共有

الفصل الثامن

作者: El Mufied
last update 公開日: 2026-05-20 08:11:56

​في تلك الليلة، بدت مائدة البيع في الشرفة الأمامية موحشة وخالية للغاية. ولم يكن ذلك لأن البضاعة قد نفدت بتهافت المشترين، بل على العكس تماماً؛ فالقدور المليئة بالخضار المطبوخة بحليب جوز الهند وتقلية التمبي لا تزال ممتلئة عن آخرها، تكاد لم تُلمس. وعلى الصينية، رقدت أكوام مقليات الخضار و"التمبي" التي بردت الآن، متراكمة بلا حراك، تاركة بقع الزيت تتجمد ببطء حولها.

​لقد غرق عائد اليوم إلى أعمق قاع؛ وكانت هذه أمرّ حقيقة يتجرعها جدي وجدتي طوال سنوات تجارتهما.

​وقفت متسمرة عند عتبة الباب، أنظر بحزن إلى جدي وهو يرتب المقاعد الخشبية بتنهيدات أثقلها الكبر والهم. تفتت قلبي كالغبار في مهب الريح، وشعور الذنب يعتصر قفصي الصدري حتى خنق أنفاسي. كنت أبتغي تخفيف العبء الذي يثقل كاهليهما، فإذا بوجودي يتحول إلى لعنة تقطع شريان رزق هذه العائلة. حقاً، لم أكن سوى جالبة للبؤس والأسى.

​"جدتي... جدي..." خرج صوتي مبحوحاً ومرتجفاً وأنا أخطو نحوهما.

​التفتت جدتي التي كانت تغطي صينية المقليات بأوراق الموز: "ما الخطب يا حفيدتي؟ هل هناك شيء تبغينه؟"

​"سامحيني يا جدتي،" وانفجر بكائي رغماً عني، فجثوت على ركبتي وأمسكت بخصر جدتي أحتضنها بشدة. "بسببي أنا، كست الكساد تجارة جدتي. بسبب قبح مظهري، امتلأ الناس بالاشمئزاز وأعرضوا عن الشراء. أطلب منكِ ومن جدي ألف عفو ومغفرة. غداً، سأحبس جسدي هذا داخل الغرفة، لتعودي إلى تجارتكِ كما كنتِ في السابق."

​وبدلاً من أن تصب غضبها عليّ أو تؤكد مرارة رثائي لنفسي، امتدت أصابع جدتي المغضنة لتمسح برفق على رأس حفيدتها بكل ما في قلبها من حنان، ثم أمسكت بكتفيّ تجبرني على النهوض والوقوف منتصبة. وارتسمت على شفتيها ابتسامة تفيض بالسكينة، ابتسامة ترياقية كانت كفيلة بإطفاء لظى القلق المستعر في رأسي.

​قالت برقة بالغة: "يا حفيدتي، أنصتي لقولي جيداً. إن الرزق بيد الله عز وجل وحده، ومقاديره مطلقة في قبضته، لا يحدده مظهر وجهكِ ولا من يقف خلف البضاعة. وإن كسدت تجارتنا اليوم، فاعلمي يقيناً أن ذلك ليس لأنكِ جلبتِ النحس أو الشؤم."

​قاطعتها وسط شهقات بكائي المتبقية: "ولكن الأمر جلِيّ يا جدتي، فالناس يعرضون عن دربي بمجرد أن تقع أبصارهم على يدي المشوهة."

​وهنا تدخل جدي وهو يخطو نحونا ببطء قائلاً: "تلك هي طريقة الله سبحانه وتعالى في تحويل مسار رزقنا في هذا اليوم يا سلمى. لعل الرزق الذي قدره لنا اليوم ليس في صورة دراهم ودنانير، بل في صورة أجر صدقة لا ينقطع ثوابها."

​أومأت جدتي برأسها مؤيدة لقوله، ثم أشارت إلى أكوام الطعام على الطاولة: "تعالي وأعيني جدتكِ على تغليف هذه الخضار والأطعمة كلها. سنبذل هذه الصدقة لرواد المصلى بعد فراغهم من صلاة العشاء، وما تبقى منها سنوصله إلى الأرامل في أطراف القرية. إن الله قد ساق الرزق إليهم الليلة بجعل أيدينا سبباً وواسطة. أوعيتِ ذلك يا ابنتي؟"

​هززت رأسي ببطء والدموع لا تزال تتدفق بغزارة. إن رحابة صدريهما حقاً لا يدانيها شيء على وجه البسيطة.

