LOGINتسللت خيوط شمس الصباح على استحياء من بين شقوق الجدران الخيزرانية لغرفتي. وكان صياح الديكة المتتالي وصوت الماء المتدفق من بئر جدتي بمثابة إعلان بأن عجلة الحياة في القرية قد دارت بكامل طاقتها. نهضت بجسدي من المرقد، ولففت نفسي بثياب ذات أكمام طويلة، ولم أنسَ أن أحكم لف الوشاح حول وجهي ليكون ساتراً لمظهري، فلم تظهر مني سوى عيناي.
في هذا اليوم، عقدت العزم في صدري على ألا أكتفي بنحب حظي غارقة في عزلة غرفتي. فقد أثقل الكبر كاهل جدي وجدتي، وتأبى نفسي أن أعود إليهما لأكون مجرد عالة تزيد من وقر الهموم على عاتقيهما الواهنين.
خطوت ببطء نحو المطبخ القابع في مؤخرة المنزل. لكن خطواتي تسمرت عندما التقطت مسامعي جلبة وأحاديث نساء القرية القادمة من الفناء الأمامي. يبدو أن عربة الخضار المتجولة الخاصة بالعم عمار كانت غارقة في زحام المشترين. ولأن نافذة غرفة الضيوف كانت مواربة قليلاً، فقد وصل صدى كلماتهن واهتزت به مسامعي بوضوح تام.
"يا ليلى، أحقاً ما يشاع من أن التي وصلت في غسق الفجر بالأمس هي سلمى؟" كان هذا الصوت الحاد يعود لفاطمة، زوجة رئيس الحي، التي طالما كانت نهمة لفضائح الآخرين وعوراتهم.
أجابت الأخت ليلى بكل ثقة: "إنه الحق عينه يا فاطمة، فعيني لم يغشها العمى بعد. لقد كنت شاهدة عيان حين نزلت من مركبة جدها. وجهها... أستغفر الله... مسودّ، متجعد بقسوة، يثير الرعب في القلوب! مع أن جمالها في الماضي لم يكن له مثيل."
علقت امرأة أخرى بنبرة شفقة بالغة الزيف: "يا إلهي... يا لسوء حظها البائس. لعلها أصيبت بعقاب من السماء إبان إقامتها في المدينة. لا بد أن مسلكها في 'سولو' كان متحرراً وفاضحاً، فأنزل الله غضبه ليعاقبها بهذه الصورة. الحمد لله، كم أنا محظوظة لأنني صرفت نظر ابني الأصغر عن خطبتها في الماضي."
قاطعتها ليلى قائلة: "صه، احفظي لسانكِ، فلا تنثري الفتنة في بكرة أبيها"، مع أنها هي من أشعلت فتيل الغيبة والنميمة. واستطردت: "ولكن... يعذر من أعادها إلى هنا في نهاية المطاف. فهل هناك عائلة مرموقة أو شاب يرتضي خطبة امرأة مشوهة؟ وجودها لا يعدو كونه عاراً وعبئاً على كاهل عائلتها ليس إلا."
اعتصر قلبي بقوة لا توصف. كانت الكلمات الختامية للأخت ليلى كسهام مسمومة انطلقت لتخترق صميم فؤادي. كتمت أنفاسي خلف الوشاح، مجاهدة لمنع شهقات كبدي من الصدور. تلاشى الألم الجسدي في جروحي كلها في لمح البصر، فما عاد له قيمة أمام مرارة الحقيقة بأن مظهري الحالي بات يُنظر إليه كعالة وعار على القرية بأكملها.
"تباً لكم أيتها النساء! في هذا الصباح المبارك، بدلاً من التماس الرزق من الخضار، تنشغلن بحصد الأوزار!"
دوى صوت جدتي فجأة من جهة الشرفة ليجعل كتفيّ ينتفضان جفلاً. استرقت النظر من خلف ستارة النافذة المواربة. رأيت جدتي وهي تكنس الفناء بحركات شرسة وعنيفة، وتنفض مكنستها حتى تطاير الغبار في الهواء، متجهة به عمداً نحو تجمهر النساء اللواتي كن ينسجن الغيبة.
تذمرت فاطمة وهي تلوح بيدها لتغطي أنفها: "كح! كح! على رسلك يا جدة في تحريك المكنسة، فقد داهمنا الغبار جميعاً!"
