ログインالتقدم في الممر الضيق كان أشبه بالسير داخل أمعاء آلة معدنية عملاقة لا تنام. المصابيح الصفراء الباهتة المتراصة على جانبي الجدران كانت تصدر طنيناً كهربائياً منخفضاً، أشبه بأزيز حشرة في ليلة صيفية خانقة.
— "إلى أين ينتهي هذا الممر؟" قلت بصوت منخفض، واهتز صدى الكلمات بين الجدران الفولاذية الضيقة كأنها تسخر من سؤالي. لم يكن هناك أي مخرج جانبي؛ الجدران كانت صلبة ومصمتة، والأرضية المعدنية تطلق صدى ثقيلاً مع كل خطوة أخطوها بساقي المترنحتين. السوار المعدني في معصمي التزم هدوءاً مريبًا، بلا وميض وبلا أصوات إنذار، وكأنه يمنحني فترة استراحة قصيرة قبل العاصفة التالية. لكن الصمت لم يطُل. مع كل خمس خطوات أخطوها للأمام، كان صوت خطوات أخرى يتردد بانتظام خلفي، على نفس المسافة، وبنفس الإيقاع الدقيق. توقفت فجأة عن السير... فتوقف الصوت خلفي فوراً. التفت برأسي بسرعة نحو الخلف، فلم أجد سوى الممر المظلم والمصابيح الصفراء التي تتأرجح ببطء شديد في سكون الهواء. — "من هناك؟ إني أسمعك... اظهر ولا تخبأ كالظلال!" صرخت بنبرة ممتلئة بالضغط العصبي المتراكم. لا رد. فقط أومض السوار في معصمي وميضاً أزرق خاطفاً، وخطت الشاشة الشريطية العلوية كلمات حادة: [المريض 13: الخطوات التي تسمعها ليست لغريب، بل هي صدى لترددك. كلما ترددت، اقترب ماضيك منك خطوة إضافية.] الكلمات المضيئة على شاشة السوار ظلت معلقة في الهواء كأنها تحذير نهائي. استدارت برأسي ببطء نحو الأمام، وأخذت نفساً عميقاً محاولاً تهدئة دقات قلبي المتسارعة التي كانت تكاد تخرق قفصي الصدري. — "إذا كانت هذه الخطوات مجرد صدى لترددي، فلن أعطيك مبرراً لتسمعها بعد الآن." قلت بصوت ثابت رغم الارتعاشة الطفيفة في أطرافي. رفعت قدمي وبدأت أسير بخطوات منتظمة وحازمة، متجاهلاً ذلك الثقل الوهمي الذي كان يجثم على كتفي. كلما تقدمت، كانت المصابيح الصفراء تتلوى ببطء وتتغير لونها تدريجياً إلى الأزرق البارد، لتتحول أبعاد الممر الضيق شيئاً فشيئاً إلى ما يشبه ممر عيادة نفسية معقمة، بباب خشبي قديم في نهايته يحمل لوحة نحاسية باهتة. وعندما أصبحت على بعد خطوات معدودة من الباب، عاد السوار المعدني في معصمي ليصدر طنيناً خفيفاً، وأومض بضوء أحمر متقطع. توقف أمامي الباب الخشبي القديم ذو اللوحة النحاسية الباهتة. لم تكن اللوحة تحمل رقماً فحسب، بل كانت نقشاً لاسم قديم حفرته بيدي في أول يوم فتحت فيه عيادتي: د. سليم العرابي - استشاري الطب النفسي وعلم الذاكرة. رائحة مادة "الفرماتلين" المعقمة والمطهرات الحادة تفجرت من خلف خشب الباب لتخترق أنفي فجأة، وكأنني لست في قاع المتاهة، بل أقف مجدداً أمام غرفة الكشف الخاصة بي قبل سنوات من انهيار كل شيء. مددت يدي المرتجفة نحو مقبض الباب النحاسي البارد. بمجرد أن لامست أصابعي المعدن، شعرت بنبض خفيف يسري فيه، وكأن الباب حيّ ويتنفس معي. — "هل أفتح أم أستدير؟" سألت نفسي بصوت خافت تداخل مع طنين السوار المعدني في معصمي. السوار لم يعد يكتفي بالوميض، بل بدأ يسخن تدريجياً، ليحرق جلد معصمي ببرودة واهتزازات متقطعة، وكأنه يمنعني