LOGINمع بزوغ الفجر، وقف _وليد_ أمام باب المنزل. في يده مفاتيح، وعلى وجهه ابتسامةٌ لم ترها _ملك_ منذ سنين."اليوم يا ملك نستعيد شيئًا فقدناه. اليوم نعود إلى الخيل."هتف _نبض_: "هيا يا خالي!" وصفقت _تالين_ بحماسٍ وهي ترتدي قبعةً صغيرة.ترددت _ملك_ لحظة. ثم تنفست بعمقٍ وقالت: "هيا بنا."كانت المزرعة على أطراف المدينة. رائحة التبن، وصهيل الخيل، والتراب الذي تثيره الحوافر.كان في انتظارهم ثلاثة خيول: *برق* حصانٌ أسود قوي لـ _وليد_. *نسمة* فرسٌ بنية هادئة لـ _ملك_. *سهم* مهرٌ صغير مطيع لـ _نبض_.قال _وليد_ وهو يمسح على عنق _سهم_: "نبدأ بالأساسيات. الخيل مرآةٌ للقلب، فإن خفت خافت."حمل _وليد_ _نبض_ ووضعه على ظهر _سهم_. "استقم بظهرك. شدّ اللجام بلطف. انظر إلى الأمام ولا تخف."سار المهر في الحلبة بخطواتٍ متزنة. وفي البداية كان _نبض_ متشبثًا، لكنه ما لبث أن ضحك: "أنا فارس يا خالي! أنا فارس!"وصرخت _تالين_ من خلف السياج: "وأنا أيضًا أريد أن أركب!"التفت _وليد_ إلى _ملك_: "والآن دورك."تقدمت _ملك_ نحو _نسمة_. يدها ترتجف. لكنها تذكرت يد _وليد_ وهي طفلة تقول لها: "لا تخافي، أنا معك
الساعة الثامنة إلا خمس دقائق. الينابيع الساخنة تصدر صوت خريرٍ هادئ، والشموع ترتجف على الطاولة.قلب _ملك_ يضرب في صدرها. يدها ممسكة بحقيبتها... مستعدة للهرب في أي لحظة.وفجأة... صوت خطوات.رفعت رأسها.وتجمدت.كان _وليد_. شقيقها. نفس الطول، نفس الوقفة، نفس العين اللتين كانتا تراقبانها وهي تتعلم ركوب الخيل. لكن الزمن ترك أثره. لحية خفيفة، وشعر فيه شيب، وملامح أثقلتها الغربة.وقف أمامها ولم ينطق. ثم قال بصوتٍ مبحوح: "ظننت أنكِ لن تأتي."انهارت كل قوة _ملك_ في لحظة. الدموع سبقت الكلام. "وليد؟... كيف؟... أين كنت كل هذه السنين؟"جلس مقابلها ببطء. "كنت أبحث عنكِ يا ملك. بحثت في كل مكان. بعد حادث _نهى_... تشتنا. سافرت، وضعت، ولم أجدك. حتى رأيت اسمك بالصدفة في سجل مركز التدريب الذي تعملين فيه."صمت ثم أضاف: "لم أرد أن أتصل. خفت. خفت أن تكوني لا تريدين رؤيتي. فأرسلت الدعوة هكذا."بكت _ملك_ بلا صوت. سنوات الوجع، والوحدة، والخوف... خرجت كلها في تلك اللحظة."كنت أحتاجك يا وليد. كنت أماني. بعد _نهى_... وبعد كل شيء... كنت أحتاج أخي."مد _وليد_ يده عبر الطاولة وأمسك يدها. يده دافئة. ن
في صباحٍ مشمس، قررت _ملك_ أن تكافئ نفسها وأبناءها. "اليوم لن نطبخ، ولن نراجع واجبات... اليوم سنذهب إلى المكتبة."فرح _نبض_ وصفقت _تالين_ بيديها الصغيرتين.دخلوا المكتبة. الهدوء احتضنهم. رائحة الكتب القديمة والجديدة امتزجت مع صوت صفحاتٍ تُقلب.رفعت _ملك_ رأسها ونظرت إلى الرفوف العالية. كتبٌ عن التاريخ، عن الفلسفة، عن رواياتٍ لم تقرأها منذ زمن. جلست في زاوية قرب النافذة، والشمس تدخل على الطاولة الخشبية. فتحت روايةً كانت قد أجلتها لشهور. ولأول مرة منذ سنوات، قرأت دون أن تلتفت خلفها خوفًا.أما _نبض_ فذهب مباشرة إلى ركن الكتب العلمية. سحب كتابًا عن الفضاء والكواكب، وجلس على الأرض يقرأ بتركيزٍ كأنه عالمٌ صغير.و_تالين_ وجدت كنزها. ركن القصص المصورة الملونة. جلست على السجادة، وفتحت كتابًا عن أميرة وشجرة تتكلم. كل صفحة تقلبها تصفق وتقول بصوتٍ منخفض: "ماما انظري!"اقتربت _ملك_ منها بين الحين والآخر، تحتضنها وتقبل رأسها، ثم تعود إلى كتابها.مرت ثلاث ساعات دون أن يشعر بها أحد. لا هواتف ترن، ولا مشاكل تُحل، ولا أصوات عالية.فقط: _ملك_ مع كلماتٍ تبنيها من جديد. _نبض_ مع نجو
