ログイン
الظلام لم يكن مجرد غياب للنور، بل كان ثقيلاً كأن له وزناً يضغط على صدري.
فتحت عيني، أو هكذا ظننت. لا شيء يتغير عند إغلاق الجفون أو فتحها هنا. المادة الوحيدة التي استطاع عقلي استيعابها هي الرطوبة العالية ورائحة الأسمنت البارد التي تخترق رئتي مع كل شهيق متقطع. حاولت تحريك يدي اليمنى. كانت المفصلات تؤلمني، وساعتي الذكية التي لا تفارق معصمي عادةً لم تكن هناك. بدلاً منها، شعرت بسوار معدني أملس ملفوف حول معصمي بصلابة، يبعث نبضاً كهربائياً خفيفاً كل بضع ثوانٍ. "أين أنا؟" خرج الصوت من حلقي جافاً ومشرخاً. تذكرت آخر شيء قبل هذا الفراغ: كنت في مكتبي، أطالع ملف الحالة رقم 402، أشرب القهوة السوداء، ثم... لا شيء. انقطاع كامل في الشريط الزمني لعقلي. فجأة، أضاء خط فسفوري رفيع على الأرضية، يمتد ليحدد محيط المكان. غرفة مربعة، أربعة أمتار في أربعة، بلا نوافذ، بلا أبواب ظاهرة، وجدران خرسانية رمادية عارية. وفي المنتصف، كانت هناك شاشة شريطية صغيرة مثبتة على الجدار المقابل، أومضت باللون الأحمر وكتبت بلغة رقمية قاطعة: [المريض رقم 13: سليم العرابي - بدأ العد التصاعدي] صدمة المدرج الزجاجي الضوء الأبيض الحاد لم يصعق عيني فحسب، بل اخترق أعماق دماغي كإبرة مسخنة. التصفيق... صوت التصفيق المنتظم والبارد كان يتردد صدى في القاعة الضخمة كأنما يضرب جدران جمجمتي من الداخل. رفعت يدي المرتجفة لأحجب النور القاسي. الشبكة المطاطية التي سقطت عليها ارتدت بي قليلاً للأعلى قبل أن تستقر. استندت بمرفقي وأنا أحاول تنظيم أنفاسي المتسارعة التي تحولت إلى شهيق متقطع أشبه بالبكاء الصامت. — "هل ترون؟" تردد صوت مكبر الصوت في القاعة، لكنه لم يكن الصوت الميكانيكي البارد الذي سمعته في الغرفة رقم 13؛ بل كان صوتاً بشرياً، عميقاً، يملؤه السخرية والثقة. — "المريض رقم 13 يرفض التضحية بالذاكرة. إنه يتمسك بماضيه... تماماً كما فعل والده من قبل." تجمد الدم في عروقي. "والدي؟!" صرخت بأعلى صوتي وأنا أحاول النهوض على قدمين مرتجفتين، متجاهلاً الألم الحاد في مفاصلي: — "من تتحدث عنه؟ أين أنا؟ ما هذا المكان؟" بدت المدرجات الدائرية كأنها ترتفع إلى ما لا نهاية في ظلام القاعة، بينما كانت آلاف العيون المظلمة خلف الأقنعة السوداء مسلطة علي وحدي. لا توجد جدران خرسانية هنا... كانت الغرفة رقم 13 مجرد صندوق زجاجي معلق في منتصف هذا المسرح الضخم، وكنا جميعاً — نحن المعتقلون — نعرض على شاشاتهم الحية كأننا قطع شطرنج في لعبة كبرى. تجسد ظل طويل أمام منصة الإضاءة الرئيسية في مواجهة المدرج. رجل يرتدي معطفاً داكناً ويوضع على وجهه قناع نصفه معدني ونصفه الآخر بشري مصطنع. رفع يده بحركة خفيفة، فصمتت القاعة تماماً. — "أهلاً بك يا سليم في حقيقة عقلك," قال الرجل بصوت هادئ ومدروس: "أنت لست مجرد طبيب نفسي يُعالج المرضى، أنت النتيجة الحتمية لتجربة امتدت ثلاثين عاماً. والديّك وضعا حجر الأساس... والآن، عليك أن تثبت أنك تستحق النجاة في الأيام التسعة