من التراجع. وفي تلك اللحظة بالذات، انطلقت من خلف الباب أصوات أوراق مبعثرة وصوت دقات ساعة حائطية قديمة تدق بانتظام قاتل: (تكتك... تكتك... الوقت ينفد يا سليم...). أطبقت على المقبض بقوة، ودفعت الباب للداخل ليرتج بصوت صرير طويل ومزعج في أرجاء الممر. اندفع الباب الخشبي للداخل محدثاً صريراً حاداً، ليتكشف أمامي مشهد جعل عقلي يتوقف عن المعالجة لثوانٍ معدودة. لم تكن عيادتي القديمة التي أعرفها؛ بل كانت نسخة مشوهة ومقلوبة رأساً على عقب. الأثاث كمله كان معلقاً في السقف، والمكتب الخشبي والثقيل كان يتدلى بحبال معدنية خفية، بينما كانت الملاحظات الطبية والأوراق تتساقط من السقف نحو الأرضية كأوراق شجر خريفية حمراء اللون. — "ما هذا العبث...؟" همست وأنا أخطو خطوة واحدة للداخل، لأشعر بأن الجاذبية هنا لم تكن مستقرة؛ شعرت كأن قدمي تفقدان وزنهما تدريجياً وتكادان ترتفعان عن الأرضية المتهالكة. رائحة المطهرات الحادة تحولت فجأة إلى رائحة تراب رطب وغبار قديم، وظهرت على الجدران المقلوبة انعكاسات باهتة لظلال تتحرك بسرعة خلف الجدران الخرسانية الوهمية. السوار المعدني في معصمي أطلق طنيناً حاداً ومستمراً، وكأنه يحذرني من تجاوز عتبة الباب أكثر، بينما ظهرت على شاشته العلوية عبارة بخط متقطع: [المريض 13: القوانين هنا لا تخضع للجاذبية، بل لمدى رغبتك في مواجهة الحقيقة التي دفنتها تحت الأنقاض.] الكلمات المضيئة على شاشة السوار ظلت معلقة كأنها لافتة تحذيرية في منتصف مهب الريح. رفعت رأسي ببطء، وتتبعَت عيناي تلك الظلال المتحركة خلف الجدران الخرسانية الوهمية. لم تكن مجرد ظلال عشوائية؛ بل كانت تتخذ أشكالاً بشرية مألوفة تماماً—وجوه لأشخاص كنت أعالجهم، ومرضى جلسوا يوماً على المقعد الجلدي أمامي قبل أن تختفي أطيافهم في زحمة الذاكرة. — "أنتم لستم هنا حقاً..." قلت بصوت متهدج وأنا أحاول التمسك بإطار الباب المقلوب حتى لا أجرف مع التيار. "أنت مجرد هلوسات صنعها هذا العزل اللعين في دماغي!" ارتفع صوت ضحكة خافتة وباردة، كأنها تنعكس من جدران الغرفة المقلوبة وتتردد من كل الاتجاهات دفعة واحدة. ومع تلك الضحكة، بدأت الأوراق المعلقة في السقف تتساقط بغزارة أشد، وتجمع بعضها حول كاحلي كأنها قيود ورقية تحاول جذبي إلى الداخل. أدركت حينها أن الوقوف على الحافة لم يعد مجدياً؛ فإما أن أستسلم لهذه المتاهة النفسية، أو أخطو الخطوة التي ستغير كل قواعد اللعبة. القيود الورقية حول كاحلي لم تكن مجرد أوراق؛ بل تحولت تدريجياً إلى أصابع معدنية باردة تقبض على ساقي بشدة، وتشدني نحو مركز الغرفة المقلوبة حيث يتدلى المكتب الخشبي من السقف. أغمضت عيني بقوة، محاولاً قطع الاتصال البصري مع هذا المشهد السريالي المجنون، لكن إغلاق العينين لم يوقف الرؤية؛ بل جعلها تتسرب مباشرة إلى داخل خلايا دماغي. رأيت نفسي من منظور خارجي: طبيب محبوس في غرفة عزل، يتحدث إلى جدران صماء، ويردد أسماء وهمية لمريض لا وجود له سوى في هواجسه. — "إذا كان كل هذا عقلي..." همست لنفسي وأنا أشعر بأن هويتي تتشظى وتتطاير في الفراغ كرماد محترق. "...