تكرر الطرق. اقترب والدها من الباب. نظر من العين السحرية. ثم تراجع. قال: "مش هتصدقوا." ظهر ياسين من الغرفة الأخرى. "مين؟" قال والد سلمى: "آدم." تجمد الجميع. جاء صوت من الخارج: "أنا مش جاي أعمل مشكلة." قال ياسين: "إنت عايز إيه؟" "عايز أشوف سلمى." قال ياسين: "انسَ." ضحك آدم. "كنت عارف إنك هتقول كده." قالت سلمى: "عايزني أنا؟" صرخ ياسين: "سلمى، لأ!" لكنها اقتربت من الباب. "آدم." ساد صمت. ثم جاء صوته: "أخيرًا." قالت: "ليه أنا؟" "لأنك بنت الرجل اللي دمّر حياتنا." "مين؟" "أبوك." تراجعت. لكن آدم أكمل: "وأبوك مش الشخص الوحيد اللي مخبي عنك الحقيقة." نظرت سلمى إلى والدها. ثم سمعت آدم يقول: "اسأليه عن اللي حصل في الليلة اللي اختفت فيها أمك." قالت: "إيه اللي حصل؟" ضحك آدم. "هو هيقولك إن ليلى هربت." ثم أضاف: "لكن الحقيقة إنها كانت في العربية معاه." تجمد والد سلمى. صرخت سلمى: "بابا!" لم يجب. "بابا، ده حصل؟" خفض رأسه. "أيوه." شعرت أن قلبها سقط. "إنت كنت معاها؟" "أيوه." "وليه ما قلتليش؟" "لأن اللي حصل بعدها..." توقف. قالت سلمى: "إيه اللي حصل بعدها؟" جاء صوت آدم من الخارج: "أنا أقولك." اقترب ياسين من الباب. "اسكت." ضحك آدم. "اللي حصل إن العربية اتعرضت لحادث." شهقت ليلى. "كفاية!" توقف آدم. قالت ليلى بصوت مرتجف: "إنت ما كنتش موجود." "لكن أبوكي كان." نظرت سلمى إلى والدها. "بابا؟" قال بصوت مكسور: "أنا حاولت أنقذها." سألت سلمى: "وبعدين؟" "العربية انفجرت." "وأمي؟" "اختفت." قالت ليلى: "لأنني هربت قبل الانفجار." صمت الجميع. قال آدم: "ودي مش النهاية." ثم وصل إلى هاتف سلمى مقطع فيديو. فتحته. ظهر والدها في تسجيل قديم، وهو يتحدث مع رجل لم يظهر وجهه. كان يقول: "لو حصل لليلى حاجة، سلمى لازم تختفي." تجمدت. رفعت عينيها إلى والدها. "إنت كنت عايز تخفيني؟" قال: "كنت بحاول أحميكي." صرخت: "كفاية!" خرجت من البيت. ياسين لحق بها. "سلمى!" لم تتوقف. "سلمى، استني." التفتت إليه وهي تبكي. "أنا مش عارفة أثق في مين." اقترب منها. "ثقي فيا." "ولو أنت كمان بتكدب؟" صمت. ثم قال: "اسألي قلبي." ضحكت وسط دموعها. "القلب ما بيجاوبش." قال: "قلبي جاوب من زمان." ثم أمسك يدها. لكن في نهاية الشارع، توقفت سيارة سوداء. انفتح الباب. ونزل منها آدم للمرة الأولى. لم يكن رجلًا غامضًا كما توقعت. كان شابًا في عمر ياسين تقريبًا. وقف بعيدًا، ونظر إلى سلمى. ثم ابتسم. وقال: "أخيرًا قابلتك." نظر ياسين إليه. "ابعد عنها." آدم لم يهتم. قال لسلمى: "عندي حاجة تخص أمك." توقفت. "إيه؟" رفع هاتفه. ظهرت صورة امرأة تشبه ليلى. لكنها لم تكن ليلى. كانت امرأة أخرى. قال آدم: "دي أمك الحقيقية." تجمدت سلمى. ثم أضاف: "وليلى... كانت بتربيكي بس." نظر ياسين إلى الصورة، ثم إلى سلمى. أما آدم فقال بهدوء: "واللي قالولك إنهم أهلك طول السنين دي... كانوا بيحموا سر أكبر من فؤاد نفسه." ثم أرسل الصورة إلى هاتفها. وفي أسفلها كانت جملة واحدة: "اسألي أمك: مين البنت اللي ماتت مكانك؟"الفصل الحادي عشر: البنت التي ماتت بدلًا مني ظلت سلمى تحدق في الصورة على هاتفها، غير قادرة على استيعاب ما قاله آدم. كانت المرأة في الصورة تشبهها بطريقة جعلت قلبها يرتجف. نفس شكل العينين تقريبًا، ونفس الابتسامة الهادئة التي كانت سلمى تراها في المرآة أحيانًا. رفعت رأسها ببطء. "مين دي؟" آدم لم يجب. قال ياسين بحدة: "إنت بتلعب بيها." رد آدم بهدوء: "أنا الوحيد اللي بيقول لها الحقيقة." "أنت بتستخدم نص الحقيقة عشان تخوفها." ابتسم آدم. "وأنت بتستخدم مشاعرك عشان تمنعها من التفكير." نظرت سلمى إلى ياسين. "سيبه يتكلم." "سلمى..." "أنا محتاجة أعرف." اقترب آدم خطوة، لكن ياسين وقف أمام سلمى. "من هنا مش هتقرب." قال آدم: "أنا مش جاي آخدها." "أمال جاي ليه؟" "عشان أقول لها اللي أبوها وأمها رفضوا يقولوه." قالت سلمى: "إنت قلت إن دي أمي." "أيوه." "اسمها إيه؟" "مريم." تجمدت. "مريم؟" "مريم حسن." هزت سلمى رأسها. "أنا أول مرة أسمع الاسم ده." "طبيعي." "ليه؟" "لأنك اتولدت باسم مختلف." قال ياسين: "إنت عايز توصل لإيه؟" آدم نظر إليه. "عايزها تعرف إنها مش مجرد بنت ضاعت وسط مشكلة قديمة." ثم عاد بنظره إلى سلمى. "إنتِ مفتاح كل حاجة." سألت سلمى: "مفتاح لإيه؟" "لشيء الناس مستعدة تقتل عشانه." "إيه هو؟" "أوراق." ضحكت سلمى بمرارة. "كل ده عشان أوراق؟" "مش أوراق عادية." "أمال إيه؟" "دليل على كل حاجة حصلت." سألت: "فينها؟" "مع أمك." رفعت سلمى عينيها. "ليلى؟" هز آدم رأسه. "لأ." ثم نظر إلى البيت. "مع هدى." تجمدت سلمى. "ماما؟" "أيوه." قال ياسين: "لو كنت بتكدب..." قاطعه آدم: "اسألها." ثم استدار ليغادر. صرخت سلمى: "استنى!" توقف. "إنت ابن فؤاد فعلًا؟" التفت إليها. ابتسم ابتسامة غامضة. "أيوه." "ليه بتساعدني؟" اختفت ابتسامته. "أنا مش بساعدك." "أمال؟" "أنا بحاول أصلح حاجة أبويا بوّظها." ثم غادر. ظل ياسين ينظر خلفه. قالت سلمى: "نرجع." "مستعدة؟" "لأ." "وأنا كمان." "بس لازم." --- عندما دخلت سلمى المنزل، كانت هدى جالسة في الصالة. ما إن رأت وجه ابنتها حتى عرفت أن شيئًا حدث. قالت: "إنتِ قابلتيه." "آه." خفضت هدى عينيها. "قالك إيه؟" وضعت سلمى الهاتف أمامها. "قال إن دي أمي." نظرت هدى إلى الصورة. سقط الهاتف من يدها. تجمدت سلمى. "إنتِ تعرفيها." لم ترد. "ماما!" رفعت هدى عينيها. "أيوه." "مين هي؟" "مريم." "آدم قال اسمها." أغمضت هدى عينيها. "كنت عارفة إن اليوم ده هييجي." قال ياسين: "إحنا محتاجين نفهم." نظرت هدى إليه. "إنت لازم تعرف برضه." "أعرف إيه؟" قالت: "أم سلمى الحقيقية ماتت." سلمى شهقت. "بس آدم قال..." "آدم بيقول الحقيقة ونصفها." سأل ياسين: "يعني مين في الصورة؟" أجابت هدى: "دي أخت ليلى." تجمدت سلمى. "أختها؟" "أيوه." "ومين كانت أمي؟" نظرت هدى إليها. "مريم." "يعني مريم اللي في الصورة أخت ليلى؟" "لا." تنهدت هدى. "مريم كانت أمك." صمت الجميع. قالت سلمى: "طب ليه الصورة مش لليلى؟" "لأن مريم كانت بتخبيكي." "من مين؟" "من فؤاد." "وليه؟" "لأنها كانت عارفة إن فؤاد عايز الطفل." سأل ياسين: "ليه؟" قالت هدى: "لأن أبو سلمى كان عنده شيء فؤاد محتاجه." "الأوراق." "أيوه." قالت سلمى: "إيه الأوراق دي؟" هدى لم تجب. قالت سلمى بصوت مرتجف: "ماما، إنتِ قولتي إنك هتقوليلي الحقيقة." "وهقول." "يبقى قولي." تنهدت هدى. "قبل ولادتك بأيام، مريم اكتشفت إن فؤاد كان بيخفي مستندات تثبت جرائم كبيرة. أخدت نسخة منها." "فين النسخة؟" "كانت معاها." "وبعدين؟" "مريم ماتت." سألت سلمى: "إزاي؟" "حادث." تدخل ياسين: "نفس حادثة ليلى؟" هزت هدى رأسها. "لا." قالت سلمى: "طب إيه علاقة ليلى؟" "ليلى هي اللي أخذتك بعد موت مريم." سكتت سلمى. "ليه؟" "لأنها كانت أختها." رفعت سلمى رأسها. "يعني ليلى كانت خالتي؟" هزت هدى رأسها. "أيوه." وقفت سلمى مذهولة. "وأنا طول الوقت فاكرة إنها أمي." قالت ليلى من خلفها: "أنا كنت أتمنى أكون أمك." استدارت سلمى. كانت ليلى واقفة عند الباب. قالت: "لكن الحقيقة إن أمك كانت مريم." اقتربت سلمى منها. "إنتِ كنتِ عارفة؟" "أيوه." "وليه ما قلتيليش؟" "لأنني كنت خايفة." "من إيه؟" "إنك تكرهيها." "أكرهها ليه؟" "لأنها ماتت وهي بتحاول تحميكي." بدأت سلمى تبكي. "أنا حتى ما لحقتش أعرفها." اقتربت ليلى واحتضنتها. هذه المرة لم ترفض سلمى الحضن. بكت في صدرها. "أنا آسفة." قالت ليلى: "إنتِ مالكيش ذنب." "بس أنا طول عمري..." "عارفة." "كنت عايزة أعرف مين أنا." "دلوقتي عرفتي." رفعت سلمى رأسها. "لسه ناقص حاجة." "إيه؟" "مين أبويا الحقيقي؟" سكتت ليلى. نظر الجميع إلى سامح. قالت سلمى: "مش هو؟" قالت ليلى: "هو أبوكي." "طب ليه آدم قال..." قاطعتها هدى: "لأن آدم عايزك تشكي في كل اللي حواليكي." قال ياسين: "بس ليه؟" هنا تحدث سامح لأول مرة. "لأنه محتاج يعرف مكان الأوراق." قالت سلمى: "الأوراق اللي مع ماما؟" هز رأسه. "أيوه." "فينها؟" نظر سامح إلى هدى. قالت هدى: "أنا خبّيتها." شهقت سلمى. "إنتِ؟" "أيوه." "فين؟" صمتت هدى. ثم قالت: "في مكان محدش هيفكر يدور فيه." "فين؟" نظرت إلى سلمى. "في غرفتك." --- دخلت سلمى غرفتها بسرعة. كانت تنظر إلى كل شيء وكأنها تراه لأول مرة. قال ياسين: "إنتِ متأكدة إنك عايزة تدوري؟" "آه." بدأت تفتح الأدراج. كتب. دفاتر. صور قديمة. أشياء صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. قالت مريم: "استني." توقفت سلمى. "إيه؟" أشارت إلى صندوق قديم تحت السرير. "ده كان موجود هنا من زمان؟" هزت سلمى رأسها. "أيوه." فتحته. كان فارغًا تقريبًا. إلا من مفتاح صغير. قال ياسين: "مفتاح." أخذته سلمى. وجدت عليه رقمًا: 27 قالت: "يعني إيه؟" رد ياسين: "يمكن صندوق." قالت مريم: "أو خزنة." تذكرت سلمى شيئًا. "ماما كانت مرة بتقول إن عندها صندوق أمانات." نظر إليها ياسين. "فين؟" "في البنك." "عندك اسم البنك؟" "لأ." ثم توقفت. "استنى." فتحت هاتفها، وبدأت تبحث في الصور القديمة. بعد دقائق وجدت صورة لوالدها وهو يحمل ورقة. كبّرت الصورة. ظهر اسم البنك في أعلى الورقة. قالت: "لقيته." لكن قبل أن تتحرك، وصل إشعار إلى هاتف ياسين. رسالة من رقم مجهول: "لو فتحتوا الخزنة، هتعرفوا الحقيقة... لكن واحد منكم مش هيخرج." قالت مريم: "مين بعت؟" ياسين نظر إلى سلمى. "آدم." قالت: "إزاي عرف؟" لم يجب. ثم وصلت رسالة أخرى: "ومتتعبيش نفسك في السؤال... أنا شايفكم." رفع ياسين رأسه نحو النافذة. كانت الستارة تتحرك. اقترب منها بسرعة. فتحها. لم يجد أحدًا. لكن على زجاج النافذة كانت هناك علامة مرسومة بإصبعه من الخارج. دائرة يتوسطها رقم: 27 تراجعت سلمى. قالت: "كان هنا." قال ياسين: "أيوه." ثم نظر إليها. "لازم نتحرك." "دلوقتي؟" "دلوقتي." قالت مريم: "وأنا جاية." نظر إليها ياسين. "إنتِ مش مضطرة." ردت: "وأنا ما سألتش." ابتسمت سلمى. "دي مريم." قال ياسين: "واضح." خرج الثلاثة. لكن قبل أن تغلق سلمى باب غرفتها، التفتت ونظرت إلى المكان الذي عاشت فيه سنوات. ثم شعرت فجأة أن شيئًا ليس طبيعيًا. اقتربت من المرآة. كان هناك شيء مكتوب على طرفها بقلم خافت. مسحته بيدها. ظهرت جملة: "لو عايزة تعرفي الحقيقة عن أمك، اسألي ياسين عن اللي حصل في ليلة ميلادك." تجمدت. التفتت إليه. "ياسين." "نعم؟" لم تستطع الكلام. "إيه؟" أشارت إلى المرآة. قرأ الجملة. تغير وجهه. قالت: "إنت تعرف حاجة عن ليلة ميلادي؟" صمت. وهذه المرة كان صمته مختلفًا. اقتربت منه. "ياسين." نظر إليها. "أنا عارف حاجة." "إيه؟" "بس مش عارف إذا كانت حقيقة." "قول." تنهد. "في ليلة ميلادك... أبويا كان موجود." "فين؟" "في المستشفى." تجمدت. "مع مين؟" نظر إليها طويلًا. ثم قال: "مع أمك." "مريم؟" هز رأسه. "لأ." "ليلى؟" "أيوه." سكتت سلمى. ثم سألت بصوت منخفض: "طيب... ليه كانت ليلى في المستشفى يوم ولادتي؟" لم يجب. لأن هاتفه رن. كان رقمًا مجهولًا. أجاب. جاء صوت آدم: "أخيرًا بدأتوا تسألوا الأسئلة الصح." قال ياسين: "إنت كنت مستني نوصل للنقطة دي." "أيوه." "ليه؟" ضحك آدم. "لأن اللي حصل في ليلة ميلاد سلمى... هو السبب الحقيقي في موت أمي." ثم أغلق الهاتف. نظرت سلمى إلى ياسين. "أمه؟" قال: "آدم كان بيتكلم عن ليلى." "بس ليلى مش أمه." "بالنسبة له... كانت أمه." ساد الصمت. ثم أدركت سلمى شيئًا أخطر. "يعني آدم مش ابن فؤاد." رفع ياسين رأسه. قالت: "هو ابن ليلى." وفي اللحظة نفسها، وصلتها رسالة: "أخيرًا فهمتي." ثم رسالة ثانية: "دلوقتي تعالي لوحدك." ثم عنوان. كان عنوان البنك. وتحت العنوان: "قبل ما تفتحي الخزنة... لازم تعرفي ليه ليلى سرقتك من أمك." الفصل الثاني عشر: الخزنة رقم 27 ظلت سلمى واقفة أمام شاشة هاتفها، تحدق في العنوان الذي أرسله آدم. البنك الخزنة رقم 27. وآخر جملة لم تستطع إخراجها من رأسها: "لازم تعرفي ليه ليلى سرقتك من أمك." قال ياسين: "مش هتروحي." رفعت عينيها إليه. "ليه؟" "لأن الرسالة واضحة. عايزك تروحي لوحدك." "وأنا مش هروح لوحدي." "سلمى..." "هروح معاك." "هو قال لوحدك." ابتسمت رغم توترها. "وأنا عمري ما سمعت كلامك." "وده اللي مخليني عايز أجن." قالت مريم: "أنا كمان جاية." نظر إليها ياسين. "هو عايز يعزل سلمى." قالت مريم: "يبقى لازم ما نسمحلوش." خرجوا جميعًا من المنزل، لكن قبل أن يصلوا إلى السيارة، أوقفهم سامح. "استنوا." التفتت سلمى. "إيه؟" اقترب منها. "إنتِ لازم تسمعي مني قبل ما تدخلي البنك." "أنا سامعة." "اللي هتلاقيه هناك ممكن يغير كل حاجة." "كل حاجة اتغيرت أصلًا." سكت. ثم قال: "لو لقيتي مستندات باسم مريم، ما تمضيش على أي حاجة." "ليه؟" "لأن فؤاد كان بيستخدم مستندات قديمة عشان يثبت ملكية حاجات مش بتاعته." قال ياسين: "يعني ممكن تكون الخزنة فخ." "ممكن." سألت سلمى: "طب ليه أروح؟" قال سامح: "لأن لو الأوراق لسه موجودة، فهي الدليل الوحيد اللي ممكن ينهي الموضوع كله." --- وصلوا إلى البنك بعد نصف ساعة. كان المكان هادئًا بشكل غريب. دخلت سلمى وياسين ومريم. توجهوا إلى الموظف. قالت سلمى: "عندي صندوق أمانات رقم 27." راجع الموظف البيانات. ثم نظر إليها. "ممكن إثبات الشخصية؟" ناولته البطاقة. ظل يراجع الشاشة. ثم قال: "فيه ملاحظة." "إيه؟" "الصندوق ده مش باسمك." تجمدت. "أمال باسم مين؟" نظر إلى الشاشة. "مريم حسن." شعرت سلمى بقلبها يخفق. قال ياسين: "وهي والدتها." نظر الموظف إليه. "معاياش تصريح." أخرجت سلمى ورقة قديمة وجدتها في الصندوق. "دي كانت معاها." قرأها الموظف. ثم قال: "ممكن يكون ده كافي." بعد دقائق، فتح لهم الباب. كانت الخزنة صغيرة. رقمها واضح: 27 مدت سلمى يدها. لكنها توقفت. قال ياسين: "إنتِ كويسة؟" "مش عارفة." "لو مش عايزة..." "لأ." أدخلت المفتاح. سمعوا صوت القفل. انفتح الباب. كانت هناك ثلاثة أشياء فقط. صندوق خشبي صغير. مظروف أبيض. وشريط تسجيل قديم. قالت مريم: "شريط؟" رفع ياسين الشريط. "ده قديم جدًا." أخذت سلمى المظروف. كان مكتوبًا عليه بخط اليد: إلى سلمى... عندما تكبر. ارتجفت يدها. "دي أمي." فتحت المظروف. وجدت رسالة. بدأت تقرأ: "يا سلمى، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا ما قدرتش أكون جنبك." توقفت. لم تستطع إكمال القراءة. أخذ ياسين الرسالة منها. قالت: "اقرأ." بدأ: "مش عارفة هتكوني فاكراني ولا لأ، لكني عايزاكي تعرفي حاجة واحدة: أنا ما سبتكيش بإرادتي." نزلت دموع سلمى. تابع: "ليلى مش سارقتك مني. ليلى كانت بتحاول تنقذك. لو يومًا سمعتِ إنها أخذتك، ما تصدقيش. هي كانت أختي وصاحبة عمري، وأنا وثقت فيها أكتر من أي شخص." رفعت سلمى رأسها. "كمّل." قرأ: "اللي حصل ليلة ولادتك لم يكن حادثًا عاديًا. كان هناك شخص يريد قتلك قبل أن تولدي." شهقت مريم. "قتلي؟" قال ياسين: "كملي." "الشخص ده كان يعرف أن والدك يحتفظ بدليل يدينه. وكان يعتقد أنني أعرف مكان الدليل. لذلك استخدمني للوصول إليه." سأل ياسين: "مين الشخص؟" لم يكن الاسم في الرسالة. بل كانت جملة: "لو أردتِ معرفة اسمه، اسمعي الشريط." نظر الثلاثة إلى بعضهم. قال ياسين: "عندنا مسجل؟" قالت مريم: "هجيب." لكن صوتًا جاء من خلفهم: "مش محتاجين." استداروا. كان آدم واقفًا عند الباب. قال ياسين: "إنت بتعمل إيه هنا؟" "بكمل اللي بدأته." قالت سلمى: "إنت عارف مين اللي حاول يقتلني؟" "أيوه." "مين؟" نظر إليها. "فؤاد." "بس قلت إنك عايز تفضحه." "أنا عايز أفضحه، لكن مش هو وحده." قال ياسين: "إنت ابن ليلى." سكت آدم. قالت سلمى: "صح؟" نظر إليها طويلًا. ثم قال: "أيوه." تجمدت. "يعني ليلى كانت أمك؟" هز رأسه. "أيوه." قالت سلمى: "وأنا؟" "إنتِ بنت أختها." "يعني إحنا..." "أقارب." نظر ياسين إليه. "طب ليه ما قلتش من الأول؟" "لأنني ما كنتش متأكد." قالت سلمى: "متأكد من إيه؟" "إنك فعلًا سلمى." "إيه؟" اقترب آدم. "فيه طفلة تانية اتولدت في نفس الليلة." سكت الجميع. "طفلة؟" "أيوه." قال آدم: "والطفلة دي ماتت." تذكرت سلمى الجملة التي كتبها لها: "مين البنت اللي ماتت مكانك؟" قالت: "إيه علاقتها بيا؟" أجاب: "دي كانت أختك." سقطت الكلمات كالصاعقة. "أختي؟" "توأمك." لم تستطع سلمى الكلام. نظر ياسين إليها. "سلمى..." لكنها لم تسمعه. كانت تحدق في آدم. "أنا كان عندي أخت؟" "أيوه." "وماتت؟" "أيوه." "إزاي؟" قال آدم: "لأن اللي كانوا بيطاردوكم افتكروا إن هي إنتِ." جلست سلمى على الكرسي. "يعني..." لم تستطع إكمال الجملة. قال آدم: "ليلى أخذتك بعيدًا، وتركت أختك في مكان آمن." "طب مين قتلها؟" صمت. ثم قال: "الشخص اللي كان فاكر إنها إنتِ." "مين؟" أخرج هاتفه. فتح صورة. كانت لامرأة تقف بجوار فؤاد. قال: "دي أخت أبويا." قالت سلمى: "يعني عمتك؟" "أيوه." "هي اللي قتلت أختي؟" "أيوه." سأل ياسين: "ليه؟" قال آدم: "لأنها كانت فاكرة إن الطفلة معاها الدليل." قالت سلمى: "وأين الدليل؟" نظر آدم إلى الصندوق الخشبي. "جواه." فتحته سلمى. كان بداخله مفتاح آخر. وعليه رقم: 11 قال ياسين: "خزنة تانية." هز آدم رأسه. "أيوه." قالت سلمى: "فين؟" "مش هنا." "فين؟" ابتسم. "في مكان ما حدش يتوقعه." سألت: "إنت ليه بتساعدني؟" نظر إليها. "لأن أمي ماتت وهي بتحاول تحميكي." ثم أضاف: "ولأنني عايز الحقيقة تطلع." قال ياسين: "ولو الحقيقة أذتنا؟" أجابه آدم: "الحقيقة عمرها ما كانت آمنة." ثم استدار. قبل أن يغادر، توقف. وقال لسلمى: "متثقيش في أي حد." نظرت إليه. "حتى ياسين؟" تردد. ثم قال: "خصوصًا الشخص اللي بيحاول يحميكي." غادر. نظرت سلمى إلى ياسين. "إنت شايفه يقصدك؟" قال: "أكيد." "بس ليه؟" "عشان يخلينا نشك في بعض." سكتت. ثم قالت: "أنا مش هشك فيك." نظر إليها. "متأكدة؟" "أيوه." ابتسم. "كويس." لكن فجأة سقط الشريط من يد مريم. قالت: "لقيت جهاز تشغيل." وضعت الشريط. ضغطت الزر. صدر صوت تشويش. ثم جاء صوت امرأة. صوت مريم. "لو حد بيسمع التسجيل ده، يبقى أنا مت." تجمدت سلمى. "سلمى، لو إنتِ اللي بتسمعي، لازم تعرفي إن الشخص اللي قتل أختك مش هو الشخص اللي قتلني." اتسعت عيناها. "أنا عارفة إن ليلى هتحاول تحميكي. لكن ليلى مش عارفة كل حاجة." نظر ياسين إلى آدم. ثم عاد الصوت: "الشخص اللي قتلني كان قريب مني جدًا." توقفت لحظة. ثم قالت: "وكان آخر شخص أتوقع إنه يخونني." انقطع التسجيل. صرخت سلمى: "مين؟!" لكن الشريط لم يكمل. قال ياسين: "خلص." هزت سلمى رأسها. "لأ." ضغطت الزر مرة أخرى. لا شيء. قالت مريم: "يمكن فيه جزء تاني." وجد ياسين شيئًا أسفل الشريط. ورقة صغيرة. قرأها. ثم تغير وجهه. "إيه؟" قالت سلمى. لم يجب. أعطاها الورقة. كان مكتوبًا: "الحقيقة لن تجدها في البنك. ابحثي عن الرجل الذي حضر ولادتك." سألت سلمى: "مين كان موجود يوم ولادتي؟" نظر ياسين إليها. ثم قال: "أبويا." تجمدت. "يعني لازم نسأله." لكن قبل أن يغادروا، رن هاتف سلمى. رقم مجهول. أجابت. لم تسمع إلا صوتًا واحدًا: "لو عايزة تعرفي مين كان في غرفة ولادتك، تعالي للمستشفى القديمة." قالت: "مين؟" ضحك الصوت. "الشخص اللي كان ماسكك أول ما اتولدتي." ثم أغلق. نظرت سلمى إلى ياسين. "المستشفى." قال: "هنروح." "ولو فخ؟" ابتسم. "يبقى هنقع فيه سوا." نظرت إليه. "إنت ليه دايمًا بتقول حاجات تخوف؟" ضحك. "عشان إنتِ بتحبي الإثارة." "أنا؟" "أيوه." "وأنت؟" اقترب منها. "أنا بحب وجودك." ابتسمت رغم خوفها. لكن عندما خرجوا من البنك، لم يلاحظ أحد الرجل الذي كان يراقبهم من السيارة المقابلة. رفع هاتفه. وقال: "الخطة نجحت." جاءه صوت من الطرف الآخر: "والخزنة؟" أجاب: "فتحوا الأولى." "والثانية؟" "هيوصلوا لها بنفسهم." "وسلمى؟" ابتسم الرجل. "ماشية بالضبط زي ما إحنا عايزين." ثم أضاف: "بس في مشكلة." "إيه؟" نظر إلى ياسين. "هي بدأت تحب ياسين." جاء صوت بارد: "يبقى خلّيها تختار." "بين مين ومين؟" صمت الطرف الآخر لحظة. ثم قال: "بين ياسين... والحقيقة." وأغلق الخط. الفصل الثالث عشر: المستشفى القديمة لم يكن الطريق إلى المستشفى القديمة طويلًا، لكنه بدا لسلمى وكأنه أطول طريق سلكته في حياتها. كانت جالسة بجوار ياسين، تنظر من نافذة السيارة دون أن تتكلم. صورة المرأة التي قيل إنها أمها، الرسالة، الشريط، أختها التوأم التي لم تعرف بوجودها يومًا، والرجل الذي كان يراقبهم... كل شيء يدور في رأسها في وقت واحد. قال ياسين: "هتفضلي ساكتة كتير؟" "آه." "طيب." بعد دقيقة: "مش هتتكلمي؟" التفتت إليه. "إنت اللي سألت." ابتسم. "كنت بحاول أفتح كلام." "ما تفتحش." "حاضر." سكت قليلًا، ثم قال: "بس إنتِ لما بتزعلي بتبصي من الشباك بنفس الطريقة." "طريقة إيه؟" "كأنك بتتمني العربية تطير." ضحكت رغمًا عنها. "نفسي." "طب لو طارت؟" "هسيبك." "مش هينفع." "ليه؟" "أنا مربوط بيكي." نظرت إليه. "من إمتى؟" "من أول خناقة." "إنت كنت بتكرهني." "كنت بقول كده." "ودلوقتي؟" نظر إليها لحظة. "دلوقتي الموضوع أسوأ." رفعت حاجبها. "أسوأ؟" "أيوه." "ليه؟" "بقيت بخاف أخسرك." اختفت ابتسامتها. خفضت عينيها. "ياسين..." "همم؟" "أنا كمان." لم يقل شيئًا. لكن يده اقتربت من يدها، فترددت لحظة، ثم أمسكت بها. --- وصلوا إلى المستشفى القديمة. كان المبنى مهجورًا منذ سنوات، والنوافذ مكسورة، واللافتة القديمة بالكاد يمكن قراءة اسمها. توقف ياسين أمام الباب. "إنتِ متأكدة؟" قالت سلمى: "لأ." "ممتاز." "إيه؟" "لأن لو كنتِ متأكدة كنت هخاف." ابتسمت. "خايف؟" "عادي." "من إيه؟" "من المستشفيات المهجورة." "كداب." "أيوه." دخلوا. كان المكان مظلمًا إلا من ضوء القمر المتسلل عبر النوافذ. قالت سلمى: "المكان ده كان هنا من زمان؟" "أيوه." "وأنا اتولدت هنا؟" "حسب كلام أبي." مشيا في ممر طويل. فجأة توقفت سلمى. "استنى." "إيه؟" أشارت إلى باب قديم. كان مكتوبًا عليه: غرفة الولادة رقم 3 اقتربت منه. كان مقفولًا. قال ياسين: "المفتاح." "أي مفتاح؟" أخرجت المفتاح الذي وجدته في الخزنة. نظرت إليه. كان يحمل الرقم 11. "مش ده." قال ياسين: "جربي." أدخلته. استدار القفل. انفتح الباب. نظر الاثنان إلى بعضهما. "إزاي؟" "ما أعرفش." دخلت سلمى ببطء. كانت الغرفة خالية إلا من سرير قديم وخزانة صغيرة. اقتربت من السرير. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. قالت: "هنا؟" "يمكن." وضعت يدها على السرير. وفجأة لمحت شيئًا أسفل الخزانة. انحنت وأخرجت صندوقًا صغيرًا. قال ياسين: "إحنا بقينا بنلاقي صناديق كتير." فتحت الصندوق. كان بداخله دفتر قديم. قلبت صفحاته. وجدت أسماء وتواريخ. ثم توقفت. كان هناك سطر: "ليلى حسن — مولودتان." شهقت. "مولودتان." اقترب ياسين. قرأ السطر. "يعني التوأم فعلًا." وجدت تحت الاسم: الطفلة الأولى: سلمى. الطفلة الثانية: سارة. بدأت دموع سلمى تنزل. "اسمها سارة." قال ياسين بهدوء: "أختك." وضعت يدها على الصفحة. "كنت أتمنى أعرفها." "يمكن لو عرفنا اللي حصل..." "مش هترجع." "عارف." "بس عايزة أعرف." قلبت الصفحة. كان هناك شيء مكتوب بخط مختلف: "الطفلة الثانية لم تمت." رفعت سلمى رأسها بسرعة. "إيه؟" قرأ ياسين الجملة. "الطفلة الثانية لم تمت." صرخت سلمى: "سارة عايشة؟" لم يجب. قلب الصفحات بسرعة. لكن باقي الصفحة كان ممزقًا. قال ياسين: "لازم نعرف مين كتب ده." "ماما؟" "ممكن." فجأة سمعا صوتًا خلفهما. "مش ماما." استدارا. كانت امرأة تقف عند الباب. شعرها مغطى بوشاح، ووجهها نصفه في الظلام. قالت سلمى: "مين حضرتك؟" قالت المرأة: "الشخص اللي كان موجود يوم ولادتك." تقدم ياسين خطوة. "إنتِ اللي بعتِ الرسالة؟" "أيوه." "فين سارة؟" نظرت المرأة إلى سلمى. "قريبة منك أكتر مما تتخيلي." تقدمت سلمى. "فينها؟" "مش هقدر أقول." "ليه؟" "لأن الشخص اللي بيدور عليكي بيدور عليها كمان." قال ياسين: "مين؟" "الشخص اللي قتل مريم." تجمدت سلمى. "إنتِ تعرفيه؟" "أعرفه." "مين؟" قبل أن تجيب، دوى صوت سيارة بالخارج. نظرت المرأة إلى الباب. "لازم أمشي." أمسكت سلمى بذراعها. "استني!" نزعت المرأة يدها. "لو عايزة تلاقي أختك، دوري على الاسم اللي اتشال من سجل المستشفى." "إيه الاسم؟" "اسم الطبيب." قال ياسين: "الطبيب؟" هزت رأسها. "الطبيب اللي استلمك ليلة ولادتك." ثم أضافت: "اسمه كان الدكتور نادر." تغير وجه سلمى. "نادر؟" "أيوه." "إيه اللي حصل له؟" "اختفى." ثم ركضت المرأة خارج الغرفة. تبعها ياسين، لكنه لم يجد أحدًا. عاد إلى سلمى. "اختفت." قالت: "بس قالت اسم الدكتور." "لازم نعرف مين نادر." --- في صباح اليوم التالي، اجتمعوا في منزل سامح. كانت ليلى تجلس بجوار هدى، بينما كان عادل واقفًا أمام النافذة. قال ياسين: "الدكتور اسمه نادر." بمجرد سماع الاسم، تغير وجه عادل. لاحظت سلمى ذلك. "إنت تعرفه." لم يجب. قالت مرة أخرى: "عادل." تنهد. "أيوه." "مين هو؟" "كان طبيب ليلى." "وطبيب أمي؟" "أيوه." "وفين؟" "مات." قالت سلمى: "متأكد؟" "أيوه." "إزاي؟" "حادث." صرخت سلمى: "كل الناس عندكم بتموت في حوادث!" ساد الصمت. قالت ليلى: "سلمى..." "لأ يا ماما. أنا تعبت." نظرت إلى الجميع. "كل شخص له علاقة بحياتي إما اختفى أو مات أو كذب." قال ياسين: "مش كلهم." التفتت إليه. "إنت الوحيد اللي لسه ما اكتشفتش إنك بتكدب عليا." تغير وجهه. "أنا؟" "أيوه." "أنا قلتلك كل اللي أعرفه." "بس إنت عرفت عن ليلة ولادتي قبل ما نروح البنك." "أيوه." "ومين قالك؟" صمت. "مين يا ياسين؟" قال: "أبويا." "وإنت ما قلتليش." "لأنني ما كنتش عايز أخوفك." "يعني كذبت." "خبيت." "نفس الحاجة." اقترب منها. "سلمى..." تراجعت. "محتاجه وقت." ابتعدت. خرجت من الغرفة. تبعها ياسين، لكنه لم يلحق بها. قال عادل: "سيبها." نظر إليه ياسين. "هي زعلانة مني." "وعندها حق." "عارف." "بس ما تستسلمش." نظر إليه ياسين. "مش ناوي." --- في الخارج، جلست سلمى على السلم. كانت تحاول منع دموعها. جلست مريم بجوارها. قالت: "إنتِ بتحبيه." نظرت سلمى إليها. "إيه؟" "ياسين." "إحنا بنتكلم في كارثة." "وأنا بتكلم عن اللي واضح." ابتسمت سلمى رغم دموعها. "هو مستفز." "ده مش رد." "عنيد." "مش رد." "بيحب يستفزني." "لسه." تنهدت سلمى. "آه." "وهو بيحبك." "عارفة." "طب ليه بتبعدي؟" "عشان خايفة." "منه؟" "من إن كل حاجة أحبها تتاخد مني." سكتت مريم. ثم قالت: "بس لو فضلتي خايفة، هتخسريها بإيدك." نظرت سلمى إليها. "إنتِ ساعات بتقولي كلام عاقل." ضحكت مريم. "ساعات؟" "أيوه." "طب روحي كلميه." "دلوقتي؟" "دلوقتي." --- دخلت سلمى. كان ياسين واقفًا وحده في الصالة. قالت: "ياسين." استدار. "نعم؟" اقتربت. "أنا آسفة." "وأنا آسف." "إنت حتى ما سبتنيش أعتذر." "عشان أنا غلطان." "وأنا كمان." ابتسم. "يبقى اتعادلنا." قالت: "بس ما تخبيش عني حاجة تاني." "وعد." "حتى لو الحقيقة تخوف." "حتى لو." اقتربت منه. "وأنا مش هبعد عنك عشان رسالة." "إيه الرسالة؟" "ولا حاجة." نظر إليها بشك. "سلمى." ضحكت. "لسه." "لسه إيه؟" "لسه مش هقول." ابتسم. "هعرف." "جرب." وقبل أن يرد، دخل سامح مسرعًا. "ياسين!" التفتا. كان وجهه شاحبًا. "لقينا الدكتور نادر." قالت سلمى: "فين؟" "في السجل." "يعني؟" أخرج ملفًا. "الدكتور نادر لم يمت." سقط الصمت. قال ياسين: "إيه؟" "هو عايش." سألت سلمى: "فين؟" نظر سامح إلى الملف. "في دار رعاية." قالت: "لازم نروح." --- بعد ساعة، وصلوا إلى دار الرعاية. سألوا عن الدكتور نادر. قالت الموظفة: "هو في الغرفة 14." ذهبوا إليه. كان رجلًا مسنًا يجلس بجوار النافذة. رفع رأسه عندما دخلت سلمى. تغير وجهه. قال: "إنتِ..." تقدمت. "حضرتك تعرفني؟" بدأت يده ترتجف. "كنت عارف إنك هتيجي." قال ياسين: "إنت الدكتور نادر؟" "أيوه." سألت سلمى: "كنت موجود يوم ولادتي؟" أغمض عينيه. "أيوه." "وسارة؟" فتح عينيه بسرعة. "مين قالك الاسم ده؟" قالت: "السجل." تغير وجهه. "السجل كان لازم يختفي." قال سامح: "اختفى جزء منه." نظر إليه نادر. "سامح." "أيوه." "لسه عايش؟" "أيوه." ضحك الطبيب بحزن. "كنت متأكد إنهم هيقتلوك." سألت سلمى: "مين؟" لم يجب. قالت: "عايزة الحقيقة." نظر إليها طويلًا. ثم قال: "سارة عاشت." شهقت. "فينها؟" "مش عارف." "إزاي؟" "بعد الولادة، حصلت فوضى." "إيه اللي حصل؟" قال: "كان فيه شخص دخل المستشفى." "مين؟" "رجل." "اسمه؟" تردد. ثم قال: "فؤاد." تجمد الجميع. "فؤاد دخل المستشفى؟" "أيوه." "وعمل إيه؟" "كان بيدور على الطفلتين." سألت سلمى: "ليه؟" "لأن مريم كانت هتفضحه." قال ياسين: "وبعدين؟" قال الطبيب: "أنا حاولت أهرب بإحدى الطفلتين." سلمى حبست أنفاسها. "بمين؟" "سارة." "ومين كانت معاه؟" نظر الطبيب إلى سلمى. ثم قال: "امرأة." "مين؟" قال: "هدى." تجمدت سلمى. "ماما؟" أومأ. "هدى أخذت سارة." "وأنا؟" "ليلى أخذتك." سقطت دمعة من عين سلمى. "ليه اتقسمنا؟" قال الطبيب: "لأنهم كانوا يدوروا على طفلة واحدة." "مين؟" "الطفلة اللي معاها الدليل." قالت سلمى: "يعني سارة كانت معاها الدليل؟" هز رأسه. "لا." ثم نظر إلى سامح. "الدليل كان معاك." التفت الجميع إلى سامح. قال الطبيب: "وأنت كنت عارف إنهم هيقتلوا أي واحدة من البنتين عشان يوصلوا لك." قالت سلمى: "ماما كانت بتحمي سارة." "أيوه." "طب سارة فين؟" صمت الطبيب. ثم قال: "آخر مرة شفتها..." توقف. "كانت مع هدى." تجمدت سلمى. "ماما؟" في اللحظة نفسها، رن هاتف ياسين. نظر إلى الشاشة. كانت رسالة من رقم مجهول. فتحها. قرأ: "لو عايزين تعرفوا سارة فين، ارجعوا البيت." ثم رسالة ثانية: "واسألوا هدى ليه كانت آخر شخص شافها." رفع ياسين عينيه إلى سلمى. كانت قد قرأت الرسالة. قالت: "نرجع." --- عندما وصلوا إلى المنزل، كانت هدى جالسة وحدها. بمجرد أن رأت سلمى، فهمت. قالت: "عرفتي." لم ترد سلمى. وضعت الهاتف أمامها. "فين سارة؟" أغلقت هدى عينيها. "كنت عارفة إن اليوم ده هييجي." "فينها؟" "مش عارفة." صرخت سلمى: "ماما!" بكت هدى. "أنا سلمت سارة لشخص كان المفروض يحميها." "مين؟" "شخص وثقت فيه." "مين؟" سكتت. ثم قالت: "عادل." استدار الجميع ناحية عادل. كان واقفًا عند الباب. نظر إلى هدى. ثم إلى سلمى. وقال: "أنا ما سلمتش سارة لأي حد." سألته سلمى: "أمال فين أختي؟" لم يجب. تقدم خطوة. وقال: "سارة مع شخص آخر." "مين؟" رفع عادل عينيه إليها. "مع آدم." ساد الصمت. قال ياسين: "إيه؟" أجاب عادل: "آدم كان عارف إنها عايشة من سنين." سلمى شعرت بدوار. "يعني آدم عنده أختي؟" هز رأسه. "أيوه." ثم وصل إلى هاتفها مقطع فيديو. فتحته. ظهرت فتاة شابة تقف أمام كاميرا. ملامحها تشبه سلمى بشكل مخيف. نظرت الفتاة إلى الكاميرا وقالت: "لو الفيديو ده وصلك، يبقى آدم أخيرًا قرر يقول لك الحقيقة." تجمدت سلمى. ثم ابتسمت الفتاة ابتسامة صغيرة. وقالت: "أنا سارة." انتهى الفيديو. رفعت سلمى عينيها، والدموع تملأهما. همست: "أختي عايشة." لكن ياسين لم يكن ينظر إلى الهاتف. كان ينظر إلى النافذة. وعلى الزجاج ظهرت جملة جديدة، مكتوبة من الخارج: "دلوقتي بدأت اللعبة الحقيقية." الفصل الرابع عشر: سارة لم تستطع سلمى أن تبعد عينيها عن الشاشة. الفيديو انتهى، لكن صورة الفتاة ظلت أمامها في خيالها. نفس العينين تقريبًا. نفس الملامح. حتى الطريقة التي ابتسمت بها جعلتها تشعر بشيء غريب، كأنها كانت تنظر إلى نسخة من نفسها لم تعرف بوجودها طوال حياتها. قالت بصوت مرتجف: "أنا عايزة أشوفها." رد عادل: "هتشوفيها." "إمتى؟" "لما نتأكد إن المكان آمن." "أنا مش هستنى." "سلمى..." "لا. كفاية." وقفت أمامه. "كل واحد فيكم بيقول استني، بعدين، مش دلوقتي، لما نبقى متأكدين. أنا استنيت سنين وأنا أصلًا ما كنتش عارفة إني مستنية." تدخل ياسين: "عادل، لازم نعرف آدم أخدها فين." قال عادل: "مش هتعرفوا." "ليه؟" "لأن آدم مش عايز حد يعرف." "وإنت؟" "أنا عايز أوصل له." قالت سلمى: "وأنا كمان." نظر إليها عادل. "آدم خطر." "وأنا مش خايفة." "لازم تخافي." "خفت بما فيه الكفاية." سكت عادل. ثم قال: "طيب." أخرج هاتفه. "عندي مكان واحد ممكن يكون فيه." اقترب ياسين. "فين؟" قال عادل: "بيت قديم على البحر." سألته سلمى: "وسارة هناك؟" "غالبًا." "يبقى نروح." قال ياسين: "مش دلوقتي." التفتت إليه. "ليه؟" "لأننا مش عارفين إذا كان آدم مستنينا." "هو عايزني." "بالضبط." "يبقى مش هيسيبه يهرب." نظر إليها طويلًا. "إنتِ مش عارفة أنا خايف عليكي قد إيه." قالت بهدوء: "وأنا عارفة." سكت. ثم قال: "خلاص." --- بعد ساعتين، كانوا أمام منزل قديم على البحر. كان المكان هادئًا، لكن الهدوء نفسه كان مخيفًا. قالت مريم: "المكان فاضي." قال عادل: "مش شرط." تقدم ياسين. فتح الباب ببطء. دخلوا. كان المنزل نظيفًا بشكل غريب، رغم أنه يبدو مهجورًا من الخارج. على الحائط صور قديمة. اقتربت سلمى. كانت هناك صورة لسارة وهي طفلة. شهقت. "دي هي." قال ياسين: "أكيد." تحت الصورة كانت جملة: "أختان، طريقان، وحقيقة واحدة." قال عادل: "آدم كان هنا." سمعوا صوتًا من الطابق العلوي. خطوات. رفع ياسين رأسه. "حد فوق." صعد السلم. نادته سلمى: "استنى." لكنه لم يسمع. صعدت خلفه. فتح باب الغرفة. كانت فارغة. إلا من جهاز تسجيل. ضغط ياسين الزر. جاء صوت آدم: "لو سمعتوا التسجيل ده، يبقى وصلتوا." قالت سلمى: "آدم." تابع الصوت: "أنا عارف إنكم عايزين تعرفوا سارة فين." ثم صمت لحظة. "لكن قبل ما تشوفوها، لازم سلمى تعرف الحقيقة." قال ياسين: "كفاية ألعاب." تابع آدم: "سلمى، أختك ما كانتش مجرد طفلة اختفت." قالت: "يعني إيه؟" "سارة كانت الشاهد الوحيد على حاجة حصلت ليلة ولادتكم." سأل ياسين: "طفلة هتكون شاهدة إزاي؟" ضحك آدم. "مش هي اللي كانت شاهدة." توقف التسجيل. ظهر صوت آخر. صوت امرأة. كانت تقول: "لو بتسمعي ده، يبقى أنا فشلت." شهقت سلمى. "أمي." كان صوت مريم. "سلمى، أنا عارفة إنك هتدوري عليا، وعارفة إنك هتسألي ليه ليلى أخدتك." ثم: "ليلى ما أخدتكش عشان تهرب بيكي. أنا اللي طلبت منها." سلمى وضعت يدها على فمها. "كنت عارفة إنهم هيقتلوا واحدة منكم، فكان لازم واحدة تختفي." بدأت دموعها تنزل. "اخترت إن سلمى تختفي، وسارة تفضل مع هدى." توقفت سلمى. قالت: "ليه؟" استمر التسجيل: "لأن الشخص اللي كان بيدور على سلمى كان يعرف شكلها. لكن ما كانش يعرف سارة." قال ياسين: "يعني سارة اتخبّت." "أنا آسفة يا بنتي. كان لازم أختار. وأي أم مكانى كانت هتختار." انتهى التسجيل. ظلت سلمى صامتة. قال ياسين: "هي اختارت تنقذك." ردت: "بس أنا عشت طول عمري فاكرة إنها ماتت." "لأنهم كانوا عايزينك تصدقي كده." "مين؟" جاء صوت من خلفهم: "أنا." استداروا. كانت سارة واقفة عند الباب. تجمدت سلمى. لم تستطع الحركة. كانت الفتاة أمامها تشبهها بشكل جعل قلبها يؤلمها. قالت سارة: "إنتِ سلمى؟" لم تستطع الرد. تقدمت سارة. "أنا سارة." دموع سلمى نزلت. "أنا..." لم تكمل. اقتربت سارة منها. "أنا عارفة." احتضنتها. بكت الاثنتان. كان ياسين ينظر إليهما بابتسامة صغيرة، بينما أدار عادل وجهه حتى لا يراه أحد وهو يمسح دمعة سريعة. قالت سلمى: "إنتِ عيشتي فين كل السنين دي؟" قالت سارة: "مع ناس كتير." "يعني؟" "كل فترة في مكان." "ليه؟" "عشان ما حدش يعرف أنا مين." قالت سلمى: "وآدم؟" تغير وجه سارة. "آدم أنقذني." قال ياسين: "من مين؟" "من فؤاد." سأل عادل: "إزاي؟" "كان فؤاد قرب يوصل لي." قالت سارة: "آدم عرفني قبل ما هو يعرفني." "يعني آدم كان بيحميكي؟" "أيوه." سألت سلمى: "طب ليه كان بيهددني؟" سارة نظرت إليها. "لأنه كان خايف." "مني؟" "عليكي." "مش فاهمة." قالت سارة: "آدم كان عايز يعرف إذا كنتِ بتعرفي الحقيقة كاملة." "وإيه الحقيقة؟" صمتت سارة. ثم قالت: "أبوكي مش هو الشخص اللي قتل أمي." قالت سلمى: "عرفنا." "بس هو الشخص اللي أخفى الحقيقة." "يعني إيه؟" قالت سارة: "لأن ليلة موت أمي، كان فيه شخص تاني." "مين؟" سارة نظرت إلى عادل. "هو." تجمد الجميع. قال عادل: "إيه؟" "كنت موجود." "أيوه." "وأنت اللي أخذت الأوراق." سأل ياسين: "عمي؟" قال عادل: "أنا أخدت الأوراق عشان أحميكم." لكن سارة هزت رأسها. "مش كلها." "إيه اللي تقصديه؟" قالت: "أخذت جزء." "والجزء التاني؟" سارة قالت: "مع آدم." ساد الصمت. قالت سلمى: "يبقى آدم مش بيطاردنا." "لأ." "هو بيحاول يجمع الأجزاء." هزت سارة رأسها. "بالضبط." قال ياسين: "طب ليه ما قالش؟" "لأنه مش واثق في حد." ضحكت سلمى بمرارة. "واضح إن كلنا عندنا نفس المشكلة." فجأة سمعوا صوت سيارة بالخارج. اقترب عادل من النافذة. "في عربيتين." قال ياسين: "مين؟" نظر عادل. "فؤاد." تغيرت ملامح الجميع. قالت سارة: "لازم نخرج." "منين؟" أشارت إلى باب خلفي. "من هنا." بدأ الجميع يتحركون. لكن قبل أن يصلوا للباب، انطفأت الأنوار. ثم سمعوا صوت ارتطام قوي بالباب الرئيسي. صرخت سلمى: "فؤاد!" قال ياسين: "خليكي مع سارة." لكن سارة أمسكت يدها. "أنا مش هسيبك." قالت سلمى: "ولا أنا." اقترب ياسين منهما. "الاتنين ورايا." دوى صوت إطلاق نار في الخارج. تراجعت سلمى. قال ياسين: "محدش يتحرك." جاء صوت فؤاد: "سامح!" لم يجب. "أنا عارف إنكم جوه." قال عادل: "إنت مش هتدخل." ضحك فؤاد. "إنت لسه فاكر نفسك بطل؟" ثم قال: "عندي خبر هيهم سلمى." قالت سلمى: "إيه؟" صرخ ياسين: "ما ترديش!" لكن فؤاد قال: "أختك مش هي الهدف." تجمدت سارة. "أنا؟" ضحك. "لأ." ثم قال: "الهدف الحقيقي هو سلمى." سأل ياسين: "ليه؟" قال فؤاد: "لأنها الوحيدة اللي تعرف مكان الدليل." قالت سلمى: "أنا ما أعرفش." ضحك. "هتعرفي." ثم سمعوا صوت سيارة أخرى. قال عادل: "في حد تاني وصل." نظر ياسين من النافذة. تغير وجهه. "آدم." دخل آدم من الباب الخلفي. قال: "خدوا سارة واخرجوا." سألته سلمى: "وإنت؟" "أنا هتعامل مع فؤاد." قال ياسين: "مش لوحدك." "أنا مش لوحدي." نظر آدم إلى عادل. "إحنا كلنا." خرج عادل. بقيت سلمى وسارة وياسين ومريم. قالت سارة: "لازم نمشي." لكن سلمى توقفت. "استني." "إيه؟" قالت: "أنا عرفت ليه عايزيننا." أخرجت المفتاح رقم 11. "الخزنة التانية." نظر ياسين إليها. "إيه؟" "الدليل مش في الخزنة." "أمال؟" قالت: "الخزنة نفسها هي المفتاح." سارة فهمت. "للمكان التاني." "أيوه." قال ياسين: "إنتِ عرفتي ده إزاي؟" "لأن المفتاح كان عليه رقم 11." سارة قالت: "وفيه مكان تاني عنده الرقم ده." سألت سلمى: "فين؟" أجابتها: "المستشفى." تبادلوا النظرات. قالت سلمى: "يعني لازم نرجع." قال ياسين: "مش هنرجع." "ليه؟" "لأن فؤاد هيكون مستنينا." ابتسمت سلمى. "عشان كده بالضبط." نظر إليها. "إنتِ عندك خطة." "يمكن." "قولي." قالت: "هنخليه يفتكر إننا رايحين للخزنة." سارة ابتسمت. "ونروح للمستشفى." قال ياسين: "أخيرًا خطة تعجبني." لكن في اللحظة نفسها، وصل هاتف سلمى إشعار. رسالة من رقم مجهول: "لو خرجتوا من البيت، هتعرفوا مين فيكم الخاين." رفعت سلمى رأسها. "مين الخاين؟" قال ياسين: "دي محاولة جديدة عشان نشك في بعض." لكن سارة لم تتكلم. كانت تنظر إلى مريم. لاحظت سلمى ذلك. "سارة؟" لم تجب. "في إيه؟" قالت سارة بصوت منخفض: "أنا شفت الرقم ده قبل كده." "فين؟" "على هاتف ماما." تجمدت سلمى. "ماما؟" أومأت سارة. "قبل ما تختفي." ساد الصمت. قال ياسين: "يعني الرسائل..." سارة نظرت إلى سلمى. "ممكن تكون جاية من شخص قريب جدًا منكم." وفي الخارج، كان صوت فؤاد يقترب. ثم جاء صوته: "سلمى!" لكن هذه المرة لم يكن وحده. كان هناك صوت امرأة معه. صوت تعرفه سلمى جيدًا. صوت هدى. قالت المرأة: "سلمى... افتحي الباب." تجمدت سلمى. "ماما؟" نظر الجميع إلى بعضهم. كانت هدى المفترض أنها في المنزل. قالت سارة: "دي مش ماما." ثم جاء صوت المرأة مرة أخرى: "سلمى، أنا هنا." قالت سلمى: "إزاي؟" اقتربت من الباب. لكن ياسين أمسك يدها. "استني." نظر من النافذة. ثم قال: "دي مش هدى." سألته: "عرفت إزاي؟" قال: "لأن هدى لابسة خاتم في إيدها اليمين." نظروا جميعًا إلى المرأة الواقفة بالخارج. لم تكن ترتدي شيئًا. قال ياسين: "دي واحدة تانية." ثم جاء صوت فؤاد: "لو مش هتفتحي، هنبدأ بأول واحدة." وتعالت صرخة من الخارج. كانت صرخة هدى الحقيقية. شهقت سلمى. "ماما!" قال ياسين: "دي مش لعبة." ثم أمسك يدها. "هنخرج." فتح عادل الباب الخلفي. وقبل أن يغادروا، نظرت سلمى إلى البيت مرة أخيرة. كانت تعرف الآن أن كل إجابة ستقودها إلى سؤال جديد. لكنها لم تعد وحدها. كانت سارة معها. وياسين معها. والحقيقة، مهما كانت مؤلمة، أصبحت أقرب من أي وقت مضى. لكنها لم تكن تعرف أن في اللحظة نفسها، كان شخص آخر يراقبهم من داخل السيارة البعيدة. فتح هاتفه. أرسل رسالة واحدة: "سارة ظهرت." جاءه الرد: "ممتاز." ثم أضاف: "دلوقتي نقدر نبدأ المرحلة الأخيرة." الفصل الخامس عشر: الخائن بيننا لم تتوقف السيارة إلا بعد أن ابتعدوا عدة كيلومترات عن المنزل. كانت سلمى جالسة في الخلف بجوار سارة، بينما كان ياسين يقود بسرعة، وعادل بجواره يراقب الطريق في المرآة باستمرار. قالت سلمى: "ماما فين؟" لم يجب أحد. "أنا بسألكم." قال عادل: "هنرجع لها." "إمتى؟" "لما نضمن إنهم مش بيراقبونا." قالت سارة: "فؤاد مش لوحده." نظر إليها ياسين عبر المرآة. "عارفة مين معاه؟" هزت رأسها. "لأ." "بس إنتِ قلتي إنك شوفتي الرقم." "أيوه." قالت سلمى: "على هاتف ماما." "قبل ما تختفي." تدخل عادل: "ماما مين؟" قالت سارة: "هدى." نظر إليها عادل. "إنتِ متأكدة؟" "أنا شفت الرقم." قال ياسين: "والرقم ده ظهر لنا النهارده." سكت الجميع. ثم قالت سلمى: "يعني في حد كان بيتواصل مع ماما." "مش شرط." "يبقى إيه؟" قال عادل: "ممكن تكون مهددة." ردت سارة: "أو ممكن تكون جزء من الخطة." التفتت سلمى إليها. "إنتِ بتشكي في ماما؟" "أنا مش بشك فيها." "أمال؟" "أنا بخاف عليها." "إيه الفرق؟" "الشك بيخليكِ تتهمي. الخوف بيخليكِ تدوري." سكتت سلمى. قال ياسين: "كلامها صح." ثم فجأة ضغط على الفرامل. صرخت سلمى: "في إيه؟" أشار إلى الطريق. كانت هناك سيارة سوداء تقف أمامهم. قال عادل: "هما." نظر ياسين في المرآة. كانت سيارة أخرى خلفهم. قال: "اتحاصرنا." سارة أمسكت يد سلمى. "ما تخافيش." ضحكت سلمى بتوتر. "إنتِ بتقوليلي ما أخافش وإنتِ إيدك بتترعش." ابتسمت سارة. "أنا بخاف برضه." نزل ثلاثة رجال من السيارة الأمامية. قال عادل: "خليكوا جوه." لكن ياسين فتح الباب. قالت سلمى: "ياسين!" "خليكي هنا." خرج. اقترب أحد الرجال. "سلّموا البنت." قال ياسين: "أي بنت؟" ضحك الرجل. "ما تحاولش." قال عادل: "مين بعتكم؟" "مش مهم." "بل مهم." "المهم إننا عايزين سارة." قالت سلمى من داخل السيارة: "مش هتاخدوها." نظر الرجل إليها. "إنتِ كمان مطلوبة." قال ياسين: "امشوا." رفع الرجل هاتفه. ظهرت صورة هدى. "لو مش عايزين يحصل لها حاجة..." توقف. قال ياسين: "سيبها." "يبقى سلّموا سارة." قالت سارة: "أنا هطلع." أمسكت سلمى بذراعها. "لأ." "سلمى." "لأ." "لو ما خرجتش، هيأذوا ماما." قالت سلمى: "وإحنا هنرجعها." نزلت دمعة من عين سارة. "أنا ما عايزاش أخسر حد تاني." سكتت سلمى. ثم قالت: "مش هتخسري." في اللحظة نفسها، سمعوا صوت سيارة قادمة بسرعة. توقفت بجوارهم. نزل آدم. ابتسم. "واضح إنكم بدأتوا الرحلة من غيري." رفع الرجل سلاحه. قال آدم: "قبل ما تعمل حاجة، بص وراك." التفت الرجل. كانت هناك سيارات أخرى تقترب. ارتبك الرجال. قال آدم: "كنت مستنيكم." صرخ أحدهم: "اتراجعوا!" هربوا بسرعة. اقترب آدم من السيارة. قال ياسين: "إنت كنت متابعنا؟" "أيوه." قالت سلمى: "ماما فين؟" "في مكان آمن." "إنت متأكد؟" "أيوه." "عايزة أشوفها." "هتشوفيها." قالت سارة: "آدم." نظر إليها. "نعم؟" "أنا شفت الرقم." تغير وجهه. "أي رقم؟" "الرقم اللي كان على هاتف هدى." سكت. قالت: "إنت تعرفه." لم يجب. قالت سلمى: "آدم." تنهد. "أيوه." "مين؟" قال: "الرقم ده كان بتاع أمي." تجمدت سارة. "مريم؟" "أيوه." قالت سلمى: "بس مريم ماتت." "الرقم استمر شغال." "مع مين؟" نظر آدم إليها. "مع الشخص اللي كان بيستخدمه بعد موتها." "مين؟" قال: "فؤاد." ساد الصمت. قال ياسين: "يعني فؤاد كان بيستخدم رقم مريم؟" "أيوه." "ليه؟" "عشان يوقع الناس في بعض." قالت سلمى: "طب هدى كانت بتتكلم معاه؟" "ممكن." قالت سارة: "أو كانت بتراقبه." تدخل عادل: "لازم نرجع." قال آدم: "مش دلوقتي." "ليه؟" "لأن فؤاد عايزنا نرجع." قالت سلمى: "وإنت عايزنا نروح فين؟" أخرج آدم ورقة. "المستشفى." نظر ياسين إلى الورقة. "المكان اللي قال عليه الدكتور." "أيوه." قالت سلمى: "الخزنة رقم 11." هز آدم رأسه. "مش خزنة." "أمال إيه؟" "غرفة." --- دخلوا المستشفى القديمة مرة أخرى. هذه المرة كان آدم معهم. كان يمشي أمامهم دون أن يتكلم. قالت سلمى: "إنت كنت هنا قبل كده." "أيوه." "إمتى؟" "من سنين." "ليه؟" "كنت بدور على سارة." نظرت سارة إليه. "ولقيتني." "أيوه." "ليه ما قلتليش إن عندي أخت؟" "لأنني ما كنتش أعرف إنك هتصدقي." ابتسمت سارة. "أنا صدقتك." نظر إليها. "وده اللي خلاني أخاف." سأل ياسين: "من إيه؟" "من إنك تثقي فيا." "ليه؟" لم يجب. وصلوا إلى الممر القديم. قال آدم: "الغرفة 11." فتح الباب. كانت هناك خزانة حديدية في الحائط. قالت سلمى: "دي هي." أخرجت المفتاح. أدخلته. انفتح الباب. كان بداخله ملف واحد. وأسطوانة صغيرة. قال آدم: "أخيرًا." أخذ الملف. فتح الصفحة الأولى. تغير وجهه. قال ياسين: "إيه؟" أعطاه الورقة. قرأ ياسين: "عملية تبديل الهوية — الطفلتان رقم 1 و2." قالت سلمى: "تبديل هوية؟" قال آدم: "كانوا ناويين يغيروا هويتكم." "مين؟" قلب ياسين الصفحة. وجد اسمًا. ثم تجمد. "فؤاد." قالت سلمى: "إحنا عارفين." "لأ." نظر إليها. "الملف مش باسم فؤاد." أشار إلى الاسم الموجود أسفل التوقيع. "عادل." التفت الجميع إلى عادل. لم يتكلم. قالت سلمى: "إنت؟" ظل ساكتًا. قال ياسين: "عمي، قول حاجة." رفع عادل رأسه. "أنا مضيت." تراجعت سلمى. "إنت اللي غيرت هويتنا؟" "لا." "أمال؟" "أنا مضيت عشان أنقذكم." صرخت: "كل واحد بيقول أنقذتكم!" قال عادل: "لأن ده اللي حصل." قالت سارة: "بس توقيعك موجود." "لأنني كنت