صهيل الرماد

صهيل الرماد

last updateTerakhir Diperbarui : 2026-11-03
Oleh:  أديب الحياةBaru saja diperbarui
Bahasa: Arab
goodnovel12goodnovel
Belum ada penilaian
11Bab
9Dibaca
Baca
Tambahkan

Share:  

Lapor
Ringkasan
Katalog
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi

بعد الانطفاء الكبير ماتت كل طاقة يمكن تسخيرها، فعاد البشر إلى صهوة الخيل وحدّ السيف. في وادي السرو يعيش غيث، ابن الحدّاد ومروّض الخيل، حياة هادئة بين الحديد والغبار. وفي فجر خريفي تصل إلى بابه فرس بيضاء جريحة، تحمل في سرجها ما لا يجوز أن يوجد: حجرًا أسود ينبض بنور أزرق، ورسالة بخط أبيه الذي مات منذ عشرين عامًا. يقتحم فرسان الرماد الوادي بحثًا عن الحجر، فيفقد غيث بيته ويهرب شرقًا، وخلفه ثلاثة أجيال من الأسرار. فمن أخفى الطاقة، ولماذا؟ ومن أشعل الكارثة الأولى؟ وما سر الفرس التي تعرف طريقها كأنها عادت من الماضي؟ رحلة مطاردة وسيوف وأسرار دفينة، تُروى بين الغبار كما تُروى الأرض حين تصمت.

Lihat lebih banyak

Bab 1

الفرس التي جاءت من الشرق

قالت جدتي مرة إن الأرض حين تحزن لا تبكي، بل تصمت. وكنت أظن أن هذا كلام العجائز، حتى رأيت صمتها بعيني.

اسمي غيث، وأنا في الثامنة والعشرين، أرث عن أبي حرفتين: ترويض الخيل وصقل الحديد. نشأت في وادي السرو، ذلك الوادي الضيق الذي تحيط به جبال بلون الرماد، وتنام بيوته الطينية على سفح واحد كأنها تتدفأ ببعضها. في هذا الوادي لا يُسأل المرء عن اسمه، بل عن فرسه وسيفه. ولا أحد فيه يتذكر ضوءًا غير ضوء النار والزيت، ولا صوتًا غير وقع الحوافر ورنين المطارق.

ثلاثون عامًا منذ الانطفاء والعالم يمشي على أربع. تحوّلت السيارات في الطرقات القديمة إلى هياكل صدئة ينبت بينها العشب، وصارت أبراج المدن البعيدة، كما يقول التجار العابرون، قبورًا من زجاج تسكنها الغربان. لم تعد الآلات تعمل، ولا الأضواء تُشعل، ولا الأصوات تصل من وراء البحار. وحدها الخيول لم تخن أحدًا، فرجعنا إليها كما يرجع الابن الضال إلى بيت أبيه.

في فجر ذلك الخريف كان الضباب كثيفًا حتى ابتلع الوادي كله، وكنت أسقي «ريح»، مهري الأدهم، عند البئر القديمة. كان الهواء باردًا رطبًا، والصمت من النوع الذي يسبق حدثًا ما، حين تتوقف الطيور عن الغناء بلا سبب. ارتجفت أذنا ريح فجأة، وتراجع خطوة، وأطلق صهيلًا قصيرًا مكتومًا.

سمعت ما سمعه. وقع غريب على الحصى، ليس وقع حافر مألوف، بل خطو متعب متقطع، كأن صاحبه يحمل ما يفوق طاقته ويقاوم السقوط في كل خطوة. أمسكت بمقبض الخنجر عند خصري، وحدّقت في البياض أمامي حتى أوجعتني عيناي.

خرجت من الضباب فرس بيضاء كأن الفجر نفسه صاغها. عنقها مقوّس بأناقة لا تليق بجسد منهك، وعيناها واسعتان داكنتان كبئرين عميقتين، وفي جبهتها غرّة صغيرة كأنها قمر وُلد قبل أوانه. لكن الدم كان يسيل من خاصرتها ويصبغ حوافرها بحمرة داكنة، والغبار يكسو قوائمها حتى الركبتين، فعرفت أنها قطعت درب أيام طويلة بلا راحة. على ظهرها سرج مهترئ، وإلى السرج كيس جلدي مشدود بسلسلة نحاسية.