إذن فأنا الجاني والضحية معاً." مع كل كلمة نطقت بها، كان السوار المعدني في معصمي يبرد بشكل مرعب، حتى كأن مادة مجمدة تسري في عروقي بدل الدم، بينما انطلقت من الظلال المحيطة بي أصوات جماعية مترابطة تردد بصوت واحد: «...استيقظ يا سليم، الغرفة رقم 13 لم تُغلق أبداً من الخارج...» الصوت الجماعي المترابط الذي ترددت أصداه من كل اتجاه ترك في جمجمتي دواراً حاداً جعلني أترنح وأكات أفقد اتزاني تماماً. «...الغرفة رقم 13 لم تُغلق أبداً من الخارج...» ترددت الجملة في داخلي كصدى مزعج يرفض التوقف. فتحت عيني ببطء، فوجدت أن الأوراق المعدنية التي كانت تقبض على كاحلي قد تلاشت تماماً، وحل محلها صمت مطبق وغريب في أرجاء الغرفة المقلوبة. المكتب الخشبي الذي كان يتدلى من السقف توقف عن الترجح، وبدلًا من أن يسقط على الأرض، بدأ يتلاشى تدريجياً كدخان أبيض ذائب في الهواء. خطوت خطوة مترددة إلى وسط الغرفة، وأرضية الخشب المقلوبة تصدر صريراً خافتاً تحت قدمي. وعندما وصلت إلى منتصف الغرفة بالتحديد، توقف السوار المعدني في معصمي عن البرودة المفرطة، وتحول فجأة إلى حرارة دافئة، لتظهر على شاشته الشريطية عبارة واحدة بخط واضح لا يحتمل التأويل: [المريض 13: لقد اخترقت الجدار الأول للوهم. الباب الحقيقي خلفك تماماً... لا تلتفت.] تجمد الدم في عروقي. عبارة "لا تلتفت" كانت كالسم الذي يسري في الأعصاب، وجعلت كل عضلات رقبتي تتصلب في مكانها بينما شعرت بأنفاس حارة تقترب من ظهري ببطء شديد. «لا تلتفت...» ظلت الكلمة تحفر في ذهني كأنها نقش بالنار. أنفاس ساخنة ومرعبة بدأت تلفح قفا رقبتي، ورائحة مطهر حاد مزجت برائحة حديد صدئ تكثفت تدريجياً في الفراغ خلفي، لتوحي بأن شخصاً ما واقف على بعد سنتيمترات معدودة فقط من ظهري. رفعت يدي المرتجفة لألمس السوار المعدني في معصمي. كان ينبض ببطء، كأنه يشير إلى أن أي حركة خاطئة ستكسر التوازن الهش لهذا الواقع المهلوس. — "إن التفت... فماذا سأرى؟" قلت بصوت هامس ومتقطع، محاولاً كسر الصمت الذي يخنق صدري. "هل سأرى وجهي القديم؟ أم سأرى فراغاً لا نهاية له؟" لم يجِبني أحد بصوت مسموع، لكن الأنفاس الحارة اقتربت أكثر، حتى شعر جلدي بقشعريرة حادة تسري في عمودنا الفقري. وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت جدران الغرفة المقلوبة تميل بشدة نحو اليمين، وكأن الكيان الواقف خلفي يدفع الغرفة بأكملها لتغيير مسارها. توسعت عيناي وأنا أحاول التشبث بالأرضية، بينما أضاءت شاشة السوار بخط أحمر عاجل: [المريض 13: السقوط يبدأ عندما تثق بما تشعر به. استعد لارتطام الوعي.] مع إشاعة التحذير الأحمر على شاشة السوار، فقدت الغرفة المقلوبة توازنها تماماً. مالت الأخشاب والأسطح بسرعة مرعبة، لتتحول الأرضية الثابتة إلى منحدر حاد ينزلق بي نحو هاوية مظلمة لا نهاية لها. — "لاااه...!" صرخت بصوت مزق حنجرتي، وأنا أجرف مع تيار الجاذبية المقلوبة، محاولاً الإمساك بأي زاوية أو بروز معدني بلا جدوى. الرياح الباردة كانت تصفر بقوة حول أذني، وأصوات صدى ضحكات قديمة تتداخل مع صوت ضربات السوار المعدني الذي تحول إلى نبضات