سخرت منها جدتي بنبرة صوت مرتفعة لكنها مغلفة بالثبات: "إذن، إن كانت ألسنتكن لا تُستعمل إلا لغيبة أمة من إماء الله ألمّ بها البلاء، فابتعدن من هنا! ودعن هذا الغبار يتسلل إلى أفواهكن ليطهر أوزاركن! بدلاً من الانشغال بمصير حفيدتي، كان الأجدر بكن الاهتمام بقدور مطابخكن. لعل أزواجكن لم يطعموا طعام الصباح بعد، لأن زوجاتهم مشغولان بالتكهن بعقاب الله على الآخرين!"
تبادلت النساء الأنظار في جمود وخجل، وسارعن بإنهاء دفع الثمن، ثم تفرقت جموعهن بخطى حثيثة، تاركات جدتي وهي لا تزال تتنهد بحنق وغيظ شديدين.
شعرت بدفء دموعي من جديد. جدتي التي طالما عُرفت بلين معشرها وعذوبة لفظها، رضيت اليوم أن تتحول إلى النقيض تماماً لتكون درعي الواقي. وأنا أتأمل ظهرها المحني الواهن، تشكلت عزيمتي لتكون كالفولاذ؛ لا بد أن أثبت لهما أنني لست عبئاً يجلب البؤس.
ومع اقتراب وقت العصر، انتقلت عجلة النشاط إلى الشرفة الأمامية. بدأ جدي بترتيب الطاولات الطويلة، بينما كانت جدتي تنقل الأواني المليئة بمختلف أنواع المقليات التي لا تزال تخرج بخارها الدافئ—من مقليات الخضار، والتوفو المغطى بالدقيق، والموز المقلي—ترافقها بعض القدور التي تحتوي على الخضار الناضجة. كان هذا هو المورد الأساسي لرزقهما وحياتهما معاً.
خطوت إلى الخارج، متدثرة بثيابي الساترة لعيب جروحي.
قلت برجاء وأنا آخذ ملقط الطعام من بين أصابع جدتي: "يا جدتي، اسمحي لسلمى أن تقوم بخدمة الزبائن اليوم، واستريحي أنتِ على هذا الكرسي."
نظرت إليّ جدتي بنظرة يملؤها التردد: "أواثقة أنتِ يا ابنتي؟ لا داعي لتجشم العناء. الأفضل لكِ أن تختلي بنفسكِ في الداخل لتستريحي."
ألححت عليها وأنا أظهر ابتسامة غرقت خلف الوشاح: "أنا بخير يا جدتي، وأرغب بشدة في تخفيف التعب عنكِ. ومع مرور الأيام، ستعتاد أعين البشر على رؤية ما قدره الله لي."
في نهاية المطاف، تنهدت جدتي مستسلمة لإصراري، ودلفت إلى الداخل لتجلب وعاء الشطة الذي نسيته.
لم يمضِ وقت طويل حتى ظهر أحد الزبائن الدائمين؛ العم رحمن، وهو معلم مدرسة ابتدائية دينية متقاعد، عُرف دائماً ببشاشته وإقباله على شراء بضاعة جدتي.
قلت محاولة إظهار اللطف قدر الإمكان: "تفضل يا عم رحمن، ما الذي تبحث عنه اليوم؟ أمن مقليات التمبي أم الخضار؟"
انفزع العم رحمن، الذي نزل لتوه من على دراجته الهرِمة، حين وجدني أمامه. ضاقت عيناه وهو يوجه نظراته محاولاً التعرف على الوجه القابع خلف الوشاح الكثيف.
سأل بتردد: "أوه... أهذه أنتِ يا سلمى؟ حفيدة الجدة؟"
أجبت وأنا أسحب ورقة التغليف: "نعم يا عم، الحمد لله لقد عدت إلى دياري. كالعادة، تريد مقليات التمبي بعشرة آلاف روبية، أليس كذلك؟"
بدأت بنقل القطع الدافئة إلى وعائها، ولكن قدر الله أن هبت في تلك اللحظة نسمة هواء مسائية عاتية أزاحت برفق الطرف السفلي لوِشاحي، وتزامنت حركتي مع تراجع كم ثوبي قليلاً ليكشف عن ساعدي. انشكف مظهر جلد يدي المسود المتجعد المليء بآثار الحروق بلا رحمة تحت أشعة شمس العصر.
تجمدت يد العم رحمن التي كانت تفتش في كيس نقوده. اتسعت عيناه بجمود وذهول وهو ينظر برعب إلى مظهر يدي، ثم تدرجت نظراته صعوداً لترتطم بوشاحي وكأنه قادر على سلخ القماش ليرى البشاعة الكامنة وراءه.
قال بصوت تحول فجأة إلى الجمود واختنق في حنجرته: "أمم... في الحقيقة يا سلمى... تذكرت للتو أن زوجتي قد قرت مقليات التمبي في منزلي."