لم يبكِ أحد في الوادي منذ زمن، لكنني شعرت بشيء يشبه البكاء وأنا أمدّ يدي إليها. لم تهرب ولم تنفر، بل أسندت رأسها إلى كتفي وزفرت زفرة طويلة، كمن بلغ بيته أخيرًا بعد سفر لا ينتهي.

حملتها بحذر إلى الإسطبل، ومشيت إلى جانبها وكفي على عنقها أشعر بنبضها المتسارع. غسلت جرحها بالخل والعسل كما علّمني أبي، وهي صامتة لا تتأوه، كأن الألم صديق قديم. وحين دقّقت فيه لاحظت أنه ليس جرح سيف ولا سهم، بل أثر شظية غريبة حارقة، لم أرَ مثلها من قبل.

ثم مددت يدي لأفكّ الكيس عن سرجها وأخفف عنها حمله، فلمع في عتمة الإسطبل ضوء أزرق خافت.

تجمدت يدي في الهواء. توقف قلبي لحظة ثم دقّ بعنف. لم يكن في الوادي سراج واحد يعمل بغير الزيت منذ ثلاثين عامًا، ولا أحد ممن أعرفهم رأى نورًا لا يحترق. فككت السلسلة بأصابع مرتجفة، وسحبت الكيس، وأفرغت ما فيه على التبن.

كان حجرًا أسود بحجم قبضة طفل، أملس كأنه صُقل بيد لا تعرف التعب، تسري تحت سطحه عروق من ضوء أزرق تنبض كقلب حي، فتلقي على جدران الإسطبل ظلالًا راقصة لم تعرفها هذه الجدران من قبل. شعرت بدفء غريب يتسلل إلى كفي حين لمسته، كأنه يعرفني، كأنه كان ينتظرني منذ زمن. ومن تحته سقطت ورقة مطوية، اصفرّت أطرافها وتآكلت، كُتب عليها بخط مرتعش أعرفه جيدًا:

"إلى ابن حدّاد السرو، إن وصلتْ إليك فهي ما بقي من أبيك."

جلست على الأرض الترابية والحجر يضيء وجهي. أبي مات حين كنت في العاشرة، قتلته الحمّى كما قالوا لي، ودفنّاه تحت شجرة السرو الكبيرة. كنت أعرف كل شبر من حياته، أو هكذا ظننت. فمن أين جاءت رسالة بخطه؟ ومن حملها عبر أرض لا طريق فيها إلا طريق الموت؟

وفي الخارج كفّت كلاب الوادي كلها عن النباح دفعة واحدة.

جاء صوت جدتي من الباب خلفي، حادًّا كحدّ السيف:

— أطفئ هذا يا غيث. قبل أن يراه أحد.

التفتّ. كانت تقف عند العتبة متكئة على عصاها، ووجهها شاحب كأنها رأت شبحًا قديمًا عاد ليطالب بدَين.

— كيف أطفئه يا جدتي؟ إنه ليس نارًا.

أغمضت عينيها لحظة طويلة، ثم قالت بصوت لم أعرفه:

— لا يُطفأ. يُدفن. وهذا ما فعله أبوك حين فشل.