كهربائية متلاحقة تكهرب جلدي بألم حاد. شعرت كأن وعيي ينشطر إلى النصف: جزء يصرخ من هول السقوط، وجزء آخر يراقبني ببرود غريب من الأعلى، كأنه طبيب يتابع حالة مريض على طاولة العمليات. وفجأة، وقبل أن أرتطم بقاع الهاوية، توقف كل شيء بحركة ميكانيكية مفاجئة. انفتح بصري على مشهد مختلف تماماً؛ فقد استقرت جثتي المنهكة على أرضية خرسانية باردة وصامتة، وتحت إضاءة مصباح فلورسنت أبيض ساطع يكشف عن غرفة عزل خالية تماماً... باستثناء مرآة عملاقة مثبتة على الجدار المقابل، ومكتوب عليها بخط أحمر عريض: [الفصل الرابع: اكتملت مرحلة السقوط. عتبة الغرفة رقم 13 تنتظر خطوتك الأخيرة.] انعكست أضواء مصباح الفلورسنت الأبيض على سطح المرآة العملاقة، لتكشف عن وجهي الشاحب والمغطى بحبات العرق البارد. لم تكن المرآة تعكس شكلي الحالي فحسب، بل بدت وكأنها تعرض لقطات سريعة ومتتالية من حياتي كأنها شريط سينمائي ممزق: طفولتي، غرفتي الطبية، صرخات المرضى، ثم ذلك الحظة الغامضة التي قيد فيها السوار المعدني معصمي للمرة الأولى. — "إذن، هذه هي النهاية الحتمية للمتاهة..." همست لنفسي، وصوتي يرتجف في أرجاء غرفة العزل الخرسانية الخالية. مددت يدي المترجفة، ووضعت كفي مباشرة على سطح الزجاج البارد المقابل لصورة وجهي في المرآة. بمجرد أن لامس الجلد الزجاج، انطفأ مصباح الفلورسنت الأبيض فجأة، لتعم عتمة تامة وكاملة لم يخرقها سوى وميض ذهبي هادئ صدر عن السوار في معصمي. على الشاشة الشريطية المضيئة، ظهرت آخر عبارات هذا الفصل بخط بطيء وثابت: [المريض 13: تم اجتياز العتبة النفسية بنجاح. الغرفة رقم 13 مفتوحة الآن أمامك. ارفع بصرك وانظر من ينظر إليك من خلف الزجاج.] أخذت نفساً عميقاً، وأفرغت رئتيّ ببطء، واستعددت لرفع بصري نحو الجزء المظلم من انعكاسي في المرآة. ومع وميض السوار الذهبي الهادئ، بدت الخطوط العريضة لملامحي في انعكاس المرآة وكأنها تبدأ في التفكك. لم أعد أرى مجرد وجه طبيب مجهد يقاوم الجنون، بل تحولت العيون المنعكسة في الزجاج إلى نقطتين حالكتين من السواد، بلا تعبير بشري، كأن كائناً آخر كان يستغل جسدي طوال هذا الوقت ليراقب متاهته الخاصة من الداخل. — "إذن... أنت لست انعكاسي..." قلت، وصوتي خرج مبحوحاً وخالياً من أي دهشة، وكأنني كنت أتوقع هذه الحقيقة طوال الوقت. بدل الإجابة، رفعت الصورة المنعكسة في المرآة يدها ببطء، تماماً كما رفعت يدي، لكنها وضعت كفها على زجاج المرآة من الجهة الأخرى. حينها، سرت في جسدي صدمة كهربائية خفيفة ودافئة انطلقت من السوار المعدني في معصمي، واجتاحت عروقي لتبدد تماماً ذلك البرد القارس الذي رافقني طوال رحلة الممر. تصدع سطح المرآة ببطء، وتطايرات شظايا الزجاج في الهواء كألعاب نارية صامتة، ليتكشف خلفها ممر صغير ومضاء بنور طبيعي لأول مرة منذ أن بدأت هذه الكابوسية. شظايا الزجاج المتطايرة في الهواء لم تكن تسقط على الأرضية الخرسانية كالمعتاد؛ بل كانت تطفو في الفراغ حول جسدي كنجوم مجهرية تعكس مئات النسخ الصغيرة من عيني المذعورتين. مددت كفي بحذر نحو النور الطبيعي الذي بدأ يتسلل من الفتحة