وعشرين القادمة." انفتح باب معدني ثقيل في أسفل المدرج، وظهرت من خلفه امرأة ترتدي ملابس السجن الرمادية... وكانت تحمل في يدها سواراً مشابهاً لسواري. اتسعت عيناي وأنا أتعرف على ملامحها الباهتة تحت الضوء الخافت: — "ليلى؟!" زوجتي التي اختفت قبل عامين... كانت تقف هناك، تنظر إلي بنظرة خالية من أي تعبير بشري، وكأنها لا تعرفني! لتومض الشاشة الكبرى في القاعة معلنة بداية العد التنازلي الجديد: [انتهى التمهيد... مرحلة المواجهة تبدأ الآن. المريض 13 والمريضة 14.] شظايا الذاكرة المتناثرة الصوت... ذلك التصفيق المنتظم كان يشبه وقع المطارق على سندان من الزجاج. شعرت برطوبة عرق بارد يتساقط من جبيني ليغوص في ياقَة قميصي الممزق. هل كنت نائماً كل تلك السنين؟ أم أن العقل البشري يمتلك مهارة إبداعية مرعبة في اختلاق الأكاذيب ليحمي نفسه من حقيقة أنه كان سجيناً طوال الوقت؟ "ليلى..." خرج الاسم من بين شفاهي المشققة كهمس غريب. عيناي المعلقتان على وجهها في المدرج المقابل لم تكن تريان زوجتي التي تعرفت عليها، بل كانتا تريان "حالة دراسية" أخرى؛ غريبة، باردة، وملطخة بملامح الغموض الذي يعجز علم النفس الحديث عن تفسيره. لماذا هي هنا؟ هل اختطفت قبلي؟ أم أنها كانت جزءاً من هندسة هذا الجحيم منذ اللحظة الأولى؟ أومض السوار المعدني في معصمي بلون أحمر متقطع، وكأنه ينظم دقات قلبي قسراً، ليجبرني على البقاء في حالة من اليقظة الحادة. رفعت رأسي نحو الرجل ذي القناع نصف المعدني الواقف فوق المنصة. لم يبدُ كشخصية شريرة من الأفلام، بل بدا كموظف بيروقراطي ينفذ تقريراً روتينياً. — "الذاكرة ليست سوى قصة نرويها لأنفسنا كي نستطيع النوم ليلاً، يا دكتور سليم،" قال بصوته الهادئ الذي عبر مكبرات الصوت دون أن يحرك شفتيه بكثير من الجهد: "والآن بعد أن سقط الصندوق الزجاجي، انتهى وقت الوهم. هل أنت مستعد لاختيار اليوم الثاني، أم تفضل العودة إلى الغرفة رقم 13 بمفردك؟" نظرت إلى يدي. الأرقام المحفورة على السوار (011023) بدت كأنها تحترق تحت الجلد. "لن أختار شيئاً وفق قواعدكم،" همست لنفسي وأنا أقبض على كفي بقوة جعلت أظافري تغوص في لحمي بحثاً عن أي ألم حقيقي يؤكد لي أنني ما زلت حياً، لا مجرد رقم في شاشة عرض لجمهور بلا وجوه. وعلى الشاشة الكبرى، بدأت الأرقام تتحرك في تناقص بطيء ومخيف، معلنةً عن العد التنازلي لـ فصول اليوم الثاني. انعكاسات المرآة المهشمة التصفيق لم يعد مجرد صوت؛ بل تحول إلى كتلة صلبة من الضغط الهوائي تنهش طبلة أذني. نظرت إلى يدي. الأصابع التي اعتادت الإمساك بقلم التشخيص، وتدوين الملاحظات الإكلينيكية بهدوء، كانت ترتجف الآن بعنف غير قابل للسيطرة. كم من الوقت مضى وأنا أؤمن بأن العالم الخارجي حقيقي؟ كم من المرضى عالجتهم في عيادتي، وكنت أظن أنني أمنحهم الأمل، بينما كنت أنا المريض الأكبر في غرفة عزلٍ وهمية؟ «العقل الإنساني بارع جداً في بناء جدرانه الخاصة» — ترددت جملة كنت أكررها دائماً لطلابي في قاعات المحاضرات. ها هي اليوم ترتد إليّ ساخرة، كأنها رصاصة ارتدت من جدار حديدي لتستقر في صدري. رفعت بصري نحو المدرجات المظلمة. الأقنعة السوداء المنتشرة في كل مكان بدت كحشرات داكنة تلتحف السكون، تراقبني بعيون ميتة. لا يوجد حب أو كراهية في تلك الأقنعة، بل فضول علمي بحت... فضول مختبر يراقب فأراً يكتشف لأول مرة أن القفص بلا نهاية. وقفت "ليلى" في الجهة المقابلة. نظرتها الخالية من الدهشة أو الحنين كانت تؤكد لي حقيقة واحدة مرعبة: هي لم تكن ضحية مثلي، بل كانت جزءاً من "المعايرة" (Calibration). شخصية مبرمجة لتقيس إلى أي مدى يمكن لعقلي أن يتحمل صدمة الفقدان قبل أن ينفصم تماماً. — "الذاكرة..." همست لنفسي، وصوتي ضاع في صدى القاعة البارد. إذا كانت ذكريات طفولتي، ومكتبتي، ووجه والدي، مجرد ملفات برمجية تم زرعها في دماغي عبر السوار المعدني، فمن أنا إذن؟ هل أنا "سليم العرابي" الطبيب النفسي البارع، أم أن هذا الاسم مجرد ملف تم اختياره عشوائياً ليحمل رقم العزل (13)؟ أضاء السوار في معصمي بلون أزرق داكن، وتوقفت دقاته المتسارعة لحظة واحدة، كأنه يأخذ إذناً جديداً من غرفة التحكم الرئيسية. على الشاشة الكبرى، توقف العد التنازلي مؤقتاً عند الرقم 00:00:01 من اليوم الأول، لتضيء جملة واحدة بخط رفيع وبارد: [النهاية الحقيقية تبدأ عندما تدرك أنك لست الكاتب... بل الحكاية.] أغلقت عيني بقوة، واضعاً كفي على جبهتي، مستعداً للقفز في الظلام المطلق لليوم الثاني. إغلاق العينين لم يجلب الظلام الذي طالما اعتاد عقلي الهروب إليه. حتى والجفون مغلقة، كانت الأضواء البيضاء تتدفق من خلالها، حمراء وساخنة كدماء فاسدة. أنا لا أتنفس. أتساءل إن كنت قد نسيت كيف تُملأ الرئتان بالهواء، أم أن الأكسجين في هذا المكان أثقل من أن يحمله صدري. «إذا كان العقل هو من يصنع الواقع، فهل يمكنني إعدام هذا الواقع الآن بقرار من إرادتي؟» فتحت عيني بسرعة. ليلى لم تتزحزح قيد أنملة. كانت واقفة تحت ضوء المسرح، وجهها الشاحب يبدو كقناع جصي صُنع بعناية فائقة. تحركت شفتها السفلى حركة كادت لا تُرى، حركة شاطرتني ذات يوم في عيادتي القديمة تعبيراً عن القلق... لكن لا، لم تكن قلقة. كانت تهمس بكلمات بلا صوت. ركزت بصر ي، أقرأ حركة شفتيها عبر مسافة الهواء البارد: «لا... تنظر... للخلف.» قبل أن أتمكن من استيعاب التحذير، شعرت بضغط برودة قاطعة تلامس مؤخرة عنقي. لم يكن سكيناً، بل كان أنبوباً فلزياً صغيراً ينبعث منه حرارة سلبية... تجميد موضعِي. تردد صوت صاحب القناع نصف المعدني من فوقنا، هذه المرة بلا مكبرات صوت، كان يقف على بعد خطوات معدودة من ظهري دون أن أصدر أي صوت لخطواته: — "أتساءل دائماً يا دكتور سليم... كم يلزم من الآلام النفسية حتى يتوقف الطبيب عن التفكير كطبيب ويشعر كضحية؟ هل تحسب أننا أتينا بك إلى هنا لنعذبك؟ العذاب مفهوم بدائي... نحن هنا نُعيد هندسة روحك." انقضت ثوانٍ من الصمت الخانق، وارتفع التصفيق في المدرجات فجأة ليصل إلى ذروة تصم الآذان. الأقنعة السوداء بدأت تقف واحدة تلو الأخرى. مئات الأشخاص، بلا وجوه، بلا أسماء، يشاهدون عرض السقوط كأنهم في أوبرا من الهلاك. انزلقت ليلى نحو الظلال خلفها، وتلاشى جسدها تدريجياً كأنها لم تكن سوى تجسيد ضوئي هولوغرافي. مددت يدي للأمام، ممسكاً بالفراغ: — "ليلى!" صوتي لم يعد يُسمع. السوار على معصمي أطلق ذبذبة كهربائية قوية جمدت أطرافي في مكانها. انقطعت الإضاءة فجأة، وانهارت جميع الشاشات في القاعة إلى السواد التام، باستثناء شاشة صغيرة واحدة أومضت في ظلام عينيك من الداخل... كتبت الجملة الأخيرة التي ختمت اليوم الأول بالكامل، وقضت على آخر شريان في مندوحة أملي: [تم توثيق استجابة المريض رقم 13. اكتملت بيانات اليوم الأول بنجاح. يبدأ التحضير لليوم الثاني: اختراق الذاكرة الحية.] التحلل في الصمت المطلق ثوانٍ من السواد الكامل... لكن السواد هنا ليس غياباً للنور، بل كائن حي يلتف حول عنقي كأنه حبل مسدول من العدم. حين تتوقف الحواس الخمس عن استقبال أي إشارة، يبدأ العقل في اختراع إشاراته الخاصة. هذه هي أولى التقريرات التي كتبتها في رسالة الدكتوراة الخاصة بي: "الحرمان الحسي الكامل يؤدي إلى الهلوسة خلال 180 ثانية." لكن ما أسمعه الآن ليس هلوسة. تناهى إلى أذني صوت شهيق خافت جداً، ينبعث من مسافة لا تتعدى بضعة سنتيمترات من أذني اليسرى. هواء دافئ يلامس شحمة أذني. — "سليم..." لم يكن صوت صاحب القناع، ولا صوت ليلى، ولا حتى صوت والدي. كان صوصي أنا... صوتي الخاص، بنبرتي، بطريقة نطقي للأحرف، متحدثاً إليّ من الخلاء! — "أنت تظن أنك تسقط للأسفل، أليس كذلك؟" همس الصوت في ظلامي: "لكن انظر إلى يديك. الجاذبية هنا مجرد قناعة نفسية اخترعتها لكي لا تفقد اتجاهاتك." مددت يدي ببطء شديد في الفراغ. لم تكن هناك شبكة مطاطية، ولم يكن هناك أرضية. كنت أطوف في فضاء مغلق، مغمور بسائل لزج وشفاف لا يمنع التنفس، لكنه يثقل كل حركة. أضاءت في عمق هذا السائل نقطة بيضاء صغيرة، ثم تمددت لتصنع شاشة ضوئية متناهية الصغر داخل عيني مباشرة. ظهر فيها مشهد من عيادتي القديمة: أنا، أدرس ملف حالة أمام النافذة. يدخل عليّ رجل مسن يرتدي معطفاً أسود... والدي. أشاهد نفسي في التسجيل وأنا أقدم له كوباً من الماء، ثم أصافحه، وأبتسم... لكن في الكوب، تحت تأثير الضوء، ينحل قرص أبيض صغير بلا أثر. انقبضت عضلة قلبي بعنف حتى كادت تمزق صدري. "لا... هذا لم يحدث!" صرخت في السائل، فخرجت الفقاعات من فمي مضيئة باللون الأحمر: "أنا لم أضع لولدي أي شيء! هذا تزوير للذاكرة!" رد الصوت القريب من أذني بكل قسوة وشفافية: — "بل حدث يا سليم. أنت من وضعت له مخدر التغيب القسري بنفسك قبل خمس سنوات... أنت لم تكن الضحية التي تفتش عن أبيها المفقود، بل كنت الحارس الذي أغلق عليه الباب." انهارت التماثيل الفكرية في رأسي كأنها مصنوعة من زجاج رخيص. تهاوت الذاكرة، وتلاشت الحدود بين الكذبة والحقيقة. وقبل أن أستوعب مدى البشاعة، امتصت الشاشة النقطة البيضاء، وانطلق صوت صفارة ممتدة ترن في أركان وجودي، وتغير