لم تنتظر _ملك_ الصباح.في الفجر، حقيبة صغيرة في يد، _تالين_ نائمة على كتفها، و_نبض_ يجر حقيبته بنفسه. لا دموع. لا وداع طويل. فقط جملة واحدة قالتها قبل أن تغلق الباب:"أحتاج هواءً لا يخنقني."الطائرة أقلعت. ومن خلف الزجاج، كان هناك رجلان يقفان بعيدًا عن بعضهما._يوسف_... يراقب الطائرة وهي تصعد. يديه في جيبه. لم يطلب منها البقاء، لكنه لم يغادر المطار إلا بعد أن اختفت عن الأنظار. همس لنفسه: "اذهبي وابني نفسك. سأكون هنا إن احتجتِ ظلًا."_إيهاب_... كان في الجهة المقابلة. لا يقترب، لا ينادي. فقط عينان متسمرتان على _ملك_ وهي تودع الأرض التي كسرتها. صدره يحترق. يريد أن يركض، أن يصرخ "لا تذهبي". لكن صوتها "أحتاج أن أتنفس بعيدًا عنك" كان لا يزال يجلد أذنه._نبض_ جلس بجانب النافذة. لأول مرة منذ شهور ظهره مستقيم. _تالين_ نامت في حضن _ملك_. و_ملك_... أغلقت عينيها. ولأول مرة منذ زمن طويل، تنفست بعمق بلا خوف.الاثنان لم يتحركا حتى اختفت الطائرة في السماء._يوسف_ التفت ومشى. _إيهاب_ بقي واقفًا دقيقة أخرى، ثم سار كمن خسر شيئًا لا يعرف كيف يستعيده.المدينة التي تركتها _ملك_ صارت أصغر.
للم يبقَ أحدٌ لم يجرب مع _نبض_. إلا _ملك_. وقفت عند باب غرفته وقلبها مثقل: "نبض... افتح يا حبيبي." صمت. "أعلم أنك غاضب ومتعب. وأنا أيضًا. لكن إن لم نتمسك ببعضنا سنضيع." انفتح الباب. خرج _نبض_ وعيناه منتفختان من البكاء: "تعبت يا أمي... من كل شيء." فاحتضنته _ملك_ بقوة، ومسحت على رأسه. ولأول مرة منذ شهور عاد صوتها دافئًا حقيقيًا. وفي تلك اللحظة دق الباب. دخل _يوسف_. الرجل الذي عرفها في _كيثيرا_. الذي كان رفيق دربها، وسندها، والذي طلب يدها يومًا ورفضت لأن قلبها كان مع _إيهاب_. بمجرد أن رأته _ملك_ تجمدت، ثم ارتجفت ابتسامة على شفتيها لم تظهر منذ زمن. "يوسف؟" "ملك..." قالها بلهفة رجلٍ لم ينسَ. ركض _نبض_ إليه وارتمى في حضنه: "عمو يوسف! أخيرًا!" كان يذكره... كان يزورهم في كيثيرا ويحكي له الحكايات. امتلأ البيت فجأة بالحركة. _يوسف_ يحمل _تالين_ ويضحكها، ويسأل عن _ملك_، وعيناه لا تتركها. و_ملك_... ضحكت. وتكلمت. وسألت. وتحركت. عاد إليها لونها وصوتها وخفّة روحها. لكن في الركن المقابل وقف _إيهاب_. يراقب. يراقب كيف ابتسمت له. كيف ردت عليه ب
في المطبخ، كان _نبض_ يغسل الصحون بعنف. كل صحن يرتطم بالآخر كأنه يفرغ غضبًا لا اسم له. دخل _إيهاب_، وقف عند العتبة يراقب._إيهاب_ بهدوء مصطنع: "خفّض صوتك. ستوقظ أختك."انفجر _نبض_. رمى الإسفنجة في الحوض والتفت بعيون محمرة: "تتحدث عن الصوت الآن؟! أين كنت عندما صارت أمي تمثالًا من حزن؟! أين كنت وهي لا تأكل ولا تنام ولا تتكلم؟! تراقبها فقط... شوقًا وغضبًا... كأنها لوحة على الحائط!"اقترب خطوة، وصوته يرتجف: "نحن ننهار هنا يا أبي! وأنت واقف تتفرج!"_إيهاب_ قبض على فكه. أراد أن يرد، أن يصرخ، أن يضرب. لكنه رأى في عيني ابنه انعكاس عجزه. فصمت. كان الصمت بينهما أثقل من كل الشتائم.قبل أن يهدأ الغبار، جاء الصراخ من الغرفة."أبيي!" ركض _إيهاب_ و _نبض_ معًا. كانت _تالين_ تتقلب على السرير، وجهها أحمر، وجسدها الصغير يرتجف بحرارة. تبكي بلا صوت، فقط أنينٌ مكسور._إيهاب_ حملها مذعورًا: "تالين؟ حبيبتي؟"لكنها لم تهدأ إلا بين ذراعين لم تحتضنها منذ شهور.دخلت _ملك_.لأول مرة منذ زمن، تحركت بسرعة. سحبت _تالين_ من بين يديه دون كلمة. جلست على الأرض، وضمتها إلى صدرها. بدأت تهزها، وتمسح على ظ