الجديدة، لكن النور لم يكن دافئاً كما توهمت؛ كان يحمل برودة لا تُطاق، كأنه ضوء قادم من خلف جدار جليدي سميك. رائحة المطهرات والفرماتلين اختفت فجأة، وحل محلها عبق غريب يشبه رائحة التربة المبتلة بعد مطر شتوي طويل، وهي نفس الرائحة التي كنت أشمها في طفولتي القديمة قبل أن تتكدس سنوات الضياع في عيادات الطب النفسي. — "هل أنا أعود للوراء... أم أنني أقترب من نقطة الصفر حقاً؟" همست لنفسي، وتطاير صدى الصوت بين الشظايا العائمة ليكرر اسمي بنبرة سخرية لا مهرب منها: (سليم... سليم العرابي... الطبيب الذي لم يُشف قط). أغلقت عيني لثوانٍ معدودة محاولاً استعادة السيطرة على تيار الأفكار المشتت في رأسي، وفي تلك اللحظة بالذات، توقف السوار المعدني في معصمي عن الوميض، وأطلق نبضة صوتية أخيرة وحادة ترددت في صدري، لترتسم على شاشته العلوية رسالة حاسمة: [المريض 13: تم تجاوز حاجز الذاكرة المزيفة. استعد للوقوف وجهاً لوجه أمام الباب رقم 13.] النبضة الصوتية الأخيرة التي أطلقها السوار المعدني توقفت، ومعها سكنت الشظايا الزجاجية المعلقة في الفراغ لتسقط دفعة واحدة على الأرضية بصوت خافت يشبه تساقط حبات المطر على الزجاج. رفعت جفنيّ ببطء، وتلاشت من أمامي آخر آثار تلك المرآة المهشمة. لم يعد أمامي سوى جدار خرساني سميك، يتوسطه باب معدني أسود اللون، لا يحمل سوى لوحة معدنية صغيرة محفور عليها رقم واحد بوضوح صارخ: 13. — "إذن... وصلنا إلى النهاية، أو ربما إلى البداية الحقيقية لكل هذا الكابوس." قلت بصوت ثابت، رغم أن رجفة طفيفة كانت تسري في أطرافي. وضعت يدي اليمنى مباشرة على سطح الباب المعدني البارد. بمجرد أن لامسته، انطفأت جميع أضواء الممر من خلفي، ولم يتبقَ سوى وميض أحمر هادئ وبطيء يصدر من السوار في معصمي، كأنه يمنحني الإذن الأخير لدفع الباب. أخذت نفساً عميقاً، وأفرغت رئتيّ تماماً، واستعدت للضغط على مقبض الباب...السهول التي بدت للوهلة الأولى كصفحة بيضاء ممتدة بلا نهاية، لم تكن سوى بساط مخادع يخفي في طياته تقلبات الطبيعة وقسوتها الصامتة. مع اشتداد منتصف النهار، بدأت الرياح الموسمية تهب من الجهة الغربية، حاملة معها غباراً ناعماً يحجب الرؤية ويحول أفق الوادي إلى سديم رمادي باهت.توقفتُ لمنازلة العاصفة الخفيفة، شاداً وثاق سترتي حول صدري، بينما كانت حبيبات التراب تتطاير لتلامس وجهي بلسعات خفيفة تذكّرني بأن الحرية ليست طريقاً مفروشاً بالورود، بل هي مسير دائم تحت وطأة العناصر.أخرجت دفتري الخاص ورائحة المداد الدافئة لا تزال تعبق بين صفحاته، وبدأت أخط بقلمي على ضوء شمس شاحبة تخترق غبار السهول:«حين تظن أنك بلغت الأفق المفتوح، تفاجأ بالطبيعة وهي تعيد تشكيل قواعد اللعبة. الغبار ليس عائقاً، بل هو اختبار جديد لقدرة البصيرة على اختراق العتمة حين تنعدم الرؤية الواضحة. سليم العرابي لا يتوقف بسبب عاصفة، فالحبر الذي يجري في عروقي وُجد ليقاوم الريح لا ليخضع لها.»رفعت بصري وسط العاصفة، فأبصرت من بعيد، عبر حاجز الغبار المتراقص، شبحاً لكتلة داكنة تتوسط الطريق تشبه بقايا جدار قديم أو معلماً منسياً طمره الزمن.