الرقم المكتوب على قشرة عقلي الداخلية: [تم تثبيت الصدمة الأولى بنجاح. بداية تحول المريض رقم 13 من حالة البقاء إلى حالة الإعتراف.] بياض الذاكرة الأخير السائل الشفاف الذي كان يغمرني بدأ يتلاشى تدريجياً، ليمتصّه الفراغ من حولك كإسفنجة عملاقة تمتص قطرات المطر الأخيرة. مع انحسار السائل، شعرت بضغط الهواء يعود إلى صدري بشكل مفاجئ ومؤلم. فتحت فمي لألتقط شهيقاً عميقاً، فدخلت إلى رئتي رائحة غريبة؛ رائحة ورق قديم ومكتب مغلق لفترة طويله، وليست رائحة الأسمنت البارد ولا عطور المدرج الزجاجي. هل انتهى السقوط؟ أم أنني هويت إلى طبقة أخرى أكثر عمقاً من الوهم؟ رفعت جفوني ببطء. النور لم يكن أبيض حاداً، ولا أحمر قاتماً، بل كان أصفر باهتاً، منبعثاً من مصباح مكتبي قديم يرتكز على خشبة بالية. وجدت نفسي جَالساً على كرسي جلدى مريح خلف مكتب خشبي ضخم. يدي اليمنى تمسك بقلم حبر جاف، وأمامي مستند مفتوح كُتب في أعلاه بخط عريض: [سجل الحالة النفسية للمريض رقم 13 - التاريخ: مفقود] نظرت إلى كفي. السوار المعدني الذي كان يلتف حول معصمي طوال الساعات الماضية... اختفى تماماً! لم يبقَ مكانه سوى أثر خفيف كأنه حفرة قديمة في الجلد. هل كان كل ما سلف كابوساً؟ هل كنت أنام على مكتبي وأنا أراجع الملفات المتراكمة طوال الليل؟ تردد صوت هادئ من خلف الباب الخشبي المغلق لمكتبي: — "دكتور سليم... المريض التالي ينتظر في الخارج. هل ندخله، أم أنك ما زلت عالقاً في الفصل الأول؟" تجمّدت في مكاني. أصابعي عجزت عن الحركة، وقلبي توقف عن الخفقان لحظة كاملة. رفعت رأسي ببطء شديد نحو باب المكتب الموارب، فرأيت ظل رجل يقف في الخارج، يرتدي معطفاً داكناً... وبصوته المألوف الذي يعبر الزمن، قال الظل بهدوء: — "افتح الباب يا سليم... لقد حان وقت الفصل الثاني."السهول التي بدت للوهلة الأولى كصفحة بيضاء ممتدة بلا نهاية، لم تكن سوى بساط مخادع يخفي في طياته تقلبات الطبيعة وقسوتها الصامتة. مع اشتداد منتصف النهار، بدأت الرياح الموسمية تهب من الجهة الغربية، حاملة معها غباراً ناعماً يحجب الرؤية ويحول أفق الوادي إلى سديم رمادي باهت.توقفتُ لمنازلة العاصفة الخفيفة، شاداً وثاق سترتي حول صدري، بينما كانت حبيبات التراب تتطاير لتلامس وجهي بلسعات خفيفة تذكّرني بأن الحرية ليست طريقاً مفروشاً بالورود، بل هي مسير دائم تحت وطأة العناصر.أخرجت دفتري الخاص ورائحة المداد الدافئة لا تزال تعبق بين صفحاته، وبدأت أخط بقلمي على ضوء شمس شاحبة تخترق غبار السهول:«حين تظن أنك بلغت الأفق المفتوح، تفاجأ بالطبيعة وهي تعيد تشكيل قواعد اللعبة. الغبار ليس عائقاً، بل هو اختبار جديد لقدرة البصيرة على اختراق العتمة حين تنعدم الرؤية الواضحة. سليم العرابي لا يتوقف بسبب عاصفة، فالحبر الذي يجري في عروقي وُجد ليقاوم الريح لا ليخضع لها.»رفعت بصري وسط العاصفة، فأبصرت من بعيد، عبر حاجز الغبار المتراقص، شبحاً لكتلة داكنة تتوسط الطريق تشبه بقايا جدار قديم أو معلماً منسياً طمره الزمن.
