ログインالاصطدام بالأرضية المعدنية لم يخلّف ألماً جسدياً، بل أحدث هزة عميقة في وعيي المشتت.
حين فتحت عينيّ ببطء، لم تكن الغرفة الخرسانية الضيقة هي ما استقبلي، بل فضاء رمادي شاسع بلا حدود واضحة؛ السقف يرتفع ليعانق فراغاً أسود معلقاً، والجدران تراجعت لتتركني وحيداً في قاعة واسعة تشبه قاعات المحاكم المهجورة. في منتصف هذه القاعة الواسعة، كانت ترتفع مرآة عملاقة مفردة، قديمة الإطار، ومغطاة بطبقة كثيفة من الغبار الرمادي. — "إلى متى ستستمر هذه العروض?" قلت بصوت خشن ومبحوح، واهتز صدى الكلمات في الفضاء الواسع كأنه يرتد من جدران غير مخترقة. لم يجيبني سوى صدى صوتي، لكن شيئاً ما بدأ يتغير على سطح المرآة المغطى بالغبار. تدريجياً، مُسحت الطبقة الرمادية بضربات هواء غير مرئية، لتكشف عن انعكاسي... لكن الانعكاس لم يكن واقفاً بمفرده. خلف "سليم" الذي في المرآة، ظهرت امرأة ترتدى معطفاً طبياً أبيض، تقف بصمت مطبق واضعة يديها في جيبها، وملامح وجهها غارقة في عتمة خفية تكفي لإخفاء هويتها. انقبض قلبي بعنف. «ليلى؟ أم أنها شخصية أخرى من ملفات العيادة المنسية؟» تقدمت خطوة واحدة نحو المرآة، فتقدم الانعكاس خطوة مثلي، لكن المرأة التي في الخلف لم تتحرك قيد أنملة؛ بل رفعت إصبعها السبابة لتشير إلى السوار المعدني في معصمي، وكأنها تحذرني من خطوة أُخرى. أومض السوار فجأة بلون أحمر متقطع، وانطلقت من الشاشة الشريطية العلوية ـ التي ظهرت فجأة في سماء القاعة الرمادية ـ الكلمات التالية: [الفصل الثالث: التعرف على الشريك. المريض رقم 13 ليس العقل الوحيد في هذه المنظومة.] بقيت مسماراً في أرضية القاعة الرمادية، عيناي معلقتان بتلك المرأة التي تقف في عمق انعكاس المرآة. الملامح الغارقة في العتمة لم تكن صدفة؛ كانت مصممة عمداً لتثير في نفسي ذلك النوع من الشكوك القاتلة التي تدمر التركيز من الداخل. هل هي شخص حقيقي تراقبني من غرفة تحكم خلفية، أم مجرد وهم بصري استخرجه عقلي من أرشيف الذكريات المهملة؟ — "من أنتِ؟" رفعت صوتي بحدة، واقتربت أكثر حتى كادت أنفي تلامس سطح الزجاج البارد. "إذا كنتِ جزءاً من هذه التجربة، فاعرضي بطاقاتكِ وانتهِ من هذا العبث!" المرأة التي في المرآة لم ترمش، ولم تحرك شفتيها للرد. لكن شيئاً غريباً بدأ يحدث على سطح الزجاج؛ بدأت قطرات ماء دقيقة تتساقط من أعلى إطار المرآة لتغطي وجهها وتذيب ملامحها تدريجياً، وكأنها لوحة مرسومة بألوان مائية رخيصة تتعرض للمطر. وفي نفس اللحظة، تحولت دقات السوار المعدني في معصمي إلى إيقاع بطيء وثقيل، أشبه بنبضات قلب محتضر. أومضت الشاشة الشريطية المعلقة في الفراغ العالي بحروف باهتة: [المريض 13: الاتصال بالطرف الثاني غير مستقر. تيار الوعي يقترب من نقطة التشبع.] تراجع خطوات إلى الوراء وأنا أراقب الزجاج وهو يبدأ في التموج كأنه سطح ماء ساكن ألقيت فيه حصاة صغيرة. الصوت المنبعث من مكبرات الصوت الخفية لم يعد طئيناً كهربائياً، بل تحول إلى همسات بشرية متداخلة وغير مفهومة، كأن العشرات من الأصوات تتحدث في آنٍ واحد دون أن يرتفع صوت أحدهم على الآخر. أغلقت أذني براحتي يدي، محاولاً حجب الضوضاء التي تنهش أفكاري، لكن الأصوات كانت تنبعث من داخل رأسي مباشرة، لا من الخارج. الهمسات المتداخلة لم تكن مجرد ضوضاء خارجية؛ بل كانت تشبه أرشيفاً صوتياً هائلاً فُتح دفعة واحدة داخل عقلِي. «...