مضطر." "مين أجبرك؟" نظر إلى آدم. ثم إلى سلمى. وقال: "أمكم." ساد الصمت. قالت سلمى: "مريم؟" "أيوه." "ليه؟" "لأنها كانت عارفة إن لو اتسجلت أسماءكم الحقيقية، هيوصلوا ليكم." قال آدم: "وده مش كل حاجة." فتح الأسطوانة. خرج منها تسجيل صوتي. صوت مريم. "عادل، لو حصل لي حاجة، لازم تنفذ اللي اتفقنا عليه." ثم صوت رجل آخر. صوت لم تعرفه سلمى. قال: "ولو رفضت؟" أجابت مريم: "هتموت البنات." سأل الرجل: "والدليل؟" قالت: "هيكون مع الشخص اللي ما حدش هيشك فيه." انقطع التسجيل. قال ياسين: "مين الشخص؟" نظر الجميع إلى بعضهم. ثم جاء صوت من خلفهم: "أنا." استداروا. كان سامح واقفًا عند الباب. قالت سلمى: "بابا؟" قال: "الدليل كان معايا." اقترب آدم. "ليه ما قلتلناش؟" قال سامح: "لأنني وعدت مريم." "وهدى؟" "هدى كانت تعرف." قالت سلمى: "يعني ماما مش خاينة." هز رأسه. "لا." ارتاحت سلمى للحظة. لكن سامح أكمل: "بس في حاجة ما تعرفيهاش." "إيه؟" قال: "هدى ما كانتش آخر شخص شاف سارة." تغير وجه سارة. "مين كان؟" نظر سامح إلى آدم. "أنت." صمت آدم. قالت سلمى: "آدم؟" قال سامح: "آدم كان موجود ليلة اختفاء سارة." نظرت سارة إليه. "إنت قلتلي إنك لقيتني بعد سنين." لم يجب. قالت: "كدبت عليا." قال آدم: "أنا ما كنتش قادر أقول." "ليه؟" "لأنني كنت السبب." شهقت سلمى. "السبب في إيه؟" قال آدم: "أنا اللي سلمت سارة للشخص اللي خدها." تراجعت سارة. "إنت؟" "كنت فاكر إنه هيحميكي." "مين؟" صمت. ثم قال: "أبويا." فجأة انطفأت الأنوار. صرخت مريم. سمعوا صوت باب يُغلق. ثم جاء صوت فؤاد عبر مكبر صغير: "أهو كده بقينا كلنا صريحين." قال ياسين: "إنت فين؟" ضحك فؤاد. "في المكان اللي كان لازم تكونوا فيه من البداية." ثم قال: "بس عندي مفاجأة." ظهرت شاشة صغيرة على الحائط. ظهرت هدى. كانت مقيدة على كرسي. شهقت سلمى. "ماما!" ثم ظهر فؤاد بجوارها. قال: "الليلة هننهي كل حاجة." صرخ ياسين: "سيبها!" ابتسم فؤاد. "عندي اقتراح." قالت سلمى: "إيه؟" "سلمى تيجي لي لوحدها." صرخ الجميع: "لأ!" لكن فؤاد تابع: "ولو ما جتش..." نظر إلى هدى. "أمها هتدفع الثمن." أغلقت الشاشة. نظرت سلمى إلى الجميع. قالت: "أنا هروح." أمسك ياسين يدها. "لأ." "لازم." "هنلاقي طريقة." "هو مش هيستنى." قال آدم: "أنا هروح معاكي." قالت سلمى: "لأ." نظر إليها. "ليه؟" "لأن فؤاد عايزني أنا." قال ياسين: "وأنا هكون وراكي." نظرت إليه. "وعد؟" قال: "وعد." ابتسمت. ثم قالت: "يبقى نبدأ." لكنها لم تكن تعرف أن فؤاد لم يكن ينتظرها وحدها. كان ينتظر شيئًا أخطر. كان ينتظر اللحظة التي ستكتشف فيها سلمى أن الشخص الذي خانهم لم يكن عادلًا، ولا آدم، ولا هدى... بل شخصًا أقرب إليها من الجميع. الفصل السابع عشر: الرجل الذي عاش باسم أبي لم تتحرك سلمى. لم تستطع حتى أن تستوعب الجملة. "سامح الحقيقي مات من سنين... وأنا الشخص اللي أخد مكانه." كانت تنظر إلى الرجل الذي نادته طوال حياتها "بابا"، وكأنها تراه للمرة الأولى. قالت بصوت خافت: "إنت مين؟" لم يجب. صرخت: "إنت مين؟!" قال ياسين: "سلمى، اهدي." ابتعدت عنه. "ما تقوليش اهدى! أنا عايزة أعرف مين الراجل اللي عاش معانا كل السنين دي!" رفع الرجل عينيه. "اسمي يوسف." تجمدت هدى. "يوسف..." قالت سلمى: "إنتِ تعرفيه؟" هدى لم ترد. اقتربت منها سلمى. "ماما، إنتِ تعرفيه؟" قالت هدى: "أيوه." "من إمتى؟" "من قبل ما تتولدي." ضحكت سلمى بمرارة. "طبعًا." نظرت إلى يوسف. "طب بابا الحقيقي فين؟" أجاب: "مات." "إزاي؟" "فؤاد قتله." قال ياسين: "وإنت أخدت مكانه ليه؟" يوسف نظر إليه. "عشان أحمي سلمى وسارة." صرخت سلمى: "كل واحد بيقول الجملة دي!" اقترب ياسين منها. "سلمى..." "لأ." رفعت يدها. "أنا عايزة أسمع منه." ثم عادت إلى يوسف. "إيه اللي حصل؟" جلس يوسف. "أبوكي الحقيقي كان اسمه سامح." "عارفة." "كان شغال مع مريم." "في إيه؟" "كانوا بيجمعوا أدلة ضد فؤاد." "وإنت؟" "كنت شريكه." "يعني كنت تعرف أمي؟" "أيوه." "وكان بينكم إيه؟" تردد. "صداقة." ضحكت هدى بسخرية. "قول الحقيقة يا يوسف." نظر إليها. ثم قال: "كنت بحبها." تجمدت سلمى. نظرت إلى هدى. كانت تبكي. قالت: "وإنتِ؟" قالت هدى: "أنا كنت بحب سامح." سكتت سلمى. "يعني إيه؟" قالت هدى: "مريم كانت تعرف." "إنتِ وماما وبابا؟" "كنا أصدقاء." قال يوسف: "لكن فؤاد قلبنا على بعض." سأل ياسين: "إزاي؟" قال يوسف: "كان عنده نفوذ وفلوس، وقدر يدخل بينا." ثم نظر إلى سلمى. "ليلة ولادتك كانت نقطة النهاية." قالت: "احكي." "مريم كانت عارفة إن فؤاد هيوصل لها." "وصل." "أيوه." "وبابا؟" "سامح الحقيقي كان معاها." "وبعدين؟" "حصلت مواجهة." "مين قتل سامح؟" "فؤاد." "وماما؟" "مريم ماتت بعده بساعات." شهقت سلمى. "وأنا؟" "كنتِ في المستشفى." "وسارة؟" "أخدناها." "مين؟" "أنا." قالت سارة، التي كانت واقفة عند الباب: "إنت اللي أخدتني؟" أومأ يوسف. "أيوه." "فين وديتني؟" "لمكان آمن." "وبعدين؟" "سلمتك لهدى." قالت سارة: "بس هدى قالت..." قاطعها: "أنا كنت مضطر." قال ياسين: "ليه؟" نظر يوسف إلى سلمى. "لأن فؤاد كان يدور عليكِ." "بس ليه اختارني أنا؟" "لأن الدليل كان مرتبط باسمك." "إزاي؟" "مريم سجلت جزءًا من الحقيقة باسمك." أخرج يوسف مفتاحًا صغيرًا. "وده مفتاح الجزء الأخير." نظرت سلمى إليه. "خزنة تانية؟" "لأ." "أمال؟" قال: "بيت مريم القديم." تغير وجه هدى. "يوسف..." "لازم تعرف." قالت هدى: "لو راحت هناك..." "هتكون في خطر." ردت سلمى: "أنا بالفعل في خطر." --- بعد ساعات، وصلوا إلى البيت القديم. كان صغيرًا ومهجورًا، لكنه احتفظ برائحة الماضي. فتحت سلمى الباب. دخلت. كانت هناك صور قديمة على الحائط. صورة لمريم وهي تضحك. صورة لسامح الحقيقي. وصورة ثالثة جعلت سلمى تتوقف. كان فيها يوسف. وبجواره مريم. قالت: "إنت قلت إنكم أصدقاء." ابتسم يوسف بحزن. "كنت بخاف أقول الحقيقة." "ليه؟" "لأنني كنت عارف إن مشاعري ناحيتها هتسبب مشاكل." قالت هدى: "مشاعرك ما كانتش المشكلة." نظر إليها. "الخوف كان المشكلة." اقتربت سلمى من الصورة. وجدت خلفها ورقة. فتحتها. كان مكتوبًا: "لو وصلتِ هنا، يبقى يوسف وفى بوعده." قالت سلمى: "ماما كتبتها." تابعت القراءة: "يا سلمى، أنا عارفة إنك هتسمعي روايات كتير عن اللي حصل. بعضها هيكون صحيح، وبعضها كذب. لكن أهم شيء تعرفيه إن الشخص اللي ربيتي عنده طول حياتك مش عدوك." نظرت إلى يوسف. ثم أكملت: "هو مش أبوكي، لكنه أنقذ حياتك." بدأت تبكي. "أنا مش فاهمة حاجة." قال ياسين: "إنتِ مش لازم تفهمي كل حاجة النهارده." نظرت إليه. "أنا محتاجة أفهم." قال: "هتفهمي." اقتربت منه. "إنت الوحيد اللي لسه واقف جنبي." ابتسم. "ومش ناوي أمشي." قالت: "حتى بعد كل ده؟" "خصوصًا بعد كل ده." نظرت إليه طويلًا. ثم قالت: "أنا بحبك." ساد الصمت. رفع ياسين عينيه إليها. "قوليها تاني." ضحكت وسط دموعها. "لا." "ليه؟" "عشان ما تتغرش." "اتأخرتي." ضحكت. ثم أمسك يدها. لكن اللحظة لم تستمر. انفتح باب البيت بعنف. دخل آدم. وجهه كان غاضبًا. قال: "لازم تمشوا." قالت سلمى: "إيه اللي حصل؟" "فؤاد عرف المكان." قال يوسف: "إزاي؟" نظر آدم إليه. "لأن حد قاله." سألت هدى: "مين؟" أخرج آدم هاتفه. عرض صورة. كانت صورة لهم وهم يدخلون البيت. قال: "حد كان بيراقبنا." قال ياسين: "مين؟" قال آدم: "مش عارف." ثم نظر إلى سلمى. "لكن في شخص واحد اختفى." "مين؟" قال: "مريم." قالت سلمى: "مريم معانا." هز آدم رأسه. "أنا مش بتكلم عن مريم." ثم أضاف: "بتكلم عن صديقتك." تجمدت سلمى. "مريم؟" "أيوه." "إنت تقصد إنها بتشتغل مع فؤاد؟" "مش متأكد." قالت سلمى: "أنا أعرفها." رد آدم: "وأنا كنت أعرف أمي." ثم قال: "الثقة مش دليل." --- في مكان آخر، كانت مريم تقف أمام رجل لا يظهر وجهه. قال الرجل: "وصلوا للبيت." قالت: "أيوه." "والدليل؟" "لسه." "وسلمى؟" "مع ياسين." ضحك. "ممتاز." قالت مريم: "بس الموضوع خرج عن السيطرة." "إنتِ بدأتي تخافي؟" "أنا مش خايفة." "يبقى كملي." سكتت. ثم قالت: "ولو عرفت الحقيقة؟" قال الرجل: "مش هتعرف." "ولو عرفت؟" اقترب منها. "سلمى لازم تختار." "تختار إيه؟" قال: "بين ياسين... وبين أختها." --- في البيت القديم، كانت سلمى تنظر إلى آدم. "إنت متأكد إن مريم هي اللي بتخوننا؟" قال: "مش متأكد." "يبقى ما تتهمهاش." "أنا ما اتهمتهاش." "أمال؟" "قلت لكِ إنها اختفت." قال ياسين: "فين؟" "مش عارف." قال يوسف: "لازم نخرج." قالت سلمى: "استنوا." أشارت إلى الصورة. "في حاجة غلط." نظروا إليها. "الصورة دي." كانت صورة قديمة لمريم وسامح ويوسف وهدى. لكن في الخلفية ظهر شخص آخر. رجل يقف بعيدًا. قالت سلمى: "مين ده؟" اقترب يوسف. ثم تجمد. قال: "مستحيل." سأله ياسين: "مين؟" أجاب بصوت منخفض: "الدكتور نادر." قال آدم: "الدكتور نادر؟" "أيوه." قالت سلمى: "بس الدكتور قال إنه ما كانش يعرف..." قال يوسف: "الدكتور نادر كان جزءًا من المجموعة." "أي مجموعة؟" "المجموعة اللي كانت بتحاول تحميكم." قال ياسين: "يعني هو مش عدو." "مش بالضرورة." قال آدم: "لازم نروح له." لكن قبل أن يتحركوا، وصل إشعار إلى هاتف سلمى. رسالة من رقم مجهول. "أختك مش في أمان." ثم رسالة أخرى: "لو عايزة سارة تعيش، تعالي وحدك إلى المكان اللي بدأت فيه الحكاية." رفعت سلمى رأسها. قال ياسين: "فين؟" أجاب آدم: "المستشفى." لكن سلمى هزت رأسها. "لأ." "إيه؟" قالت: "المكان اللي بدأت فيه الحكاية مش المستشفى." نظر إليها الجميع. "المكان اللي بدأت فيه الحكاية..." تذكرت شيئًا. أول يوم قابلت فيه ياسين. الرجل الغريب. الحفلة. النظرة الأولى. ثم الرسالة الأولى: "ما تثقيش في ياسين." قالت: "البيت." سأل ياسين: "بيت مين؟" نظرت إليه. "البيت اللي اتقابلنا فيه أول مرة." تغير وجه آدم. "بيت فؤاد." قالت سلمى: "أيوه." ثم أضافت: "هو كان عايزنا نروح هناك من البداية." قال ياسين: "يعني كل اللي حصل..." قالت سلمى: "كان مخطط." وفي نفس اللحظة، انطفأت أنوار البيت. ثم ظهر ضوء هاتف على الطاولة. كان هناك فيديو جديد. ضغطت سلمى تشغيل. ظهرت سارة. لكن هذه المرة كانت تبكي. قالت: "سلمى... لو وصل لك الفيديو ده، ما تجيش." شهقت سلمى. ثم ظهر شخص خلف سارة. رفع وجهه نحو الكاميرا. كان فؤاد. ابتسم وقال: "متأخرة." ثم انتهى الفيديو. حدقت سلمى في الشاشة. قال ياسين: "مش هتروحي." قالت: "هروح." "لوحدك؟" نظرت إليه. "لأ." وأمسكت يده. "المرة دي... كلنا هنروح." ثم أضافت: "بس عندي سؤال واحد." نظر إليها الجميع. قالت: "مين اللي كان بيبعتلي الرسائل من أول يوم؟" ساد الصمت. ثم قال آدم: "أظن إننا أخيرًا قربنا نعرف." وفي اللحظة نفسها، رن هاتف يوسف. نظر إلى الشاشة. تغير وجهه. قالت سلمى: "مين؟" رفع الهاتف ببطء. كان الاسم الظاهر: سامح. تجمد الجميع. قال ياسين: "سامح الحقيقي مات." رفع يوسف عينيه. وقال: "عارف." ثم أجاب المكالمة. وجاء صوت من الطرف الآخر: "يوسف... إنت لسه فاكرني؟" لم يستطع أحد الكلام. لأن الصوت كان صوت سامح الحقيقي. الفصل الثامن عشر: الصوت الذي عاد من الموت ظل يوسف ممسكًا بالهاتف دون أن يتكلم. الصوت الذي خرج منه أعاد الجميع إلى الوراء. إلى كل الأسرار التي ظنوا أنهم كشفوها، وكل الأكاذيب التي ظنوا أنهم فهموها. قال الصوت مرة أخرى: "يوسف... سامعني؟" ابتلع يوسف ريقه. "سامح؟" ضحك الرجل في الطرف الآخر. "لسه فاكر صوتي؟" تراجعت هدى خطوة. "مستحيل..." نظر إليها يوسف. "هدى، اقعدي." قالت وهي تهز رأسها: "أنا سمعت الصوت ده آخر مرة قبل ما..." لم تستطع إكمال الجملة. سلمى اقتربت من الهاتف. "أنا سلمى." ساد الصمت. ثم قال الرجل: "كبرتي." تجمدت. "إنت عارفني؟" "أنا أبوكي." ارتجفت يدها. قال ياسين فورًا: "ما تصدقيش أي كلمة." لكن الرجل تابع: "سلمى، اسمعيني. عندك وقت قليل." قالت: "إنت فين؟" "المكان اللي المفروض كنتِ فيه من البداية." "فين؟" "المكان اللي اتولدتِ فيه." نظرت إلى يوسف. قال الرجل: "المستشفى القديمة." ثم انقطع الاتصال. ظل الجميع صامتين. قال آدم: "ده مستحيل." قال يوسف: "الصوت..." قاطعه آدم: "الصوت ممكن يتقلد." قال ياسين: "بالضبط." لكن هدى قالت: "لأ." نظر إليها الجميع. قالت: "أنا أعرف صوت سامح." سألتها سلمى: "ماما... ممكن يكون عايش؟" خفضت هدى عينيها. "أنا ما شفتش جثته." ساد الصمت. قال يوسف: "إنتِ قلتي إنه مات." "لأن فؤاد قال لي." "وفؤاد ممكن يكون كذب." قالت سلمى: "يبقى إحنا عشنا سنين على كذبة." رد آدم: "مش أول مرة." --- في السيارة، كان الصمت أثقل من أي كلام. ياسين يقود، وسلمى بجواره، بينما جلس آدم ويوسف وهدى في الخلف. قالت سلمى: "أنا عندي سؤال." لم يجب أحد. "ليه كل ما نكتشف حاجة، نكتشف إن اللي قبلها كان كذب؟" قال ياسين: "عشان إحنا بندور في مكان مليان أسرار." "بس أنا تعبت." نظر إليها. "عارف." "أنا عايزة يوم واحد عادي." ابتسم. "ممكن." نظرت إليه. "إمتى؟" "بعد ما نخلص." ضحكت بخفة. "يعني مش قريب." "مش قوي." صمتت لحظة. ثم قالت: "ياسين." "نعم؟" "لو كل حاجة طلعت كذبة..." نظر إليها. "إيه اللي هيطلع كذبة؟" "كل اللي بينا." تغيرت ملامحه. "سلمى..." "أنا خايفة." "من إيه؟" "إنك تكون دخلت حياتي بسبب كل اللي بيحصل." أوقف السيارة فجأة على جانب الطريق. التفت إليها. "بصيلي." نظرت إليه. قال: "أنا ما اخترتش إن حياتك تبقى بالشكل ده." "عارفة." "بس اخترت أبقى جنبك." سكتت. "ولو كل الأسرار دي خلصت، أنا لسه هكون هنا." ابتسمت. "وعد؟" "وعد." عاد يقود. لكن خلفهما، كان آدم يراقبهما بصمت. قال يوسف: "إنت ساكت ليه؟" أجابه: "لأني لأول مرة مش عارف إذا كنت بحميهم ولا بس بسحبهم معايا للخطر." قالت هدى: "إنت أخوهم." نظر إليها. "وده أكتر سبب يخليني أخاف." --- وصلوا إلى المستشفى القديمة. كان المكان مظلمًا تمامًا. قال ياسين: "خليكوا قريبين." دخلوا. صدى خطواتهم كان يتردد في الممرات. قالت سلمى: "المكان ده بقى بيخوفني." قال ياسين: "أنا موجود." قالت: "عارفة." فجأة ظهر ضوء في نهاية الممر. اقتربوا بحذر. كانت غرفة الولادة القديمة. بابها مفتوح. دخلت سلمى. وقفت في المنتصف. قالت: "هنا؟" قالت هدى: "أيوه." نظرت سلمى حولها. "هنا اتولدت أنا وسارة؟" هزت هدى رأسها. "أيوه." قال يوسف: "مريم كانت هنا." اقتربت سلمى من الجدار. وجدت كتابة صغيرة محفورة: "الحقيقة لا تموت... لكنها تنتظر من يجرؤ على فتح الباب." قال آدم: "دي مش موجودة قبل كده." نظر إليه ياسين. "إنت متأكد؟" "أيوه." قالت سلمى: "يمكن الرسالة اتكتبت مخصوص لينا." ثم سمعت صوتًا. "بالضبط." استداروا. كان الدكتور نادر واقفًا عند الباب. قال ياسين: "إنت!" رفع الدكتور يديه. "اهدأ." قال آدم: "إنت عارف إيه؟" "أكتر مما تتخيل." تقدمت سلمى. "بابا الحقيقي عايش؟" نظر إليها طويلًا. "مين قالك؟" "سمعنا صوته." تغير وجهه. "يبقى عرف إنكم هنا." سأله يوسف: "سامح عايش؟" قال الدكتور: "أيوه." شهقت هدى. "إنت كنت عارف؟" "من سنين." "ليه ما قلتليش؟" "لأنك كنت مراقبة." قالت سلمى: "مين كان بيراقبنا؟" لم يجب. قال ياسين: "الدكتور نادر، إحنا مش هنخرج من هنا قبل ما تقول كل حاجة." تنهد. "سامح لم يمت." قالت سلمى: "أمال إيه اللي حصل؟" "في الليلة اللي حصلت فيها الحادثة، سامح اتصاب." "وفؤاد؟" "أخده." "ليه؟" "عشان كان معاه الدليل." قال يوسف: "أي دليل؟" "دليل يثبت إن فؤاد كان متورط في كل شيء." سألت سلمى: "طيب ليه سامح اختفى كل السنين دي؟" قال الدكتور: "لأنه ما كانش يقدر يرجع." "ليه؟" "لأن فؤاد كان ماسك حاجة أخطر." "إيه؟" نظر إلى سارة. "هويتها." سألت سارة: "هويتي؟" "كان ممكن يسلمك للناس اللي كانوا بيدوروا عليك." قالت سلمى: "يعني كل ده كان عشان سارة؟" "مش بس سارة." أشار إلى سلمى. "إنتِ كمان." سكتت. قال الدكتور: "أمكم كانت تعرف إن في شخص من داخل العائلة بيسرب المعلومات." قال آدم: "مين؟" قال الدكتور: "ما قدرتش تعرف." قال ياسين: "بس الرسائل؟" "أي رسائل؟" أخبرته سلمى بكل شيء. فكر لحظات. ثم قال: "الرقم اللي كان بيراسلك مش رقم فؤاد." قالت: "أمال مين؟" "رقم قديم." "لمن؟" قال: "لسامح." سكت الجميع. قالت سلمى: "يعني بابا كان بيراسلني؟" "مش بالضرورة." "طب مين كان بيستخدمه؟" قبل أن يجيب، انطفأت الأنوار. سمعوا صوت باب يُغلق. قال ياسين: "محدش يتحرك." ظهر صوت من السماعة القديمة الموجودة في الغرفة. "كويس إنكم جيتوا." كان نفس الصوت. صوت سامح. قالت سلمى: "بابا؟" "أيوه." "فينك؟" "بصي وراكي." استدارت. كان هناك باب صغير في الحائط. فتح ببطء. ظهر رجل يقف في الظلام. تقدمت هدى خطوة. وضعت يدها على فمها. "سامح..." خرج الرجل إلى الضوء. كان أكبر سنًا، وملامحه متعبة، لكن عينيه كانتا كما تتذكرهما هدى. قالت سلمى: "إنت..." ابتسم بحزن. "أيوه." لم تستطع الحركة. قال: "أنا أبوكي." نزلت دموعها. لكنها لم تقترب. قالت: "ليه؟" "عشان أحميكي." ضحكت وهي تبكي. "كلكم بتقولوا نفس الكلام." اقترب خطوة. "عارف." "ليه سيبتني؟" توقف. "لأنني لو رجعت، كانوا هيقتلوكي." "وسارة؟" نظر إلى سارة. "كنت بدور عليها." قالت: "أنا قدامك." ابتسم. "عارف." ثم نظر إلى يوسف. "شكرًا." يوسف لم يرد. قال سامح: "أنت وفيت بوعدك." رد يوسف: "حاولت." قال آدم: "أنا عندي سؤال." نظر سامح إليه. "ليه ما رجعتش لينا كل السنين دي؟" قال: "لأن الشخص اللي كان بيراقبكم كان أقرب مما تتخيل." سأل ياسين: "مين؟" قال سامح: "مريم." تجمدت سلمى. "مريم؟" "أيوه." "بس هي..." "مريم ما كانتش بتخونكم." "أمال؟" "كانت بتراقب الشخص اللي بيخونكم." قال آدم: "مين الشخص؟" نظر سامح إلى الجميع. ثم قال: "الشخص اللي كان بيوصل كل تحركاتكم لفؤاد." سكت. قالت سلمى: "مين؟" رفع سامح عينيه إليها. "أقرب شخص ليكي." نظرت إلى ياسين. ثم إلى سارة. ثم إلى هدى. وأخيرًا إلى يوسف. لكن سامح هز رأسه. "ولا واحد فيهم." قال: "الشخص ده..." توقف فجأة. سمعوا صوت سيارة تتوقف خارج المستشفى. ثم صوت خطوات كثيرة. قال الدكتور نادر: "لازم نمشي." سأل ياسين: "مين وصل؟" نظر سامح إلى الباب. "فؤاد." قالت سلمى: "هو عرف إنك هنا؟" أجاب سامح: "لأ." ثم نظر إليها. "الشخص اللي معاه هو اللي عرفه." قالت: "مين؟" فتح الباب الخلفي. وقبل أن يخرج، قال: "صديقتك مريم." تجمدت سلمى. "مستحيل." قال سامح: "لو عايزة تتأكدي..." ثم أخرج هاتفًا. عرض لها صورة. كانت مريم واقفة بجوار فؤاد. وفي يدها... كان هناك المفتاح رقم 11. رفعت سلمى عينيها. "هي خانتنا." لكن ياسين اقترب منها وقال: "استني." "إيه؟" أشار إلى الصورة. "بصي كويس." نظرت. ثم شهقت. على معصم مريم كان هناك أثر واضح لحبل. قالت سلمى: "دي مش واقفة معاه بإرادتها." قال سامح: "بالضبط." ثم دوى صوت قوي من الخارج. قال: "دلوقتي لازم نعرف..." وتغير وجهه. "مين اللي بيحاول يخلينا نصدق إنها الخاينة؟" وفجأة وصلت رسالة إلى هاتف سلمى. "لو عايزة تعرفي الحقيقة عن مريم، تعالي لوحدك." رفعت رأسها. وكانت الرسالة من رقم... رقمها هي. الفصل التاسع عشر: الرسالة التي أرسلتها سلمى لنفسها ظلت سلمى تحدق في شاشة هاتفها. لم تكن المشكلة في محتوى الرسالة فقط، بل في الرقم الذي ظهرت منه. رقمها هي. قال ياسين: "إيه؟" لم تجبه. اقترب منها. "سلمى؟" ناولته الهاتف. قرأ الرسالة، ثم رفع عينيه إليها. "إنتِ بعتّي لنفسك حاجة؟" هزت رأسها بسرعة. "لأ." قال آدم: "وريني." أخذ الهاتف. "الرسالة وصلت من رقمك فعلًا." قال الدكتور نادر: "مستحيل." رد سامح: "مش مستحيل." نظر إليه الجميع. قال سامح: "لو حد عنده نسخة من الشريحة أو قدر يدخل على الحساب، يقدر يعمل كده." قال ياسين: "يعني حد عايز يخليها تصدق إن الرسالة منها." قالت سلمى: "بس ليه؟" أجاب سامح: "عشان لو اتبعتت من رقم مجهول، هتشكّي." ثم نظر إليها. "لكن لو جات من رقمك، عقلك هيقول إنك إنتِ اللي بعتّيها." قالت سلمى: "وإيه المكان؟" قرأت الرسالة مرة أخرى. "تعالي لوحدك." قال ياسين: "مش هتروحي." "لازم أعرف." "نعرف وإحنا مع بعض." تدخل سامح: "لو الشخص ده متوقع إنك هتروحي لوحدك، يبقى عندنا فرصة." قال آدم: "نخليها تروح، ونراقبها." قالت سلمى: "بس لو شافكم؟" ابتسم ياسين. "مش هيشوفني." نظرت إليه. "واثق؟" "أكتر منك." ضحكت رغم توترها. "مغرور." "أهو لسه عندي وقت أستفزك." قالت: "وأنا لسه عندي وقت أرد عليك." قال آدم: "ممكن نركز؟" ضحك ياسين. "أخوها متضايق." رد آدم: "أخوها خايف عليها." قالت سلمى: "خلاص يا جماعة." ثم نظرت إلى ياسين. "هروح." قال: "وأنا وراكي." --- بعد نصف ساعة، وصلت سلمى إلى العنوان الموجود في الرسالة. كان مقهى قديمًا في شارع جانبي هادئ. دخلت. لم يكن هناك سوى رجل مسن يجلس في آخر المكان. جلست سلمى. انتظرت. دقيقة. اثنتان. خمس. ثم جاءها صوت من خلفها: "كنت عارف إنك هتيجي." استدارت. كانت مريم. وقفت سلمى فجأة. "إنتِ؟" جلست مريم أمامها. "أيوه." "إنتِ اللي بعتّي الرسالة؟" "لأ." "أمال مين؟" "مش عارفة." "وصورتك مع فؤاد؟" تغير وجه مريم. "شفتِها؟" "أيوه." "أنا ما كنتش معاه بإرادتي." "عرفت." "إزاي؟" "الحبل اللي على إيدك." نظرت مريم إلى معصمها. ثم قالت: "سامح لسه عايش؟" تجمدت سلمى. "إنتِ كنتِ عارفة؟" "أيوه." "من إمتى؟" "من أول ما بدأت أراقب فؤاد." "يعني إنتِ كنتِ بتشتغلي معاه؟" "كنت بتظاهر." "ليه ما قولتيليش؟" تنهدت مريم. "لأنك لو عرفتي، كنتِ هتتصرفي بطريقة ممكن تقتلنا كلنا." "وأنا كنت أصدق إنك صاحبتي." "أنا صاحبتك فعلًا." "طب ليه كل الأسرار؟" نظرت مريم إلى عينيها. "عشان أسرارك مش أسرارك لوحدك." سكتت سلمى. قالت مريم: "في ناس بتموت بسبب أسرارنا." "مين؟" "مريم." "مين؟" "مريم اللي إنتِ تعرفيها." قالت سلمى: "إنتِ مريم!" هزت رأسها. "مش أنا." تجمدت سلمى. "إيه؟" قالت: "أنا اسمي الحقيقي مش مريم." "أمال؟" "نور." شعرت سلمى بدوار. "ليه كل الناس بتغير أسماءها؟" "لأن اللي بيغير اسمه بيحاول يهرب من شخص." "إنتِ بتهربي من مين؟" قالت نور: "من فؤاد." "طب مريم الحقيقية؟" صمتت. "ماتت." قالت سلمى: "إيه؟" "الست اللي كانت أم آدم وسارة... مريم الحقيقية ماتت من سنين." "يعني؟" قالت نور: "أنا كنت أشتغل معاها." "إيه علاقتك بيها؟" "كنت أعرف كل خطتها." ثم أخرجت صورة قديمة. وضعتها أمام سلمى. في الصورة كانت مريم الحقيقية تقف بجوار فتاة صغيرة. قالت نور: "دي سارة." حدقت سلمى بالصورة. "إنتِ كنتِ معاها؟" "أيوه." "وقت اختفائها؟" "أيوه." "مين أخدها؟" نظرت نور إلى الباب. "مش هنا." "ليه؟" "لأن الشخص اللي بيدور عليكي وصل." --- في الخارج، كان ياسين يراقب المكان من السيارة. قال آدم: "في حركة." "فين؟" "العربية اللي هناك." نظر ياسين. "من إمتى واقفة؟" "من قبل ما ندخل." قال ياسين: "اتصل بسامح." لكن قبل أن يخرج هاتفه، جاءه اتصال. نور. رد بسرعة. "ألو؟" جاء صوتها مرتبكًا: "ياسين، خدو سلمى وامشوا فورًا." "إيه اللي حصل؟" "هو هنا." "مين؟" لكن الخط انقطع. فتح ياسين الباب. "آدم، ادخل." دخلا بسرعة. في الداخل، كانت سلمى واقفة أمام نور. قالت: "مين هنا؟" نور لم تجب. فجأة انفتح باب المقهى. دخل رجلان. صرخت نور: "اجري!" أمسكت سلمى بيدها. "من هنا!" ركضتا نحو الباب الخلفي. دخل ياسين في اللحظة نفسها. "سلمى!" صرخت: "ياسين!" وصل إليها. قال: "إنتِ كويسة؟" "أيوه." "مين دول؟" قالت نور: "رجال فؤاد." قال آدم: "فين فؤاد؟" أجابت: "مش هو." "أمال؟" نظرت نور إلى سلمى. "أخطر." قالت سلمى: "مين؟" قالت نور: "الشخص اللي كان بيحرك فؤاد من البداية." --- خرجوا من الباب الخلفي. كانت سيارة تنتظرهم. قادها سامح. ركب الجميع. قال سامح: "مين معاكم؟" قالت سلمى: "نور." نظر إليها من المرآة. تغير وجهه. "نور؟" قالت نور: "أيوه." "إنتِ لسه عايشة؟" ضحكت بمرارة. "مش بسهولة." قال سامح: "لازم نروح للمكان الآمن." قال ياسين: "فين؟" "بيت قديم في أطراف المدينة." قالت سلمى: "ليه؟" "لأن محدش يعرفه." لكن نور قالت: "أنا أعرفه." التفت الجميع إليها. قالت: "فؤاد يعرفه." توقف سامح للحظة. "إزاي؟" "لأنه كان المكان اللي بيخبي فيه الملفات." قال سامح: "يبقى مش آمن." قالت سلمى: "طب نروح فين؟" صمت الجميع. ثم قالت سلمى: "المستشفى." نظر إليها ياسين. "رجعنا لنفس المكان." "هناك بدأ كل شيء." قال سامح: "ويمكن هناك ينتهي." --- عادوا إلى المستشفى. لكن هذه المرة لم يدخلوا من الباب الرئيسي. نزلوا إلى القبو. كان المكان مظلمًا وباردًا. قالت سلمى: "إحنا رايحين فين؟" قال سامح: "لغرفة ما حدش يعرف عنها." قال آدم: "حتى أنا؟" "حتى أنت." فتح بابًا حديديًا. كانت الغرفة صغيرة. فيها مكتب وخزنة وشاشة قديمة. قال سامح: "هنا مريم كانت بتخزن كل حاجة." سألته سلمى: "كل حاجة إيه؟" "أسماء، تسجيلات، صور، تحويلات مالية..." قال ياسين: "دليل كامل." "أيوه." اقتربت سلمى من الخزنة. وجدت رقمًا محفورًا عليها. 