Tampilkan Lebih Banyak
Bab Selanjutnya
Unduh

Bab terbaru

Bab Lainnya
Tidak ada komentar
11 Bab
الفرس التي جاءت من الشرق
قالت جدتي مرة إن الأرض حين تحزن لا تبكي، بل تصمت. وكنت أظن أن هذا كلام العجائز، حتى رأيت صمتها بعيني.اسمي غيث، وأنا في الثامنة والعشرين، أرث عن أبي حرفتين: ترويض الخيل وصقل الحديد. نشأت في وادي السرو، ذلك الوادي الضيق الذي تحيط به جبال بلون الرماد، وتنام بيوته الطينية على سفح واحد كأنها تتدفأ ببعضها. في هذا الوادي لا يُسأل المرء عن اسمه، بل عن فرسه وسيفه. ولا أحد فيه يتذكر ضوءًا غير ضوء النار والزيت، ولا صوتًا غير وقع الحوافر ورنين المطارق. ثلاثون عامًا منذ الانطفاء والعالم يمشي على أربع. تحوّلت السيارات في الطرقات القديمة إلى هياكل صدئة ينبت بينها العشب، وصارت أبراج المدن البعيدة، كما يقول التجار العابرون، قبورًا من زجاج تسكنها الغربان. لم تعد الآلات تعمل، ولا الأضواء تُشعل، ولا الأصوات تصل من وراء البحار. وحدها الخيول لم تخن أحدًا، فرجعنا إليها كما يرجع الابن الضال إلى بيت أبيه.في فجر ذلك الخريف كان الضباب كثيفًا حتى ابتلع الوادي كله، وكنت أسقي «ريح»، مهري الأدهم، عند البئر القديمة. كان الهواء باردًا رطبًا، والصمت من النوع الذي يسبق حدثًا ما، حين تتوقف الطيور عن الغ
last updateTerakhir Diperbarui : 2026-11-01
Baca selengkapnya
ما دفنه أبي
لم أنم تلك الليلة. وضعت الحجر في صندوق الحدادة بين الفحم القديم وأغلقت الغطاء، لكن ضوءه تسرّب من شقوق الخشب خيوطًا زرقاء رفيعة، كأن الصندوق يتنفس في الظلام. جلست قبالته أحدّق فيه، وأصغي إلى المطر الخفيف على السقف، وإلى نبض الفرس البيضاء الهادئ من الإسطبل المجاور.كانت ليلة طويلة كأنها ثلاث ليالٍ في ليلة واحدة. الريح تدور حول البيت الطيني وتئنّ في شقوق الباب، والعتمة خارج النافذة كثيفة حتى لا ترى اليد أصابعها، ورائحة الفحم والحديد القديم تملأ الحدادة كما تملؤها منذ وُلدت. وفي البعيد، من جهة الجبال، كان عواء ذئب وحيد يرتفع ثم ينكسر، ثم يعود، كأنه يسأل الظلام عن شيء لا يجيبه.جلست جدتي قبالتي حتى منتصف الليل، تدير مسبحتها ولا تنطق. كانت الحبّات تتساقط بين أصابعها كأنها تعدّ سنوات لا أعرفها. وحين خمد الموقد وصار الجمر أحمر باهتًا، قالت دون أن ترفع عينيها:— حين وقع الانطفاء كان أبوك في عمرك الآن. كان من القلائل الذين فهموا ما يجري قبل أن ينتهي كل شيء. لم يكن حدّادًا فقط يا غيث، كان يعمل في بيت من الحجر والزجاج، حيث كانت الأنوار تُصنع.— أبي؟ كان يصقل الحديد!— الحديد هو ما بقي له بعد أن ف
last updateTerakhir Diperbarui : 2026-11-01
Baca selengkapnya
فرسان الرماد
رأيتهم قبل أن أسمعهم: سبعة فرسان على السفح الشرقي، يخرجون من الضباب واحدًا بعد واحد كأن الضباب نفسه يلدهم. دروعهم رمادية بلا بريق، بلون الرماد الذي يسقط من نار انطفأت، يغطي وجوههم قماش أسود، وخيولهم ضخمة سوداء لا تصهل، تمشي بخطوات منتظمة كأن قائدًا واحدًا يحرّك أرجلها كلها. ولا شعار على راياتهم إلا ثلاث دوائر وسهم.أسقطت المعول وركضت إلى الإسطبل، وقلبي يخبط في صدري. كانت الفرس البيضاء واقفة على قوائمها رغم جرحها، تنظر إلى الباب بأذنين منتصبتين، كأنها كانت تنتظرهم منذ البداية. لم أفهم كيف استطاعت النهوض، ولا كيف عرفت.