عليك أن تختار...» «...الملف رقم 402 لم يُغلق قط...» «...سليم، هل تتذكر من غادر الغرفة قبلك؟» فتحت عيني بسرعة وأنا ألهث، محاولاً طرد تلك الأصوات التي كانت تتسرب إلى خلايا دماغي كأنها سم بطيء. القاعة الرمادية الشاسعة بدأت تتشقق من الجوانب، وتتطاير جزيئاتها في الفراغ كرماد متناثر، لتكشف عما تخفيه خلفها: جدران خرسانية جديدة، لكنها هذه المرة لم تكن مغلقة تماماً، بل كانت مصطفة بصفوف طويلة من الشاشات المضيئة التي تعرض لقطات سريعة من حياتي القديمة — لحظات في عيادتي، ومضات من غرف العمليات، ووجوه مرضى لا أذكر أنني عالجتهم قط. توقف الإيقاع البطيء للسوار المعدني في معصمي، وتحول إلى وميض أزرق حاد وثابت، وكأنه يربط بين حركتي وبين ما تعرضه تلك الشاشات. خطوت خطوة متوجسة نحو إحدى الشاشات القريبة. كانت تعرض مشهداً لي وأنا أجلس على مكتبي أكتب شيئاً على ورقة بيضاء، لكن المثير للرعب أن الشخص الموجود على الشاشة التفت برأسه ببطء ونظر إليّ مباشرة من خلال الشاشة، مبتسماً ببرود! تجمّد الدم في عروقي. — "هذا مستحيل..." همست وأنا أتراجع للخلف. "إنها مسجلة مسبقاً، كيف يمكنه أن يراني الآن؟" أومضت الشاشة الشريطية العلوية بأحمر فاقع، لتكتب ببطء مقصود: [المريض 13: الماضي ليس ذكريات مدفونة، بل هو سجن قمت ببنائه بنفسك فصلًا بعد فصل.] الابتسامة الباردة التي رسمها وجهي القديم على الشاشة لم تكن مجرد خدعة بصرية؛ كانت استفزازاً مباشراً لوعيي المترنح. «هل أنا السجين هنا أم السجان؟» — تساءلت في سرّي بينما كانت الشاشات المحيطة بي تضيء وتنطفئ بإيقاع جنوني، تعرض مشاهد متقطعة لقرارات اتخذتها في الماضي، لمرضى تركتهم في منتصف الطريق، ولغرف مظلمة تشبه تماماً هذه الغرفة اللعين. مددت يدي المرتجفة نحو الشاشة القريبة، وأصابعي تكاد تلامس الزجاج البارد، محاولاً كسر هذا الحاجز الوهمي الذي يفصل بين ماضٍ مزيف وحاضر يضيق عليّ الخناق. بمجرد أن لامست أطراف أصابعي سطح الشاشة، توقفت كل اللقطات عن الحركة دفعة واحدة، وساد صمت ثقيل ومطبق في أرجاء القاعة. انطفأت جميع الشاشات المجاورة، ولم يتبقَ سوى شاشة واحدة أمام وجهي مباشرة، كُتب عليها بخط باهت وساخر: [المريض 13: الحقيقة لا تحررك، بل تزيد من قيودك. هل تجرؤ على النظر إلى ما خلف الشاشة؟] تراجع خطوات إلى الوراء، وأخذت شهيقاً عميقاً أملأ به رئتي المشتتة. لم يعد لدي ما أفقده؛ فكلما أمعنت في هذه اللعبة، وكلما توسعت تفاصيل الذاكرة، كلما اقتربت من معرفة من يمسك بالخيوط من خلف الستار. رفعت ذعلي بثبات، واستعديت لما ستكشفه الخطوة التالية من مفاجآت. بقيت أراقب الشاشة