​ولكن، بالرغم من أن جدي وجدتي قد سكبا السكينة في روحي، إلا أن عقلي لم يقو على مخادعة الواقع؛ فحقيقة الحياة في الخارج أشد قسوة من أن تُحتمل.

​زحف الليل واشتد لظى عتمته، ومع ذلك أبت عينائي أن تغتمضا، وعاد الأرق ليسلبني النوم. فالبرد القارس القادم من الساحل والذي ينهش العظام تفاعل بشدة مع جروح الحروق في وجهي ونصف جسدي؛ وبدت تلك البشرة المتجعدة متصلبة للغاية، تثير حكة لا تُطاق، وتنبض بألم يمزق نياط القلب في آن واحد. أطلقت أنات مكتومة، وأنا أعتصر وسادتي بقوة لأحاول لفت هذا العذاب الجسدي.

​في الماضي، عندما كنت أعيش في كنف ذلك المنزل الفخم في "سولو"، لو أن جسدي أصابه مجرد صداع طفيف، لأسدلت أمي الستار لتأتي بالطبيب فوراً أو تشتري الأدوية بأغلى الأثمان. أما الآن، ففضلاً عن عجزي عن شراء مرهم يسكن جروحي، فإن مجرد النظر إلى كساد تجارة جدتي جعلني أشعر بوضاعة شديدة تمنعني حتى من الشكوى من هذا الألم.

​ولما أحسست بجفاف شديد يعتصر حلقي، نهضت من مرقدي مبتغية رشفة ماء تروي ظمئي من المطبخ. وبينا كنت أسير بخطوات وئيدة في الممر الضيق المؤدي إلى الغرفة الخلفية، تسمرت قدماي فجأة. رأيت بريق ضوء أصفر خافت ينبعث من خلف باب المصلى الصغير داخل المنزل، والذي تُرِك موارباً قليلاً.

​بخطوات متسللة على أطراف أصابعي، اقتربت واختلست النظر من شق الباب. وعلى سجادة صلاة قد بهت لونها بمرور السنين، كانت جدتي تجلس مستسلمة، متدثرة بثوب صلاة أبيض ناصع كالسحاب. وكانت ترفع كفيها عالياً نحو السماء، وكتفاها يهتزان بشدة وهي تحاول كتمان شهقاتها. وفي سكون ذلك الثلث الأخير من الليل، انفرط بكاء جدتي، يتردد صداه ممتزجاً بصوت صرار الليل خارج النافذة.

​"اللهم يا رحمن يا رحيم..." انساب صوت جدتي المبحوح بخفوت، لكنه كان يفتت الأكباد ويدمي القلوب. "أبسط إليك كفيّ طامعة في مغفرتك... أستغفرك من كل ذنب وخطيئة. يا رب، ارفع درجات حفيدتي، جميلة سلمى. واصبب عليها صبراً يمتد بامتداد المحيطات."

​كتمت فمي بكلتا يدي، أحبس بكائي رغماً عني لئلا أخدش خشوع مناجاتها.

​"إلهي، إن لم تشأ بعدُ أن تكتب الشفاء لوجهها... فإني ألتجئ إليك أن تشفي قلوب الناس الذين ينظرون إليها. لا تدع ألسنتهم تنتهك وتزدري أمتك ووديعتك يا رب. أو... إن كان لا بد من جسد يحمل هذا الألم وهذه السخرية... فانقل كل عذابها وضعه على عاتقي أنا. دع أمتك هذه العجوز الواهنة تحمل كل شيء يا الله. ارحم حفيدتي..."

​وعادت جدتي لتعانق الأرض، ساجدة في ركعة طويلة للغاية، تسكب فيها كل دموعها على بساط السجادة.