11. نظرت إلى ياسين. "مرة تانية." قال: "الرقم ده بقى بيطاردنا." أدخلت المفتاح. انفتح الباب. لكن الخزنة كانت فارغة. إلا من ورقة واحدة. أخذتها سلمى. كان مكتوبًا: "لو وصلتِ للورقة دي، يبقى الشخص اللي وثقتي فيه أكتر من اللازم هو اللي خانك." نظرت إلى ياسين. ثم إلى سارة. ثم إلى آدم. ثم إلى يوسف. ثم إلى هدى. قالت: "هو مين؟" قال سامح: "دي مش إجابة." "أمال إيه؟" قال: "دي طريقة عشان تخليكم تشكوا في بعض." مزقت سلمى الورقة. "مش هخليه يكسب." فجأة أضاءت الشاشة. ظهر تسجيل. كانت مريم الحقيقية. وجهها متعب، لكنها كانت تبتسم. قالت: "لو بتشوفوا التسجيل ده، يبقى أنا مت." توقفت سلمى عن التنفس. تابعت مريم: "أنا عارفة إنكم هتفتكروا إن فؤاد هو السبب." ثم ابتسمت بحزن. "بس فؤاد مجرد أداة." نظر الجميع إلى بعضهم. قالت مريم: "الشخص الحقيقي هو..." توقف التسجيل. قال ياسين: "إيه اللي حصل؟" اقترب آدم من الجهاز. "التسجيل متقطع." قال سامح: "في جزء ناقص." ثم ظهرت جملة على الشاشة: "أكمِلوا التسجيل من الجهاز الموجود في البيت الأول." قالت سلمى: "بيت فؤاد." أومأ سامح. "أيوه." قال ياسين: "يبقى لازم نرجع." قالت نور: "مش لازم." نظر إليها الجميع. أخرجت هاتفًا صغيرًا. "أنا عندي النسخة." حدقت سلمى فيها. "إنتِ كنتِ عارفة؟" قالت نور: "مريم أعطتهالي قبل ما تموت." "ليه؟" "عشان قالت إنك في يوم من الأيام هتحتاجيه." شغلت التسجيل. ظهر وجه مريم مرة أخرى. قالت: "الشخص الحقيقي هو..." صوت تشويش. ثم قالت: "يوسف." تجمد الجميع. رفعت سلمى عينيها. كان يوسف واقفًا عند الباب. قال: "ما تسمعوش التسجيل." نظر إليه ياسين. "ليه؟" "لأنه مزيف." قالت سلمى: "إنت ليه متوتر؟" "لأني عارف مين عمله." "مين؟" قال يوسف: "مريم." قالت سلمى: "بس مريم ماتت." أجاب: "بالضبط." ثم انطفأت الشاشة. وجاء صوت من خلفهم: "مريم ما ماتتش." استدار الجميع. كان سامح واقفًا. لكن هذه المرة كان يمسك سلاحًا. قال: "لأن مريم هي اللي كانت بتحرك كل ده." تراجعت سلمى. "بابا؟" نظر إليها سامح. ثم قال: "وهي عايزة منك حاجة واحدة." "إيه؟" "إنك تكرهي كل شخص بتحبيه." نظر ياسين إلى سلمى. ثم إلى سامح. وقال: "وإحنا لسه مش عارفين..." توقف. "إنت سامح فعلًا؟" ساد صمت ثقيل. ابتسم الرجل أمامهم. ثم قال: "أخيرًا... حد سأل السؤال الصح." وفي تلك اللحظة، أخرج نور هاتفها، وظهرت على الشاشة صورة حديثة لمريم. كانت واقفة أمام المرآة. وخلفها... كان فؤاد. لكن المفاجأة لم تكن في وجود فؤاد. بل في الشخص الثالث الواقف بجواره. يوسف. شهقت سلمى. "مستحيل..." قال ياسين: "يعني يوسف كان معاهم." هزت نور رأسها. "مش بس معاهم." ثم قالت: "هو اللي بدأ كل حاجة." رفع يوسف عينيه. ولأول مرة منذ بداية الحكاية... ابتسم. الفصل العشرون: الرجل الذي حرّك الخيوط ساد الصمت داخل الغرفة لثوانٍ طويلة، حتى إن سلمى سمعت دقات قلبها بوضوح. كانت تحدق في يوسف، والرجل الذي عاش أمامها سنوات باسم أبيها لم يعد يبدو مألوفًا لها. كل كلمة سمعَتها طوال الأيام الماضية كانت تعيد تشكيل حياتها من جديد، وكل حقيقة تكتشفها كانت تفتح بابًا لحقيقة أسوأ. قالت سلمى بصوت مرتجف: "يعني إنت كنت معاهم؟" لم يجب يوسف. اقترب ياسين منها وقال بهدوء: "خليكي ورايا." لكن سلمى لم تتحرك. "أنا بسألك يا يوسف." رفع يوسف عينيه إليها وقال: "أيوه." شهقت هدى: "يوسف!" قالت سلمى: "أيوه إيه؟ كنت معاهم؟" "كنت." "من إمتى؟" "من قبل ما تولدي." ضحكت سلمى ضحكة قصيرة مليئة بالوجع. "طبعًا... من قبل ما أولد. واضح إن حياتي كلها كانت مسرحية وأنا آخر واحدة عارفة." قال يوسف: "أنا ما كنتش عايز أأذيك." "بس أذيتني." "حاولت أحميك." صرخت: "بلاش الكلمة دي! كل واحد فيكم بيقول إنه كان بيحميني! مرة ماما، مرة بابا، مرة آدم، مرة إنت! أنا مش عايزة حد يحميني، أنا عايزة حد يقول لي الحقيقة!" نظر إليها يوسف طويلاً، ثم قال: "الحقيقة إنني دخلت حياة أمك لأجل مصلحة فؤاد." تراجعت هدى كأنها تلقت صفعة. قالت: "كنت بتشتغل معاه؟" "في البداية." "وكنت بتراقب مريم؟" "أيوه." "وكنت تعرف إن سامح عايش؟" صمت يوسف. قالت سلمى: "جاوب." "أيوه." انفجرت هدى في البكاء. "كنت عارف إنه عايش وسايبني كل السنين دي أفتكره مات؟" قال يوسف: "ما كانش عندي اختيار." ضحكت هدى بمرارة. "كان عندك اختيار كل يوم." تدخل سامح: "كفاية." التفت إليه يوسف. "إنت آخر واحد يتكلم." اقترب سامح خطوة. "أنا عارف إنك عايز توصلهم." "وأنا عارف إنك عايز تفضل البطل." قال ياسين: "إنتوا الاتنين عايزين تسكتوا." التفت إليه سامح. "إنت مالك؟" "لأني الشخص الوحيد هنا اللي مش عارف هو واقف فين." نظرت سلمى إلى ياسين، وشعرت لأول مرة أن خوفه عليها لم يكن مجرد قلق. كان هناك شيء في عينيه لم تستطع تفسيره. قالت: "ياسين." "نعم؟" "إنت كنت تعرف حاجة؟" صمت. "من أول يوم؟" هز رأسه. "لا." "متأكد؟" "متأكد." قال يوسف بسخرية: "هو فعلًا ما كانش يعرف." نظر الجميع إليه. تابع: "لأن الشخص اللي كان لازم يعرفه... كان فؤاد." قال آدم: "إنت بتتكلم عن إيه؟" ابتسم يوسف. "عن ياسين." تجمدت سلمى. "إيه دخل ياسين؟" قال يوسف: "اسأليه." التفتت إليه. "ياسين؟" قال ياسين: "ما تبصيش له." "جاوبني." "أنا ما أعرفش هو عايز يوصل لإيه." قال يوسف: "اسأليه عن أبوه." تغير وجه ياسين. قالت سلمى: "أبوك؟" سكت. قالت مرة أخرى: "ياسين، أبوك له علاقة بفؤاد؟" ظل صامتًا. قال آدم: "جاوبها." أخذ ياسين نفسًا عميقًا. "أبويا كان شغال عند فؤاد." اتسعت عينا سلمى. "إنت كنت عارف؟" "أيوه." "وما قلتليش؟" "لأن ده ملوش علاقة بيا." قالت: "إزاي ملوش علاقة بيك؟" "لأن أبويا مات وأنا صغير." "بس كنت عارف إنه كان مع فؤاد." "كنت عارف." "ليه ما قلتليش؟" اقترب منها. "لأني كنت عارف إنك هتخافي مني." قالت بصوت منخفض: "وأنا دلوقتي مش عارفة أخاف منك ولا أثق فيك." تألم وجهه. "سلمى..." قال يوسف: "شايفة؟ بدأت تشك." صرخت سلمى: "اسكت!" رفع يوسف حاجبه. "بدأت تفهمي." قالت: "أنا مش هسمح لك تلعب بعقلي." ثم التفتت إلى ياسين. "بص في عيني وقولي إنك ما كنتش تعرف حاجة عني." نظر إليها مباشرة. "والله ما كنت أعرف إنك إنتِ البنت اللي كانوا بيدوروا عليها." سكتت. "كنت عارف إن فيه عيلة قديمة، وإن فؤاد بيدور على بنتين. لكن ما كنتش أعرف إنك واحدة منهم." قالت: "إمتى عرفت؟" "من يوم ما سمعت اسم سارة." "يعني من يوم ما ظهرت الحقيقة؟" "أيوه." "وليه فضلت معايا؟" ابتسم بحزن. "لأن في الوقت ده كنت خلاص حبيتك." توقفت. قال يوسف: "الحب مش دايمًا بيكون جزء من الخطة." قال ياسين: "ولا كل حاجة في الدنيا مؤامرة زي حياتك." نظر إليه يوسف. "ممكن." ثم رفع هاتفه وأظهر صورة قديمة. كانت صورة لسلمى وهي طفلة، وعلى ظهرها رقم. قال: "فؤاد كان بيدور على الرقم ده." سألت سلمى: "إيه الرقم؟" قال: "رقم الملف." أخذت الصورة. كان مكتوبًا: 11/27 قال آدم: "ده تاريخ." هز يوسف رأسه. "لأ." قالت سلمى: "إذن إيه؟" قال يوسف: "رقم العملية." اقترب الدكتور نادر. "عملية الفصل." قالت سلمى: "فصل إيه؟" نظر الطبيب إليها بحزن. "أنتِ وسارة ما كنتوش مجرد أختين اتفرقوا." قالت: "أمال؟" "كنتوا جزءًا من عملية أكبر." "عملية إيه؟" "كانوا بيحاولوا يثبتوا إن بعض الأطفال ممكن يتربوا بهويات مختلفة، ثم يستخدموا اختلاف الهويات لإخفاء أصولهم الحقيقية." قالت سلمى: "يعني إحنا كنا تجربة؟" قال الدكتور: "لا." ثم سكت. "مريم رفضت." قال آدم: "وعشان كده قتلوها." قال سامح: "لا." نظر الجميع إليه. "مريم لم تمت بسبب العملية." سألته سلمى: "أمال ماتت ليه؟" "لأنها كانت هتفضحهم." قال يوسف: "وفؤاد كان خايف." قالت هدى: "ومين كان معاها وقتها؟" نظر سامح إلى يوسف. "هو." قالت سلمى: "إنت كنت موجود؟" قال يوسف: "أيوه." "وشفت مين قتلها؟" صمت. "يوسف!" قال: "أيوه." "مين؟" رفع عينيه إليها. "سامح." شهقت هدى. "كذاب!" قال يوسف: "سامح قتل مريم." صرخ سامح: "ما تكدبش!" "كنت موجود." "إنت اللي قتلتها." قالت سلمى: "وقفوا!" ثم نظرت إلى سامح. "بابا... هل قتلت مريم؟" لم يجب. انكسرت ملامحها. "جاوب." قال سامح: "أنا ما قتلتهاش." "طب ليه مش بتقول كل حاجة؟" "لأن الحقيقة هتوجعك." قالت: "أنا اتوجعت خلاص." سكت. ثم قال: "مريم ماتت وهي بتحاول تنقذكم." هدأت سلمى قليلًا. "إزاي؟" قال: "فؤاد دخل عليها. كان معاه رجلين. وأنا حاولت أوقفه." "وبعدين؟" "حصل اشتباك." "مين ضربها؟" "واحد من رجال فؤاد." قال يوسف: "بس سامح كان هناك." "كنت هناك." "وسبتها." صرخ سامح: "كنت مصاب!" قال يوسف: "وهربت." قال سامح: "هربت عشان أخرج سلمى." "وسبت مريم." انخفض صوت سامح. "أيوه." قالت هدى: "وأنا كنت مستنياك." نظر إليها. "عارف." "سنين." "عارف." "وأنا كنت فاكرة إنك ميت." لم يستطع الرد. ابتعدت هدى عنه. كانت سلمى تراقب الجميع، ثم قالت: "كفاية." التفتوا إليها. قالت: "أنا مش هفضل أسمع روايات مختلفة. عندي سؤال واحد." أشارت إلى يوسف. "مين اللي بدأ كل ده؟" ثم إلى سامح. "ومين اللي كمل؟" ثم إلى الدكتور نادر. "ومين اللي أخفى الحقيقة؟" ثم إلى آدم. "ومين اللي كان بيحاول يحمينا؟" وأخيرًا نظرت إلى ياسين. "ومين اللي بيحبني فعلًا؟" ساد الصمت. اقترب ياسين منها. قال: "أنا." نظرت إليه. "حتى لو أبوك كان مع فؤاد؟" "حتى لو." "حتى لو كل ده ممكن يضرك؟" "أيوه." "حتى لو أنا مش عارفة هكون مين بعد ما أعرف كل الحقيقة؟" "هستنى تعرفي." قالت: "ليه؟" "لأني مش بحب الشخص اللي الناس عايزاني أحبه. أنا بحبك إنتِ." لمعت عيناها. لكن قبل أن ترد، سمعوا صوت تصفيق بطيء. نظر الجميع ناحية الباب. كان فؤاد يقف هناك. وبجواره امرأة. سلمى شهقت. "مريم؟" كانت المرأة تشبهها. تشبه سارة. لكنها كانت أكبر سنًا. ابتسمت. "أخيرًا اتجمعتم كلهم." قال آدم: "مين دي؟" قالت المرأة: "أنا مريم." تراجعت سلمى. "ماما؟" ابتسمت المرأة. "أيوه يا سلمى." قالت هدى: "مستحيل." ردت مريم: "ليه مستحيل؟" تقدمت خطوة. "إنتِ شفتِني وأنا بموت؟" هدى لم تستطع الكلام. قال سامح: "أنتِ كنتِ ميتة." ضحكت مريم. "لا." ثم نظرت إلى سلمى. "أنا كنت مختفية." قالت سلمى: "ليه؟" "عشان أحميكم." صرخت: "إنتِ كمان؟!" قالت مريم: "لأن الحقيقة أكبر من اللي تتخيليه." ثم نظرت إلى فؤاد. "هو مش العدو." تجمد الجميع. قال فؤاد: "مريم..." أشارت إليه بالصمت. ثم قالت لسلمى: "العدو الحقيقي دخل حياتك من أول يوم." نظرت سلمى إلى ياسين. ثم قالت مريم: "مش ياسين." تنفست سلمى. لكن مريم تابعت: "العدو الحقيقي..." توقفت. ثم أشارت إلى آدم. تجمدت سارة. "آدم؟" نظر آدم إليها. "لا." قالت مريم: "آدم هو الشخص الوحيد اللي كان يعرف مكان الدليل." صرخ آدم: "كذابة!" لكن مريم ابتسمت. "إذن قول لهم الحقيقة." صمت آدم. قالت سلمى: "آدم؟" لم يجب. اقتربت منه سارة. "قول." رفع آدم عينيه إليها. كانت عيناه ممتلئتين بالدموع. وقال: "أنا فعلًا كنت أعرف مكان الدليل." تجمد الجميع. قالت سلمى: "فين؟" أجاب آدم: "معايا." ثم أخرج من جيبه بطاقة صغيرة. "الدليل طول الوقت كان معايا." قال ياسين: "إنت كنت مخبيه؟" "أيوه." "ليه؟" نظر آدم إلى سارة. "لأن مريم طلبت مني." صمتت مريم. قال آدم: "بس مش مريم اللي قدامنا." نظر إليها. "مريم الحقيقية ماتت." تغير وجه المرأة. قال آدم: "إنتِ مش مريم." تراجعت خطوة. قالت سلمى: "مين إذن؟" نظر آدم إلى المرأة. ثم قال: "أخت مريم." سقط الصمت على المكان. قالت المرأة ببرود: "واضح إنك كبرت أكتر مما توقعت." ثم أضافت: "بس لسه ما فهمتش أهم حاجة." قال آدم: "إيه؟" ابتسمت. "أنا مش أخت مريم." ثم نظرت إلى سلمى. "أنا أمك الحقيقية." تجمدت سلمى. ولم يكن هناك وقت لتسألها كيف، لأن فؤاد أغلق الباب خلفه، وبدأت صفارات الإنذار تدوي في المستشفى. قال ياسين: "لازم نخرج." لكن المرأة ابتسمت وقالت: "دلوقتي بدأ الجزء الحقيقي من الحكاية." الفصل الحادي والعشرون: الحقيقة التي لم تكن مستعدة لسماعها لم تتحرك سلمى، وكأن الكلمات التي سمعتها لم تصل إلى عقلها بعد. كانت تنظر إلى المرأة الواقفة أمامها، ثم إلى هدى، ثم إلى سامح، وكأنها تنتظر من أحدهم أن يضحك ويقول إن كل ما يحدث مجرد لعبة سيئة. لكن لا أحد ضحك. قالت سلمى بصوت متقطع: "إنتِ قلتي إيه؟" ابتسمت المرأة ابتسامة هادئة وقالت: "قلت إنني أمك الحقيقية." هزت سلمى رأسها بعنف. "لأ. أمي قدامي." أشارت إلى هدى. "دي أمي." نظرت المرأة إلى هدى وقالت: "أنا ما قلتش إنها مش أمك." صرخت سلمى: "أمال إيه معنى أمك الحقيقية؟" أجابت: "أنا اللي ولدتك." سقطت الكلمات على الغرفة كأنها قنبلة. شهقت هدى، بينما قال سامح: "كفاية يا ليلى." التفتت سلمى إليه بسرعة. "ليلى؟" المرأة ابتسمت. "اسمي ليلى." قالت سلمى: "يعني مريم مش اسمك؟" "لا." "وأخت مريم؟" "ولا أنا أختها." حدقت سلمى فيها. "أمال مين إنتِ؟" قالت ليلى: "أنا الشخص اللي كان المفروض يموت مكان مريم." قال ياسين: "الكلام ده ملوش معنى." ردت ليلى: "لأنكم لسه سامعين نصف القصة." تقدم فؤاد وقال: "ليلى، كفاية." التفتت إليه بعصبية: "أنت مالك؟ أنا اللي هتكلم." قال فؤاد: "لو عرفوا كل شيء، كلنا هنقع." ردت: "إحنا وقعنا من زمان." هنا قال آدم: "أنا مش فاهم. لو إنتِ أم سلمى، فين مريم؟" نظرت ليلى إليه وقالت: "مريم كانت أختي." صمت آدم. "يعني الكلام اللي قلتيه من شوية..." "كان لازم أخوفهم." قال ياسين: "ليه؟" "لأن الشخص اللي بيدور عليكم موجود هنا." نظر الجميع حولهم. قالت سلمى: "مين؟" أجابت ليلى: "واحد منكم." ارتفعت دقات قلب سلمى من جديد. قالت: "مش هنرجع لنفس اللعبة دي. كل شوية واحد يقول واحد منكم، وبعدين نكتشف إن الكلام كذب." قالت ليلى: "المرة دي مش كذب." ردت سلمى: "يبقى قولي اسمه." نظرت ليلى إلى سامح، ثم إلى يوسف، ثم إلى الدكتور نادر، وأخيرًا إلى ياسين. توقفت عيناها عنده لثوانٍ، فشدت سلمى يد ياسين دون أن تشعر. لاحظت ليلى الحركة وقالت: "مش هو." تنفست سلمى براحة، لكن ليلى تابعت: "الشخص اللي خانكم هو اللي فتح الباب لفؤاد ليلة مريم." قال آدم: "أنا قلت إنني فتحت الباب." قالت ليلى: "إنت كنت طفل." "طب مين؟" لم تجب. فجأة سمعوا صوت ارتطام قوي من الممر. انطفأت الأنوار. قال ياسين: "خليكي ورايا." أمسكت سلمى بذراعه. "أنا مش هبعد عنك." ابتسم رغم الموقف وقال: "ولا أنا عايزك تبعدي." سمعوا خطوات تقترب. قال سامح: "الطريق الخلفي." رد الدكتور نادر: "مقفول." قال آدم: "يبقى السلم." فتح ياسين الباب، لكنه عاد بسرعة. "في ناس برا." قال فؤاد: "لازم نتحرك دلوقتي." نظرت سلمى إلى ليلى وقالت: "إنتِ عارفة طريق تاني؟" ابتسمت ليلى وقالت: "أيوه." مشت نحو الحائط، وضغطت على جزء صغير منه، فانفتح باب مخفي. قال آدم بدهشة: "من إمتى المكان ده فيه باب؟" ردت: "من قبل ما تولد." دخلوا جميعًا، وأغلق الباب خلفهم. كان الممر ضيقًا ومظلمًا، ولم يكن هناك سوى ضوء صغير من مصباح قديم. ساروا بسرعة حتى وصلوا إلى غرفة تحت الأرض. قال ياسين: "إحنا فين؟" أجابت ليلى: "تحت المستشفى." قال سامح: "الممر ده اتقفل من عشرين سنة." ردت: "إنت اللي افتكرته اتقفل." نظر إليها سامح بحدة. "إنتِ عارفة حاجات أكتر مما ينبغي." قالت: "لأني كنت موجودة." جلست هدى على كرسي قديم وهي تمسك رأسها. اقتربت منها سلمى. "ماما." رفعت هدى عينيها إليها. "أنا هنا." قالت سلمى: "قوليلي الحقيقة." "عن إيه؟" "عن ليلى." سكتت هدى طويلًا، ثم قالت: "ليلى كانت موجودة يوم ولادتك." قالت سلمى: "يعني كلامها صحيح؟" "هي ولدت في نفس الليلة." "إنتِ كنتِ فين؟" "كنت مع مريم." "مين مريم؟" "أخت ليلى." "طب مين أمي؟" بدأت هدى في البكاء. "إنتِ مش محتاجة أم غيري." أمسكت سلمى يدها. "أنا عارفة. بس أنا محتاجة أفهم." قالت هدى: "ليلى كانت حامل قبلي بشهور. مريم كانت بتساعدها. حصلت مشاكل وقت الولادة، والطفلة اتولدت ضعيفة جدًا. بعدها حصلت فوضى في المستشفى، وفؤاد دخل المكان." قالت سلمى: "والطفلة؟" نظرت هدى إلى ليلى. "أنتِ." تجمدت سلمى. "أنا؟" هزت هدى رأسها. "أيوه." قالت ليلى من بعيد: "وسارة؟" أجابت هدى: "كانت أختها." قالت سلمى: "إحنا توأم؟" ساد الصمت. ثم قالت هدى: "أيوه." أغمضت سلمى عينيها. "طيب ليه اتفرقنا؟" قال سامح: "لأن فؤاد كان عايز واحدة منكم." "ليه؟" "لأن واحدة منكم كانت مرتبطة بالدليل." قال آدم: "أي دليل؟" أخرجت ليلى قلادة قديمة من رقبتها. "دي." نظر الجميع إليها. قالت: "مريم أخفت الدليل داخلها." اقتربت سلمى. كانت القلادة صغيرة جدًا، وبداخلها جزء معدني غريب. قال الدكتور نادر: "دي مش قلادة عادية." قالت ليلى: "كانت جزءًا من مفتاح." قال ياسين: "مفتاح إيه؟" أجابت: "خزنة رقم 11." قالت سلمى: "إحنا فتحناها." ردت: "الخزنة اللي فتحتوها كانت مزيفة." نظر آدم إلى ياسين. "يعني كل اللي لقيناه كان متجهز لنا." قال سامح: "أيوه." صمت الجميع. ثم قال آدم: "أنا عندي حاجة." أخرج البطاقة التي كان قد أظهرها سابقًا. "دي مش الدليل." نظر إليه الجميع. قال: "دي إحداثيات." أخذها ياسين وقرأها. "المكان ده..." قاطعه سامح: "الميناء القديم." قالت سلمى: "إيه اللي هناك؟" أجاب سامح: "المكان اللي مات فيه أبوك الحقيقي." قالت سلمى: "بس إنت أبويا الحقيقي." خفض سامح عينيه. "أنا مش سامح." سكتت. قالت: "عرفنا." "لا، أنتم عرفتوا جزءًا فقط." رفع عينيه إليها. "اسمي الحقيقي كريم." شهقت هدى. "كريم؟" قالت سلمى: "مين كريم؟" أجاب: "صديق سامح." قال يوسف: "كنت عارف." التفتت إليه سلمى. "إنت عارف كل حاجة!" رد يوسف: "مش كل حاجة." "أمال ليه كنت عايش معانا باسم سامح؟" قال كريم: "لأن سامح الحقيقي مات وهو بيحاول يحميكم، وأنا أخذت مكانه حتى ما يعرفوش إنكم لسه عايشين." قالت سلمى: "يعني إنت مش أبويا." "لا." "بس ربيتني." "أيوه." اقتربت منه. "يبقى مهما كان اسمك، إنت بابا." لمعت عيناه. "سلمى..." قالت: "أنا مش عارفة الحقيقة كلها، بس دي الحقيقة الوحيدة اللي أنا متأكدة منها." احتضنها كريم للحظة، بينما أدار ياسين وجهه احترامًا. ابتسم آدم وقال: "واضح إن عندنا مشاكل عائلية أكتر من أي مسلسل." ضحكت سلمى رغم دموعها. قالت: "وأنت أخويا." "أيوه." "وأنا مش عارفة أصدق ده لسه." قال: "ولا أنا." ابتسمت سارة وقالت: "على الأقل طلع عندي أخ." نظر إليها آدم. "وأنا طلعت عندي أختين." قالت: "ثلاثة." نظروا إليها باستغراب. أشارت إلى سلمى وقالت: "أنا وسلمى وليلى." ضحكت ليلى وقالت: "لا تحمليها فوق طاقتها." لأول مرة منذ ساعات، شعروا بشيء يشبه الراحة. لكن ياسين ظل صامتًا. اقتربت منه سلمى. "مالك؟" قال: "في حاجة مش مريحاني." "إيه؟" "الميناء." "ليه؟" "لو فؤاد كان عايز الدليل فعلًا، ليه سايبنا نوصل له؟" قالت: "يمكن عايزنا نروح." "بالضبط." ثم أخرج هاتفه. كان هناك تسجيل صوتي وصل إليه منذ دقائق. شغله. جاء صوت مجهول: "لو وصلتوا للميناء، هتعرفوا مين الخاين الحقيقي." ثم صمت، قبل أن يأتي صوت آخر تعرفت عليه سلمى فورًا. كان صوت مريم. "ومتخليش سلمى تثق في ياسين." أغلقت سلمى عينيها. قالت: "تاني؟" نظر إليها ياسين. "واضح إن حد مصر يفرق بيننا." قالت: "مش هخليه." "حتى لو التسجيل حقيقي؟" "حتى لو." ثم أمسكت يده. "أنا هعرف الحقيقة بنفسي." قال آدم: "يبقى نروح الميناء." قال كريم: "مش هتروحوا." ردت سلمى: "ليه؟" "لأن المكان خطر." قالت: "كل الأماكن بقت خطر." ثم نظرت إلى ياسين. "بس أنا مش ههرب." قال ياسين: "وأنا معاكي." قالت: "عارفة." قال آدم: "وأنا كمان." قالت سارة: "وأنا." قال يوسف: "وأنا." نظرت سلمى إلى الجميع، ثم قالت: "يبقى نروح." خرجوا من الممر واحدًا تلو الآخر، لكن قبل أن تغادر ليلى، أمسكت يد سلمى. قالت: "قبل ما تروحي، لازم أقولك حاجة." "إيه؟" "أبوك الحقيقي ما ماتش في الميناء." تجمدت سلمى. "إنتِ قلتي..." "قلت لكِ إنهم قالوا إنه مات." "يعني سامح عايش؟" هزت ليلى رأسها. "أبوك الحقيقي عايش." "فين؟" نظرت ليلى إلى ياسين. "هو أقرب مما تتخيلي." قالت سلمى: "مين؟" لكن ليلى لم تجب. فقط قالت: "لما توصلي للميناء، ابحثي عن الرجل اللي يحمل نفس عينيك." خرجت سلمى من الغرفة وهي تفكر في الجملة، بينما كان ياسين يسير بجوارها. وبعد دقائق، وصلوا إلى السيارة. وقبل أن يفتح ياسين الباب، سمعوا صوتًا من خلفهم: "سلمى." استدارت. كان آدم واقفًا وحده. قال: "في حاجة لازم تعرفيها قبل ما نروح." "إيه؟" اقترب منها وقال بصوت منخفض: "أنا شفت أبوكي الحقيقي." اتسعت عيناها. "إمتى؟" "من كام يوم." "فين؟" "كان في المكان اللي حصلت فيه أول مواجهة بينا." "يعني؟" قال آدم: "كان بيتابعك." سألته: "ليه؟" صمت طويلًا، ثم قال: "لأنه مش خايف عليكِ." "أمال؟" نظر آدم إلى ياسين. "هو خايف منك." شعرت سلمى بقشعريرة. قالت: "منّي؟ ليه؟" أجاب آدم: "لأنك الوحيدة اللي تقدر تفضحيه." ثم ركب السيارة. بقيت سلمى واقفة للحظات، وياسين بجوارها. قالت: "أنا مش فاهمة أي حاجة." ابتسم وقال: "ولا أنا." نظرت إليه. "بس عندي إحساس إن اللي جاي هيغير كل حاجة." رد: "أكيد." ثم فتح لها الباب. "اركبي." ركبت، وجلست بجواره. وبينما تحركت السيارة نحو الميناء القديم، لم تكن سلمى تعرف أن شخصًا كان ينتظرها هناك منذ سنوات، وأن الحقيقة التي تبحث عنها لم تكن مخبأة في خزنة أو ورقة أو تسجيل... بل في شخص واحد كانت تراه كل يوم، دون أن تعرف أنه يحمل مفتاح ماضيها كله. الفصل الثاني والعشرون: الرجل الذي كان ينتظرها كانت الطريق إلى الميناء هادئة بشكل غريب، والهدوء نفسه جعل سلمى أكثر توترًا. جلست بجوار ياسين وهي تحدق من النافذة، بينما كان آدم وسارة في المقعد الخلفي، وكريم وليلى في سيارة أخرى خلفهم. لم يكن أحد يتحدث، حتى قالت سلمى فجأة: "أنا مش عارفة ليه حاسة إننا رايحين نكتشف حاجة هنندم عليها." قال ياسين وهو يركز في الطريق: "يمكن لأن كل مرة بنكتشف حاجة، بتطلع أسوأ من اللي قبلها." نظرت إليه وقالت: "بتحاول تطمني؟" ابتسم: "كنت بحاول." "فشلت." "عارف." سكت لحظة، ثم مد يده وأمسك يدها. نظرت إلى يده، ثم إليه. "إيه؟" قال: "بس عشان تعرفي إني هنا." ابتسمت رغم خوفها. "أنا مش خايفة." "أيوه، عارف." "بطل تقولها." "حاضر." مرت دقائق قبل أن يسألها: "سلمى؟" "نعم؟" "لو اكتشفنا حاجة عني مش هتعجبك..." قاطعته: "مش هسيبك." نظر إليها للحظة. "حتى لو الحقيقة وحشة؟" "حتى لو." ابتسم، وعاد ينظر للطريق. "خلاص، كده أقدر أخاف أقل." من الخلف قالت سارة: "هو أنا الوحيدة اللي شايفة إنكم في وسط كل المصايب دي لسه بتتكلموا كأنكم في خروجة؟" ضحك آدم. "سيبيهم، يمكن دي آخر فرصة للرومانسية قبل المصيبة الجاية." التفتت سلمى للخلف وقالت: "اسكت يا آدم." رد: "حاضر يا أختي." ابتسمت رغم نفسها. لأول مرة منذ بداية الفوضى، شعرت أن كلمة "أختي" لم تعد غريبة عليها. لكن الشعور لم يدم طويلًا. توقفت السيارة أمام بوابة الميناء القديمة. كان المكان مهجورًا، والمباني حوله مظلمة إلا من مصباح واحد بعيد. قال ياسين: "محدش ينزل لوحده." نزلوا جميعًا. أخرج آدم الخريطة من هاتفه وقال: "الإحداثيات بتشير للمخزن رقم 11." قالت سلمى: "طبعًا." قال آدم: "واضح إن رقم 11 مش هيبطل يطاردنا." اقتربوا من المخزن. كان بابه نصف مفتوح. دفعه ياسين ببطء، فصدر صوت صرير طويل. دخلوا. كانت الرائحة خانقة، والغبار يغطي كل شيء. قالت سارة: "في حد هنا." أشار آدم إلى الأرض. كانت هناك آثار أقدام حديثة. قال ياسين: "لسه خارجين." فجأة سمعوا صوتًا من أعلى السلم. "مش خارجين." رفع الجميع رؤوسهم. ظهر رجل في نهاية الممر العلوي. كان يرتدي معطفًا أسود، ووجهه في الظلام. قال: "كنت مستنيكم." قالت سلمى: "مين إنت؟" أجاب: "الشخص اللي أبوكي كان خايف منه." قال ياسين: "انزل." ضحك الرجل. "مش هديك فرصة تانية." قال آدم: "إنت اللي بعت الرسائل؟" "بعضها." قالت سلمى: "مين كان بيبعت الباقي؟" "أبوكي." تجمدت. "سامح؟" "أيوه." قالت: "هو عايز مني إيه؟" "هو مش عايز منك حاجة." "أمال؟" "عايزك تبعدي عن الحقيقة." قالت: "ليه؟" صمت الرجل لحظة، ثم قال: "لأن الحقيقة هتخليكي تكرهيه." قال ياسين: "واضح إنك عايزنا نصدقك." "مش محتاج تصدقني." ثم ألقى شيئًا على الأرض. كانت صورة قديمة. التقطها آدم. نظر إليها، ثم تغير وجهه. "دي..." قالت سارة: "إيه؟" رفع الصورة. كانت لمريم، ويوسف، وكريم، ورجل آخر. قالت سلمى: "مين الرجل ده؟" لم يجب آدم. قال ياسين: "آدم؟" رفع عينيه وقال: "ده أبويا." قالت سلمى: "أبوك كان مع مريم؟" "أيوه." قال الرجل من أعلى: "وأبوك هو اللي بدأ المشروع كله." سأل آدم: "أي مشروع؟" "المشروع اللي كانت مريم بتحاول توقفه." قال آدم: "كذاب." "إنت عندك دليل؟" صمت آدم. ثم قال الرجل: "اسأل أمك." قال آدم: "أمي ماتت." "مش كل اللي بيموت بيموت فعلًا." قالت سلمى: "كفاية ألغاز! انزل واتكلم بوضوح." نزل الرجل ببطء. كلما اقترب من الضوء، ظهرت ملامحه أكثر. وحين أصبح أمامهم، شهقت سلمى. قالت: "إنت..." كان وجهه مألوفًا بشكل مخيف. لم تعرف من أين تعرفه، لكن عينيه تحديدًا جعلتا قلبها يرتجف. قال: "أيوه." قالت: "أنا شفتك قبل كده." ابتسم. "أكيد." سأل ياسين: "فين؟" أجاب الرجل: "في كل مرة كانت سلمى بتكون فيها لوحدها." التفت ياسين إليه بغضب. "كنت بتراقبها؟" "كنت بحميها." صرخت سلمى: "كفاية! كل واحد بيقول بيحميني!" قال الرجل: "لأنك لا تعرفين ماذا حدث لك." قالت: "قول." نظر إليها طويلًا. "أنا اسمي سامح." تجمد الجميع. قالت سلمى: "أبويا؟" هز رأسه. "أبوك الحقيقي." تراجعت خطوة. كانت تبحث في وجهه عن شيء مألوف، عن أي ذكرى، لكنها لم تجد إلا إحساسًا غريبًا بأنها رأته من قبل. قال ياسين: "إنت كنت بتراقبها من أول يوم؟" "أيوه." "ليه ما ظهرتش؟" "لأن ظهورى كان هيقتلها." قالت سلمى: "مين كان هيقتلني؟" قال سامح: "أختك." صرخت سارة: "أنا؟!" هز رأسه. "مش إنتِ." ثم نظر إلى سلمى. "أختك التوأم." قالت سلمى: "أنا ما عنديش غير سارة." قال: "لأ." ساد الصمت. "كان فيه طفلة ثالثة." لم يستوعب أحد كلامه. قال آدم: "توأم ثلاثي؟" أومأ سامح. "ثلاث بنات." نظرت سلمى إلى سارة. "إحنا ثلاثة؟" قال سامح: "أيوه." قالت سارة: "فين الثالثة؟" نظر سامح إلى الظلام خلفهم. "هنا." خرجت امرأة من خلف باب جانبي. توقفت سلمى مكانها. كانت المرأة تشبهها بشكل صادم. نفس العينين تقريبًا، نفس شكل الوجه، حتى طريقة وقوفها كانت قريبة منها. قالت المرأة: "أخيرًا اتقابلنا." لم تستطع سلمى الكلام. اقتربت المرأة. "أنا أختك." قالت سارة: "إحنا اتقال لنا إننا توأم." أجابت: "اتقال لكم كتير حاجات غلط." قالت سلمى: "اسمك إيه؟" ابتسمت. "ملك." سأل آدم: "إنتِ كنتِ فين كل السنين دي؟" أجابت: "مع الشخص اللي كان بيحاول يحميني." نظر سامح إليها. قالت سلمى: "إنت كنت تعرف إنها عايشة؟" "أيوه." "ومخبيها؟" "أيوه." "ليه؟" قال سامح: "لأنهم كانوا عايزينها." سألت ملك: "هما مين؟" أجابت: "الناس اللي أخدوا أمي." قالت سلمى: "مريم؟" هزت ملك رأسها. "أمي الحقيقية." قالت سلمى: "إذن ليلى..." قاطعتها ملك: "ليلى كانت ممرضة." تجمد الجميع. قالت: "كانت موجودة وقت الولادة، لكنها ليست أمي." قال آدم: "إذن مين أمكم؟" نظرت ملك إلى سلمى وقالت: "مريم." صمتت سلمى. "بس مريم ماتت." ملك ابتسمت بحزن. "دي القصة اللي اتقالت لكم." قال ياسين: "إنتِ بتقولي إن مريم عايشة؟" أجابت: "لا." ثم أضافت: "أنا بقول إن مريم ماتت فعلًا." "أمال ليه الناس بتستخدم اسمها؟" "لأن اسمها كان مفتاحًا." قال سامح: "ملك، كفاية." نظرت إليه. "إنت لسه بتخاف عليها." قالت سلمى: "على مين؟" أجابت ملك: "على ليلى." ثم نظرت إلى سلمى وقالت: "ليلى مش أمك." شعرت سلمى بأن الأرض تتحرك تحت قدميها. "طب مين أمي؟" اقتربت ملك منها، وأمسكت يدها. "أمك ماتت وهي بتحاول تخليكي تعيشي." "مين؟" قالت: "مريم." لمعت عينا سلمى بالدموع. "يعني كل اللي حصل..." "كان بسببها." "وإنتِ؟" "أنا كنت صغيرة. ما قدرتش أهرب." "وسارة؟" "اتخبت في مكان تاني." قالت سارة: "ومين رباني؟" ملك نظرت إلى آدم. "والده." اتسعت عينا آدم. "أبويا؟" "أيوه." قال آدم: "بس ليه؟" "لأنه كان جزءًا من المشروع، وبعدها ندم." سأل ياسين: "أي مشروع؟" قالت ملك: "مشروع تبديل الهويات." قال آدم: "لسه مش فاهم." أجابت: "كانوا بيأخذوا أطفالًا، يغيروا أسماءهم، وينقلوهم بين عائلات مختلفة، عشان يخفوا ثروات ومعلومات وعمليات مش قانونية." قالت سلمى: "وإحنا؟" "إنتوا كنتوا آخر ثلاث طفلات." قال سامح: "مريم حاولت توقفهم." قالت ملك: "فقتلوها." ساد صمت ثقيل. فجأة سمعوا صوت سيارة بالخارج. قال ياسين: "لازم نتحرك." لكن سامح هز رأسه. "متأخر." سمعوا أصوات رجال تقترب. قال آدم: "فؤاد؟" قال سامح: "أخطر." فتح باب المخزن ودخل رجل يحمل حقيبة سوداء. خلفه عدة رجال. كان الرجل يبتسم. قالت سلمى: "مين ده؟" قال سامح: "الشخص اللي كان بيمول كل شيء." تقدم الرجل وقال: "اسمي شريف." نظرت سلمى إليه. "إنت اللي ورا كل ده؟" ابتسم. "أنا اللي بدأت." قال ياسين: "وإيه عايز؟" نظر شريف إلى سلمى وملك وسارة. "أريد الثلاثة." قال آدم: "ليه؟" قال شريف: "لأن واحدة منهم تحمل الدليل، والثانية تعرف مكانه، والثالثة تستطيع فتحه." نظرت سلمى إلى أختيها. "إحنا؟" قال شريف: "أنتِ المفتاح." أشار إلى سارة. "هي الذاكرة." ثم نظر إلى ملك. "وهي الحقيقة." قال ياسين: "مش هتاخد حد." رفع شريف يده، فرفع الرجال أسلحتهم. اقترب ياسين من سلمى. همس: "لما أقول لك اجري، تجري." قالت: "وأنت؟" "هكون وراكي." "وعد؟" نظر إليها للحظة. "وعد." فجأة أطفأ آدم المصباح، وعم الظلام. دوى صوت صراخ وحركة، وبدأ الجميع يركضون في اتجاهات مختلفة. أمسكت سلمى بيد سارة، بينما أمسك ياسين بملك. لكن في وسط الفوضى، انفصل آدم عنهم. صرخت سارة: "آدم!" جاء صوته من بعيد: "اجري!" ثم سمعوا صوت باب يغلق. توقف الجميع. قالت سلمى: "آدم!" حاولت العودة، لكن ياسين أمسك يدها. "لازم نمشي." صرخت: "أخويا جوه!" قال: "هنرجع له." "إمتى؟" "أول ما نخرج." خرجوا من الباب الخلفي، لكن قبل أن يبتعدوا، سمعت سلمى صوتًا خلفها. التفتت. كان آدم يقف عند باب المخزن، والرجال خلفه. لكنه لم يكن أسيرًا. كان يمسك شيئًا بيده. صرخ: "سلمى! خدي ده!" ورمى لها بطاقة صغيرة. التقطتها. نظر إليها وابتسم. ثم أغلق الباب. قالت سلمى: "آدم!" حاولت العودة، لكن ياسين سحبها بعيدًا. ركضوا حتى وصلوا إلى السيارة. فتحت سلمى البطاقة وهي تلهث. لم تكن عليها إحداثيات هذه المرة. كان مكتوبًا عليها اسم واحد فقط: ياسين. نظرت إليه بصدمة. قال: "إيه؟" رفعت البطاقة أمام وجهه. "إنت ليه اسمك مكتوب هنا؟" تغير وجهه. "أنا... ما أعرفش." قالت سلمى: "بص في عيني وقولي إنك ما تعرفش." نظر إليها طويلًا. ثم قال بصوت منخفض: "أنا كنت عارف إن اسمي موجود في الملف." تجمدت. "من إمتى؟" "من قبل ما أقابلك." سقط الصمت بينهما. قالت سلمى: "إذن إنت كنت بتكدب عليا." أجاب: "كنت بحاول أحميكي." أغلقت عينيها، ثم قالت: "أنا بدأت أكره الجملة دي." ولم تعرف سلمى أن البطاقة التي تحمل اسم ياسين لم تكن اتهامًا له... بل كانت أول دليل حقيقي على أن الرجل الذي أحبته ربما كان جزءًا من القصة قبل أن يعرف حتى أنها موجودة. الفصل الثالث والعشرون: اسم ياسين لم تتكلم سلمى طوال الطريق. كانت البطاقة بين أصابعها، وكلما نظرت إلى اسم ياسين المكتوب عليها شعرت أن شيئًا بداخلها ينكسر. لم تكن تريد أن تصدق أنه خدعها، لكنها في الوقت نفسه لم تعد تعرف أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ الأكاذيب. كان ياسين يقود بصمت، وكل دقيقة تمر كانت تزيد المسافة بينهما. وأخيرًا قالت سلمى: "وقف العربية." لم يرد. قالت بصوت أقوى: "ياسين، وقف العربية." أوقفها على جانب الطريق. التفت إليها وقال: "اسمعيني." قاطعته: "لأ. المرة دي أنا اللي هتكلم." سكت. رفعت البطاقة أمامه. "اسمك موجود في ملف قديم مرتبط بأمي، وفؤاد، وكل المصايب اللي حصلت لنا. وإنت كنت عارف." قال: "كنت عارف إن اسمي موجود." "وده مش نفس الكلام؟" "لأ." "إذن إيه الفرق؟" أخذ نفسًا عميقًا. "كنت طفل وقتها." "وإيه علاقتك بالموضوع؟" "أبويا." "أبوك؟" "أبويا كان واحد من الناس اللي اشتغلوا مع شريف." تجمدت. "يعني إنت ابن واحد من الناس اللي كانوا بيطاردونا." "أيوه." "وكان يعرفني؟" "لا." "متأكد؟" "أيوه." نظرت إليه طويلًا. "طب ليه اسمك في الملف؟" قال: "لأن أبويا سجل اسمي ضمن الأشخاص اللي كان ممكن يستخدمهم بعدين." "يستخدمهم في إيه؟" "كانوا بيغيروا هويات الأطفال. وأنا كنت واحدًا من الأسماء اللي اتسجلت لهوية جديدة." قالت سلمى: "يعني كان ممكن يغير هويتك زي ما عملوا معانا." "أيوه." "وإنت نجوت إزاي؟" "أمي هربت بيّا." سكتت سلمى. ثم قالت: "ولما قابلتني..." "ما كنتش أعرف إنك إنتِ." "وبعدين؟" "لما عرفت، حاولت أبعدك عن كل حاجة." قالت: "بس قربت مني." "لأني حبيتك." "حتى بعد ما عرفت؟" "خصوصًا بعد ما عرفت." دمعت عيناها. "أنا مش عارفة أصدقك." قال بهدوء: "مش هطلب منك تصدقيني دلوقتي." ثم أضاف: "بس هطلب منك حاجة واحدة." "إيه؟" "ما تسيبيش إيدي." نظرت إلى يده. ثم قالت: "أنا مش قادرة." لم يجبرها. ترك يده بجانبه. وبعد لحظات، مدّت يدها ببطء وأمسكتها. قال: "شكرًا." أجابت: "لسه مش مسامحاك." ابتسم: "عارف." وفي تلك اللحظة رن هاتفها. كان رقمًا مجهولًا. أجابت بحذر. جاءها صوت آدم: "سلمى." شهقت. "آدم! إنت فين؟" "اسمعيني كويس." "إنت كويس؟" "أنا كويس." "إزاي خرجت؟" "ما خرجتش." "إيه؟" "أنا لسه عندهم." تجمدت. "يعني إيه؟" "اتقبض عليا." قالت: "مين معاك؟" "شريف." "عايز إيه؟" "عايزك تيجي." "مش هاجي." قال آدم بسرعة: "لو ما جيتيش، هيموتوني." ارتجفت يدها. "إنت بتكدب." "يا سلمى، أنا أخوك." سكتت. "فاكرة أول مرة قلتلك يا أختي؟" بدأت تبكي. "فاكر." "أنا مش عايز أموت وأنا عارف إنك مش مصدقة إني أخوك." قال ياسين: "حاولي تعرفي مكانه." قالت: "فين؟" أجاب آدم: "المخزن القديم في الميناء." "إحنا كنا هناك." "المكان اللي شوفتيه مش هو." "إيه؟" "في مخزن تاني تحت الأرض." انقطع الخط. قالت سلمى: "لازم نرجع." قال ياسين: "هنرجع، بس مش بالطريقة اللي عايزينها." قالت: "يعني؟" "هنخليهم يفتكروا إننا داخلين من الباب الأمامي." "وإحنا؟" "هنستخدم الطريق اللي قالت عليه ملك." نظرت سلمى إلى ملك في المقعد الخلفي. كانت صامتة. قالت: "إنتِ عارفة طريق تاني؟" أجابت: "أيوه." قال ياسين: "كويس." ثم أدار السيارة. لكن قبل أن يتحرك، قالت ملك: "في حاجة لازم تعرفيها يا سلمى." "إيه؟" "آدم مش هو اللي محتاج ينقذ." "أمال مين؟" "إنتِ." سكتت سلمى. "إنتِ الهدف الحقيقي." قالت سارة: "يعني آدم مجرد طُعم." هزت ملك رأسها. "أيوه." قال ياسين: "إذن هنغير الخطة." قالت سلمى: "لأ." "إيه؟" "لو دخلنا من طريق تاني، هيعرفوا إننا فهمنا." "بس ده خطر." "كل حاجة بقت خطر." ثم نظرت إلى ملك. "قوليلي الحقيقة كلها." قالت ملك: "شريف مش عايز الدليل." "أمال عايز إيه؟" "عايزك إنتِ." "ليه؟" "لأن الدليل موجود في ذاكرتك." صمت الجميع. قالت سلمى: "أنا ما فاكرة حاجة." "فاكرة." "إيه؟" قالت ملك: "اللي حصل ليلة موت مريم." شعرت سلمى بدوار مفاجئ. بدأت صور صغيرة تظهر في رأسها: غرفة بيضاء، ضوء قوي، امرأة تبكي، صوت رجل يقول: "خدي البنت بسرعة." ثم صرخة. وضعت يدها على رأسها. قال ياسين: "سلمى؟" همست: "أنا فاكرة..." "إيه؟" "كنت في المستشفى." "إحنا عارفين." "لأ." رفعت عينيها. "فاكرة شخص كان شايلني." سأل ياسين: "مين؟" قالت: "كان يوسف." ساد الصمت. ثم ظهرت صورة أخرى في ذهنها. يوسف يحملها، وخلفه رجل يركض. قالت: "كان معاه حد." "مين؟" أغمضت عينيها. "سامح." قالت ملك: "ممكن." ثم صرخت سلمى: "لا!" الجميع انتبه. "إيه؟" قالت: "أنا فاكرة صوته." "صوت مين؟" "الرجل اللي كان بيقول ليوسف: خدها، وسيب الباقي." قال ياسين: "مين؟" فتحت عينيها. "كان صوت شريف." قالت ملك: "إذن عرفنا ليه عايزك." "ليه؟" "لأنك الشاهدة الوحيدة اللي ممكن تفضحه." قالت سلمى: "بس أنا كنت طفلة." "والذاكرة ممكن ترجع." قالت سارة: "طيب وإحنا رايحين له، مش المفروض نعرف إيه اللي حصل لآدم؟" قالت ملك: "آدم يعرف أكثر مما قال." نظر إليها ياسين. "إيه اللي تقصديه؟" "هو مش مجرد أخوكم." قالت سلمى: "أمال؟" "هو كان جزءًا من خطة مريم." "أي خطة؟" "خطة إسقاط شريف." قال ياسين: "يعني آدم متعمد يخلّي نفسه يتقبض عليه." هزت ملك رأسها. "أيوه." قالت سلمى: "يبقى هو مش محتاجنا." "هو محتاجكم تكملوا الجزء الأخير." وصلوا إلى الميناء مرة أخرى. كانت الساعة تجاوزت منتصف الليل. نزلوا من السيارة، وساروا في اتجاه المخزن. هذه المرة لم تدخل سلمى من الباب الأمامي. قادتها ملك إلى فتحة صغيرة خلف المبنى. نزلوا درجات ضيقة حتى وصلوا إلى باب حديدي. قال ياسين: "خليكوا ورايا." فتح الباب. في الداخل كان آدم مربوطًا إلى كرسي، ورجل يقف أمامه. قال الرجل: "اتأخرتوا." قالت سلمى: "فين شريف؟" ضحك. "لسه فاكرة إنك هتفاوضي؟" قال ياسين: "سيبه." رفع الرجل سلاحه. "خطوة كمان وهيخلص." قال آدم: "سلمى، ما تقربيش." لكن سلمى تقدمت. قال ياسين: "سلمى!" قالت: "أنا جيت." ظهر شريف من خلف الرجل. "أخيرًا." قالت سلمى: "سيبه." "أكيد." "بس الأول هتسمعي الحقيقة." "مش عايزة أسمع منك." "هتسمعي غصب." نظر إلى ياسين. "وخصوصًا عن حبيبك." قالت: "ياسين ملوش علاقة." ابتسم شريف. "ده اللي هو عايزك تصدقيه." أخرج ملفًا ووضعه على الطاولة. "اسم ياسين موجود هنا." قال ياسين: "عارف." فتح شريف الملف. "مش بس اسمه." ثم أخرج صورة قديمة لياسين وهو طفل. قالت سلمى: "دي إنت؟" قال ياسين: "أيوه." في الصورة كان يقف بجوار رجل تعرفه سلمى. شعرت بقشعريرة. "ده..." قال ياسين: "أبويا." قالت سلمى: "واللي جنبه؟" أجاب شريف: "مريم." تجمدت. قالت سلمى: "يعني ياسين كان يعرفها؟" قال شريف: "من قبل ما يعرفك." نظر ياسين إلى الصورة. "أنا ما كنتش أعرف مين هي." "لكنها كانت تعرفك." قال شريف: "وكانت تعرف إنك هتكون مفتاح الوصول إلى سلمى." سكت ياسين. قالت سلمى: "إنت كنت جزءًا من الخطة؟" أجاب: "لا." لكن شريف قال: "هو لا يعرف كل شيء." اقترب من سلمى. "اسأليه عن آخر مرة شاف فيها مريم." نظرت سلمى إلى ياسين. "إمتى؟" سكت. قالت: "جاوبني." قال: "من سنتين." اتسعت عيناها. "من سنتين؟" "أيوه." "إنت قلت إنك ما كنتش تعرفها." "ما كنتش أعرف إنها مريم." قال شريف: "لكنه قابلها." قالت سلمى: "وليه ما قلتليش؟" قال ياسين: "لأنها قالت لي أنساها." "ليه؟" "قالت إنك لو عرفتي اسمها، هتكوني في خطر." قالت سلمى: "إنت كنت بتخبي عني." "أيوه." "يعني أنا مش أول سر خبيته." قال: "عارف." اقتربت منه. "إنت وعدتني." "وأنا لسه بوعدي." "إيه؟" "إني مش هسيبك." وفجأة دوى صوت انفجار في الخارج، وانطفأت الأنوار. صرخ شريف: "مين عمل كده؟" استغل ياسين اللحظة، اندفع نحو الرجل، وأسقط سلاحه. ركضت سلمى نحو آدم وفكت قيوده. قالت: "إنت كويس؟" ابتسم آدم. "كنت مستنيكم." قالت: "كنت عارف إننا جايين؟" "أيوه." "إزاي؟" أشار إلى هاتف صغير مخبأ في ملابسه. "أنا اللي بعتلك الرسالة." قالت: "بس صوتك..." "سجلته قبل ما يدخلوا." قالت سلمى: "كنت بتخطط لكل ده؟" "جزء منه." ثم نظر إلى شريف. "دلوقتي دورك." لكن شريف كان قد اختفى. قالت ملك: "هرب." خرجوا من المخزن بسرعة، لكن سلمى توقفت فجأة. قالت: "استنوا." نظرت إلى الأرض. كان هناك ملف صغير سقط أثناء الفوضى. التقطته. فتحته. في الصفحة الأولى كان مكتوبًا: الطفلة رقم 11 – سلمى. وفي الصفحة الثانية: الطفلة رقم 12 – سارة. وفي الصفحة الثالثة... توقفت أنفاسها. الطفلة رقم 13 – ملك. لكن تحت اسم ملك كانت هناك جملة واحدة: "الطفلة الثالثة ليست ابنة مريم." رفعت سلمى عينيها إلى ملك. "إنتِ مش أختنا." تغير وجه ملك. "مين قالك؟" قالت سلمى: "الملف." اقترب ياسين. قرأ الجملة، ثم نظر إلى ملك. قالت ملك بصوت مرتجف: "كنت عارفة إن اليوم ده هييجي." سألت سلمى: "إذن مين أمك؟" نظرت ملك إلى ليلى التي كانت قد وصلت مع كريم. ابتسمت ليلى بحزن وقالت: "أنا." تجمد الجميع. قالت سلمى: "إنتِ أم ملك؟" هزت رأسها. "أيوه." "يبقى إنتِ مش أمي." قالت ليلى: "لا." نظرت سلمى إلى هدى. "ومين أمي؟" هدى بدأت تبكي. "مريم." قالت سلمى: "ومين أم سارة؟" أجابت: "مريم." ثم نظرت إلى ملك. "ومين أم ملك؟" قالت: "ليلى." سكت الجميع. قالت سلمى: "يعني إحنا مش ثلاث أخوات." قال آدم: "إذن ليه جمعوكم؟" أجاب كريم: "لأن الثلاثة كانوا مفاتيح مختلفة." قالت سلمى: "مفاتيح لإيه؟" نظر كريم إلى الملف. "لثلاثة أدلة." قالت سارة: "والدليل الأول معايا؟" قال كريم: "لا." ثم نظر إلى سلمى. "الأول معك." نظرت إلى ملك. "والثاني؟" "مع ملك." ثم إلى سارة. "والثالث؟" قال كريم: "مع سارة." صمتت سلمى. ثم فهمت أخيرًا لماذا ظلوا يطاردونهم طوال تلك السنوات. لم يكونوا يريدونهم كأشخاص... كانوا يريدون ما يحمله كل واحد منهم دون أن يعرف. قالت سلمى: "طيب فين الدليل بتاعي؟" ابتسم كريم وقال: "أنتِ مش محتاجة تدوري عليه." "ليه؟" "لأنه مش في مكان." نظر إليها. "الدليل موجود في ذاكرتك." شعرت سلمى بقشعريرة. وفي اللحظة نفسها، جاءها صوت في رأسها، صوت امرأة كانت تعرفه رغم أنها لم تسمعه منذ سنوات: "سلمى... لو كبرتي وسمعتي صوتي، ما تثقيش في أي حد... حتى أبوكي." رفعت رأسها فجأة. قالت: "مريم." سأل ياسين: "إيه؟" نظرت إليه وعيناها ممتلئتان بالدموع. "افتكرت كل حاجة." ثم أضافت: "وعرفت مين قتل أمي." وساد الصمت، لأن سلمى كانت تنظر مباشرة إلى الشخص الذي لم يخطر ببال أحد. الفصل الرابع والعشرون: الوجه الذي لم تتوقعه ظل الجميع ينظر إلى سلمى، لكن سلمى لم تنطق. كانت عيناها مثبتتين على شخص واحد، وملامح وجهها تغيرت تمامًا. اقترب ياسين منها وقال بهدوء: "سلمى... مين؟" لم تجبه. قالت سارة: "إنتِ عرفتي مين قتل ماما؟" أغلقت سلمى عينيها، ثم فتحتها ببطء وقالت: "أيوه." سأل كريم: "مين؟" نظرت إليه، ثم إلى هدى، ثم إلى يوسف، وأخيرًا توقفت عيناها عند ليلى. قالت: "ليلى." تجمدت ليلى. "أنا؟" هزت سلمى رأسها. "أيوه." قالت ليلى: "إنتِ مش فاهمة." ردت سلمى: "فاهمة أكتر مما تتخيلي." اقتربت منها ليلى. "اسمعيني." تراجعت سلمى خطوة. "متقربيش." قالت هدى: "سلمى، استني." "ماما، أنا سمعت صوتها." أشارت إلى ليلى. "سمعت صوتها وهي بتتكلم مع مريم." قالت ليلى: "أنا كنت بحاول أنقذها." "لأ." قالت سلمى. "إنتِ كنتِ بتقولي لها إن مفيش مخرج." صمتت ليلى. قالت سلمى: "وبعدين دخل شريف." قال كريم: "إنتِ متأكدة؟" "أنا شفت كل حاجة." قالت سارة: "إزاي؟" أجابت سلمى: "أنا كنت مستخبية تحت السرير." صمت الجميع. بدأت ذاكرتها تعود كصور متقطعة؛ غرفة قديمة، مريم تحمل طفلة، ليلى تقف أمام الباب، شريف يدخل، صوت بكاء، ثم صرخة. قالت سلمى: "ماما كانت بتحاول تهربنا." قال كريم: "ومين اللي منعها؟" نظرت سلمى إلى ليلى. "هي." قالت ليلى: "كنت مجبرة." ردت سلمى: "كل واحد بيقول مجبر." ثم انفجرت في البكاء. "أنا تعبت من الكلمة دي!" اقترب ياسين منها، لكنها هذه المرة لم تبتعد. أمسك يدها وقال: "خدي نفس." قالت: "أنا كنت طفلة... وكل الناس دي كانت عارفة وأنا الوحيدة اللي مش عارفة." قال ياسين: "مش هتفضلي لوحدك." نظرت إليه وقالت: "إنت كمان كنت عارف حاجات." "أيوه." "بس إنت الوحيد اللي لما اكتشفت الحقيقة ما استخدمتهاش ضدي." قال: "لأني عمري ما كنت عايز الحقيقة تبعدك عني." ابتسمت وسط دموعها. "لسه مش مسامحاك." قال: "مش مستعجل." فجأة قالت سارة: "استنوا." التفتوا إليها. كانت تمسك بالقلادة التي أعطتها إياها ليلى. قالت: "أنا لقيت حاجة." فتحت القلادة، فظهر داخلها جزء صغير من ورقة ملفوفة. قالت سلمى: "إيه ده؟" فردتها سارة. كانت مكتوبة بخط يد مريم: "إذا وصلت الرسالة إلى بناتي، فلا تبحثن عن قاتلي... ابحثن عن الشخص الذي حاول إنقاذي." قال كريم: "إذن ليلى مش القاتلة." قالت سلمى: "بس أنا شفتها." قالت ليلى: "إنتِ شفتيني وأنا بحاول أوقف