الوحيدة المضيئة أمامي، بينما تلاشى ضجيج الأصوات المحيطة بالكامل، ولم يبقَ سوى صوت نبضات قلبي وصوت السوار المعدني في معصمي. إذا كان ما خلف هذه الشاشة هو الحقيقة التي يحاولون حجبها، فلا بد لي من كشفها. أطبقت كفي بقوة، ووجهت لكمة مباشرة نحو وسط الشاشة الزجاجية. لم ينكسر الزجاج كما توقعت، بل انحنى للداخل كأنه سائل مطاطي، وابتلع يدي حتى الكوع في برودة تلسع الجلد. وفي تلك اللحظة، تدفقت إلى ذهني دفعة هائلة من الصور والذكريات الواضحة التي لم تكن تخصني وحدي... بل كانت تخص شخصاً آخر يقف في الجانب المظلم من الغرفة. برودة الزجاج المطاطي لم تكن مادية فحسب، بل سرت في عروقي كتيار كهربائي بارد يسحب حرارة جسدي تدريجياً. ذراعي كانت مغمورة بالكامل داخل الشاشة، وكأن شيئاً خفياً في الجانب الآخر يقبض على معصمي ويسحبني نحوه بقوة لا تُقاوم. — "ما هذا...؟" همست وأنا أحاول جذب ذراعي للوراء، لكن دون جدوى. تزايد وميض السوار المعدني في معصمي الأيمن ليشوه بضوئه الأزرق عتمة المكان، بينما بدأت الشاشة تُصدر أحياناً صوت طنين بشري يشبه الأنين. في تلك اللحظة من الشد والجذب، بدأت تفاصيل الغرفة الخرسانية الرمادية تتلاشى من حولي وتتحول إلى ومضات ضوئية سريعة تشبه ذكريات تتداعى بسرعة جنونية قبل الغرق. الشد والجذب مع الشاشة المطاطية لم يتوقف، بل تحول إلى شعور غريب بأن جسدي يبدأ في التمدد والتحول إلى ذرات ضوئية باردة. أمام عيني، توقفت الومضات الضوئية السريعة لفترة قصيرة، لتظهر على سطح الشاشة عبارة واحدة مكتوبة بخط يدوي مألوف تماماً: (الهروب ليس في الخلف يا سليم، بل في النقطة التي ترفض الاعتراف بها). انقبض قلبي بشدة. هذه العبارة لم تكن مجرد جملة برمجية؛ بل كانت نفس الكلمات التي كنت أرددها لنفسي في مذكراتي الخاصة قبل سنوات طويلة، في تلك الليلة التي شهدت انقلاب كل شيء في عيادتي. — "كيف...؟" حاولت أن أصرخ، لكن الصوت تجمد في حلقي تماماً مع تزايد ضغط السوار المعدني على معصمي. العبارة المكتوبة بخط يدي على سطح الشاشة ظلت تومض بثبات، كأنها تحفر نفسها في خلايا دماغي. مع كل ثانية تمر، كان الضغط على ذراعي المغمورة في الزجاج المطاطي يشتد، وكأن هناك شخصاً في الجانب الآخر يمد يده ليشدني إلى العتمة التي اختبأت خلف الشاشة. لم تعد المسافة بيني وبين الحقيقة مجرد جدار خرساني؛ بل أصبحت حاجزاً رقيقاً من الأوهام والإنكار الذي بنيته طوال حياتي المهنية والشخصية. — "إذا كان هذا ما تريدونه... فلنرى ما تخفونه خلف هذا الجدار!" قلت بصوت مبحوح لكنه يحمل إصراراً غريباً، ودفعت بقية جسدي للأمام نحو الشاشة متجاوزاً حدود الخوف. بمجرد أن عبرت كتفي الحافة الزجاجية، انفتح أمامي فضاء جديد مختلف تماماً، وكأنني سقطت من علو شاهق لأستقر في غرفة أشبه بمكتب قديم ومظلم، تنبعث منه رائحة الورق المحترق والحبر القديم. الرائحة الحادة للورق المحترق والحبر القديم ملأت رئتيّ فور استقرار قدمي على الأرضية الخشبية المتهالكة للمكتب. لم