خيوط النور الفضية التي لامست أفق السهول في نهايات الليل، تحولت تدريجياً مع إشراقة الصباح إلى لوحة واسعة من الذهب الباهت والأخضر المائل للصفرة. الهواء هنا كان محملاً برائحة الندى والأعشاب البرية الناعمة، وهو مختلف تماماً عن برونة الهضاب العالية وقسوة صخورها الصامتة.مشيت بخطوات منسابة ومتناغمة مع نبض الأرض الممتدة أمامي. لم تعد هناك صعود شاقة ولا هضاب وعرة تتربص بخطواتي؛ بل مسار فسيح يشبه صفحة بيضاء طويلة تنتظر أن تُملأ بالحياة.أخرجت من حقيبتي الدفتر الجلدي الذي وجدته في الصندوق المعدني على القمة، ووضعت إلى جانبه دفتري الخاص والريشة. وعلى حافة جدول ماء صغير تجرّدت مياهه من الصقيع، جلست على صخرة ملساء لأتأمل تداخل الخطوط والكلمات:«في السهول، يفقد الزمن صرامته. لا قمم تُستعصى، ولا أقبية تُغلق. هنا، حيث تندمج الأرض بالسماء في أفق مفتوح، أدرك أن أثقل ما يحمله الإنسان ليس الحقيبة التي على كتفه، بل الأفكار التي يتركها تتراكم في رأسه. اليوم، أفرغت الرأس، وبدأت أكتب الروح.»توقفْتُ لحظة، وسمعت خرير الماء العذب وهو ينساب بهدوء بين الحصى الصغيرة، كأنه يلحن خلفية موسيقية هادئة لكلمات التدوي
الصباح في الهضاب الجديدة كان ينبض بإيقاع مختلف؛ إيقاع لا تقيده أشجار الأكاسيا المنعزلة ولا صمت الوديان السفلى. الهواء هنا كان أرقّ وأكثر برودة، يحمل معه طعم الغبار الخفيف ورائحة حجر صلب لم تطأه قدم بشرية منذ أمد طويل.وقفت على حافة التل المرتفع، متأملاً امتداد الطريق الذي يلتف حول قاعدة الجبل الصخري كأنه أثر لقدم عملاق قديم. أخرجت دفتري من جيب سترتي، وبحركة اعتادت عليها يدي تماماً، فتحت الصفحة البيضاء الجديدة وكتبت:«كلما صعدت أكثر، كلما تباطأت أصوات العالم القديم في رأسي. لم تعد أجهزة المصحة ولا طاولاتها المعدنية سوى صدى بعيد يخفت تدريجياً مع كل شهيق أستنشقه في هذا الهواء الحر.»رفعت بصري نحو القمة البعيدة حيث تتكسر خيوط الشمس الأولى على صخور صلبة وحادة. كان هناك شيء ما في هذا المكان يستدعي الانتباه، وميض خافت أو حركة غير معتادة تلوح على حافة الأفق العلوي، كأن هناك من يراقب هذا الصعود من أعلى.أغلقت الدفتر نصف إغلاقة، وأبقيت الريشة جاهزة بين أصابعي، مستعداً لاكتشاف ما تخبئه القمم القادمة.تابعت الصعود بخطوات واثقة ومدروسة، متبعاً التموجات الصخرية التي كانت ترسم مساراً طبيعياً نحو
الهواء البارد الذي استقبلني على حافة الهضبة مع حلول شفق المساء لم يعد يحمل أي رهبة. كنت أقف هناك وحدي، معطف الكاتب الأول مركون خلفي كذكرى حارسة، والريشة التي أصبحت الآن امتداداً لروحي تستقر بأمان في جيب سترتي. تدرجات الأفق البرتقالية والبنفسجية كانت تمتد أمامي كصحفة سماء فاخرة، تنتظر أن أترجم سكونها إلى لغة ونبض وحروف.ـ "إذن... هذه هي صفحة البداية الحقيقية." همست لنفسي، وصوت الهواء يلتقط الكلمة ليحملها بعيداً نحو الوديان المنسية.