​انهار جسدي وخررت على الأرض، وفقدت ركبتاي كل قوة تحملها. كم كنت متكبرة ومذنبة حين تسللت إلى نفسي فكرة إنهاء حياتي والاستسلام للقدر، بينما هنا، تقف امرأة في خريف العمر مستعدة لمقايضة ما تبقى من سني حياتها مقابل ذرة من سعادتي.

​جررت خطواتي عائدة إلى غرفتي دون أن أبل حلقي بقطرة ماء. توضأت بماء الوضوء البارد كالثلج، وبسطت سجادتي متجهة صوب القبلة. وفي تلك الليلة الروحانية الخاشعة، ألقيت بجبهتي على الأرض في استسلام تام وخضوع مطلق؛ فوضت أمري كله؛ حياتي، وموتي، ونصيبي، ورزقي إلى بارئ السكك ومدبر شؤون الكون.

​وفي اليوم التالي، عقدت العزم على التفاني في خدمة جدي وجدتي، ولكن مع وضع حدّ وعزلة لنفسي. جعلت مهمتي مقتصرة تماماً داخل المطبخ الخلفي: أعد التوابل، وأقطع الخضار، وأقلي الأطعمة. ولم أسمح لجسدي قط بالظهور في الشرفة الأمامية، لئلا ينفر زبون أو يعرض مشترٍ. ووافقت جدتي على رغبتي هذه، شفقة بقلبي وحفاظاً على طمأنينة روحي.

​كانت الشمس قد بدأت لتوها ترتفع قيد رمح، وكنت قد انتهيت للتو من تصفية الدفعة الثانية من مقليات "المندوان" التي لا تزال تخرج بخارها الحار. وفجأة، دَلفت جدتي إلى المطبخ بخطوات متسارعة، ووجهها يشع ضياءً وكأنه استمد نوره من بدر ليلة التمام.

​صرخت: "الحمد لله يا سلمى! الحمد لله والفضل له وحده!" قالتها وهي تقبض بشدة على حزمة من الأوراق النقدية في يدها.

​عقدت حاجبيّ بذهول واستغراب: "ما الخطب يا جدتي؟ وما الذي جعل قلبكِ يفيض بكل هذه السعادة الغامرة؟"

​"لقد نفدت بضاعتنا وتجارتنا عن آخرها يا حفيدتي! قدر الخضار المطبوخة، وتقلية الكانغكونغ، وحتى مقليات التمبي التي انتهيتِ من تصفيتها للتو... كُلها اشتُريت وبُرِك فيها دفعة واحدة! لم يتبق شيء على الإطلاق!"

​"ماذا؟ أُخذت البضاعة كلها والشمس لا تزال في أول ضحاها؟" سألت بعدم تصديق يملأ صدري، فلم يكن الوقت قد اقترب بعد من موعد وجبة الغداء.

​ودفعتني شرارة فضول عارم لم أقو على كبحه، فمشيت متسللة نحو الباب الأمامي واختلست النظر برفق من خلف ستارة نافذة غرفة الضيوف المواربة.

​وفي فناء الحديقة، تراءى لي طيف حسناء يافعة لعله في مثل سني. كانت تلك الفتاة ترتدي ثياباً عصرية لكنها مغلفة بالوقار والحشمة، وشعرها مصفف ومرتب بعناية. كان وجهها في غاية الجمال والنضارة، يشع بسحر مبهج يشبه دفء شمس الصباح. ومع ابتسامة عذبة لم تفارق شفتيها، كانت منشغلة بترتيب أكياس الأطعمة التي اشترتها من جدتي داخل سلة بلاستيكية ضخمة للغاية.

​للوهلة الأولى، تسمرت في مكاني مذهولة. ففي وسط عاصفة السخرية ونظرات الاشمئزاز التي يوجهها لي أهل القرية، نزلت هذه الحسناء المشرقة فجأة كملك إنقاذ لجدتي. من عساها تكون يا ترى؟

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • حُسن الخفاء   الفصل السابع عشر