تكن الغرفة تشبه غرف العزل الخرسانية الباردة التي تنقلت بينها؛ بل بدت كدراسة قديمة لكاتب مهووس. رفوف الكتب المظلمة كانت تصطف على الجدران الأربعة، ومليئة بمجلدات ضخمة بلا عناوين، بينما توسط الغرفة مكتب خشبي ثقيل تعلوه مصباح يدوي قديم يصدر ضوءاً أصفر خافتاً ومتقطعاً. خطوت بحذر، وأرضية الخشب تصدر صريراً مزعجاً تحت أقدامي، كأن المكان يحذرني من المضي قدماً. — "هل هذه هي عيادتي القديمة... أم غرفة نومي قبل الحادث؟" همست لنفسي، وعيناي تتجولان بين الأوراق المبعثرة التي كانت تغطي سطح المكتب بالكامل. اقتربت من المكتب بخطوات بطيئة، ووجدت أن الأوراق لم تكن عشوائية؛ بل كانت مئات الصفحات المدونة بخط يدي، وتتحدث جميعها عن نفس الموضوع: تجارب الذاكرة قسرية، وتلاعب بالوعي البشري، وملاحظات طبية موثقة حول مريض رقم 13 الذي لم يكن سوى أنا! توقف السوار المعدني في معصمي عن الوميض الأزرق، ليتحول إلى لون ذهبي دافئ، بينما انطلقت من المصباح المتقطع على المكتب أصوات همسات واضحة تشبه صوتي وأنا أقرأ تلك الملاحظات بصوت عالٍ. الهمسات المنبعثة من المصباح المتقطع كانت تردني بصوتي أنا، وكأنني أستمع إلى تسجيل قديم تم نسخه في ذاكرة خفية لم أكن أعلم بوجودها. مددت أصبعي المرتجفة لألمس إحدى أوراق الملاحظات القديمة المبعثرة على المكتب الخشبي. بمجرد أن لامس جلد الورقة، انبعثت منها حرارة خفيفة، وتحررت الكلمات المكتوبة عليها لتتوهج بخط أزرق باهت قبل أن تذوب في الهواء: (كلما حاولت الهروب من الغرفة، أعدت بناءها داخل عقلي من جديد). عضضت على شفتي بغضب مكتوم، وشعرت أن الخناق يضيق علي من جديد؛ ليس بسبب الجدران المادية هذه المرة، بل بسبب فخ اليقين الذي نصبته لنفسي. هل كنت أنا من صمم هذا السجن النفسي منذ البداية كنوع من العقاب الذاتي على ما اقترفته في الماضي؟ قبل أن أستغرق أكثر في دوامة التساؤلات، تصاعد طنين حاد من السوار المعدني في معصمي، وتحولت ومضاته الذهبية إلى اللون الأحمر القاني، لترتجدران المكتب الخشبي المظلم وتبدأ في الانحناء نحو الداخل كأنها تستعد للانطواء على نفسها. الطنّين الحاد الصادر من السوار المعدني لم يكن مجرد إشارة صوتية، بل كان ترددًا ميكانيكيًا يتردد صداه في عظام جمجمتي. الجدران الخشبية المحيطة بي لم تعد تكتفي بالانحناء فقط، بل بدأت تطلق أصوات طقطقة عنيفة، كأن الأخشاب القديمة تتكسر تحت ضغط هائل غير مرئي. الكتب المتناثرة على الرفوف بدأت تسقط تباعاً على الأرضية، متناثرة كأوراق الشجر في عاصفة هوجاء. — "إلى أين هذه المرة؟" صرخت في وجه الفراغ، محاولاً التشبث بحافة المكتب الخشبي الثقيل حتى لا أجرف مع هذا الانهيار المفاجئ. لكن المصباح الوحيد المتبقي على المكتب انطفأ فجأة، لتغرق الغرفة في عتمة دامسة تعيدني مباشرة إلى نقطة البداية، مع فرق واحد أساسي: هذه المرة، لم أكن أقف وحدي في الظلام؛ بل شعرت بأنفاس بشرية باردة تقترب ببطء من أذني اليمنى، وكأن شخصاً آخر قد ظهر فجأة ليتشارك معي ذات