خيوط النور الفضية التي لامست أفق السهول في نهايات الليل، تحولت تدريجياً مع إشراقة الصباح إلى لوحة واسعة من الذهب الباهت والأخضر المائل للصفرة. الهواء هنا كان محملاً برائحة الندى والأعشاب البرية الناعمة، وهو مختلف تماماً عن برونة الهضاب العالية وقسوة صخورها الصامتة.مشيت بخطوات منسابة ومتناغمة مع نبض الأرض الممتدة أمامي. لم تعد هناك صعود شاقة ولا هضاب وعرة تتربص بخطواتي؛ بل مسار فسيح يشبه صفحة بيضاء طويلة تنتظر أن تُملأ بالحياة.أخرجت من حقيبتي الدفتر الجلدي الذي وجدته في الصندوق المعدني على القمة، ووضعت إلى جانبه دفتري الخاص والريشة. وعلى حافة جدول ماء صغير تجرّدت مياهه من الصقيع، جلست على صخرة ملساء لأتأمل تداخل الخطوط والكلمات:«في السهول، يفقد الزمن صرامته. لا قمم تُستعصى، ولا أقبية تُغلق. هنا، حيث تندمج الأرض بالسماء في أفق مفتوح، أدرك أن أثقل ما يحمله الإنسان ليس الحقيبة التي على كتفه، بل الأفكار التي يتركها تتراكم في رأسه. اليوم، أفرغت الرأس، وبدأت أكتب الروح.»توقفْتُ لحظة، وسمعت خرير الماء العذب وهو ينساب بهدوء بين الحصى الصغيرة، كأنه يلحن خلفية موسيقية هادئة لكلمات التدوي
الصباح في الهضاب الجديدة كان ينبض بإيقاع مختلف؛ إيقاع لا تقيده أشجار الأكاسيا المنعزلة ولا صمت الوديان السفلى. الهواء هنا كان أرقّ وأكثر برودة، يحمل معه طعم الغبار الخفيف ورائحة حجر صلب لم تطأه قدم بشرية منذ أمد طويل.وقفت على حافة التل المرتفع، متأملاً امتداد الطريق الذي يلتف حول قاعدة الجبل الصخري كأنه أثر لقدم عملاق قديم. أخرجت دفتري من جيب سترتي، وبحركة اعتادت عليها يدي تماماً، فتحت الصفحة البيضاء الجديدة وكتبت:«كلما صعدت أكثر، كلما تباطأت أصوات العالم القديم في رأسي. لم تعد أجهزة المصحة ولا طاولاتها المعدنية سوى صدى بعيد يخفت تدريجياً مع كل شهيق أستنشقه في هذا الهواء الحر.»رفعت بصري نحو القمة البعيدة حيث تتكسر خيوط الشمس الأولى على صخور صلبة وحادة. كان هناك شيء ما في هذا المكان يستدعي الانتباه، وميض خافت أو حركة غير معتادة تلوح على حافة الأفق العلوي، كأن هناك من يراقب هذا الصعود من أعلى.أغلقت الدفتر نصف إغلاقة، وأبقيت الريشة جاهزة بين أصابعي، مستعداً لاكتشاف ما تخبئه القمم القادمة.تابعت الصعود بخطوات واثقة ومدروسة، متبعاً التموجات الصخرية التي كانت ترسم مساراً طبيعياً نحو
الهواء البارد الذي استقبلني على حافة الهضبة مع حلول شفق المساء لم يعد يحمل أي رهبة. كنت أقف هناك وحدي، معطف الكاتب الأول مركون خلفي كذكرى حارسة، والريشة التي أصبحت الآن امتداداً لروحي تستقر بأمان في جيب سترتي. تدرجات الأفق البرتقالية والبنفسجية كانت تمتد أمامي كصحفة سماء فاخرة، تنتظر أن أترجم سكونها إلى لغة ونبض وحروف.ـ "إذن... هذه هي صفحة البداية الحقيقية." همست لنفسي، وصوت الهواء يلتقط الكلمة ليحملها بعيداً نحو الوديان المنسية.