    ​"أوقفي خطواتكِ في هذه اللحظة بالذات أيتها القابلة."​تردد صدى ذلك الصوت الجهوري الذي يُثلج نخاع العظام، صوتاً ثقيلاً يبعث هالة من التهديد القاتل، ليشق الهواء في لمح البصر.​تجمدت حركة القابلة "لاستري" فجأة في الهواء. وأدرتُ أنا و"نادية" أنظارنا معاً في دهشة. لم يعد "غفران" جالساً باسترخاء؛ بل وقف الشاب منتصباً كصخرة تكسر الأمواج، ساداً كل منافذ الوصول إلى جسدي، ومتوجاً بنظرات حادة كالصقر المتربص للانقضاض على فريسته وإهلاكها.​ابتلعت القابلة لاستري ريقها الذي مر متحجراً في حلقها، وتراخت أصابعها المغلفة بالقفازات الطبية ببطء. حاولت رسم ابتسامة متكلفة للغاية وقالت: "إـ إيه، يا بني غفران. إنني أريد فقط أداء واجب العلاج يا بني. بناءً على كلام نادية، فإن جراح سلمى بالغة الخطورة..."​"أداء واجب؟" قاطعها غفران بحزم مطلق، دون أن تشوب كلماته ذرة من التردد أو الخوف وهو يواجه ممرضة القرية. "منذ متى يفرض معالج متعلم إرادته لكشف عورة المريض وغطاء جرحه بوحشية في شرفة مفتوحة، دون رضا المريض نفسه، ثم يجعله فرجة أمام أعين الحاسدين الذين لا شأن لهم؟"​شحب وجه القابلة لاستري على الفور، ورمشت عيناها في د

  • حُسن الخفاء   الفصل السادس عشر

    ​بعد أن أُسند هذا الجسد الواهن عائداً إلى فراشه في الغرفة، خيم السكون تدريجياً على الفناء الخلفي. ومن شق النافذة الخشبية الذي تركته مفتوحاً عمداً لأسمح بتدفق النسيم، كانت أذناي لا تزالان قادرتين على التقاط إيقاع المكنسة وهي تتأرجح بيد غفران، ليطهر الأرض من بقايا نشارة الخيزران.​وعندما كان الشاب يجمع قطع الخيزران في كيس، توقفت حركته فجأة. واستنشق الهواء. لقد انتشرت رائحة نفاذة وقوية جداً من ناحية المطبخ—تحديداً من بقايا بخار القدر الذي كانت الجدة تغلي فيه عادةً قطعة القماش التي أبرد بها وجهي، والتي كانت قد لامست قطرات الدواء السحري لأم مريم. كانت الرائحة قوية جداً، مزيج غريب بين الجذور الرطبة والعصارة العشبية التي تزكم الأنوف. ولم تكن تلك الرائحة تشبه أبداً رائحة مرهم الصيدلية الذي أهداني إياه قبل أيام.​أدار غفران وجهه، ليواجه الجدة التي كانت قد خرجت لتوها من المطبخ وهي تحمل مكنسة.​"يا جدتي،" نادى غفران بصوت خافت، ونبرته تحمل حذراً بالغاً. "أي دواء وأي طبيب هو الذي تعالج به سلمى نفسها؟ رائحته قوية جداً وتفوح في الفناء. هل هذه التركيبة آمنة حقاً على جسدها؟"​كتمت أنفاسي تحت الغطاء ال

  • حُسن الخفاء   الفصل الخامس عشر

    ​زحف الليل ببطء شديد يعذب الروح، وبدا أطول بكثير من عتمة الليالي المعتادة. وكانت عقارب الساعة بالكاد تلامس الثلث الأخير من الليل الهادئ، ومع ذلك، أبت عيناي أن تغتمضا ولو للحظة. كان جسدي يرتعد بعنف تحت الغطاء السميك، بينما شعرت بوجهي وكأنه يُشوى حياً فوق جمر مشتعل بضراوة.​لقد بلغت عملية التطهير بالدواء العشبي لأم مريم ذروتها حقاً. بدأت طبقات الجلد الميت تتقشر بشراسة بالغة. وامتزجت لسعات الألم، والحكة المعذبة، والحرارة اللافحة لتشكل عذاباً واحداً يجلدني، ويجبرني مراراً على إطلاق أنات ألم مكتومة وأنا أعض على طرف وسادتي، فقط لكي لا يمزق صدى ألمي نوم جدتي العميق في الغرفة المجاورة.​ارتفعت حرارة جسدي بشكل جنوني. وكانت هذه الحمى التي تشوي جسدي هي المهر الباهظ الذي يجب عليّ دفعه كاملاً ثمناً للشفاء.​وعندما شق صوت أذان الفجر سكون الصباح، أجبرت جسدي الواهن على النهوض. شعرت وكأن مفاصل جسدي قد خُلعت قسراً من أماكنها. توضأت بحذر شديد، وكنت أصارع لأكتم صرخة ألم عندما لامس الماء البارد كالثلج بشرة وجهي الملتهبة والمتقرحة.​وعندما قاربت الساعة الثامنة صباحاً، كانت الشمس في أفق ساحل تشيلاتشاب قد بد