المساحة المضيقة. الأنفاس الباردة المجاورة لأذني لم تكن مجرد وهم سمعي؛ كانت تحمل رائحة مطر خفيف ومعدن معقم، ذات الرائحة التي كنت أشمها دائماً في غرفة التعقيم الكبرى قبل إجراء العمليات الحرجة. تجمّدت في مكاني، محاولاً ضبط إيقاع تنفسي حتى لا ينمّ عن خوفي. الأخشاب المتكسرة حولنا سكنت فجأة، ولم يعد يتردد في المكان سوى صوت ذلك التنفس المنتظم، القريب لدرجة تكاد تلامس صفحة وجهي. — "من هناك؟" قلت بصوت هامس كاد يضيع في صمت الغرفة المظلمة. لم يأذن الصوت بالإجابة الفورية، بل امتدت يد باردة وخفيفة لتلمس أطراف أصابعي الممسكة بحافة المكتب، وكأنها تحاول طمأنتني أو دعوتي لخطوة أجرأ. في تلك اللحظة بالذات، أومض السوار المعدني في معصمي وميضاً أزرق خافتاً، وكأنه يلقي بصيص نور ضئيل يكشف عن جانب وجه باهت يقف بجواري مباشرة في قلب العتمة. وميض السوار الأزرق الخافت كشف لثوانٍ معدودة عن ملامح وجه باهت يشبه وجهي تماماً، لكنه كان خالياً من أي تعبير؛ كأنه قناع مصنوع من الشمع أُلبس لشخصية غريبة. — "الوقت ينفد يا سليم..." همس الوجه بصوت مزدوج يشبه صدى صوتي وصوت امرأة معاً. قبل أن أتمكن من سحب يدي أو توجيه أي سؤال، انزلق الجدار الخشبي المجاور لنا بصوت معدني حاد، ليفتح فجأة عن ممر ضيق وطويل تضيئه مصابيح صفراء باهتة على مسافات متساوية، وتتصاعد منه برودة لا تُطاق. انطفأ الوميض الأزرق في معصمي تماماً، ليفسح المجال لرسالة قصيرة ومضيئة ظهرت على شاشة السوار نفسه: [المريض 13: تم اجتياز المتاهة الصامتة واكتشاف الوجه الآخر. الممر الجديد جاهز للفتح. استعد لبدء الفصل الرابع.] تراجع الوجه الشمعي إلى الخلف وذاب في الظلام، بينما وجدت قدمي تتحركان تلقائياً نحو الممر المضيء، مدفوعين بقوة غريبة لا تملك سوى الانصياع لها.السهول التي بدت للوهلة الأولى كصفحة بيضاء ممتدة بلا نهاية، لم تكن سوى بساط مخادع يخفي في طياته تقلبات الطبيعة وقسوتها الصامتة. مع اشتداد منتصف النهار، بدأت الرياح الموسمية تهب من الجهة الغربية، حاملة معها غباراً ناعماً يحجب الرؤية ويحول أفق الوادي إلى سديم رمادي باهت.توقفتُ لمنازلة العاصفة الخفيفة، شاداً وثاق سترتي حول صدري، بينما كانت حبيبات التراب تتطاير لتلامس وجهي بلسعات خفيفة تذكّرني بأن الحرية ليست طريقاً مفروشاً بالورود، بل هي مسير دائم تحت وطأة العناصر.أخرجت دفتري الخاص ورائحة المداد الدافئة لا تزال تعبق بين صفحاته، وبدأت أخط بقلمي على ضوء شمس شاحبة تخترق غبار السهول:«حين تظن أنك بلغت الأفق المفتوح، تفاجأ بالطبيعة وهي تعيد تشكيل قواعد اللعبة. الغبار ليس عائقاً، بل هو اختبار جديد لقدرة البصيرة على اختراق العتمة حين تنعدم الرؤية الواضحة. سليم العرابي لا يتوقف بسبب عاصفة، فالحبر الذي يجري في عروقي وُجد ليقاوم الريح لا ليخضع لها.»رفعت بصري وسط العاصفة، فأبصرت من بعيد، عبر حاجز الغبار المتراقص، شبحاً لكتلة داكنة تتوسط الطريق تشبه بقايا جدار قديم أو معلماً منسياً طمره الزمن.