أوقفت الملقط في يدي وقلت: "ولكنني أوشكت على الانتهاء من تغليفها بالكامل يا عم."
تحجج وهو يرتسم ابتسامة باهتة ومصطنعة غريبة جداً: "لا داعي، حقاً لا بأس. اعذريني يا ابنتي، فجأة شعرت بمغص حاد يعتصر معدتي. الغي طلبي هذه المرة، حسناً؟"
سارع بإعادة نقوده، وأدار مقود دراجته بهرولة، وأخذ يضغط على دواستها مبتعداً دون أن يجرؤ على الالتفات وراءه ولو لمرة واحدة.
تجمد جسدي كقطعة صخر خلف طاولة البيع. وبات كيس المقليات في قبضتي كأنه قطعة من حديد ثقيل. خنقني هواء العصر. نعم، لم يوجه العم رحمن أي شتيمة قاسية، بل رفضني بكل أدب ولباقة رفيعة. ولكن، نظرة عينيه التي فاضت بالاشمئزاز والارتعاد حين نظر إلى يدي، وتلك الحجج الواهية المصطنعة، خطت جرحاً غائراً في أعماق روحي أشد إيلاماً.
ابتلعت ريقي الذي مر كأشواك في حلقي. وعزيمتي على التحرر من وصمة العالة، ارتدت لتصفع وجهي. لقد بات الأمر جلياً؛ وجودي المشوه أصبح لعنة تدفع الرزق بعيداً عن جدتي. فالناس لم يكتفوا بغيبتي فحسب، بل إن قلوبهم باتت تفيض باضمئزاز حقيقي من مظهري.
"أوقفي خطواتكِ في هذه اللحظة بالذات أيتها القابلة."تردد صدى ذلك الصوت الجهوري الذي يُثلج نخاع العظام، صوتاً ثقيلاً يبعث هالة من التهديد القاتل، ليشق الهواء في لمح البصر.تجمدت حركة القابلة "لاستري" فجأة في الهواء. وأدرتُ أنا و"نادية" أنظارنا معاً في دهشة. لم يعد "غفران" جالساً باسترخاء؛ بل وقف الشاب منتصباً كصخرة تكسر الأمواج، ساداً كل منافذ الوصول إلى جسدي، ومتوجاً بنظرات حادة كالصقر المتربص للانقضاض على فريسته وإهلاكها.ابتلعت القابلة لاستري ريقها الذي مر متحجراً في حلقها، وتراخت أصابعها المغلفة بالقفازات الطبية ببطء. حاولت رسم ابتسامة متكلفة للغاية وقالت: "إـ إيه، يا بني غفران. إنني أريد فقط أداء واجب العلاج يا بني. بناءً على كلام نادية، فإن جراح سلمى بالغة الخطورة...""أداء واجب؟" قاطعها غفران بحزم مطلق، دون أن تشوب كلماته ذرة من التردد أو الخوف وهو يواجه ممرضة القرية. "منذ متى يفرض معالج متعلم إرادته لكشف عورة المريض وغطاء جرحه بوحشية في شرفة مفتوحة، دون رضا المريض نفسه، ثم يجعله فرجة أمام أعين الحاسدين الذين لا شأن لهم؟"شحب وجه القابلة لاستري على الفور، ورمشت عيناها في د
بعد أن أُسند هذا الجسد الواهن عائداً إلى فراشه في الغرفة، خيم السكون تدريجياً على الفناء الخلفي. ومن شق النافذة الخشبية الذي تركته مفتوحاً عمداً لأسمح بتدفق النسيم، كانت أذناي لا تزالان قادرتين على التقاط إيقاع المكنسة وهي تتأرجح بيد غفران، ليطهر الأرض من بقايا نشارة الخيزران.وعندما كان الشاب يجمع قطع الخيزران في كيس، توقفت حركته فجأة. واستنشق الهواء. لقد انتشرت رائحة نفاذة وقوية جداً من ناحية المطبخ—تحديداً من بقايا بخار القدر الذي كانت الجدة تغلي فيه عادةً قطعة القماش التي أبرد بها وجهي، والتي كانت قد لامست قطرات الدواء السحري لأم مريم. كانت الرائحة قوية جداً، مزيج غريب بين الجذور الرطبة والعصارة العشبية التي تزكم الأنوف. ولم تكن تلك الرائحة تشبه أبداً رائحة مرهم الصيدلية الذي أهداني إياه قبل أيام.أدار غفران وجهه، ليواجه الجدة التي كانت قد خرجت لتوها من المطبخ وهي تحمل مكنسة."يا جدتي،" نادى غفران بصوت خافت، ونبرته تحمل حذراً بالغاً. "أي دواء وأي طبيب هو الذي تعالج به سلمى نفسها؟ رائحته قوية جداً وتفوح في الفناء. هل هذه التركيبة آمنة حقاً على جسدها؟"كتمت أنفاسي تحت الغطاء ال