— لن تحمليني وأنتِ هكذا، قلت لها.لكنها اقتربت، وعضّت طرف كمّي بلطف، وسحبتني نحو سرجها. ثم لاحظتُ للمرة الأولى ما كان خافيًا بين خصلات عرفها: خيط أحمر مجدول بإتقان، تتخلله عقدة صغيرة لا تعقدها إلا يد تعرف ما تفعل، ولا تشبه عقد رجال الوادي ولا نسائه. لمسته بإصبعي فارتجفت الفرس ارتجافة خفيفة، كمن تذكّر وجهًا غاب عنه طويلًا.لم يكن عندي وقت لأسأل من عقدها.سحبت سيفي من علّاقته، وهو سيف أبي الذي صقلته بيدي ولم أستعمله إلا في التدريب. كان أثقل مما أذكر، وكان نصله بارد البرودة
last updateTerakhir Diperbarui : 2026-11-01
Baca selengkapnya
ملتقى الطرق
سرنا ثلاثة أيام شرقًا، لا نتوقف إلا لنسقي الفرس ونضمد جرحها بما تبقى من العسل. كانت الأرض تتغير تحت حوافرها: انتهت الجبال، وبدأت سهول رمادية مبسوطة إلى الأفق، تشقّها طرق قديمة من إسفلت متشقق ينبت بين شقوقه الشوك. مررنا بجسر منهار ما زالت سيارات صدئة معلّقة على حافته كأنها تنتظر من يعيدها، وبأبراج بعيدة قائمة في الأفق كعظام وحوش ميتة، وبصمت لم أسمع مثله في حياتي.في الليل كنت أضع الحجر بجانبي وألتحف السماء، وأراقب ضوءه الأزرق ينبض بإيقاع واحد، فأفكر في أبي، وفي جدتي، وفي سبعة فرسان لم يسألوني من أنا قبل أن يأمروا بقتل عجوز. وفي كل ليلة كانت الفرس تقف قريبة مني، تحدّق شرقًا بلا حراك، كأن شيئًا هناك يناديها.عند فجر اليوم الرابع سمعت الطَّرْق.صوت مطارق بعيد، متفرق ثم متناسق، يتصاعد من خلف تلّة. وحين بلغنا قمتها انفتح تحتنا منظر لم أره إلا في أحاديث التجار: سوق عظيم يمتد على ملتقى أربعة طرق قديمة، خيام وأكشاك وأبنية حجرية وأفران تتصاعد منها أعمدة دخان، وآلاف من الناس والخيول يزدحمون في أزقته. كان هذا «ملتقى الطرق»، سوق الحدّادين، حيث يُصنع كل سيف يُشهر في هذه الأرض.أحنيت رأسي وغطّيت الح
last updateTerakhir Diperbarui : 2026-11-01
Baca selengkapnya
الباب الذي لا يرى
لم يتحرك صالح. وقف في وسط الغرفة الضيقة كتمثال من حديد، وعينه الوحيدة معلّقة بالباب، وأصابعه تقبض على المطرقة حتى ابيضّت مفاصلها. كان وقع الحوافر في الزقاق يقترب بخطوات متساوية، ثقيلة، لا عجلة فيها، كخطوات من يعرف أن فريسته محاصرة ولا مفرّ لها.— اجمع حجرك، همس. بسرعة.دسست الحجر في الكيس بيد ترتجف، وربطته إلى صدري. كان ينبض بإيقاع مضطرب لم أعهده، أسرع من قبل، كأنه يشعر بالخطر مثلي. وفي الخارج توقفت الحوافر أمام الحدادية تمامًا، وسمعت صرير سرج، ثم صوت رجل ينزل عن جواده.— صالح الحدّاد، نادى صوت بارد هادئ من وراء الباب، لا أحد في هذا السوق يرفض بابه لفرسان الرماد. افتح، ولن نؤذي أحدًا.— لا أحد يفتح بابه لمن يكذب، ردّ صالح بصوت عالٍ، ثم التفت إليّ وخفض صوته حتى كاد يضيع: أنت لا تعرف هذا الصوت يا غيث، لكنه يعرفك منذ ولدت. اسمعني الآن، ولا تقاطعني. جبل الصمت في أقصى الشرق، وراء الصحراء الرمادية، على بعد عشرين يومًا من هنا. هناك وُلد الحجر، وهناك يجب أن يعود. خذ هذا.مدّ إليّ سيفًا مغلّفًا بخرقة سوداء، أخرجه من تحت السندان كأنه كان ينتظره. سحبت الخرقة فلمع نصل أسود صقيل لم أرَ مثله في حيا
last updateTerakhir Diperbarui : 2026-11-01