خيوط النور الفضية التي لامست أفق السهول في نهايات الليل، تحولت تدريجياً مع إشراقة الصباح إلى لوحة واسعة من الذهب الباهت والأخضر المائل للصفرة. الهواء هنا كان محملاً برائحة الندى والأعشاب البرية الناعمة، وهو مختلف تماماً عن برونة الهضاب العالية وقسوة صخورها الصامتة.مشيت بخطوات منسابة ومتناغمة مع نبض الأرض الممتدة أمامي. لم تعد هناك صعود شاقة ولا هضاب وعرة تتربص بخطواتي؛ بل مسار فسيح يشبه صفحة بيضاء طويلة تنتظر أن تُملأ بالحياة.أخرجت من حقيبتي الدفتر الجلدي الذي وجدته في الصندوق المعدني على القمة، ووضعت إلى جانبه دفتري الخاص والريشة. وعلى حافة جدول ماء صغير تجرّدت مياهه من الصقيع، جلست على صخرة ملساء لأتأمل تداخل الخطوط والكلمات:«في السهول، يفقد الزمن صرامته. لا قمم تُستعصى، ولا أقبية تُغلق. هنا، حيث تندمج الأرض بالسماء في أفق مفتوح، أدرك أن أثقل ما يحمله الإنسان ليس الحقيبة التي على كتفه، بل الأفكار التي يتركها تتراكم في رأسه. اليوم، أفرغت الرأس، وبدأت أكتب الروح.»توقفْتُ لحظة، وسمعت خرير الماء العذب وهو ينساب بهدوء بين الحصى الصغيرة، كأنه يلحن خلفية موسيقية هادئة لكلمات التدوي
الصباح في الهضاب الجديدة كان ينبض بإيقاع مختلف؛ إيقاع لا تقيده أشجار الأكاسيا المنعزلة ولا صمت الوديان السفلى. الهواء هنا كان أرقّ وأكثر برودة، يحمل معه طعم الغبار الخفيف ورائحة حجر صلب لم تطأه قدم بشرية منذ أمد طويل.وقفت على حافة التل المرتفع، متأملاً امتداد الطريق الذي يلتف حول قاعدة الجبل الصخري كأنه أثر لقدم عملاق قديم. أخرجت دفتري من جيب سترتي، وبحركة اعتادت عليها يدي تماماً، فتحت الصفحة البيضاء الجديدة وكتبت:«كلما صعدت أكثر، كلما تباطأت أصوات العالم القديم في رأسي. لم تعد أجهزة المصحة ولا طاولاتها المعدنية سوى صدى بعيد يخفت تدريجياً مع كل شهيق أستنشقه في هذا الهواء الحر.»رفعت بصري نحو القمة البعيدة حيث تتكسر خيوط الشمس الأولى على صخور صلبة وحادة. كان هناك شيء ما في هذا المكان يستدعي الانتباه، وميض خافت أو حركة غير معتادة تلوح على حافة الأفق العلوي، كأن هناك من يراقب هذا الصعود من أعلى.أغلقت الدفتر نصف إغلاقة، وأبقيت الريشة جاهزة بين أصابعي، مستعداً لاكتشاف ما تخبئه القمم القادمة.تابعت الصعود بخطوات واثقة ومدروسة، متبعاً التموجات الصخرية التي كانت ترسم مساراً طبيعياً نحو
الهواء البارد الذي استقبلني على حافة الهضبة مع حلول شفق المساء لم يعد يحمل أي رهبة. كنت أقف هناك وحدي، معطف الكاتب الأول مركون خلفي كذكرى حارسة، والريشة التي أصبحت الآن امتداداً لروحي تستقر بأمان في جيب سترتي. تدرجات الأفق البرتقالية والبنفسجية كانت تمتد أمامي كصحفة سماء فاخرة، تنتظر أن أترجم سكونها إلى لغة ونبض وحروف.ـ "إذن... هذه هي صفحة البداية الحقيقية." همست لنفسي، وصوت الهواء يلتقط الكلمة ليحملها بعيداً نحو الوديان المنسية.