لم تعد هناك مصحة، ولم يعد هناك رقم 13 يطاردني في مرايا الغرف المعقمة. سليم العرابي لم يعد مجرد شخصية تبحث عن مخرج وسط تيه الخوارزميات، بل تحول إلى الراوي والكاتب وصانع المصير. نزلتُ بحذر من منحدر الهضبة، متخذًا طريقاً جديداً ينحدر نحو السهول السفلى حيث تتجمع شجيرات البراري تحت نجوم الليل الأولى.كانت الخطوات خفيفة ومستقرة، وكل حصاة تطؤها قدمي كأنما تثبت ركيزة جديدة في هندسة حياتي الجديدة. أخرجت دفتر الملاحظات الصغير والريشة، وبدأت أدوّن على ضوء النجوم الباهت:«في الليل الأول خارج الأسر، لا توجد حراسة سوى ضوء النجوم، ولا توجد قوانين سوى إيقاع النبض. الحري
الريح التي استقبلت وجهي على حافة الشرفة الحجرية لم تكن باردة كما تعودت في زنازين المصحة، بل كانت محملة برائحة التراب الرطب وأنفاس المدى المفتوح. أغلقت عيني لحظة واحدة، مستشعراً هدوء الدورة الدموية في عروقي؛ لقد توقف ذلك الطنين المعدني البغيض الذي ظل يلاحقني لشهور، وحل محله سكون عميق يشبه اللحظات التي تسبق كتابة السطر الأول في رواية بيضاء.تراجع العالم القديم بكل أجهزته وشاشاته المزعجة خلف ظهري كظل باهت يتلاشى في أول ساعات النهار.فتحت عيني، ووجدت أمامي طريقاً ترابياً منسياً يمتد بين تلال منخفضة، يغمرها نور شمس الصباح بصفاء ناصع. لم تكن هناك بوابات حراسة، ولا كاميرات خفية تترصد انحناءة كتفي.خطوت خطوتي الأولى على هذا الطريق الحقيقي.كان وقع خطواتي ثابتاً ومستقراً، يعلن لكل حبة تراب أن سليم العرابي قد استعاد اسمه، وأن المريض رقم 13 لم يعد سوى ذكرى مطوية في أرشيف ميت. كلما ابتعدت عن الهيكل المنهار للمصحة، كلما شعرت أن روحي تتخلص من آخر طبقات الطلاء الكاذب الذي فرضه عليّ سجانوه.— "الآن... تبدأ الحكاية حقاً" همست لنفسي بصوت خفيض استقر في صدر الصحراء.أخرجت يدي من جيب سترتي، ومررتها
لم تكن العودة إلى تفاصيل الغرفة رقم 13 مجرد كابوس عابر يزول بتبدد الضباب؛ بل كانت امتحاناً قاسياً ومستمراً لطبيعة الوعي ذاته. صحيح أنني مزقت الوهم وهدمت الجدران في المرة الأولى، لكن العقل البشري الذي قضى أسابيع طوالاً تحت تأثير المبرمجات الكيميائية والنفسية لا يتطهر بلمح البصر.فتحت عيني هذه المرة على إيقاع مغاير تماماً؛ لم يكن هناك وهج أبيض ناصع ينهش حدقتيّ، بل عتمة رمادية باردة تشبه ضباب الشتاء الكثيف. كنت أستلقي على نفس الطاولة المعدنية، لكن المجلد الجلدي لم يكن إلى جواري، ولا فنجان الشاي الخزفي كان في مكانه؛ بل استقرت على حافة الطاولة أقطاب كهربائية رفيعة متصلة بشاشات عرض دقيقة.— «بدء الاختبار الثاني.. قياس استجابة العصب الحائر للمؤثرات الخارجية بعد محاولة الهروب الفاشلة..»تردد الصوت عبر مكبر الصوت، لكنه هذه المرة لم يكن صادراً عن نظام إلكتروني مجهول، بل كان صوت بشرياً حقيقياً، يحمل نبرة من الفضول العلمي البارد والمحسوب بدقة.انتفضت جالساً بعنف، وصدرِي يعلو ويهبط بوتيرة محمومة. حاولت انتزاع الأقطاب الملتفة حول معصميّ، فبدأت الشاشات أمامي تومض بوميض أحمر متسارع، وكأن نبضات قل