Baca selengkapnya
صحراء الرماد
لم أعرف كم ركضنا. أيام أم ساعات، لم يعد الزمن يعني شيئًا حين يكون العدو خلفك والحزن أمامك. كنت أنحني على عنق الفرس وأترك لها الطريق، والرماد يتطاير من تحت حوافرها كدخان ناعم لا ينقطع، يلتصق بثيابي وشعري وجفوني حتى صرت أشبه تمثالًا مغبرًا يمتطي ظلًا أبيض.كانت صحراء الرماد، كما سيعلمني أحد المسافرين بعد أيام، أرضًا لا تشبه أي أرض عرفتها. ليست رملًا ولا حجرًا، بل بقايا شيء احترق منذ زمن بعيد حتى لم يبقَ منه إلا هذا الغبار الرمادي الناعم الذي يمتد إلى الأفق في كل اتجاه. لا شجرة ولا بئر ولا طير ولا ظل، إلا هياكل معدنية ضخمة نصف مدفونة، تبرز من الرماد كأضلاع حيتان ميتة، وفي بعضها بقايا زجاج ما زال يلتقط ضوء الشمس فيرميه في عيني كالسهام.عند الغروب أوقفتُ الفرس أخيرًا. كان زبد أبيض يغطي صدرها، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، وجرحها القديم قد تفتح من جديد. نزلت وجلست على الأرض الرمادية، ولم أجد في جسدي قوة حتى للبكاء.أخرجت السيف الجديد من غمده الأسود وأسندته على ركبتي. كان نصله يعكس السماء كأنه قطعة من ليل صاف. لمسته بإصبعي، فشعرت ببرودة غريبة لا تشبه برودة الحديد، بل أقرب إلى سكون بئر عميقة. وقلت
last updateTerakhir Diperbarui : 2026-11-01
Baca selengkapnya
واحة الجُمَّيز
في اليوم السادس بعد ملتقى الطرق، رأيتُ أول لون أخضر منذ أن غادرت وادي السرو. ظننته سرابًا، فقد علّمتني الصحراء أن العين تكذب حين يجوع الجسد. لكن الفرس أسرعت من تلقاء نفسها، وارتفعت أذناها، وخفّ تعبها كأن ريحًا خفية رفعت عنها حملًا ثقيلًا.كانت واحة صغيرة محاطة بنخيل نصف ميت وأشجار جُمَّيز عتيقة، جذوعها ضخمة كأعمدة معابد منسية، وبين الأشجار بيوت من طين وسعف تتكئ على بعضها كشيوخ أنهكهم الانتظار. ولا دخان يتصاعد من أي بيت، ولا صوت يتردد في الأزقة، إلا سعال متقطع يخرج من خلف الجدران.عند مدخل الواحة وقفتْ عجوز نحيلة تحمل جرّة فارغة، وحين رأتنا لم تفرح ولم تهرب، بل نظرت إلى فرسي طويلًا ثم قالت بصوت أجفّ من الرمل:— من أين جئتما؟ ومن أجل ماذا؟— من الغرب، قلت. نبحث عن ماء وظلّ ليلة واحدة.— الماء مات يا بُني. ماتت البئر قبل شهرين. وما بقي من ماء الجرار لا يكفي الأطفال إلى آخر الأسبوع.قادتني بين البيوت، وكل بيت أطلّ منه وجه شاحب أو عينان غائرتان. رأيت أمًّا تبلّل شفتي رضيعها بخرقة جافة، ورجلًا يرقد على عتبة بيته كأنه نسي كيف يقف، وصبية يلعقون الحجارة. ثم وصلنا إلى وسط الواحة، حيث كانت البئر
last updateTerakhir Diperbarui : 2026-11-01
Baca selengkapnya
ماء و نار
لم يكن لدينا غير ساعة واحدة قبل الغروب.علمتني حدادية أبي أن المعركة لا تبدأ حين يستلّ الناس سيوفهم، بل حين يتقرر أين يقفون. جمعتُ أهل الواحة عند البئر، وكانوا ثلاثمئة نفس منهم مائة طفل، ولم يكن معهم غير أربعة سيوف صدئة ومناجل ومعاول. لكنهم كانوا يعرفون شيئًا لا يعرفه فرسان الرماد: كل قناة وكل جدول وكل نقطة رطبة في أرضهم.— خلف النخيل تنحدر أرض منخفضة، قالت العجوز، وقد عادت إلى قامتها كأن الماء نفخ في عظامها شباباً جديدًا. إن فتحنا القنوات القديمة تحوّلت إلى وحل لا تنجو منه حوافر.