  • حُسن الخفاء   الفصل الرابع عشر

    ​استدارت نادية أخيراً وخطت مبتعدة، تتعمد الضرب بقدميها على الأرض بغضب. كان وجهها محتقناً بالدماء يخفي جمراً من الغيظ. وبالتأكيد، لم يعد لديها ذرة من كرامة أو ماء وجه لتبقى متسمرة هناك بعد أن تلقت رداً مفحماً ولاذعاً من لسان غفران.​وبعد أن تلاشى صدى خطوات نادية وابتلعته المسافة، وعاد هدير رياح الجفاف ليسيطر على الأجواء، بقي جسدي متصلباً خلف ظهر غفران المنيع. وكانت عقدة نقابي قد أُحكم ربطها جيداً الآن.​"هل أصبحتِ في مأمن يا سلمى؟" همس غفران بخفوت، دون أن يدير جسده قيد أنملة.​"أجل، أنا في مأمن يا غفران،" أجبته بصوت خافت ومكتوم.​وبحذر شديد ورعاية فائقة، أدار غفران جسده. وأطرق بصره نحو الأرض المغبرة، دون أن تراوده نية، ولو بمقدار ذرة، للنظر إلى وجهي الذي عاد ليُظلل بستار الطهر والعفة. وذراعاه اللتان كانتا قبل قليل تشكلان درعاً واقياً، عادتا لتستقرا في جيوب بنطاله بتلك العفوية التي طالما عُرف بها.​"شكراً لك بلا حدود يا غفران،" قلتها بصدق خالص. كان صوتي يرتجف، محاولاً كبح جماح العاصفة التي تضرب في صدري.​رسم غفران ابتسامة رقيقة، تلك الابتسامة التي طالما بعثت السكينة في عينيه. "على الرحب

  • حُسن الخفاء   الفصل الثالث عشر

    ​هبت رياح الجفاف القاحلة، تذرو ذرات الغبار الدقيقة وتتلاعب بأوراق شجرة المانجو المتساقطة في فناء منزل جدي. انقضت عدة أهلة منذ أن قطرت أم مريم ذلك الدواء لأول مرة. وخلف ستار نقابي الأسود كسواد الليل، كانت بشرة وجهي تخوض اختبار تطهير قاسٍ وعنيف، تتقشر، وتلتهب بحمرة شديدة، وتلسعني بألم لا يطاق، خاصة عندما تبلغ أشعة الشمس اللافحة ذروتها. ورغم ذلك، لم يعد هذا الجسد يبالي. فهذا الألم ليس سوى المهر الذي يجب أن أدفعه بالكامل فداءً لأمل مرتجى.​في ظهيرة ذلك اليوم، كنت أكنس الفناء الأمامي، أنظفه من بقايا الأوراق اليابسة. وباتت العباءة السوداء الفضفاضة، مع الخمار الطويل الذي ينسدل ليغطي ركبتي، هويتي الجديدة التي تكتمل بها حقيقتي.​وفي منتصف أرجحة مكنستي، شق الهواء من بعيد هدير محرك دراجة نارية أحفظ صوته عن ظهر قلب. توقفت تلك المركبة ذات العجلتين، التي تبدو قوية العتاد رغم قدمها المعتنى به، أمام السياج الخشبي للفناء مباشرة. أطفأ الشاب، المرتدي سترة بلون التراب، محرك دراجته، وخلع خوذته، ثم مسح حبات العرق التي تتصبب من جبينه.​لم يكن ذلك الشاب سوى غفران.​وما إن رأيته يترجل من دراجته، حتى تجمد جسدي