لم تعد هناك مصحة، ولم يعد هناك رقم 13 يطاردني في مرايا الغرف المعقمة. سليم العرابي لم يعد مجرد شخصية تبحث عن مخرج وسط تيه الخوارزميات، بل تحول إلى الراوي والكاتب وصانع المصير. نزلتُ بحذر من منحدر الهضبة، متخذًا طريقاً جديداً ينحدر نحو السهول السفلى حيث تتجمع شجيرات البراري تحت نجوم الليل الأولى.كانت الخطوات خفيفة ومستقرة، وكل حصاة تطؤها قدمي كأنما تثبت ركيزة جديدة في هندسة حياتي الجديدة. أخرجت دفتر الملاحظات الصغير والريشة، وبدأت أدوّن على ضوء النجوم الباهت:«في الليل الأول خارج الأسر، لا توجد حراسة سوى ضوء النجوم، ولا توجد قوانين سوى إيقاع النبض. الحري
الريح التي استقبلت وجهي على حافة الشرفة الحجرية لم تكن باردة كما تعودت في زنازين المصحة، بل كانت محملة برائحة التراب الرطب وأنفاس المدى المفتوح. أغلقت عيني لحظة واحدة، مستشعراً هدوء الدورة الدموية في عروقي؛ لقد توقف ذلك الطنين المعدني البغيض الذي ظل يلاحقني لشهور، وحل محله سكون عميق يشبه اللحظات التي تسبق كتابة السطر الأول في رواية بيضاء.تراجع العالم القديم بكل أجهزته وشاشاته المزعجة خلف ظهري كظل باهت يتلاشى في أول ساعات النهار.فتحت عيني، ووجدت أمامي طريقاً ترابياً منسياً يمتد بين تلال منخفضة، يغمرها نور شمس الصباح بصفاء ناصع. لم تكن هناك بوابات حراسة، ولا كاميرات خفية تترصد انحناءة كتفي.خطوت خطوتي الأولى على هذا الطريق الحقيقي.كان وقع خطواتي ثابتاً ومستقراً، يعلن لكل حبة تراب أن سليم العرابي قد استعاد اسمه، وأن المريض رقم 13 لم يعد سوى ذكرى مطوية في أرشيف ميت. كلما ابتعدت عن الهيكل المنهار للمصحة، كلما شعرت أن روحي تتخلص من آخر طبقات الطلاء الكاذب الذي فرضه عليّ سجانوه.— "الآن... تبدأ الحكاية حقاً" همست لنفسي بصوت خفيض استقر في صدر الصحراء.أخرجت يدي من جيب سترتي، ومررتها
لم تكن العودة إلى تفاصيل الغرفة رقم 13 مجرد كابوس عابر يزول بتبدد الضباب؛ بل كانت امتحاناً قاسياً ومستمراً لطبيعة الوعي ذاته. صحيح أنني مزقت الوهم وهدمت الجدران في المرة الأولى، لكن العقل البشري الذي قضى أسابيع طوالاً تحت تأثير المبرمجات الكيميائية والنفسية لا يتطهر بلمح البصر.فتحت عيني هذه المرة على إيقاع مغاير تماماً؛ لم يكن هناك وهج أبيض ناصع ينهش حدقتيّ، بل عتمة رمادية باردة تشبه ضباب الشتاء الكثيف. كنت أستلقي على نفس الطاولة المعدنية، لكن المجلد الجلدي لم يكن إلى جواري، ولا فنجان الشاي الخزفي كان في مكانه؛ بل استقرت على حافة الطاولة أقطاب كهربائية رفيعة متصلة بشاشات عرض دقيقة.— «بدء الاختبار الثاني.. قياس استجابة العصب الحائر للمؤثرات الخارجية بعد محاولة الهروب الفاشلة..»تردد الصوت عبر مكبر الصوت، لكنه هذه المرة لم يكن صادراً عن نظام إلكتروني مجهول، بل كان صوت بشرياً حقيقياً، يحمل نبرة من الفضول العلمي البارد والمحسوب بدقة.انتفضت جالساً بعنف، وصدرِي يعلو ويهبط بوتيرة محمومة. حاولت انتزاع الأقطاب الملتفة حول معصميّ، فبدأت الشاشات أمامي تومض بوميض أحمر متسارع، وكأن نبضات قل