شريف." "لكن..." قاطعتها ليلى: "أنا دخلت الغرفة قبل شريف بدقائق. مريم كانت مصابة. طلبت مني آخدكم وأهرب. لكني ما قدرتش." قالت سلمى: "ليه؟" "لأن الباب كان مراقبًا." قالت هدى: "ومريم؟" أجابت ليلى: "مريم أعطتني شيئًا." "إيه؟" أخرجت ليلى مفتاحًا صغيرًا من جيبها. "ده." قال آدم: "مفتاح الخزنة؟" هزت رأسها. "أيوه." قالت سلمى: "طيب ليه خبتيه كل السنين دي؟" قالت ليلى: "لأن الشخص الذي قتل مريم كان يبحث عنه." سأل ياسين: "ومين الشخص؟" نظرت ليلى إلى الجميع. "يوسف." تجمدت سلمى. التفتت إلى يوسف. كان واقفًا بعيدًا، ووجهه بلا تعبير. قالت: "إنت؟" لم يجب. قالت هدى: "يوسف، قول إنها بتكدب." ابتسم يوسف ابتسامة حزينة. "للأسف مش بتكدب." تراجع كريم خطوة. "إنت قتلت مريم؟" قال يوسف: "لا." "أمال؟" قال: "أنا كنت سبب موتها." صرخت سلمى: "إزاي؟" قال يوسف: "لأنني كنت أعمل لصالح شريف." قالت ليلى: "هو اللي أعطاه مكانها." قال يوسف: "أيوه." قالت سلمى: "يعني إنت خنتها." "أيوه." ثم نظر إليها. "لكن في آخر لحظة حاولت أنقذها." قالت: "متقولش إنك كنت بتحميها." قال: "مش هقول." ساد الصمت. ثم قال يوسف: "أنا اللي قتلت الرجل اللي كان معاها." قالت سلمى: "مين؟" "والد آدم." تجمد آدم. "إنت قتلت أبويا؟" قال يوسف: "أيوه." اندفع آدم نحوه، لكن كريم أمسكه. "سيبه!" صرخ آدم. "سيبه يا كريم!" قال يوسف: "اضربني لو ده هيخلي قلبك يرتاح." صرخ آدم: "ليه؟" "لأنه كان هيقتلكم." "كداب!" "كان بيحاول يبيعكم لشريف." سكت آدم. أضاف يوسف: "أنا عرفت متأخر." قالت سلمى: "وإيه اللي حصل لمريم؟" قال يوسف: "شريف دخل عليها. حصل اشتباك. أنا حاولت أخرجها، لكن..." سكت. قالت سلمى: "لكن إيه؟" "كانت مصابة بالفعل." قالت ليلى: "وماتت بين إيدينا." أغمضت سلمى عينيها. لم تكن تعرف هل تبكي على أم لم تعرفها إلا من ذكريات مشوشة، أم على طفولة ضاعت وسط أسرار لم تكن ذنبها. اقتربت هدى واحتضنتها. "أنا آسفة." قالت سلمى: "إنتِ كنتِ أمي طول الوقت." "وأنا هفضل أمك." قالت سلمى: "بس كان لازم أعرف." "كنت خايفة أخسرك." "كان ممكن تخسريني بسبب الكذب." بكت هدى وقالت: "عارفة." في تلك اللحظة رن هاتف آدم. نظر إلى الشاشة. "رقم مجهول." أجاب. جاء صوت شريف: "لو عايزين تعيشوا، هاتوا المفتاح." قال آدم: "فين إنت؟" "المكان اللي بدأت منه الحكاية." سألته سلمى: "فين؟" جاء صوت شريف واضحًا: "البيت القديم." ثم انقطع الاتصال. قالت سارة: "أي بيت؟" قال يوسف: "بيت مريم." قالت سلمى: "إنت تعرف مكانه؟" أجاب: "أيوه." قال ياسين: "يبقى نروح." نظر إليه كريم. "مش هتروحوا." قالت سلمى: "ليه؟" "لأن شريف مستنيكم." قالت: "وده المطلوب." قال ياسين: "عندنا فرصة نوقعه." قال آدم: "ولو خد المفتاح؟" قال ياسين: "مش هياخده." نظرت إليه سلمى. "عندك خطة؟" ابتسم. "عندي فكرة." قالت: "لما بتقول كده بخاف." ضحك آدم رغم التوتر. "أنا كمان." بدأوا في تجهيز أنفسهم، لكن قبل أن يتحركوا، اقتربت ملك من سلمى وقالت: "في حاجة لازم تعرفيها." "إيه؟" "مريم ما كانتش عايزة تسيبكم." "عارفة." "لأ. في حاجة تانية." أخرجت ملك صورة صغيرة. "دي اتاخدت قبل موتها بيوم." نظرت سلمى إلى الصورة. كانت مريم تقف أمام البيت القديم، وبجوارها رجل لم تتوقع رؤيته. قالت سلمى: "ده..." رفعت عينيها بصدمة. "ياسين." نظر ياسين إلى الصورة. تغير وجهه. قال: "دي مستحيل." "ليه؟" "لأني ما كنتش هناك." قال آدم: "الصورة ما بتكدبش." قال ياسين: "أنا كنت في مدينة تانية." قالت سلمى: "إذن مين ده؟" اقتربت ملك من الصورة وقالت: "ده مش ياسين." حدقت سلمى في الصورة. "أمال مين؟" قالت ملك: "أخوه." سكت ياسين تمامًا. قالت سلمى: "إنت عندك أخ؟" لم يجب. "ياسين؟" قال أخيرًا: "كان عندي." "فينه؟" "مات." "إمتى؟" "قبل ما أقابلك بسنة." قالت ملك: "هو ما ماتش." رفع ياسين رأسه إليها. "إنتِ بتقولي إيه؟" أجابت: "أخوك هو اللي شغال مع شريف." شعر ياسين كأن الأرض اختفت من تحته. "مستحيل." قالت سلمى: "يعني الشخص اللي كان بيظهر في الصور..." أجابت ملك: "أخوه." قال ياسين: "أنا لازم أشوفه." قالت سلمى: "هتشوفه." ثم أمسكت يده. "بس مش لوحدك." نظر إليها. "إنتِ لسه واثقة فيا؟" قالت: "مش بالكامل." ابتسم بحزن. "مقبول." ثم أضافت: "بس أنا واثقة في حاجة واحدة." "إيه؟" "إننا لازم ننهي الحكاية دي." تحركوا نحو السيارة. وفي اللحظة التي أغلقت فيها سلمى الباب، وصلتها رسالة جديدة. فتحتها، فوجدت صورة حديثة لياسين وأخيه يقفان أمام البيت القديم. وتحت الصورة جملة واحدة: "لو عايزة تعرفي مين خانك من البداية... اسألي ياسين عن الليلة اللي مات فيها أخوه." رفعت سلمى عينيها إليه. كان ياسين ينظر إلى الطريق، لكنه بدا وكأنه يعرف أن شيئًا ما قد انكشف. قالت بهدوء: "ياسين..." التفت إليها. "نعم؟" رفعت الهاتف. "احكيلي عن أخوك." تغير وجهه، ولم يجب. فقالت: "المرة دي... من غير أي أسرار." وبعد لحظات طويلة قال: "أخويا ما ماتش." تجمدت سلمى. "وإنت كنت عارف؟" أجاب: "أيوه." "ومن إمتى؟" نظر إليها وقال: "من أول يوم قابلتك فيه." الفصل الخامس والعشرون: السر الذي حمله ياسين وحده لم تستطع سلمى الرد. بقيت تنظر إلى ياسين، وكأنها تنتظر منه أن يضحك ويقول إنه كان يمزح، لكن ملامحه كانت جادة بشكل جعل قلبها ينقبض. قالت بصوت خافت: "من أول يوم؟" هز رأسه. "أيوه." "يعني كل مرة كنت بتقول لي إنك ما كنتش عارف حاجة... كنت عارف؟" "كنت عارف إن أخويا عايش." "بس ما كنتش عارف إنه له علاقة بيا؟" "في البداية لأ." "وبعدين؟" سكت. صاحت: "وبعدين يا ياسين؟" قال: "عرفت بعد ما قابلتك بشهر." أغمضت سلمى عينيها. "يعني كل ده حصل وأنا آخر واحدة تعرف." قال: "كنت خايف." "من إيه؟" "منه." "أخوك؟" "أيوه." "ليه؟" نظر ياسين إلى الطريق وقال: "لأنه مش الشخص اللي كنت أعرفه وأنا صغير." سألته سلمى: "إيه اللي حصل بينكم؟" قال: "أخويا اسمه فارس. كان أكبر مني بخمس سنين. بالنسبة لي كان كل حاجة. كنت بشوفه بطل. لما أبويا بدأ يشتغل مع شريف، فارس دخل معاه. في الأول كان بيقول إنه بيحاول يعرف الحقيقة. بعدها اختفى." "وإنت افتكرت إنه مات؟" "أبويا قال لي إنه مات." "بس هو ما ماتش." "لأ." "وإنت عرفت إمتى؟" "قبل ما أقابلك بسنة." "إزاي؟" قال: "وصلتني رسالة منه." أخرج هاتفه القديم من جيبه وفتحه. كانت هناك رسالة محفوظة منذ سنوات: "لو وصلت لك الرسالة، اعرف إنني عايش. لا تبحث عني. وأهم شيء... لو قابلت فتاة اسمها سلمى، ابعد عنها." شعرت سلمى بقشعريرة. "ليه قال كده؟" أجاب: "ما كنتش أعرف." "وبعدين؟" "قابلتك." "ومخدتش بنصيحته." "لأ." ابتسم بحزن. "لأني ما قدرتش." قالت سلمى: "وبعد ما عرفت إني المقصودة؟" "حاولت أبعد." "وفشلت." "أيوه." سكتت لحظة، ثم قالت: "كنت عايز تحميني منه؟" "ومن كل اللي حواليك." "حتى لو ده معناه إنك تكذب عليا؟" قال: "كنت غلطان." نظرت إليه طويلًا. "أيوه، كنت غلطان." لم يعرف ماذا يقول. وبعد لحظات قالت: "بس لسه عايزة أعرف الحقيقة." قال: "هتعرفي." كانت السيارة قد وصلت إلى الطريق المؤدي إلى البيت القديم. كان المكان مهجورًا، تحيط به الأشجار من كل جانب، والنوافذ مغطاة بالخشب. قالت سارة من الخلف: "المكان ده يخوف." رد آدم: "إحنا من ساعة ما بدأنا الحكاية دي وإحنا بنروح أماكن تخوف." قالت سلمى: "وأنت ساكت ليه؟" قال آدم: "بحاول أكون إيجابي." ضحكت سارة: "مش شغالة معاك." نزلوا جميعًا، ووقفوا أمام الباب. قال كريم: "محدش يتحرك لوحده." قالت سلمى: "أنا هدخل." أمسك ياسين بذراعها. "لا." نظرت إليه. "ليه؟" "لأن شريف عايزك تدخل." "وده معناه إننا ندخل سوا." قال: "بالضبط." فتحوا الباب. كان البيت مظلمًا، لكن في وسط الصالة كان هناك مصباح مضاء. وتحت المصباح طاولة عليها ثلاث صور. تقدمت سلمى. الصورة الأولى كانت لها وهي طفلة. الثانية لسارة. والثالثة لملك. وتحت كل صورة رقم مختلف. قالت ملك: "دي مش صور عادية." قال آدم: "الأرقام." قرأها: "11... 12... 13." قالت سلمى: "نفس أرقام الملفات." فجأة جاء صوت من الطابق العلوي: "أخيرًا رجعتوا." تجمد الجميع. كان صوت رجل. نظر ياسين إلى أعلى السلم. قال: "فارس." ظهر رجل من الظلام. كان يشبه ياسين بدرجة مخيفة، لكن ملامحه كانت أكثر قسوة. توقف ياسين مكانه. "فارس..." ابتسم الرجل. "أخويا الصغير." قالت سلمى: "إنت أخوه؟" نظر فارس إليها. "إنتِ سلمى." لم تجبه. قال: "كنت عايز أشوفك من زمان." تقدم ياسين خطوة. "ابعد عنها." ضحك فارس. "لسه زي ما أنت. دايمًا بتحاول تحمي الكل." قال ياسين: "إنت اللي بدأت كل ده." "لا." قال فارس. "أنا اللي حاولت أنهيه." قال آدم: "كفاية كلام غامض." نظر إليه فارس. "أنت ابن الرجل الذي تسبب في كل شيء." قال آدم: "أبويا مات." "وعارف ليه؟" "عشان إنت قتلته." "لأ." قال فارس. "يوسف قتله." نظر الجميع إلى يوسف. قال يوسف: "أنا ما كنتش..." قاطعه فارس: "كنت مأمور." سكت يوسف. قال فارس: "كلنا كنا مأمورين." قالت سلمى: "طيب مين اللي كان بيأمر؟" ابتسم فارس. "الشخص اللي موجود معاكم." نظرت سلمى حولها. "مين؟" قال فارس: "مش هقول." ثم ألقى ظرفًا على الأرض. "الدليل جوه." التقطته سلمى وفتحته. وجدت ورقة مكتوبًا عليها: "الخائن ليس من تظنون." قالت: "ده كل شيء؟" قال فارس: "لأ." ثم أضاف: "اقرئي ظهر الورقة." قلبتها. كان مكتوبًا: "اسألي هدى عن ليلة ولادتك." التفتت سلمى إلى هدى. تغير وجهها. قالت سلمى: "ماما؟" لم ترد. "إنتِ كنتِ هناك." قالت هدى: "أيوه." "وكنتِ تعرفي فارس؟" "أيوه." "وعرفتي إنه عايش؟" سكتت. قالت سلمى: "جاوبي." قالت هدى: "عرفت من سنتين." شهقت سلمى. "سنتين؟" "كنت خايفة." "كل واحد خايف!" صرخت سلمى. "كل واحد بيخبي حاجة وأنا اللي بدفع الثمن!" اقتربت هدى منها. "كنت بحاول أحميك." قالت سلمى: "أنا مش عايزة حماية." ثم نظرت إلى فارس. "إنت عايز إيه؟" قال: "أريدك أن تفتحي الخزنة." قالت: "الخزنة اللي في الميناء؟" "لأ." "أمال فين؟" قال: "هنا." وأشار إلى الأرض. اقترب آدم، ثم طرق على الأرض بقدمه. صدر صوت أجوف. قال: "في فراغ تحتنا." بدأ يزيح السجادة، فظهرت حلقة حديدية. فتحها، وظهر سلم ضيق ينزل إلى الأسفل. قال ياسين: "أنا هنزل الأول." قالت سلمى: "أنا معاك." قال: "سلمى..." "مش هسيبك." نظر إليها، ثم ابتسم. "تمام." نزلا معًا. كان المكان تحت الأرض عبارة عن غرفة واسعة مليئة بصناديق قديمة وملفات. وفي المنتصف كانت هناك خزنة حديدية. اقتربت سلمى منها. كان عليها ثلاثة أقفال. قال آدم: "ثلاثة مفاتيح." نظرت ملك إلى القفل الأول. "ده بتاعي." ثم سارة إلى الثاني. "وده بتاعي." نظرت سلمى إلى الثالث. "والثالث بتاعي." أخرجت كل واحدة مفتاحها. لكن قبل أن يفتحوا الخزنة، قال فارس من أعلى السلم: "استنوا." رفع الجميع رؤوسهم. قال: "لو فتحتوها، مش هتقدروا ترجعوا." قالت سلمى: "إحنا خلاص عدينا النقطة دي." وضعت المفاتيح الثلاثة. دارت الأقفال في الوقت نفسه. انفتح الباب ببطء. كان بداخلها صندوق صغير. فتحته سلمى. وجدت دفترًا، وشريط تسجيل، وصورة. أخذت الصورة أولًا. كانت لمريم وهي تحمل ثلاث طفلات. قالت سارة: "إحنا." قالت ملك: "أيوه." قلبت سلمى الصورة، فوجدت جملة مكتوبة بخط مريم: "بناتي الثلاث، لو وصلتم إلى هنا، فمعنى ذلك أنني فشلت في حمايتكم... لكنني نجحت في إخفاء الحقيقة." بدأت سلمى في البكاء. قالت: "شغلوا التسجيل." وضع آدم الشريط في جهاز قديم موجود داخل الصندوق. جاء صوت مريم. "لو أنتم بتسمعوا التسجيل ده، يبقى أنا مش موجودة. لكن أهم حاجة لازم تعرفوها إن شريف مش الرأس. هو مجرد أداة." ساد الصمت. تابعت مريم: "الشخص اللي بيحرك كل حاجة هو شخص قريب منكم. شخص وثقتم فيه. شخص عاش بينكم سنوات." نظرت سلمى إلى هدى، ثم كريم، ثم يوسف، ثم ياسين. تابع الصوت: "وهو الشخص الوحيد اللي يعرف مكان الملف الأصلي." توقف التسجيل للحظة، ثم عادت مريم تقول: "لو عايزين تعرفوا اسمه، بصوا في أول صفحة من الدفتر." فتح آدم الدفتر. كانت الصفحة الأولى فارغة. قال: "مفيش حاجة." قالت ملك: "استنى." أخذت الصفحة ووضعتها أمام الضوء. ظهرت كتابة خفية تدريجيًا. قرأ آدم: "الشخص الذي خانني هو..." توقف. قال ياسين: "كمّل." رفع آدم عينيه. كان وجهه شاحبًا. قالت سلمى: "مين؟" لم يجب. أخذت الدفتر منه. قرأت الاسم. تجمدت. قالت: "مستحيل." اقترب ياسين. "مين؟" نظرت إليه ثم قالت: "أنت." صمت الجميع. قال ياسين: "أنا؟" هزت رأسها. "اسمك مكتوب هنا." قال فارس من أعلى السلم: "قلت لك إنك لا تعرف كل شيء عن أخيك." التفت ياسين إليه. "إيه علاقة أخويا؟" أجاب فارس: "لأن الاسم ده مش اسمك." نظر ياسين إلى الدفتر مرة أخرى. وتحت اسم ياسين كانت هناك جملة صغيرة: "ياسين هو الاسم الذي أُعطي له بعد تبديل هويته." شعر ياسين بالصدمة. قالت سلمى: "إنت كنت طفل من الأطفال اللي غيروا هويتهم؟" لم يجب. قال فارس: "أيوه." ثم نزل درجة. "وأنا كنت الشخص اللي ساعده يهرب." قالت سلمى: "يعني مين ياسين الحقيقي؟" نظر فارس إلى أخيه. "مش هو." ساد صمت ثقيل. ثم قال فارس: "أخوك الحقيقي مات من سنين." نظر ياسين إليه وكأن الكلمات لم تصل إليه. "إنت بتقول إيه؟" قال فارس: "الشخص اللي قدامك مش ياسين." صرخت سلمى: "أمال مين؟" أجاب فارس: "اسمه الحقيقي..." وقبل أن يكمل، انطفأت الأنوار مرة أخرى. سمعوا صوت باب يُغلق، ثم صوت خطوات سريعة. وعندما عادت الإضاءة، كان فارس قد اختفى، ومعه الدفتر. قالت سلمى: "الدفتر!" اندفع ياسين إلى السلم. "فارس!" لم يرد. قالت سلمى: "ياسين، استنى!" لكنه كان قد خرج من الباب. ركضت خلفه، وفي الخارج وجدته واقفًا وحده، يحدق في الظلام. اقتربت منه وقالت: "إنت كويس؟" لم يرد. "ياسين..." قال أخيرًا: "أنا مش عارف أنا مين." أمسكت يده. "بالنسبة لي، إنت ياسين." نظر إليها. "حتى لو الاسم مش اسمي؟" قالت: "أنا ما حبيتش اسمك. أنا حبيتك إنت." ظل ينظر إليها، ثم ابتسم رغم دموعه. "بس لازم أعرف الحقيقة." قالت: "هنعرفها." وفجأة سمعا صوت سيارة تقترب. ظهرت سيارة سوداء عند نهاية الطريق، وتوقفت أمام البيت. نزل منها رجل لم يتوقع أي منهم رؤيته. كان يحمل الدفتر في يده. رفعه أمامهم وقال: "لو عايزين تعرفوا مين ياسين الحقيقي..." ثم ابتسم. "تعالوا معايا." كان الرجل هو شريف. لكنه لم يكن وحده. بجواره كانت تقف امرأة تشبه سلمى تمامًا. قالت سلمى: "مين دي؟" ابتسم شريف وقال: "دي الحقيقة اللي كنتوا بتدوروا عليها من البداية." نظرت المرأة إلى سلمى وقالت: "أنا مش أختك." ثم التفتت إلى ياسين وأضافت: "وأنا أعرف مين إنت." الفصل السادس والعشرون: من يكون ياسين؟ وقفت سلمى مكانها غير قادرة على الحركة. المرأة أمامها كانت تشبهها بدرجة مخيفة، لكن شيئًا في عينيها كان مختلفًا. لم يكن التشابه وحده هو الذي أخافها، بل الطريقة التي نظرت بها إلى ياسين، وكأنها تعرف عنه شيئًا لا يعرفه هو نفسه. قال ياسين: "إنتِ تعرفيني؟" ابتسمت المرأة وقالت: "أكتر مما تتخيل." تقدم شريف خطوة وقال: "تعالوا معايا، ولو عايزين الإجابات كلها، محدش يخرج عن طوعه." قال آدم: "وإيه اللي يضمن إنك هتقول الحقيقة؟" رد شريف: "ولا حاجة." ثم رفع الدفتر. "لكن ده الشيء الوحيد اللي يقدر يثبتها." نظرت سلمى إلى ياسين. كان وجهه شاحبًا. قالت: "هنروح." أمسك ياسين ذراعها. "لأ." "لازم نعرف." "ممكن يكون فخ." "كل اللي حوالينا فخاخ، بس المرة دي عندنا فرصة نعرف الحقيقة." قال شريف: "قرار ذكي." ركبوا السيارة، لكن قبل أن تتحرك، قالت سلمى للمرأة: "اسمك إيه؟" أجابت: "نور." "ومين إنتِ؟" قالت: "الشخص اللي كان المفروض يقابل سلمى من زمان." جلست سلمى بجوار ياسين، بينما جلس آدم وسارة في الخلف، وركبت نور بجوار شريف. طوال الطريق لم يتكلم أحد. أخيرًا قالت سلمى: "نور، إنتِ شبهِي." أجابت: "عارفة." "ليه؟" "لأننا اتولدنا في نفس الليلة." تجمدت سلمى. "يعني..." قالت نور: "أنا مش أختك." ثم نظرت إلى ياسين. "لكن قصتي مرتبطة بقصته." قال ياسين: "إزاي؟" ردت: "أنت كنت الطفل الرابع." لم يفهم أحد. قال آدم: "رابع إيه؟" "رابع طفل في العملية." قالت سلمى: "إحنا كنا ثلاثة." "أنتم الثلاثة كانوا المفاتيح، أما هو فكان الحارس." نظر ياسين إليها باستغراب. "حارس؟" قالت: "كانوا بيربوا طفلًا آخر ليكون قريبًا منكم ويحميكم، من غير ما يعرف الحقيقة." قال ياسين: "يعني أنا كنت جزءًا من الخطة؟" "أيوه." قال شريف: "لكن الخطة فشلت." سألت سلمى: "ليه؟" أجاب شريف: "لأن ياسين وقع في حبك." نظرت إليه. ثم نظرت إلى ياسين. قال شريف: "كان المفروض يراقبك، مش يحميك." صمت ياسين. قالت سلمى: "إنت كنت بتراقبني؟" قال: "في البداية." "من أول يوم؟" "أيوه." "ولما حبيتني؟" "بقيت أراقب اللي بيحاولوا يأذوكي بدل ما أراقبك." شعرت سلمى بدموعها تنزل، لكنها لم تبعد عنه. قالت: "ليه ما قلتليش؟" "كنت خايف تخافي مني." قالت: "أنا خفت فعلًا." "عارف." توقفت السيارة أمام مبنى قديم. دخلوا جميعًا إلى قاعة كبيرة تحت الأرض. قال شريف: "هنا بدأت العملية." كانت الجدران مليئة بالصور والملفات. شعرت سلمى بالاختناق. قالت: "عايزنا نشوف ده ليه؟" أجاب: "لأنكم لازم تعرفوا إن مريم لم تكن الضحية الوحيدة." اقترب من لوحة كبيرة. كانت عليها صور أطفال كثيرة. قالت سارة: "دول مين؟" "أطفال اختفوا." قال آدم: "وإنت السبب؟" "أنا كنت منفذًا." قال شريف: "لكن اللي فوقي هو اللي كان بيصدر الأوامر." سألت سلمى: "مين؟" ابتسم. "الشخص اللي هتقابليه بعد شوية." فجأة فتح باب القاعة، ودخل رجل مسن. توقف الجميع. قالت هدى: "إنت؟" نظرت سلمى إليها. "تعرفيه؟" لم تجب. قال الرجل: "أنا والدك." شعرت سلمى بأن كل شيء حولها توقف. قال كريم: "مستحيل." أجاب الرجل: "مش كريم." ثم نظر إلى سلمى. "أنا والدك الحقيقي." قالت سلمى: "إنت سامح؟" ابتسم. "لا." قالت هدى: "اسمه عادل." اتسعت عينا سلمى. "مين عادل؟" قالت هدى: "الرجل اللي كنت فاكرة إنه مات قبل ما أتجوز كريم." نظر عادل إليها. "كنتِ متأكدة إني ميت." قالت: "لأنهم قالوا لي." "كان لازم أختفي." قال كريم: "اختفيت وتركتها وحدها." رد عادل: "كنت أحاول إنقاذها." قالت سلمى: "كفاية! كل واحد فيكم عنده سبب!" صرخت: "أنا عايزة أعرف حاجة واحدة. ليه أنا؟ ليه أنا وإخواتي؟ وليه ياسين؟" أجاب عادل: "لأن أمك مريم اكتشفت شيئًا خطيرًا." قالت: "إيه؟" "أن المؤسسة كانت تستخدم أسماء الأطفال لتغطية عمليات مالية ضخمة." قال آدم: "وده إيه علاقته بينا؟" "مريم أخذت الأدلة." "وأخفتها فينا؟" "أيوه." قالت سلمى: "ليه؟" "لأنها كانت تعرف إنهم هيفتشوا البيت، ويفتشوا كل مكان. لكنها كانت تعرف إن محدش هيفتش الأطفال بنفس الطريقة." قالت سارة: "يعني إحنا كنا خزنة." أجاب عادل: "بطريقة ما." قالت ملك: "وأنا؟" نظر إليها. "أنتِ كنتِ بنت ليلى، لكن مريم اعتبرتك واحدة منهم لأنك كنتِ شاهدة على اللي حصل." قالت ملك: "أنا مش فاكرة." "عقلك نسي، لكن الأدلة موجودة." قال ياسين: "وأنا؟" نظر إليه عادل طويلًا. "أنت كنت ابن أحد العاملين في المؤسسة." "أبويا؟" "أيوه." "وإنت غيرت هويتي؟" "لا." قال شريف: "أنا اللي فعلت." نظر إليه ياسين بغضب. "ليه؟" "لأن والدك أراد استخدامك كورقة ضغط." قالت سلمى: "عشان يراقبنا." أجاب شريف: "أيوه." قالت سلمى: "بس هو اختار يساعدنا." قال شريف: "وده كان خطأه." تقدم ياسين خطوة. "أنا مش ملكك." قال شريف: "ولا عمرك كنت." ثم ألقى الدفتر على الطاولة. "اقرأ." فتح ياسين الدفتر، وكانت الصفحة الأولى تحتوي على اسمه القديم. "الاسم الأصلي: مالك عادل." رفع عينيه. "مالك؟" قالت نور: "أيوه." قالت سلمى: "يعني اسمك مش ياسين." قال: "واضح." ثم قلب الصفحة. كانت هناك صورة له وهو طفل، وبجوار الصورة توقيع مريم. تحتها جملة: "مالك هو الوحيد الذي اختار بنفسه من يكون." نظر إلى سلمى. قالت: "يمكن دي أهم حقيقة." ابتسم. "يمكن." فجأة انطلقت صفارة إنذار قوية. قال شريف: "وصلوا." سأل آدم: "مين؟" أجاب عادل: "الشرطة." قال شريف: "مش الشرطة." ثم نظر إلى سلمى. "هم رجعوا." قالت: "مين؟" قال: "الناس اللي بدأوا المشروع." بدأ الجميع يتحركون بسرعة. قالت سلمى: "إحنا لازم نخرج." قال عادل: "المخرج الخلفي." لكن قبل أن يصلوا إليه، انفتح الباب بعنف، وظهر رجال مسلحون. صرخ شريف: "انبطحوا!" انطلقت أصوات متتالية، وسقطت الأضواء. أمسك ياسين بيد سلمى وسحبها خلف عمود. قالت: "إنت كويس؟" "أيوه." "مالك..." توقف للحظة عند سماع الاسم. قالت: "لو ده اسمك الحقيقي، أنا هفضل أناديك ياسين." ابتسم. "ليه؟" "لأن ده الاسم اللي عرفتك بيه." قال: "خلاص." "بس لو عايز تغيره..." قاطعها: "مش عايز." قال آدم: "يا جماعة، وقت الرومانسية بعدين!" ضحكت سلمى رغم الخوف. قال ياسين: "معاه حق." تحركوا نحو المخرج، لكن نور سقطت على الأرض. صرخت سلمى: "نور!" ركضت إليها. كانت مصابة في كتفها. قالت نور: "سيبيني." "مش هسيبك." جاء ياسين وساعدها على الوقوف. خرجوا من الممر الخلفي، لكن شريف لم يكن معهم. قال آدم: "فين شريف؟" أجاب عادل: "رجع." قالت سلمى: "ليه؟" قال: "عشان يمسك الشخص اللي بيقودهم." قالت: "هو بيحاول يساعدنا؟" "يمكن." قال ياسين: "أو عنده خطة تانية." وصلوا إلى سيارة، لكن قبل أن يركبوا، سمعوا صوتًا خلفهم. كان شريف. كان يحمل ملفًا صغيرًا. قال: "خدوا ده." قالت سلمى: "إيه؟" "الدليل الأخير." أخذته. قال شريف: "لكن ما تفتحيهوش إلا لما تكوني مستعدة." قالت: "مستعدة لإيه؟" نظر إلى ياسين. "لمعرفة مين كان سبب موت مريم الحقيقي." ثم ابتعد. قالت سلمى: "إحنا لازم نفتحه." قال ياسين: "مش هنا." ركبت السيارة، وفتحت الملف. كان بداخله شريط صغير، وصورة لمريم، وورقة واحدة. قرأت الجملة الأولى، ثم توقفت أنفاسها: "مريم لم تمت بسبب شريف... الشخص الذي أصدر أمر قتلها كان..." توقفت قبل أن تكمل. رفعت عينيها إلى هدى. ثم إلى كريم. ثم إلى ياسين. وقالت: "مش معقول." قال آدم: "مين؟" لم تجب. كانت قد رأت الاسم. اسم شخص كانت تثق به طوال حياتها. شخص لم يخطر ببالها يومًا أنه يمكن أن يكون عدوها. وفي أسفل الورقة كانت جملة أخرى: "وإذا أردتِ الانتقام، لا تبحثي عن القاتل... ابحثي عن الشخص الذي أعطاه الأمر." الفصل السابع والعشرون: الخيانة التي جاءت من أقرب مكان ظلت سلمى تحدق في الورقة، بينما كان الجميع ينتظر منها أن تتكلم. قال ياسين: "سلمى، مين الاسم؟" رفعت عينيها إليه، ثم قالت: "مش قادرة أقول." قال آدم: "ليه؟" "لأن الاسم..." سكتت. قالت سارة: "مين؟" أخذت سلمى نفسًا عميقًا. "كريم." التفت الجميع إلى كريم في اللحظة نفسها. بدا مذهولًا. "أنا؟" قالت سلمى: "اسمك مكتوب هنا." اقترب كريم منها وأخذ الورقة. قرأها، ثم ضحك ضحكة قصيرة بلا معنى. "ده تزوير." قالت هدى: "كريم..." "أنا عمري ما شفت مريم غير مرة واحدة!" قال يوسف: "أنا عارف." نظر الجميع إليه. "إيه اللي تعرفه؟" قال يوسف: "إن كريم مش اللي أمر بقتلها." قالت سلمى: "أمال ليه اسمه