  • حُسن الخفاء   الفصل الثاني عشر

    مرت ثلاثة أيام منذ أن عصفت تلك الفتنة الشنيعة بمورد رزق عائلتنا، فجعلته أثراً بعد عين. وبات المنزل الذي كان يعبق برائحة توابل الطبخ، غارقاً الآن في صمت موحش وبرودة كئيبة. آثر جدي العزلة في المصلى أكثر وقته، يناجي الخالق القدير. بينما جلست جدتي شاردة في الشرفة، ترمق سلال الخيزران الفارغة التي هجرها زبائنها بنظرات يائسة.​ولكن، عندما حان وقت العصر، قطع سكون القرية مشهد في غاية الغرابة. توقفت مركبة ذات أربع عجلات، سوداء كلون الليل البهيم وتشع ببريق الفخامة، أمام فناء منزل جدي مباشرة. وجذب ظهورها انتباه الجيران المارة في طرقات القرية على الفور.​نزلت من المركبة امرأة ناضجة تتألق بوقار لا مثيل له. كانت ترتدي عباءة سوداء فضفاضة، ويكملها نقاب بنفس اللون ينسدل ليغطي صدرها بترتيب بالغ. وكانت تحمل في يدها صندوقاً خشبياً صغيراً مزيناً بنقوش رائعة، يبدو عتيقاً جداً ولا يقدر بثمن.​"السلام عليكم،" نطق لسانها وهي تخطو صاعدة درجات الشرفة. كان صوتها ينساب برقة، ولكنه يفيض بهيبة وقار شديدة، كينبوع ماء بارد يتدفق بهدوء ليشق رمال الصحراء القاحلة.​"وعليكم السلام،" ردت جدتي وهي تنهض مسرعة. وبحركة مرتبكة،

  • حُسن الخفاء   الفصل التاسع

    بقيتُ متسمرة خلف ستارة نافذة غرفة المعيشة المواربة، أراقب بذهول وإعجاب تلك الفتاة ذات الشعر المصفف بعناية وهي تبتعد بخطوات وئيدة عن فناء منزلنا. كانت السلة في يدها مثقلة بأكياس طعام جدتي. بدت خطواتها مفعمة بالبهجة، وبين الحين والآخر، كانت تلقي تحية ودودة على الجيران الذين تصادفهم في ممرات القرية.​"

  • حُسن الخفاء   الفصل السابع

    ​تسللت خيوط شمس الصباح على استحياء من بين شقوق الجدران الخيزرانية لغرفتي. وكان صياح الديكة المتتالي وصوت الماء المتدفق من بئر جدتي بمثابة إعلان بأن عجلة الحياة في القرية قد دارت بكامل طاقتها. نهضت بجسدي من المرقد، ولففت نفسي بثياب ذات أكمام طويلة، ولم أنسَ أن أحكم لف الوشاح حول وجهي ليكون ساتراً لم

  • حُسن الخفاء   الفصل السادس

    كان القطار الحديدي الذي أقله يزحف شاقاً عتمة الليل الدامس. وكانت قطرات المطر في الخارج لا تزال تترك أثرها، بينما ينفث مكيف الهواء برودة قارسة شعرت وكأنها تغلغلت في نخاع عظامي.​"آه،" أننتُ أنة مكتومة، وأنا أضم حولي سترة خفيفة كانت تلف جسدي.​لم تكن لسعات البرد هذه تجعل جسدي يرتجف فحسب، بل كانت تذكي

  • حُسن الخفاء   الفصل الخامس

    ​خفق قلبي!شعرت وكأن قلبي في صدري ينتفض، يكاد يقفز من قفصه.​وبحذر شديد، رفعت وجهي الذي كان مطرقاً كتمثال متصلب. عبر ستارة قطرات المطر المضاءة بنور مصابيح الشوارع الخافتة، حدقت في ذلك الوجه. ابتسامة هادئة ليست غريبة على وجداني.​"غفران؟" خرج صوتي مبحوحاً ومرتجفاً، يكاد يغرق في هدير العاصفة.​أجاب ا

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status