زحف الليل ببطء شديد يعذب الروح، وبدا أطول بكثير من عتمة الليالي المعتادة. وكانت عقارب الساعة بالكاد تلامس الثلث الأخير من الليل الهادئ، ومع ذلك، أبت عيناي أن تغتمضا ولو للحظة. كان جسدي يرتعد بعنف تحت الغطاء السميك، بينما شعرت بوجهي وكأنه يُشوى حياً فوق جمر مشتعل بضراوة.لقد بلغت عملية التطهير بالدواء العشبي لأم مريم ذروتها حقاً. بدأت طبقات الجلد الميت تتقشر بشراسة بالغة. وامتزجت لسعات الألم، والحكة المعذبة، والحرارة اللافحة لتشكل عذاباً واحداً يجلدني، ويجبرني مراراً على إطلاق أنات ألم مكتومة وأنا أعض على طرف وسادتي، فقط لكي لا يمزق صدى ألمي نوم جدتي العميق في الغرفة المجاورة.ارتفعت حرارة جسدي بشكل جنوني. وكانت هذه الحمى التي تشوي جسدي هي المهر الباهظ الذي يجب عليّ دفعه كاملاً ثمناً للشفاء.وعندما شق صوت أذان الفجر سكون الصباح، أجبرت جسدي الواهن على النهوض. شعرت وكأن مفاصل جسدي قد خُلعت قسراً من أماكنها. توضأت بحذر شديد، وكنت أصارع لأكتم صرخة ألم عندما لامس الماء البارد كالثلج بشرة وجهي الملتهبة والمتقرحة.وعندما قاربت الساعة الثامنة صباحاً، كانت الشمس في أفق ساحل تشيلاتشاب قد بد
استدارت نادية أخيراً وخطت مبتعدة، تتعمد الضرب بقدميها على الأرض بغضب. كان وجهها محتقناً بالدماء يخفي جمراً من الغيظ. وبالتأكيد، لم يعد لديها ذرة من كرامة أو ماء وجه لتبقى متسمرة هناك بعد أن تلقت رداً مفحماً ولاذعاً من لسان غفران.وبعد أن تلاشى صدى خطوات نادية وابتلعته المسافة، وعاد هدير رياح الجفاف ليسيطر على الأجواء، بقي جسدي متصلباً خلف ظهر غفران المنيع. وكانت عقدة نقابي قد أُحكم ربطها جيداً الآن."هل أصبحتِ في مأمن يا سلمى؟" همس غفران بخفوت، دون أن يدير جسده قيد أنملة."أجل، أنا في مأمن يا غفران،" أجبته بصوت خافت ومكتوم.وبحذر شديد ورعاية فائقة، أدار غفران جسده. وأطرق بصره نحو الأرض المغبرة، دون أن تراوده نية، ولو بمقدار ذرة، للنظر إلى وجهي الذي عاد ليُظلل بستار الطهر والعفة. وذراعاه اللتان كانتا قبل قليل تشكلان درعاً واقياً، عادتا لتستقرا في جيوب بنطاله بتلك العفوية التي طالما عُرف بها."شكراً لك بلا حدود يا غفران،" قلتها بصدق خالص. كان صوتي يرتجف، محاولاً كبح جماح العاصفة التي تضرب في صدري.رسم غفران ابتسامة رقيقة، تلك الابتسامة التي طالما بعثت السكينة في عينيه. "على الرحب
هبت رياح الجفاف القاحلة، تذرو ذرات الغبار الدقيقة وتتلاعب بأوراق شجرة المانجو المتساقطة في فناء منزل جدي. انقضت عدة أهلة منذ أن قطرت أم مريم ذلك الدواء لأول مرة. وخلف ستار نقابي الأسود كسواد الليل، كانت بشرة وجهي تخوض اختبار تطهير قاسٍ وعنيف، تتقشر، وتلتهب بحمرة شديدة، وتلسعني بألم لا يطاق، خاصة عندما تبلغ أشعة الشمس اللافحة ذروتها. ورغم ذلك، لم يعد هذا الجسد يبالي. فهذا الألم ليس سوى المهر الذي يجب أن أدفعه بالكامل فداءً لأمل مرتجى.