أمرتها أن تفعل، وركض الصبية إلى القنوات كما تركض الغزلان إلى الغدير، يرفعون الألواح الحجرية التي أغلقت منذ أجيال، ويفتحون المجاري، ويدفعون التراب بأيديهم الصغيرة. وكان الماء يتبعهم كالكلب الوفي، يملأ كل حفرة منخفضة من حول الخليج النخلي.وعند غروب الشمس، حين صار الأفق كجمرة تحت الرماد، ظهروا.سبعة فرسان على خيول سوداء، يهبطون الكثيب بخطوات منتظمة كأنهم قطعة واحدة من حديد. لم يصرخوا، ولم يجردوا سيوفهم. وقفوا على بعد مرمى سهم من النخيل، وتقدّم منهم واحد أطولهم، على حصان أضخم من البقية، ورفع يدًا مفتوحة.— أنتم
last updateTerakhir Diperbarui : 2026-11-01
Baca selengkapnya
عاصم
استيقظتُ على رائحة الأعشاب المغلية.كان السقف فوقي من سعف النخيل، وضوء الفجر يتسلل منه خيوطًا رمادية. حاولت أن أنهض فمزّقني الألم من كتفي حتى ضلوعي، فعدت إلى الفراش أتنفس بين أسناني. كانت أكتافي ملفوفة بخرق نظيفة تفوح منها رائحة الزعتر والعسل، وعلى صدري، تحت القماش، حجر دافئ ينبض بهدوء كأنه يحرسني.— لا تتحرك، قال صوت من الزاوية. الجرح عميق، وقد نزفت كثيرًا.التفتُّ ببطء.كان جالسًا على الأرض عند الباب، ظهره إلى الحائط وساقاه ممدودتان، وقوسه الطويلة على ركبتيه. شاب في مثل عمري، أسمر البشرة، بعينين رماديتين كلون الغبار الذي عبرناه، وشعر أسود مقصوص بخشونة كمن يقصّه بسكين. لا درع عليه ولا شعار، إلا سترة جلدية قديمة متآكلة الأطراف، وفي معصمه الأيسر خيط أحمر مجدول، تتدلى منه عقدة صغيرة أعرفها جيدًا.العقدة نفسها التي في عُرف الفرس.— من أنت؟ سألته، وصوتي مبحوح.— عاصم، قال ببساطة من اعتاد أن يُسأل. ومن أنت فأنا أعرفه منذ ثمانية أيام.— منذ ثمانية أيام؟— منذ فتحتُ الصندوق تحت شجرة السرو.تجمّد الدم في عروقي. تذكرت الخدوش البيضاء على الغطاء النحاسي، والعلامة الطرية على جذع الشجرة، وحفرتي ال
last updateTerakhir Diperbarui : 2026-11-01
Baca selengkapnya
مضيق الصدى
غادرنا الواحة قبل أن تشرق الشمس، وكان كل أهلها واقفين على الطريق صامتين، لا يلوّح أحد ولا يبكي. حملوا إليّ أجرانًا مملوءة ماءً عذبًا، وتمرًا، وقطع لحم مجفف، ولم يقل أحد شيئًا حتى جاءت العجوز نجمة متكئة على حفيدتها ريما.كانت الطفلة قد عادت إلى الحياة كأن لا دم قد غادر وجهها، وخداها متورّدتان، وعيناها تلمعان بشيء لا تفهمه بعد. مدّت إليّ سوارًا ضعيفًا ضفرته من سعف النخيل.— خذه يا عمّي. لكي تعود إلينا حين تنتهي.أخذته ولم أجد ما أقوله. وحين انحنى العجوز نحو أذني وهمست: «كل ماء جارٍ في هذه الأرض مدين لك»، شعرت بثقل غريب في صدري، لا أدري أهو فخر أم خوف.ركبتُ ريحًا، مهري الأدهم الذي عاد من مهربه في الوادي بعد أيام، كما حكى لي عاصم، وكان قد جمعه مع حصانه في الطريق. لكن ذلك الصباح لم يكن فيه مكان لشيء سوى الهرب.مشينا ثلاث ساعات دون كلام، عاصم يركب حصانه أمامي، وفجر تمشي بجانبي بلا سرج ولا لجام، كأنها تعرف الطريق أكثر ممن يدلّها. وكان هذا وقتًا كافيًا لأن ألاحظ شيئًا لم أنتبه إليه من قبل.كنت أحاول أن أتذكّر صوت أبي.أعرف أنه علّمني ترويض الخيل. أعرف أنه كان يغنّي أثناء الطرق على السندان. أ
last updateTerakhir Diperbarui : 2026-11-02
Baca selengkapnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status