مكتوب؟" أجاب يوسف: "لأن اسمه كان مستخدمًا كواجهة." قال آدم: "مين استخدمه؟" لم يرد يوسف. قال ياسين: "قول." قال يوسف: "عادل." التفت الجميع إلى عادل. قالت هدى: "إنت؟" أجاب بهدوء: "كنت مضطر." صاحت سلمى: "إنت كمان؟!" قال عادل: "اسمعيني." "أنا سمعت كفاية!" قال: "لو كنت عايز مريم تموت، كنت سيبتها تموت من أول مرة. أنا حاولت أهربها." قالت سلمى: "بس اسمك موجود." "اسمي مش موجود." أخذ الورقة ونظر إليها. "ده اسم كريم." قال كريم: "وأنا كنت مجرد غطاء." قال عادل: "بالضبط." سأل ياسين: "مين اللي كتب الورقة؟" قال عادل: "مريم." قالت سلمى: "يبقى كانت عارفة." "كانت تعرف إن في شخصًا يستخدم اسم كريم." قال كريم: "مين؟" أجاب عادل: "أخوك." التفت الجميع إلى ياسين. "فارس؟" قال عادل: "أيوه." ساد الصمت. قالت سلمى: "يعني فارس هو اللي أمر بقتل مريم؟" قال عادل: "لا." "أمال؟" "هو كان يحاول الوصول لمن أمر." قالت سلمى: "طيب ليه بيهرب مننا؟" أجاب عادل: "لأنه يعرف إن الشخص الحقيقي قريب جدًا." قال ياسين: "قريب من مين؟" نظر عادل إلى سلمى. "منك." قالت سلمى: "أنا؟" "أيوه." "مين؟" لم يجب. وفجأة وصلتهم رسالة على هاتف آدم. كانت صورة حديثة لبيت هدى، والتعليق: "أنتم تبحثون عن الماضي، بينما أنا داخل بيتكم." قالت سارة: "إحنا لازم نرجع." قال ياسين: "مش هنرجع بالطريقة دي." قالت سلمى: "ده تهديد." قال آدم: "وممكن يكون فخ." قال كريم: "البيت لازم يتأمن." انطلقت السيارات، وعندما وصلوا وجدوا الباب مفتوحًا. قالت هدى: "أنا قفلته." دخلوا بحذر. كان كل شيء كما تركوه، باستثناء صورة واحدة على الطاولة. كانت صورة لسلمى وهي طفلة، وبجوارها جملة: "كنت أراقبك قبل أن تعرفي اسمي." قالت سلمى: "مين كان بيراقبني؟" قال ياسين: "ممكن يكون فارس." لكن نور قالت: "لأ." التفتوا إليها. "إنتِ تعرفي؟" قالت: "أيوه." "مين؟" نظرت إلى سلمى. "أنا." صمت الجميع. قالت سلمى: "إنتِ؟" "كنت براقبك من بعيد." "ليه؟" "لأن مريم طلبت مني." "بس إنتِ قلتي إنك ما كنتيش تعرفيني." "كنت بخاف أقولك." قالت سلمى: "إنتِ كنتِ في حياتي من غير ما أعرف." "أيوه." قال ياسين: "مريم كانت مجهزة كل شيء." قالت نور: "مريم كانت تعرف إنهم هيلاحقوكم. لذلك وزعت الأدلة بينكم." قالت سلمى: "والدليل الأخير؟" "مش مع شريف." "أمال فين؟" نظرت نور إلى هدى. "مع أمك." التفتت سلمى إليها. "ماما؟" هدى بدأت تبكي. "مريم أعطتني إياه ليلة وفاتها." قالت سلمى: "ليه ما قلتيش؟" "لأنها طلبت مني ما أقولش إلا لما ييجي الوقت." قالت سلمى: "وجِه الوقت." أخرجت هدى مفتاحًا صغيرًا من قلادة كانت ترتديها. قالت: "ده هو." فتحوا صندوقًا خشبيًا صغيرًا في غرفة هدى. كان بداخله تسجيل قديم. شغله آدم. جاء صوت مريم: "هدى، لو وصلتي للتسجيل، يبقى البنات كبروا. لازم تعرفي إن الشخص اللي خانني مش واحد من الرجال اللي حواليّ. هو شخص كنت أعتبره أخًا." قالت سلمى: "أخ؟" تابع التسجيل: "كان ياسين الصغير موجودًا في الليلة الأخيرة. ليس لأنه كان شريكًا، بل لأنه كان يحاول إنقاذي." نظر الجميع إلى ياسين. "أنا طلبت منه يهرب مع البنات." قالت سلمى: "إنت كنت هناك؟" قال ياسين: "أنا ما كنتش فاكر." تابع التسجيل: "لو نجح ياسين في الهرب، لا تبحثوا عنه. اتركوه يعيش حياة طبيعية. لا تجعلوه يدفع ثمن أخطاء الكبار." بدأت دموع سلمى تنزل. كان التسجيل يثبت أن ياسين لم يكن عدوًا، بل كان طفلًا آخر ضحية لما حدث. لكن مريم لم تنتهِ. قالت: "أما الخائن..." توقف التسجيل لثوانٍ. ثم جاء صوتها واضحًا: "فهو يوسف." التفت الجميع إلى يوسف. قال آدم: "إنت؟" لم يرد. قالت سلمى: "إنت اللي خانت مريم." قال يوسف: "أيوه." قالت سارة: "إنت اللي كنت بتديهم المعلومات." "أيوه." قالت سلمى: "وإنت اللي قلت لهم مكانها." "أيوه." صرخ آدم: "إنت قتلت أمي!" قال يوسف: "أنا لم أقتلها." "بس كنت السبب!" "أيوه." اقترب آدم منه، لكن ياسين أمسكه. قال يوسف: "أنا خنتها مرة واحدة، وفضلت أدفع ثمنها سنين." قالت سلمى: "ليه؟" أجاب: "لأنهم هددوني بيكم." "بمين؟" "بأولادي." صمت الجميع. قالت سلمى: "إنت عندك أولاد؟" قال: "كان عندي بنت." "فينها؟" نظر إليها. "ماتت." سكتت سلمى. "مين قتلها؟" "شريف." قال يوسف: "بعد ما اكتشف إني حاولت أهربكم." قال ياسين: "يعني شريف كان بيعاقب كل اللي يحاولوا يخرجوا." "أيوه." قالت سلمى: "ومين أصدر الأمر بقتل مريم؟" قال يوسف: "الشخص الذي كنا جميعًا نعمل تحت إمرته." قالت: "مين؟" نظر يوسف إلى عادل. "هو." اتسعت عينا هدى. "عادل؟" قال يوسف: "عادل لم يأمر بقتلها، لكنه كان الوحيد الذي يستطيع إيقاف الأمر." قالت سلمى: "يعني سمح لها تموت." قال عادل: "كنت محاصرًا." "دائمًا محاصر!" صرخت سلمى. "كلكم عندكم أعذار!" اقترب منها ياسين. "سلمى..." قالت: "لأ، سيبني." ثم نظرت إلى الجميع. "أنا تعبت من إن حياتي كلها عبارة عن أسرار." قالت هدى: "حقك." "أنا مش عايزة أهرب تاني." قالت سارة: "إذن نعمل إيه؟" أجابت سلمى: "نواجههم." قال آدم: "كلهم؟" "كلهم." قال ياسين: "أنا معاك." نظرت إليه. "حتى لو الموضوع وصل لفارس؟" "حتى لو." "ولو طلع أخوك هو اللي خاننا؟" "هواجهه." قالت نور: "وأنا معكم." قالت ملك: "وأنا." ابتسمت سلمى لأول مرة منذ ساعات. "إذن خلاص." وفي تلك اللحظة سمعوا صوت سيارة تتوقف أمام البيت. نظر ياسين من النافذة. قال: "في حد جاي." خرج رجل من السيارة، ووقف أمام الباب. كان فارس. فتح الباب ببطء ودخل. قال: "أنا عرفت مين الرأس." سألته سلمى: "مين؟" نظر إلى الجميع، ثم قال: "الرأس الحقيقي مش عادل، ولا شريف، ولا يوسف." صمت لحظة. "هو شخص ما خطرش على بالكم أبدًا." قالت سلمى: "مين؟" نظر فارس مباشرة إلى هدى. "أمك." تجمدت سلمى. قالت هدى: "أنا؟" قال فارس: "أيوه." صاحت سلمى: "كفاية!" لكنه أخرج صورة قديمة ووضعها أمامها. كانت هدى تقف بجوار شريف وعادل ويوسف في نفس المكان الذي بدأت فيه كل القصة. قالت سلمى: "دي صورة مفبركة." قال فارس: "اقلبوها." قلبت سلمى الصورة. كانت هناك جملة مكتوبة بخط يد هدى: "ابدأوا الخطة الليلة." رفعت سلمى عينيها إلى أمها. "ماما..." بدأت هدى تبكي. "أنا كنت بحاول أحميك." قالت سلمى: "من مين؟" لم تجب. اقترب ياسين منها وقال: "خليها تتكلم." نظرت هدى إلى سلمى وقالت أخيرًا: "من أبوكي الحقيقي." تجمدت سلمى. قالت: "عادل؟" هزت رأسها. "لأ." "مين؟" قالت هدى بصوت مكسور: "أبوكي الحقيقي... هو الشخص اللي كلنا كنا بنهرب منه." سأل آدم: "مين؟" رفعت هدى عينيها إلى ياسين. وقالت: "والد ياسين." لم يتنفس أحد. أما ياسين، فظل واقفًا كأن الكلمات صفعته. "إنتِ بتقولي إيه؟" قالت هدى: "أبوك هو الرأس الحقيقي." وسقطت الحقيقة الجديدة بينهم كأنها قنبلة، لأن كل ما عرفوه عن ياسين، وعن سلمى، وعن مريم، كان على وشك أن يتغير من جديد. الفصل الثامن والعشرون: الحقيقة التي قلبت كل شيء لم يتحرك أحد. كانت جملة هدى ما زالت معلقة في الهواء، وكأنها لم تقلها فعلًا. ياسين ظل ينظر إليها، ثم إلى سلمى، ثم عاد إليها. قال بصوت منخفض: "أبويا... هو الرأس؟" هزت هدى رأسها ببطء. "أيوه." ضحك ياسين ضحكة قصيرة مليئة بالصدمة. "أبويا مات من سنين." قالت هدى: "مات فعلًا." رفع عينيه إليها. "إذن إزاي يكون هو الرأس؟" أجابت: "لأنك كنت فاكر إن أبوك شخص واحد." قال آدم: "إيه معنى الكلام ده؟" تدخل فارس لأول مرة: "معناه إن الاسم اللي كان بيستخدمه والد ياسين مش اسمه الحقيقي." التفت إليه ياسين بعصبية. "إنت كنت عارف؟" "عرفت متأخر." "إمتى؟" "بعد ما اختفى." قال ياسين: "كل مرة تقولوا عرفت متأخر! إيه اللي بتعرفوه أصلًا؟" اقتربت سلمى منه وأمسكت يده. كان غاضبًا، لكن يده ارتجفت داخل يدها. قالت: "خلينا نسمع." نظر إليها. "أنا مش عايز أسمع." قالت بهدوء: "وأنا كمان مش عايزة. بس لازم." سكت لحظة، ثم قال: "اتكلمي." أخذت هدى نفسًا عميقًا. "والد ياسين كان اسمه في الملفات عادل فريد." شهقت سلمى. "عادل؟" التفتت إلى الرجل الذي كان واقفًا بعيدًا. كان وجهه قد تغير تمامًا. قال عادل: "مش أنا." قالت هدى: "أنت مش عادل فريد. أنت عادل منصور." رد عادل: "الاسم ده مات من زمان." قال فارس: "لكن الشخص اللي كان بيحرك المؤسسة كان يستخدم اسم عادل فريد." سأل ياسين: "إذن أبويا كان مين؟" قالت هدى: "كان اسمه فريد." صمت ياسين. "فريد مين؟" قالت هدى: "فريد منصور." تراجع ياسين خطوة. قال: "أنا مش فاهم." قالت هدى: "أبوك كان أخو عادل." نظر الجميع إلى عادل. قال آدم: "إذن الرأس الحقيقي هو أخوه؟" أجاب عادل: "أيوه." سأل ياسين: "فينه؟" لم يرد أحد. صرخ: "فينه؟!" قال فارس: "مات." "إمتى؟" "من سنتين." تجمد ياسين. قالت سلمى: "بس إنت قلت إن أخوك مات." قال فارس: "كنت أقصد أخي الأكبر، مش أبي." قال ياسين: "وأنا؟" نظر فارس إليه بحزن. "أنت ابن فريد." "عارف." "لكن في حاجة ما تعرفهاش." "إيه؟" قال فارس: "فريد ما كانش أبوك البيولوجي." ساد الصمت. قال ياسين: "إيه؟" اقتربت هدى وقالت: "فريد أخدك وأنت صغير." "أخدني من مين؟" نظرت هدى إلى سلمى. "من مريم." تجمدت سلمى. "مريم كانت تعرفه؟" "كانت بتحاول تمنعه." قال ياسين: "أنا مش فاهم أي حاجة." قالت هدى: "أنت واحد من الأطفال اللي تم تبديل هويتهم." سأل ياسين: "مين أهلي الحقيقيين؟" صمتت هدى. قالت سلمى: "ماما..." هزت هدى رأسها. "مريم كانت أمك." نظر ياسين إليها وكأنه لم يسمع. قال: "إيه؟" قالت: "مريم كانت أمك." سلمى نفسها لم تستطع الكلام. قال آدم: "يعني..." قالت هدى: "ياسين ابن مريم." نظر ياسين إلى سلمى. ثم قال بصوت متكسر: "إحنا..." لم يستطع إكمال الجملة. أسرعت سلمى تقول: "لا." نظر إليها. قالت: "مستحيل." قالت هدى: "أنا آسفة." قالت سلمى: "مريم كانت أمي." "أيوه." "وياسين ابنها." "أيوه." تراجعت سلمى خطوة عن ياسين. قالت: "يعني إحنا إخوات؟" لم يجب أحد. بدأ ياسين يهز رأسه. "لا." قال فارس: "لسه ما عرفناش." صرخت سلمى: "يعني إيه لسه؟!" قال فارس: "مريم كانت أم ياسين بالتبني، مش أمه البيولوجية." تنفست سلمى بصعوبة. "يعني؟" قال فارس: "فريد أخذ ياسين من مؤسسة الأطفال، ومريم تبنته سرًا." قال ياسين: "ليه؟" "لأنها كانت تحاول إنقاذه." سألت سلمى: "إذن مفيش صلة دم بيننا؟" قالت هدى: "لا." أغمضت سلمى عينيها للحظة، وكأنها استعادت قدرتها على التنفس. نظر ياسين إليها. قال: "كنت خايف." سألته: "من إيه؟" "إنك تبعدي عني." ابتسمت وسط دموعها. "أنا أصلًا كنت هبعد." "وبعدين؟" "بعدين فهمت إنك مش أخويا." ضحك رغم توتره. "دي أول مرة أفرح من جملة زي دي." ضحكت هي أيضًا، لكن الضحكة اختفت سريعًا عندما قالت هدى: "لسه في الحقيقة الأكبر." التفتوا إليها. قالت: "فريد لم يكن الرأس الحقيقي." قال فارس: "عارف." قال آدم: "إذن مين؟" هدى نظرت إلى سلمى. "مريم كانت تعرف." "تعرف إيه؟" "إن الشخص الحقيقي أقرب لكم مما تتخيلوا." قالت سلمى: "مين؟" وقبل أن تجيب، انطفأت الأنوار. صرخت سارة: "مش تاني!" سمعوا صوت باب يُغلق، ثم صوت خطوات. قال ياسين: "الكل مكانه." أضاء هاتفه. لكن نور صرخت فجأة: "فين ملك؟" التفت الجميع. لم تكن ملك موجودة. قال آدم: "كانت واقفة هنا." ركض إلى الباب. كان مغلقًا. قال فارس: "حد أخدها." سلمى شعرت ببرودة تسري في جسدها. قالت: "مين؟" جاء صوت من السماعات الموجودة في السقف. "أنا." رفع الجميع رؤوسهم. كان الصوت لرجل. صوت هادئ، لكنه مخيف. قال: "لو عايزين ملك، هاتوا لي سلمى." صرخت سلمى: "إنت مين؟" ضحك. "إنتِ عارفة." "لأ." "سمعتي صوتي قبل كده." نظرت إلى ياسين. ثم إلى هدى. ثم أغمضت عينيها. الصوت... كانت تعرفه. لكنّها لم تستطع تحديده. قال الرجل: "فاكرة ليلة موت مريم؟" بدأ رأسها يؤلمها. صوت امرأة تبكي. صوت باب. صوت رجل يقول: "خدها." ثم صوت آخر: "مش هسيبها." فتحت عينيها فجأة. "يوسف!" كان يوسف واقفًا بجوارها. قال: "أنا؟" قالت: "الصوت مش صوتك." ثم نظرت إلى عادل. "ولا صوتك." ثم إلى كريم. "ولا صوتك." ثم التفتت إلى ياسين. "صوت..." توقفت. قال ياسين: "إيه؟" قالت: "صوت والدك." تغير وجهه. قال الرجل عبر السماعة: "أحسنتِ." قال ياسين: "إنت مين؟" جاء الرد: "الشخص الذي كان يراقبك منذ كنت طفلًا." قال ياسين: "أبي مات." ضحك الرجل. "أبوك مات." ثم توقف قليلًا. "لكن أنا لست أباك." سألت سلمى: "إذن مين؟" قال: "أنا الرجل الذي كان بجوار مريم في آخر دقيقة من حياتها." تجمدت سلمى. قال: "وأنا الرجل الذي أخبرتْه مريم بكل شيء." قال آدم: "إنت اللي قتلتها؟" "لا." "أمال مين؟" "هي." قالت سلمى: "مين هي؟" جاء الرد: "هدى." التفت الجميع إليها. هزت هدى رأسها بسرعة. "لا." قال الرجل: "قولي لهم الحقيقة." صرخت هدى: "كفاية!" قالت سلمى: "ماما؟" بدأت هدى تبكي. "أنا ما قتلتها." قالت سلمى: "إذن ليه بيقول إنك إنتِ؟" لم تجب. اقتربت سلمى منها. "ماما، بصي في عيني." رفعت هدى عينيها. "إنتِ كنتِ مع مريم ليلة موتها." "أيوه." "وإنتِ شوفتي مين قتلها." "أيوه." "مين؟" سكتت. قالت سلمى: "مين؟!" قالت هدى أخيرًا: "أنا." شهقت سارة. قال آدم: "إيه؟" قالت هدى: "أنا شفت القاتل." "مين؟" "وكان..." توقفت. ثم نظرت إلى ياسين. "كان الشخص الذي وثقت به مريم أكثر من أي أحد." قال ياسين: "مين؟" وقبل أن تكمل، جاء صوت طرق قوي من الباب. ثم صرخ رجل: "افتحوا!" قال فارس: "ده شريف." فتح الباب. دخل شريف وهو مصاب في ذراعه. قال: "لازم تمشوا حالًا." قال آدم: "فين ملك؟" أجاب شريف: "مع الرجل." قالت سلمى: "مين الرجل؟" نظر شريف إليها. "فارس." التفت الجميع إلى فارس. رفع فارس يديه. "أنا؟" قال شريف: "أخوك هو اللي أخد ملك." نظر ياسين إلى فارس. "ليه؟" ابتسم فارس ابتسامة غامضة. "لأن ملك هي الوحيدة اللي تعرف الحقيقة." قالت سلمى: "أي حقيقة؟" اقترب فارس منها. "الحقيقة اللي مريم ماتت عشان تخبيها." قال ياسين: "إنت بتعمل إيه؟" نظر فارس إليه. "أنا بكمّل اللي بدأته." ثم أخرج هاتفه. ظهر على الشاشة تسجيل مباشر. كانت ملك مربوطة داخل غرفة مظلمة. صرخت سلمى: "ملك!" ظهر فارس على الشاشة بجوارها. قال: "لو عايزينها تعيش..." ثم نظر مباشرة إلى الكاميرا. "هاتوا سلمى." أغلقت الشاشة. وقف ياسين أمام سلمى. "مش هتروحي." قالت: "لازم." "مش هسمح." نظرت إليه. "لو كنت مكاني، كنت هتروح." سكت. قالت: "إذن ساعدني." أمسك يدها بقوة. "مش هسيبك." ابتسمت. "عارفة." لكن أحدًا منهم لم ينتبه إلى أن هدى كانت قد اختفت. وبعد ثوانٍ وصل إلى هاتف سلمى إشعار برسالة جديدة. فتحتها. كانت من هدى: "سامحيني يا بنتي... أنا رايحة أجيب ملك بنفسي." وتحتها مباشرة ظهرت رسالة أخرى من الرقم المجهول: "لو هدى وصلت لي قبل سلمى... الاتنين هيموتوا." الفصل التاسع والعشرون: الطُعم لم تستطع سلمى أن تستوعب الرسالة. أعادت قراءتها أكثر من مرة، ثم رفعت رأسها فجأة وقالت: "ماما راحت لوحدها." اندفع ياسين نحو الباب، لكن فارس أمسكه من كتفه. قال ياسين بعصبية: "سيبني!" رد فارس: "لو خرجت دلوقتي هتوديها في داهية." التفت إليه ياسين بغضب: "إنت آخر واحد يتكلم عن إنقاذ حد." قال فارس: "وعشان كده أنا عارف إنهم مستنيينك تخرج." قال آدم: "هو عنده حق. الرسالة ممكن تكون متراقبة." قالت سلمى: "يعني نسيب أمي وملك؟" قالت سارة: "لا، بس لازم نفكر." ضربت سلمى بيدها على الطاولة. "أنا تعبت من التفكير! كل مرة نفكر حد يختفي." اقترب منها ياسين وقال: "هنرجعهم، بس مش بالطريقة اللي هما عايزينها." نظرت إليه. "عندك خطة؟" ابتسم ابتسامة خفيفة. "لأ." قالت: "كنت حاسة." قال آدم: "أنا عندي." التفتوا إليه. أخرج هاتفه وقال: "الرسالة اللي وصلت لسلمى اتبعت من رقم مجهول، لكن المكان اللي اتبعت منه ظاهر عندي." قالت سارة: "فين؟" أجاب: "الميناء القديم." قالت سلمى: "نروح." قال فارس: "لا." "ليه؟" "لأن ده المكان اللي كانوا عايزين نروح له من البداية." قال ياسين: "إذن أكيد ملك هناك." قال فارس: "أو عايزينكم تصدقوا إنها هناك." صمت الجميع. قالت سلمى: "ممكن نستخدم ده لصالحنا." نظر إليها ياسين. "إزاي؟" قالت: "نخليهم يفتكروا إننا هنروح." قال آدم: "ونراقب المكان من بعيد." هزت سلمى رأسها. "بالضبط." تحركوا بسرعة. قبل خروجهم، وجد ياسين ظرفًا على الأرض أمام الباب. فتحه، فوجد صورة لوالدته مريم، وخلفها جملة: "لا تثق في فارس." نظر ياسين إلى أخيه. "إيه ده؟" قال فارس: "لو كنت عايز أضرك، مش هسيب لك تحذير." قال ياسين: "إذن مين اللي حطه؟" أجاب فارس: "الشخص اللي عايزنا نشك في بعض." قالت سلمى: "ومين قال إننا أصلًا واثقين فيك؟" ابتسم فارس. "ولا أنا طلبت." خرجوا من البيت. في الطريق، لم يتكلم أحد. كانت سلمى تجلس بجوار ياسين، وكل دقيقة تنظر إلى هاتفها منتظرة رسالة من أمها. فجأة اهتز الهاتف. رسالة واحدة: "ما تجيش لوحدك." قالت سلمى: "دي ماما." قرأ ياسين الرسالة. "إذن هي عايزة تقول لنا حاجة." أرسل آدم موقعهم إلى شخص يعرفه، ثم قال: "لو حصل أي شيء، حد هيعرف مكاننا." وصلوا بالقرب من الميناء، وتوقفوا قبل المكان بمسافة. كانت هناك مخازن قديمة وسيارات متوقفة. قال فارس: "في حركة." قالت سارة: "أشخاص؟" "أربعة." قالت سلمى: "وملك؟" أخرج آدم منظارًا صغيرًا. ظل يراقب ثم قال: "في بنت جوه المخزن." اقتربت سلمى. "ملك؟" قال: "مش قادر أحدد." فجأة خرج رجل من المخزن وأمسك هاتفًا، ثم رفعه باتجاههم. قال ياسين: "شافنا." قال فارس: "ارجعوا." لكن سلمى لم تتحرك. "لا." قال ياسين: "سلمى." "لو دخلنا، هيهربوا." قالت: "لازم نعمل حاجة." وفجأة جاء صوت هدى من خلفهم: "أنا هنا." استداروا جميعًا. كانت هدى واقفة وحدها. ركضت سلمى إليها. "ماما!" احتضنتها. "إنتِ كويسة؟" قالت هدى: "أنا ما رحتش لهم." قالت سلمى: "إذن مين بعت الرسالة؟" نظرت هدى إليها بخوف. "مش أنا." تجمدت سلمى. "إيه؟" أخرجت هدى هاتفها. "هاتفي كان معايا طول الوقت." قال آدم: "إذن حد دخل على حسابك." قالت هدى: "أو حد كان عنده نسخة من الرقم." فجأة جاء صوت صراخ من داخل المخزن. صرخت فتاة: "سلمى!" قالت سلمى: "ملك!" اندفع ياسين نحو المخزن، وتبعه آدم وفارس. فتحت سلمى الباب، فوجدت ملك جالسة على كرسي ويديها مربوطتان، لكن لم يكن هناك أحد حولها. أسرعت سارة بفك الحبل. قالت ملك: "اخرجوا!" سألت سلمى: "فينهم؟" "كانوا هنا." "مين؟" "رجل واحد." "شكله إيه؟" قالت ملك وهي ترتجف: "ما شفتش وشه." قال ياسين: "إذن إزاي عرفتِ إنه رجل واحد؟" نظرت إليه. "سمعت صوته." سألها فارس: "قال إيه؟" قالت: "قال إن كل ده مجرد بداية." فجأة أغلق الباب من الخارج. حاول آدم فتحه، لكنه لم يستطع. قالت سلمى: "إحنا اتحبسنا." جاء صوت من السماعات: "أخيرًا بقيتوا كلّكم في مكان واحد." قالت سلمى: "إنت مين؟" أجاب الصوت: "اسألي ياسين." نظر الجميع إليه. قال ياسين: "أنا ما أعرفش." جاء الرد: "بل تعرف." ثم أضاءت شاشة قديمة على الحائط، وظهر تسجيل لطفل صغير يقف بجوار رجل لم يظهر وجهه. كان الطفل هو ياسين. قالت سلمى: "ده إنت." قال ياسين: "أيوه." ظهر صوت الرجل في التسجيل: "قل لها من أنت." ثم التفت الطفل نحو الكاميرا وقال بصوت صغير: "أنا مالك." صمت ياسين. قالت سلمى: "مالك..." قال: "ده اسمي القديم." ثم ظهر الرجل في التسجيل من الخلف، وبدأ يلتفت ببطء. قبل أن يظهر وجهه، انطفأت الشاشة. جاء الصوت من السماعات: "دلوقتي عرفتوا ليه اخترتوا المكان ده." قال فارس: "مين أنت؟" أجاب الرجل: "أنا الشخص الذي كان يربي مالك قبل أن يصبح ياسين." صرخ ياسين: "أبويا؟" جاء الرد: "لأ." توقف لحظة، ثم قال: "أنا أخوك الحقيقي." رفع فارس رأسه فجأة. "مستحيل." قال الصوت: "مش فارس." تجمد الجميع. "أنا الأخ الذي لم يخبركم عنه أحد." قالت سلمى: "كان لياسين أخ تاني؟" جاء الرد: "أكثر من ذلك." ثم فُتح باب جانبي للمخزن ببطء، وظهر رجل يقف في الظلام. قال: "أنا الشخص الذي تبحثون عنه من البداية." وقبل أن يتقدم خطوة، سقطت الإضاءة، وسمعوا صوت هروب سريع. عندما عادت الإضاءة، لم يكن الرجل موجودًا، لكن على الأرض كانت هناك ورقة واحدة. التقطتها سلمى وقرأت: "اللقاء الحقيقي غدًا... في المكان الذي ماتت فيه مريم." نظرت إلى ياسين وقالت: "هنروح." فأجابها: "المرة دي مش هنروح عشان نعرف الحقيقة." ثم شد على يدها وقال: "هنروح عشان ننهيها." الفصل الثلاثون: المكان الذي انتهت فيه مريم لم تنم سلمى تلك الليلة. كانت جملة الورقة تدور في رأسها بلا توقف: المكان الذي ماتت فيه مريم. لم تكن تعرف أين كان المكان، لكن هدى كانت تعرف، وهذا ما جعلها أكثر خوفًا. جلست سلمى أمام أمها وقالت: "ماما، أنا عايزة أعرف كل حاجة قبل ما نروح." ظلت هدى صامتة. قالت سلمى: "لو فضلتي ساكتة، هنروح وإحنا مش فاهمين حاجة، وساعتها ممكن نخسر حد تاني." رفعت هدى عينيها وقالت: "المكان مصنع قديم." "فين؟" "على أطراف المدينة." "ومين كان موجود ليلة موت مريم؟" أغمضت هدى عينيها. "أنا ومريم ويوسف وفريد." تجمدت سلمى. "وفريد كان حي وقتها؟" "أيوه." "إذن إزاي مات بعدها؟" "لأنه اختفى." قالت سلمى: "ومين كان الشخص اللي ظهر في التسجيل؟" قالت هدى: "مش عارفة." "بس إنتِ سمعتي صوته." "أيوه." "وعارفة صوته." سكتت هدى، ثم قالت: "الصوت ده كنت بسمعه كل يوم وأنا صغيرة." "مين؟" لم تجب. في اليوم التالي، تجمعوا أمام المصنع القديم. كان المكان مهجورًا، والبوابة الحديدية مغطاة بالصدأ. قال آدم: "المكان ده كأنه مستني حد." ردت سارة: "أو مستني مصيبة." قال ياسين: "خلينا نخلص." دخلوا بحذر، وكانت آثار أقدام حديثة واضحة على التراب. قالت سلمى: "حد هنا قريب." فجأة ظهر صوت من مكبر قديم: "أهلًا بكم." توقفت سلمى. "إنت." قال الصوت: "كنت مستنيكم." قال ياسين: "ظهر." ضحك الرجل. "لسه بدري." قال فارس: "إنت أخو ياسين؟" "أيوه." "اسمك إيه؟" "مالك." تجمد ياسين. قال: "مالك اسمي أنا." أجاب الرجل: "وده سبب المشكلة." ظهرت شاشة أمامهم، وظهر عليها رجل في الثلاثينيات من عمره، يشبه ياسين بشكل واضح، لكن ملامحه كانت أكثر حدة. قالت سلمى: "إنت مين؟" أجاب: "أنا مالك الأول." قال ياسين: "إذن أنا مين؟" "أنت البديل." "بديل لمين؟" "لي." ساد الصمت. قال الرجل: "كنت أنا الطفل اللي اختاره فريد، لكن لما بدأت أرفض أوامره، أخذ طفلًا آخر ووضعه مكاني." قال ياسين: "أنا." "أيوه." قال فارس: "ليه مريم كانت تحميه؟" أجاب الرجل: "لأنها اكتشفت إن فريد كان بيستخدم الأطفال لتغطية جرائمه." قالت سلمى: "ومريم ماتت ليه؟" ظهر الرجل أمامهم من خلف باب جانبي. قال: "لأنها حاولت تهرب." قالت سلمى: "إنت كنت هناك." "أيوه." "وشفتها." "أيوه." "وسبتها تموت." سكت. ثم قال: "أنا ما كنتش قادر أنقذها." قال ياسين: "كداب." تقدم الرجل. "كنت طفلًا." قال ياسين: "وأنا كنت طفلًا برضه." نظر إليه. "لكن أنت اخترت تنسى، وأنا اخترت أفتكر." قال فارس: "إذن ليه رجعت؟" قال: "عشان أنهي كل حاجة." قالت سلمى: "وملك؟" "كنت محتاجها عشان أجمعكم." "وهدى؟" "كنت محتاجها عشان