في ظهيرة ذلك اليوم، كنت أكنس الفناء الأمامي، أنظفه من بقايا الأوراق اليابسة. وباتت العباءة السوداء الفضفاضة، مع الخمار الطويل الذي ينسدل ليغطي ركبتي، هويتي الجديدة التي تكتمل بها حقيقتي.وفي منتصف أرجحة مكنستي، شق الهواء من بعيد هدير محرك دراجة نارية أحفظ صوته عن ظهر قلب. توقفت تلك المركبة ذات العجلتين، التي تبدو قوية العتاد رغم قدمها المعتنى به، أمام السياج الخشبي للفناء مباشرة. أطفأ الشاب، المرتدي سترة بلون التراب، محرك دراجته، وخلع خوذته، ثم مسح حبات العرق التي تتصبب من جبينه.لم يكن ذلك الشاب سوى غفران.وما إن رأيته يترجل من دراجته، حتى تجمد جسدي
مرت ثلاثة أيام منذ أن عصفت تلك الفتنة الشنيعة بمورد رزق عائلتنا، فجعلته أثراً بعد عين. وبات المنزل الذي كان يعبق برائحة توابل الطبخ، غارقاً الآن في صمت موحش وبرودة كئيبة. آثر جدي العزلة في المصلى أكثر وقته، يناجي الخالق القدير. بينما جلست جدتي شاردة في الشرفة، ترمق سلال الخيزران الفارغة التي هجرها زبائنها بنظرات يائسة.ولكن، عندما حان وقت العصر، قطع سكون القرية مشهد في غاية الغرابة. توقفت مركبة ذات أربع عجلات، سوداء كلون الليل البهيم وتشع ببريق الفخامة، أمام فناء منزل جدي مباشرة. وجذب ظهورها انتباه الجيران المارة في طرقات القرية على الفور.نزلت من المركبة امرأة ناضجة تتألق بوقار لا مثيل له. كانت ترتدي عباءة سوداء فضفاضة، ويكملها نقاب بنفس اللون ينسدل ليغطي صدرها بترتيب بالغ. وكانت تحمل في يدها صندوقاً خشبياً صغيراً مزيناً بنقوش رائعة، يبدو عتيقاً جداً ولا يقدر بثمن."السلام عليكم،" نطق لسانها وهي تخطو صاعدة درجات الشرفة. كان صوتها ينساب برقة، ولكنه يفيض بهيبة وقار شديدة، كينبوع ماء بارد يتدفق بهدوء ليشق رمال الصحراء القاحلة."وعليكم السلام،" ردت جدتي وهي تنهض مسرعة. وبحركة مرتبكة،
ارتفعت شمس الضحى في كبد السماء، لترسل أشعتها اللافحة التي بدأت تلسع البشرة ببطء. وفي المطبخ الخلفي، كنت قد أطفأت لتوّي نار الموقد بعد أن رفعت الدفعة الأخيرة من التوفو المحشو ومقليات "التيمبي" من الزيت. اصطفت القدور الممتلئة بأنواع حساء الخضار المختلفة بانتظام على الطاولة الخشبية، لتفوح منها رائحة ا
بقيتُ متسمرة خلف ستارة نافذة غرفة المعيشة المواربة، أراقب بذهول وإعجاب تلك الفتاة ذات الشعر المصفف بعناية وهي تبتعد بخطوات وئيدة عن فناء منزلنا. كانت السلة في يدها مثقلة بأكياس طعام جدتي. بدت خطواتها مفعمة بالبهجة، وبين الحين والآخر، كانت تلقي تحية ودودة على الجيران الذين تصادفهم في ممرات القرية."
في تلك الليلة، بدت مائدة البيع في الشرفة الأمامية موحشة وخالية للغاية. ولم يكن ذلك لأن البضاعة قد نفدت بتهافت المشترين، بل على العكس تماماً؛ فالقدور المليئة بالخضار المطبوخة بحليب جوز الهند وتقلية التمبي لا تزال ممتلئة عن آخرها، تكاد لم تُلمس. وعلى الصينية، رقدت أكوام مقليات الخضار و"التمبي" التي
كان القطار الحديدي الذي أقله يزحف شاقاً عتمة الليل الدامس. وكانت قطرات المطر في الخارج لا تزال تترك أثرها، بينما ينفث مكيف الهواء برودة قارسة شعرت وكأنها تغلغلت في نخاع عظامي."آه،" أننتُ أنة مكتومة، وأنا أضم حولي سترة خفيفة كانت تلف جسدي.لم تكن لسعات البرد هذه تجعل جسدي يرتجف فحسب، بل كانت تذكي