لم تعد هناك مصحة، ولم يعد هناك رقم 13 يطاردني في مرايا الغرف المعقمة. سليم العرابي لم يعد مجرد شخصية تبحث عن مخرج وسط تيه الخوارزميات، بل تحول إلى الراوي والكاتب وصانع المصير. نزلتُ بحذر من منحدر الهضبة، متخذًا طريقاً جديداً ينحدر نحو السهول السفلى حيث تتجمع شجيرات البراري تحت نجوم الليل الأولى.كانت الخطوات خفيفة ومستقرة، وكل حصاة تطؤها قدمي كأنما تثبت ركيزة جديدة في هندسة حياتي الجديدة. أخرجت دفتر الملاحظات الصغير والريشة، وبدأت أدوّن على ضوء النجوم الباهت:«في الليل الأول خارج الأسر، لا توجد حراسة سوى ضوء النجوم، ولا توجد قوانين سوى إيقاع النبض. الحري
الريح التي استقبلت وجهي على حافة الشرفة الحجرية لم تكن باردة كما تعودت في زنازين المصحة، بل كانت محملة برائحة التراب الرطب وأنفاس المدى المفتوح. أغلقت عيني لحظة واحدة، مستشعراً هدوء الدورة الدموية في عروقي؛ لقد توقف ذلك الطنين المعدني البغيض الذي ظل يلاحقني لشهور، وحل محله سكون عميق يشبه اللحظات التي تسبق كتابة السطر الأول في رواية بيضاء.تراجع العالم القديم بكل أجهزته وشاشاته المزعجة خلف ظهري كظل باهت يتلاشى في أول ساعات النهار.فتحت عيني، ووجدت أمامي طريقاً ترابياً منسياً يمتد بين تلال منخفضة، يغمرها نور شمس الصباح بصفاء ناصع. لم تكن هناك بوابات حراسة، ولا كاميرات خفية تترصد انحناءة كتفي.خطوت خطوتي الأولى على هذا الطريق الحقيقي.كان وقع خطواتي ثابتاً ومستقراً، يعلن لكل حبة تراب أن سليم العرابي قد استعاد اسمه، وأن المريض رقم 13 لم يعد سوى ذكرى مطوية في أرشيف ميت. كلما ابتعدت عن الهيكل المنهار للمصحة، كلما شعرت أن روحي تتخلص من آخر طبقات الطلاء الكاذب الذي فرضه عليّ سجانوه.— "الآن... تبدأ الحكاية حقاً" همست لنفسي بصوت خفيض استقر في صدر الصحراء.أخرجت يدي من جيب سترتي، ومررتها
لم تكن العودة إلى تفاصيل الغرفة رقم 13 مجرد كابوس عابر يزول بتبدد الضباب؛ بل كانت امتحاناً قاسياً ومستمراً لطبيعة الوعي ذاته. صحيح أنني مزقت الوهم وهدمت الجدران في المرة الأولى، لكن العقل البشري الذي قضى أسابيع طوالاً تحت تأثير المبرمجات الكيميائية والنفسية لا يتطهر بلمح البصر.فتحت عيني هذه المرة على إيقاع مغاير تماماً؛ لم يكن هناك وهج أبيض ناصع ينهش حدقتيّ، بل عتمة رمادية باردة تشبه ضباب الشتاء الكثيف. كنت أستلقي على نفس الطاولة المعدنية، لكن المجلد الجلدي لم يكن إلى جواري، ولا فنجان الشاي الخزفي كان في مكانه؛ بل استقرت على حافة الطاولة أقطاب كهربائية رفيعة متصلة بشاشات عرض دقيقة.— «بدء الاختبار الثاني.. قياس استجابة العصب الحائر للمؤثرات الخارجية بعد محاولة الهروب الفاشلة..»تردد الصوت عبر مكبر الصوت، لكنه هذه المرة لم يكن صادراً عن نظام إلكتروني مجهول، بل كان صوت بشرياً حقيقياً، يحمل نبرة من الفضول العلمي البارد والمحسوب بدقة.انتفضت جالساً بعنف، وصدرِي يعلو ويهبط بوتيرة محمومة. حاولت انتزاع الأقطاب الملتفة حول معصميّ، فبدأت الشاشات أمامي تومض بوميض أحمر متسارع، وكأن نبضات قل