تخاف." قالت هدى: "إنت كنت ابن فريد." قال الرجل: "أيوه." قالت: "وعارف مين قتل مريم." "أعرف." قالت سلمى: "مين؟" نظر إليها طويلًا. "مريم لم يقتلها رجل." تجمد الجميع. قال آدم: "إيه معنى ده؟" قال: "ماتت بسبب حريق." قالت سلمى: "الحريق كان حادث." "لأ." قال الرجل: "أنا بدأت الحريق." صرخت هدى: "إنت!" قال: "كنت عايز أحرق الملفات." قال ياسين: "ومريم؟" "ما كنتش أعرف إنها جوه." سكت لحظة. "لما عرفت، رجعت." قالت سلمى: "لكنها كانت ماتت." "أيوه." أخرج الرجل صندوقًا صغيرًا. "لكن قبل موتها، أعطتني شيئًا." فتح الصندوق وأخرج شريطًا. قال: "قالت لي: لو عشت، أعطيه لسلمى." مد الشريط إليها. أخذته سلمى بيد مرتجفة. شغله آدم. جاء صوت مريم: "سلمى، لو بتسمعي ده، يبقى لازم تعرفي إن كل اللي حصل لم يكن صدفة. أنا اخترت أخفي الحقيقة لأنني كنت أعرف أن الشخص الذي يبحثون عنه ليس من خارج العائلة. هو واحد منكم." توقفت سلمى. قالت مريم: "الشخص الذي خانني لم يكن يوسف. يوسف كان ضعيفًا، لكنه حاول إنقاذي. الخائن الحقيقي كان..." انقطع التسجيل فجأة. صرخ آدم: "الشريط ناقص." قال الرجل: "النصف الثاني عندي." قالت سلمى: "إديني إياه." "مقابل حاجة." "إيه؟" "عايز ياسين." وقفت سلمى أمامه. "مش هتاخده." قال: "هو السبب في كل ده." رد ياسين: "وأنا مستعد." صاحت سلمى: "لأ!" نظر إليها. "لو ده هيخلص كل حاجة..." قالت: "مش على حسابك." ابتسم الرجل. "مريم كانت هتقول نفس الكلام." وفجأة سمعوا سيارات تتوقف خارج المصنع. قال فارس: "شرطة." قال الرجل: "مش شرطة." انفتح الباب، ودخل شريف ومعه مجموعة من الرجال. قال شريف: "انتهى وقت اللعب." قال الرجل: "أخيرًا." رفع شريف سلاحه، لكن قبل أن يطلق، خرجت هدى أمامه. "كفاية." قال شريف: "ابعدي." قالت: "أنا عارفة مين قتل مريم." نظر إليها الجميع. قالت: "والحقيقة مش هتخرج من شريط." سألها ياسين: "إذن منين؟" نظرت إلى سلمى. "من الشخص اللي كان مع مريم في آخر لحظة." قال فارس: "أنا." هزت رأسها. "لأ." ثم نظرت إلى شريف. "إنت." تغير وجهه. قالت سلمى: "إنت كنت هناك؟" قال شريف: "أيوه." "وإنت اللي خنقتها؟" "لا." "إذن إيه اللي حصل؟" قال شريف: "مريم كانت مريضة أصلًا." صمت الجميع. "الحريق سبب لها الاختناق، لكنها كانت ما زالت حية. أنا وصلت، وكان بإمكاني إنقاذها." قالت سلمى: "لكن ما أنقذتهاش." "لأن فريد كان واقفًا خلفي." قال ياسين: "أبويا." "أيوه." قال شريف: "قال لي: لو أنقذتها، كلنا هنموت." قالت سلمى: "وإنت صدقته." قال: "كنت جبانًا." صمتت سلمى طويلًا. ثم قالت: "أنا مش هسامحك." أجاب: "عارف." فجأة أخرج الرجل المقابل هاتفًا وقال: "خلصنا." ثم غادر عبر باب خلفي. صرخ فارس: "امسكوه!" لكن قبل أن يلحقوا به، سمعوا صوت انفجار في الخارج. اهتز المصنع، وسقط جزء من السقف. صرخت سارة. أمسك ياسين بسلمى وسحبها بعيدًا. وبعد دقائق خرج الجميع إلى الخارج. كان الرجل قد اختفى. قالت سلمى: "هرب." قال فارس: "بس المرة دي ترك أثرًا." أشار إلى صندوق صغير سقط أثناء هروبه. فتحته سلمى. كان بداخله النصف الثاني من الشريط. شغله آدم. جاء صوت مريم واضحًا هذه المرة: "الخائن الحقيقي ليس رجلًا. إنها امرأة. امرأة أحببتها مثل أختي، ووثقت بها أكثر من نفسي." نظرت سلمى إلى هدى. لكن صوت مريم أكمل: "اسمها..." وانقطع التسجيل مرة أخرى. نظرت سلمى إلى أمها، ثم إلى الجميع. وقالت: "إحنا لسه ما عرفناش الحقيقة." وفجأة وصلتها رسالة من رقم مجهول: "المرة القادمة لن أترك التسجيل ناقصًا." وتحتها صورة لامرأة تقف بجوار مريم قبل سنوات. كانت المرأة هي هدى. لكن خلفهما، في الصورة، ظهرت امرأة ثالثة لم يعرفها أحد. الفصل الحادي والثلاثون: المرأة الثالثة ظلت سلمى تحدق في الصورة حتى بدأت أصابعها ترتجف. كانت مريم في المنتصف، وهدى إلى جوارها، أما المرأة الثالثة فكانت تقف خلفهما بنصف وجه ظاهر، لكنها رغم ذلك بدت مألوفة بشكل غريب. قالت سارة: "إنتِ تعرفيها يا هدى؟" لم تجب هدى. قالت سلمى: "ماما، بصيلي." رفعت هدى عينيها، وما إن رأت الصورة حتى تغير وجهها. قالت سلمى: "مين دي؟" ردت هدى بصوت خافت: "ما ينفعش تعرفي." قالت سلمى: "يعني تعرفيها." "أيوه." "اسمها إيه؟" سكتت هدى طويلًا، ثم قالت: "ليلى." قال آدم: "ليلى مين؟" أجابت: "أخت مريم." شهقت سلمى. "مريم كان لها أخت؟" "أيوه." قال فارس: "وليه عمرنا ما سمعنا عنها؟" قالت هدى: "لأنها اختفت قبل موت مريم بسنين." سألت سلمى: "اختفت فين؟" "محدش يعرف." قال ياسين: "إلا إنتِ." نظرت إليه هدى. "أنا آخر واحدة شافتها." قالت سلمى: "إيه اللي حصل؟" قالت هدى: "ليلى كانت أذكى مننا كلنا. هي اللي اكتشفت المؤسسة في البداية، وهي اللي أقنعت مريم تدخل معاها." قال آدم: "يعني كانت شريكة؟" "في البداية كانت بتحاول تفضحهم." "وبعدين؟" "اتغيرت." قالت سلمى: "إزاي؟" هدى نظرت إلى الصورة. "لما فريد عرض عليها المال والنفوذ، صدقته." قال ياسين: "وبقت معاهم." "أيوه." قالت سلمى: "يبقى هي الخائنة." هزت هدى رأسها. "مش بالبساطة دي." فجأة وصلهم صوت سيارة، فالتفتوا جميعًا. كانت سيارة سوداء تتوقف أمام المصنع. نزل منها رجل مجهول، وألقى ظرفًا على الأرض، ثم تحرك بسرعة قبل أن يصلوا إليه. فتحه آدم. كانت بداخله ورقة مكتوب عليها عنوان. قالت سلمى: "إيه ده؟" أجاب: "مستشفى قديم." قالت هدى: "ليلى." التفت الجميع إليها. "إنتِ متأكدة؟" قالت: "لو هي لسه عايشة، هتكون هناك." قرروا الذهاب فورًا. طوال الطريق، كان الصمت ثقيلًا. جلست سلمى بجوار ياسين، لكنه لم يتحدث. قالت له: "إنت ساكت ليه؟" "بحاول أفهم أنا فين من كل ده." "إنت في النص." "حاسس إني أصل الحكاية." "مش كل حاجة بتبدأ بيك." ابتسم لها. "بس كل حاجة بتوصل لي." قالت: "وأنا معاك." نظر إليها، ثم أمسك يدها. "وعد؟" "وعد." وصلوا إلى المستشفى بعد منتصف الليل. كان المبنى مهجورًا، لكن أحد الأبواب كان مفتوحًا. دخلوا، ووجدوا ممرًا طويلًا مضاءً بمصابيح ضعيفة. قالت سارة: "المكان ده مرعب." رد آدم: "ممكن تبطلي تقولي كده؟" "ليه؟" "عشان أنا أصلاً خايف." ضحكت رغم توترها. قال فارس: "اسكتوا." توقف أمام باب مكتوب عليه رقم 17. فتحه ببطء. كانت الغرفة فارغة إلا من كرسي ومرآة كبيرة. قالت سلمى: "مفيش حد." وفجأة أُغلق الباب خلفهم. ظهر صوت من جهاز صغير على الطاولة: "كنت عارف إنكم هتيجوا." قالت سلمى: "ليلى؟" جاء الرد: "أيوه." ظهرت امرأة على شاشة صغيرة. كانت أكبر من هدى ومريم بقليل، وملامحها هادئة بشكل غريب. قالت: "سلمى، كبرتي." اقتربت سلمى من الشاشة. "إنتِ تعرفيني؟" "كنت أعرفك قبل ما تعرفي نفسك." قالت هدى: "ليلى، كفاية." ردت ليلى: "إنتِ لسه بتلعبي دور الأم المثالية؟" صاحت هدى: "أنا حميت البنت." "إنتِ أخفيتي عنها الحقيقة." قالت سلمى: "إنتِ اللي كنتِ وراء كل ده؟" ابتسمت ليلى. "جزء منه." قال ياسين: "مين قتل مريم؟" تغير وجه ليلى. "مريم ماتت بسبب اختيارها." قال فارس: "كفاية ألغاز." قالت ليلى: "مريم اختارت حماية أطفال لا علاقة لهم بها، ورفضت تسلم الملفات." قالت سلمى: "والخيانة؟" أجابت: "أنا لم أخنها." قالت هدى: "كاذبة." ردت ليلى: "أنا خنت المؤسسة." ساد الصمت. قالت ليلى: "أنا اللي سرقت الملفات منهم." قال آدم: "إذن مين الخائن؟" ابتسمت. "شخص موجود معكم الآن." التفت الجميع إلى بعضهم. قالت سلمى: "مين؟" لم تجب ليلى. قالت: "هتعرفوا لما تخرجوا من الغرفة." وفجأة انطفأت الشاشة. قال فارس: "نخرج." حاول فتح الباب، لكنه كان مقفولًا. قال آدم: "مفيش مقبض من الداخل." قالت سارة: "يا نهار أبيض." قالت سلمى: "ليلى!" لا رد. فجأة بدأ الغاز يتسرب من فتحات التهوية. صرخت هدى: "انزلوا!" أمسك ياسين سلمى وسحبها إلى الأرض. قال فارس: "لازم نكسر الباب." بدأ يضربه بكتفه، لكن دون جدوى. قالت سلمى: "في المرآة!" لاحظت وجود فتحة صغيرة خلفها. اندفع آدم نحوها وحرك المرآة، فظهر ممر ضيق. قال: "من هنا!" خرجوا واحدًا تلو الآخر، لكن هدى لم تكن معهم. عادت سلمى إلى الغرفة. وجدتها واقفة أمام الشاشة. قالت هدى: "روحي." "مش هسيبك." "ليلى عايزة مني حاجة." قالت سلمى: "إيه؟" أجابت هدى: "أنا الوحيدة اللي تعرف مكان الدليل الأخير." وفجأة ظهر وجه ليلى على الشاشة. قالت: "أخيرًا فهمتي." قالت سلمى: "إنتِ عايزة إيه؟" "الملف." "فينه؟" نظرت ليلى إلى هدى. "قولي لها." قالت هدى: "في البيت القديم." قالت سلمى: "فين بالضبط؟" قالت هدى: "تحت غرفة مريم." فجأة انطلق صوت إنذار، وانفتح باب آخر في نهاية الممر. خرج منه رجل مجهول وركض باتجاههم. صاح فارس: "خدوا هدى!" ركض ياسين خلف الرجل، لكن الرجل اختفى في الظلام. عاد ياسين وهو يمسك قطعة قماش سقطت منه. نظر إليها ثم قال: "الريحة دي..." سألت سلمى: "إيه؟" قال: "عطر أعرفه." نظر إلى فارس. "إنت." تجمد فارس. "إيه؟" قال ياسين: "نفس العطر اللي كان على هدومك يوم اختفت ملك." قالت سلمى: "فارس..." رفع فارس يديه. "مش أنا." قال آدم: "يبقى مين بيستخدم عطرك؟" لم يجب. وفجأة رن هاتف سلمى. رسالة واحدة: "أنتِ قريبة جدًا. لكنك تثقين بالشخص الخطأ." نظرت إلى ياسين، ثم إلى فارس، ثم إلى هدى. وبعد لحظات قالت: "هنرجع للبيت القديم." قال ياسين: "ليه؟" أجابت: "لأن الدليل الأخير هناك." لكنها لم تخبره أن رسالة أخرى وصلت بعدها بثوانٍ، وكانت تقول: "ولو أردتِ معرفة الخائن، لا تأخذي ياسين معك." الفصل الثاني والثلاثون: لا تثقي في أقرب شخص احتفظت سلمى بالرسالة دون أن تخبر أحدًا. كانت تعرف أن أي كلمة قد تجعل الجميع يشكون في بعضهم أكثر مما هم عليه، لكنها لم تستطع تجاهل التحذير. نظرت إلى ياسين، فوجدته يراقبها. قال: "في حاجة." نفت برأسها. "لأ." ابتسم بسخرية. "إنتِ لما بتقولي لأ بالشكل ده، بتبقي أكيد في حاجة." قالت: "خلينا نرجع البيت القديم." قال: "كلنا؟" ترددت للحظة، ثم قالت: "أيوه." كان فارس يراقبهما من بعيد، بينما كانت هدى جالسة صامتة. قالت سارة: "أنا مش مرتاحة." رد آدم: "ولا أنا." قالت ملك: "بعد اللي حصل، طبيعي." تحركوا جميعًا، لكن قبل أن يصلوا إلى السيارات، اختفت هدى مرة أخرى. صاحت سلمى: "ماما!" وجدوا هاتفها على المقعد، وعلى شاشته رسالة واحدة: "لا تبحثي عني." قال ياسين: "ده مش طبيعي." قالت سلمى: "أكيد حد أخدها." رد فارس: "أو هي اللي راحت بإرادتها." التفتت إليه سلمى. "إنت بتشك فيها؟" "أنا بشك في الكل." قال آدم: "وده أحسن شيء نعمله." قالت سلمى: "أنا مش هشك في أمي." قال ياسين: "وأنا مش هشك فيك." نظرت إليه. "إنت الوحيد اللي مش عايزة أشك فيه." سكت للحظة. "إذن ما تخليش حد يخلينا نشك في بعض." انطلقوا نحو البيت القديم، لكن هذه المرة دخلوا من باب خلفي. كانت الغرفة التي تخص مريم في الطابق الثاني. بدأت سلمى تبحث عن أي شيء غير طبيعي. قالت ملك: "تحت السرير." انحنت سلمى، فوجدت لوحًا خشبيًا يتحرك. رفعه آدم، وظهر تجويف صغير بداخله صندوق معدني. قالت سلمى: "ده هو." فتحه ياسين. وجدوا ملفات وصورًا وذاكرة صغيرة. قالت سارة: "ده الدليل." لكن قبل أن يلمسها أحد، انغلق الباب. قال صوت من الخارج: "أحسنتم." قالت سلمى: "إنت!" أجاب الصوت: "المرة دي مش هتخرجوا." بدأ آدم يحاول فتح الباب. قال فارس: "في نافذة." فتحها ياسين، لكن النافذة تطل على ارتفاع كبير. قالت سلمى: "هننزل." قال ياسين: "أنا الأول." قال فارس: "وأنا." قال ياسين: "لأ." نظر إليه فارس. "ليه؟" "لأني مش واثق فيك." ابتسم فارس. "أخيرًا." قال آدم: "اتخانقوا بعدين." خرج آدم أولًا، ثم سارة وملك، وبعدها سلمى. عندما جاء دور ياسين، سمعوا صوت كسر من الباب. قال فارس: "انزل." قال ياسين: "وأنت؟" "هعطلهم." تردد ياسين، ثم نزل. بعد ثوانٍ قفز فارس خلفه. ركضوا إلى السيارة، لكنهم وجدوا هدى جالسة في المقعد الخلفي. صاحت سلمى: "ماما!" احتضنتها. قالت هدى: "أنا كويسة." "مين أخدك؟" "ما حدش." تجمدت سلمى. "إيه؟" قالت هدى: "أنا اللي مشيت." "ليه؟" "لأن ليلى اتصلت بيا." قال ياسين: "قالت لك إيه؟" أجابت: "قالت إن الدليل مش كامل." قالت سلمى: "إذن فين الجزء التاني؟" هدى نظرت إلى فارس. "معاه." التفت الجميع إليه. قال فارس: "معايا إيه؟" قالت: "الجزء الأخير من الحقيقة." أخرج فارس ظرفًا من جيبه. قال: "كنت مستني الوقت المناسب." أخذته سلمى. بداخله صورة قديمة جدًا، وورقة مكتوب عليها ثلاثة أسماء: مريم، ليلى، فريد. وتحتها جملة: "واحد منهم كذب، واحد خان، وواحد حاول إصلاح كل شيء." قالت سلمى: "إحنا عارفين إن مريم حاولت تصلح." قال فارس: "مش بالضرورة." نظرت إليه. "تقصد إيه؟" قال: "مريم أخفت الحقيقة عنكم كلّها." قالت هدى: "كانت بتحميكم." قال فارس: "أو كانت بتحمي نفسها." ردت سلمى: "إنت ليه بتشكك فيها؟" قال: "لأن عندي تسجيل." شغله. جاء صوت مريم: "أنا أخطأت." ثم صمت. "أنا اللي بدأت المشروع." شهقت سلمى. قالت مريم في التسجيل: "كنت أعتقد إنني أقدر أستخدم المؤسسة لحماية الأطفال، لكني اكتشفت أنني أصبحت جزءًا من اللعبة." قالت سارة: "يعني مريم كانت شريكة؟" قال فارس: "في البداية." أكمل التسجيل: "فريد استغلني، وليلى عرفت كل شيء، وهدى حاولت إنقاذي. أما الطفل الذي كنت أخفيه..." توقف التسجيل. قالت سلمى: "مين الطفل؟" ظهر صوت مريم من جديد: "كان ياسين." نظر الجميع إليه. قال ياسين: "أنا؟" قالت مريم: "لو حدث لي شيء، لا تخبروا ياسين بحقيقته إلا عندما يبلغ السن المناسب." ثم جاء صوت رجل آخر في التسجيل. كان هادئًا ومألوفًا. قال: "وأنا أقول لك إنك لن تعيشي حتى ذلك الوقت." توقف التسجيل. رفعت سلمى رأسها. "ده الصوت." قالت هدى: "أيوه." قالت سلمى: "صوت مين؟" قبل أن تجيب، قال ياسين: "أنا عارف." نظروا إليه. "ده صوت عادل." التفت الجميع إلى عادل، الذي كان قد ظهر عند باب الغرفة. قال: "أخيرًا." صرخ فارس: "إنت كنت عارف؟" قال عادل: "كنت عارف أكتر مما تتخيل." قالت سلمى: "إنت اللي هددت مريم." "أيوه." "إنت اللي بدأت كل ده." "لا." "أمال مين؟" قال عادل: "فريد." قال ياسين: "أبويا مات." أجاب عادل: "أبوك مات، لكن أفكاره ما ماتتش." ثم أخرج هاتفه، وفتح تسجيلًا جديدًا. ظهر فريد على الشاشة، حيًا، يتحدث أمام الكاميرا. تجمد ياسين. "مستحيل." قال فريد: "لو بتشوف التسجيل ده، يبقى كل شيء وصل للمرحلة الأخيرة." اقترب ياسين من الشاشة. "أبي..." تابع فريد: "مالك، لو كنت تسمعني، اعرف إنني لم أكن أريد أن أتركك." قال ياسين: "إنت عايش؟" ابتسم فريد في التسجيل. "أنا ميت منذ سنوات، لكنني تركت شخصًا يكمل ما بدأته." قالت سلمى: "مين؟" قال فريد: "الشخص الذي كنتِ تثقين به أكثر من أي أحد." انقطع التسجيل. ساد الصمت. نظرت سلمى إلى ياسين. "إنت قلت إننا لازم نواجه الحقيقة." قال: "أيوه." قالت: "إذن نواجهها." لكن فجأة دخلت ليلى الغرفة. لم ينتبه أحد كيف وصلت. قالت: "الحقيقة مش عند فريد." استدار الجميع. "الحقيقة عندي." قالت سلمى: "إنتِ الخائنة؟" ابتسمت ليلى. "لا." ثم أشارت إلى ياسين. "الخائن الحقيقي كان واقفًا بجانبه طوال الوقت." نظر الجميع إلى فارس. ثم إلى آدم. ثم إلى شريف. لكن ليلى قالت: "مش أي واحد فيهم." ونظرت مباشرة إلى سلمى. "إنتِ." تجمدت سلمى. "أنا؟" قالت ليلى: "أيوه." ثم أضافت: "لأنك الوحيدة اللي مريم تركت لها كل الأدلة." قالت سلمى: "وده يخليّني خائنة؟" ردت ليلى: "لا. لكنه يخليك مفتاح كل اللي حصل." وفجأة اهتز هاتف سلمى برسالة جديدة. فتحتها، فوجدت صورة حديثة لبيتهم. وتحت الصورة جملة: "المرحلة الأخيرة بدأت." رفعت سلمى عينيها وقالت: "هنرجع البيت." قال ياسين: "ليه؟" أجابت وهي تنظر إلى الصورة: "لأنهم مش بيهددونا من بعيد." ثم أضافت: "هم موجودين جوه بيتنا."الفصل الثالث عشر: انطلقت الرصاصة، فصرخت سلمى دون وعي.اندفع كريم نحوها وأسقطها أرضًا، بينما ارتطمت الرصاصة بالعمود الحجري خلفهما وتناثر الغبار في المكان.صرخ ياسين: "انزلوا!"واندفع آدم ناحية مصدر الطلقات، لكن فؤاد كان قد اختفى خلف أحد الأعمدة.بدأت أصوات الرصاص تتردد داخل المحطة القديمة، وركض الجميع بحثًا عن مكان يحميهم.أمسكت ليلى بيد سلمى وسحبتها خلف المقعد.قالت سلمى وهي تلهث: "إنتِ خنتي بابا؟"لم تجب ليلى.قالت سلمى: "ماما!"نظرت إليها ليلى، وكانت عيناها ممتلئتين بالدموع.قالت: "مش زي ما هو قال." "أمال إزاي؟" "أنا ما خنتش كريم."جاء صوت فؤاد من بعيد: "اسأليها عن اللي حصل في الليلة الأخيرة!"صرخ كريم: "فؤاد، كفاية!"ضحك فؤاد. "أنت أكتر واحد عارف إني بقول الحقيقة."تحرك آدم بحذر بين الأعمدة، ثم أشار إلى ياسين.كان هناك ممر جانبي يمكنهم الهرب من خلاله.قال ياسين: "من هنا."أمسك سليم بيد ليلى. "يلا."لكن كريم أوقفهم. "استنوا."نظر إلى آخر الرصيف.كانت هناك مجموعة من الرجال تقترب من المدخل.قال كريم: "في أكتر من فريق."قال آدم: "يبقى لازم نقسم نفسنا."رد كريم: "لا.محدش هيتقسم."قالت سلمى: "ليه؟"قال: "لأنهم
الفصل الثاني عشر: لم تستطع سلمى أن تتحرك.ظلت تحدق في الهاتف الذي انقطع الاتصال منه، وكأنها تنتظر أن يعود الصوت مرة أخرى ويثبت لها أن ما سمعته لم يكن وهمًا.كان الجميع ينظر إليها، لكن عينيها لم تريا أحدًا.كل ما كانت تسمعه داخل رأسها هو الجملة الأخيرة: "أنا ما متش."اقترب ياسين منها ببطء.قال: "سلمى..."رفعت يدها. "ما تتكلمش."ثم نظرت إلى ليلى.كانت أمها تبكي بصمت.قالت سلمى: "إنتِ كنتِ عارفة؟"هزت ليلى رأسها بسرعة. "لا." "كريم عايش؟" "والله ما أعرف."قال سليم: "ممكن يكون التسجيل قديم."ردت سلمى: "بس هو ناداني باسمي."قال آدم: "وده معناه إن الشخص اللي اتصل كان عارف إننا هنا."نظر ياسين إلى الممر. "يعني ممكن يكون بيراقبنا."قال آدم: "بالضبط."أخذ الهاتف من يد سلمى وفحصه.قال: "مفيش رقم ظاهر."قالت: "إزاي؟" "مكالمة من شبكة داخلية أو جهاز معدل."سألت سلمى: "يعني إيه؟" "يعني الشخص اللي اتصل مش عايز نعرف مكانه."اقتربت ليلى من ابنتها. "سلمى، لازم نمشي."لكن سلمى لم تتحرك.قالت: "لو كريم عايش، أنا هروح له."قال سليم: "مش قبل ما نعرف هو فين."ردت: "هو أبويا."توقفت للحظة، ثم صححت نفسها بصوت مكسور: "حتى لو مش أبويا
الفصل الحادي عشر: لم تستطع سلمى أن تتحرك.كانت الكلمات ما زالت تدور داخل رأسها بعنف، وكأن عقلها يرفض أن يسمح لها بفهم معناها الحقيقي.كريم مش أبوها.الرجل الذي قضت سنوات وهي تبحث عن صورته، وتحاول أن تتخيل صوته، وتلوم نفسها لأنها لم تعرفه بما يكفي... لم يكن والدها.نظرت إلى سليم، وكانت عيناها ممتلئتين بالأسئلة.قالت بصوت مرتجف: "قولي إنه بيكدب."لم يجب سليم.اقتربت منه. "بابا، قولي إنه بيكدب."خفض سليم عينيه.صرخت: "بصلي!"رفع عينيه إليها، لكن الصمت الذي خرج منه كان أقسى من أي إجابة.قالت: "إنت كنت عارف؟"قال سليم: "أيوه."شعرت أن قدميها لم تعودا تحملانها.استندت إلى الحائط.قالت: "من إمتى؟"قال: "من قبل ما تولدي."ضحكت ضحكة قصيرة مليئة بالوجع. "يعني كل حاجة كانت كذبة؟"قال سليم: "لا."ردت بسرعة: "أمال إيه؟"قال: "كريم ما كانش أبوكي بالدم... لكنه كان أبوكي بكل معنى الكلمة."هزت رأسها. "مش عايزة كلام يهون الموضوع.عايزة الحقيقة."اقترب آدم وقال: "الحقيقة إن كريم كان الشخص اللي ربّاكي وحماكي."نظرت إليه بغضب. "وأبويا الحقيقي مين؟"لم يجب.قال فؤاد من بعيد: "أخيرًا وصلنا للسؤال الصح."التفتت إليه سلمى. "إنت تعرف."
الفصل العاشر: لم تتحرك سلمى.ظلت تحدق في آدم وكأنها تنتظر منه أن يضحك ويخبرها أن كل ما سمعته كان مجرد سوء فهم.لكن آدم لم يضحك.لم ينكر.ولم يحاول حتى أن يقترب منها.كان واقفًا في مكانه، وجهه شاحب وعيناه ثابتتان عليها، وكأن اللحظة التي خاف منها طوال سنوات وصلت أخيرًا.قال ياسين بصوت منخفض: "آدم... قول إن الكلام ده مش حقيقي."ظل آدم صامتًا.رفع ياسين صوته: "آدم!"أجاب أخيرًا: "حقيقي."شعرت سلمى بأن قلبها توقف للحظة.تراجعت خطوة، ثم أخرى.قالت: "إنت كنت هناك؟"أومأ آدم.قالت: "في الغرفة البيضاء؟"أجاب: "أيوه."ارتجفت شفتاها. "إنت كنت واحد منهم؟"رفع آدم عينيه إليها. "لا."صرخت: "أمال كنت بتعمل إيه هناك؟"قال: "كنت بحاول أخرجك."ضحكت سلمى بسخرية وهي تمسح دموعها. "كل واحد فيكم عنده نفس الإجابة.حماية.إنقاذ.محاولة إخراجي.طيب ليه أنا فاكرة صوتك؟"لم يجب.اقترب سليم منه بعصبية. "جاوبها."قال آدم: "لأني كنت جزءًا من الفريق."تجمد الجميع.قال ياسين: "فريق إيه؟"قال آدم: "الفريق اللي كان بيتابع المشروع."قالت سلمى: "يعني كنت دكتور؟"هز رأسه. "كنت طبيبًا وباحثًا."قالت: "وبعدين؟"أخذ نفسًا عميقًا. "لما اكتشفت اللي بيحصل للأط
الفصل التاسع: لم تستطع سلمى أن تستوعب ما حدث.كانت واقفة في نهاية الممر، والورقة بين أصابعها ترتجف، بينما المكان الذي كانت تقف فيه أمها منذ لحظات أصبح فارغًا تمامًا.لا صوت، لا حركة، ولا حتى أثر يدل على الطريق الذي أخذته.كانت الجملة المكتوبة على الورقة تتكرر في رأسها: "لو عايزة أمك، تعالي للمكان اللي مات فيه أبوكي." رفعت عينيها نحو آدم.قالت: "إنت متأكد إن البيت ده هو المكان؟" أجاب: "أيوه." "إنت رحت هناك قبل كده؟" صمت. قال ياسين: "آدم، رد." تنهد آدم. "أيوه." قالت سلمى: "إمتى؟" "بعد اختفاء أبوكي بأيام." اقتربت منه. "ولقيت إيه؟" قال: "لقيت البيت مفتوح." "وأبويا؟" "ما لقيتش حد." "طب ليه ما قلتليش؟" نظر إليها. "لأن اللي لقيته هناك كان أخطر من إنك تعرفيه وإنتِ صغيرة." قالت سلمى بغضب: "أنا مش صغيرة دلوقتي!" قال آدم: "عارف." "يبقى بلاش أسرار." أومأ. "البيت كان متفتش بالكامل.كل حاجة مكسرة.الأوراق متبعثرة.والحائط الخلفي كان عليه دم." تجمدت سلمى. "دم؟" "أيوه." "يعني أبويا مات هناك؟" "مش بالضرورة." سأل ياسين: "ليه؟" قال آدم: "لأن الدم كان قديم، لكن مفيش جثة." قالت سلمى: "يعني ممكن يكون عايش وقتها.
لم تتحرك سلمى.كانت تحدق في المرأة الواقفة أمامها، تحاول أن تجد في ملامحها أي شيء مألوف.أي تفصيلة صغيرة يمكن أن تجعل عقلها يصدق الكلمات التي سمعتها للتو.لكن وجه المرأة كان غريبًا عنها تمامًا.لم تعرفه.لم تتذكره.لم تشعر حتى بذلك الإحساس الغريب الذي يأتي أحيانًا عندما نرى شخصًا قديمًا ونشعر أننا عرفناه في مكان ما.لم يكن هناك شيء.قالت سلمى بصوت مرتجف: "إنتِ... أمي؟"ابتسمت المرأة بحزن."أيوه يا سلمى."تراجعت سلمى خطوة."لا."نظر ياسين إليها بقلق."سلمى..."رفعت يدها تمنعه من الاقتراب."محدش يقرب."كانت عيناها على المرأة."أمي ماتت."ردت المرأة بهدوء:"قالوا لك كده."صرخت سلمى:"لأنها ماتت!"قالت المرأة:"لا.أنا عايشة."تدخل سليم لأول مرة."إنتِ مين؟"نظرت المرأة إليه."لسه هتسألني أنا مين يا سليم؟"ساد صمت ثقيل.كان واضحًا من نظرات سليم أنه يعرفها.قالت سلمى:"إنت تعرفها."لم يجب.اقتربت منه."بابا... إنت تعرفها."قال سليم بصوت منخفض:"أيوه.""مين هي؟"نظر إليها طويلًا."اسمها ليلى."شهقت سلمى.الاسم وحده جعل شيئًا يتحرك في داخلها.ليلى.كانت هناك أغنية قديمة في ذاكرتها، كانت تسمعها وهي ط







