تسجيل الدخولالفصل الثالث:
* لعبة العدسات (إيلينا) * **بعد ست سنوات كاملة...** تغيرت ميلانو كثيراً، لكن إمبراطورية "دي سانتيس" أصبحت تحكم القبضة التجارية بعد أن ابتلعت بالكامل أصول وإمبراطورية آل موريتي. بالنسبة للعالم الخارجي، كانت "أثينا موريتي" هي سيدة المجتمع الأولى ورئيسة مجلس إدارة موريتي الصورية، والزوجة المطاوعة لداميانو دي سانتيس. لكن داخل المقر الرئيسي للشركة، وفي مكتب الرئيس التنفيذي، كان لورينزو دي سانتيس يجلس خلف مكتبه الضخم، وعيناه النافذتان تطالعان خطة إستراتيجية خطيرة. طوال **السنوات الست** الماضية، لم يتوقف لورينزو لحظة عن الشك. كان يشعر أن "أثينا" القابعة في القصر ليست هي المرأة ذاتها التي كان يعرفها والداها؛ قراراتها الصادمة بتصفية إرث والدها التاريخي، وبيع علامتها التجارية العريقة لصالح أطراف خارجية لتدمير اسم عائلتها الأصلي، وطريقتها الحذرة في تجنب النظر المباشر في عينيه... كل ذلك كان يغذي ريبة لا تنتهي في عقله الإستراتيجي. قُطع حبل أفكاره بطرقات واثقة على باب القاعة. "ادخل،" قال لورينزو بصوت خفيض يحمل الهيبة. فتحت الأبواب، ودخلت امرأة بثبات يثير الانتباه. كانت تدعى **"إيلينا"**—مستشارة قانونية وإستراتيجية رفيعة المستوى أرسلتها إحدى أكبر المنظمات التجارية الدولية. كانت ترتدي بدلة رسمية كحلية اللون، ينسدل منها شعرها الأسود الطويل الفاحم كسواد الليل ليغطي ظهرها بشلال حريري ساحر، وتضع نظارات طبية هادئة تصفي الضوء. أما معالم وجهها فكانت مختلفة تماماً عن ملامح أثينا القديمة؛ ملامح ذات زوايا حادة، أنف أكثر دقة، وجنتان بارزتان... وأما عيناها، فكانتا ببريق رمادي خافت ومظلم. لم تكن إيلينا سوى **أثينا** الحقيقية. لم تمت أثينا في ذلك الحادث الأليم قبل ست سنوات؛ إذ انتشلها عجوز غامض من البحيرة وهي على شفا الموت بجسد مهشم ووجه تشوهت معظم معالمه بفعل جروح الانفجار واحتكاك الصخور الحادة. لم يكن ذلك العجوز مجرد صياد بسيط، بل كان **الكونت جوليان أنطونيو**، أحد أثرى أثرياء أوروبا وأكثرهم نفوذاً في الخفاء. احتضنها في قصر العزلة الخاص به، وسخر أسطولاً من كبار جراحي التجميل في العالم لإعادة بناء وجهها وتغيير معالمه بالكامل لتكتسب ملامح جديدة تماماً تنبض بالقوة والغموض، وتصبح ابنته بالتبني ووريثته السرية. قضت أثينا ست سنوات كاملة تدرس كل ثغرة في أمبراطورياتهم، حتى عادت باسم "إيلينا"، واضعة عدسات لاصقة ذات لون رمادي سميك لتغطي لون عينيها الأصليتين (الأزرق والأخضر) وتخفي هوية عينها الشهيرة عن العالم، استعداداً لليوم الذي تمنع فيه محو إرثها وتسترد كل ما سُلب منها. وقف لورينزو وشخص بصلابة نحوها، يدرس شعرها الفاحم وتفاصيل وجهها المنحوت بلغة جسد واثقة: "أنتِ إيلينا؟ الملفات التي أرسلتِها لوقف بيع أصول مجموعة موريتي ممتازة ومثيرة للاهتمام، لكنني رجل لا يثق بالأغرباء بسهولة." اقتربت أثينا (إيلينا) بثبات واثق، وحطت ملفاً أسود سميكاً على مكتبه الرخامي: "أنا لا أطلب ثقتك الشخصية يا سيد لورينزو، بل أطلب منك أن تنقذ سمعة شركتك قبل أن تدمرها هذه الصفقة. داميانو وزوجته 'أثينا' يخططان لتفكيك مجموعة موريتي التاريخية وبيعها بأسعار بخسة لمستثمرين مجهولين لإخفاء أثر الثروة الأصلية التي استوليا عليها." حدق لورينزو في عينيها الرماديتين لثوانٍ طويلة، وشعر بكهرباء غريبة تسري في الهواء. اقترب منها خطوة حتى لم يعد يفصل بينهما سوى شبر واحد، مشيراً بإصبعه نحو الملف: "أنتِ تعرقلين خطط ابن أخي وزوجته المسجلة باسم موريتي. ما هي مصلحتكِ الحقيقية خلف هذه المعركة القاسية؟ ولماذا يتملكني شعور بأنكِ تحاربين عن إرث موريتي وكأنه دمكِ؟" رفعت أثينا رأسها ونظرت في عينيه دون أن ترمش، وشعرها الحالك يحيط بكتفيها: "مصلحتي هي حماية الحق وإيقاف الظلم يا سيد دي سانتيس." في تلك اللحظة بالذات، فُتح باب القاعة بقوة. دخل داميانو ومعه أورورا -التي تعيش هويتها المزيفة كزوجة له وتضع العدسات الملونة اليومية-. توقفت أورورا بذهول مفاجئ عند رؤية المستشارة الجديدة، وشعرت بقشعريرة غير مفسرة تسري في جسدها. لم تتعرف على وجه أثينا الجديد إطلاقاً، لكن شعرها الفاحم الطويل الشديد السواد وهيبتها جعلا قلب أورورا يضطرب دون سبب مفهوم. توتّرت أجواء القاعة فوراً، واندلعت مناقشة حادة وصارمة بين لورينزو وداميانو حول قرار بيع الأصول. ومع ارتفاع نبرة النقاش واشتداد الحرارة داخل القاعة المغلقة، وبسبب التوتر والضغط العصبي الحاد الذي مرت به أثينا وهي تقف أمام قاتليها الذين سلبوا حياتها... شعرت بجفاف مفاجئ وحرقان حاد يلسع عينها اليمنى. فجأة.. **بدأت العدسة الرمادية اللاصقة تتحرك من مكانها بسبب التوتر والجفاف وتنزلق نحو الطرف!** ظهر جزء ناصع وواضح من اللون الأزرق الجليدي الساطع الصافي تحت العدسة الرمادية المزيفة! لاحظ لورينزو، بنظراته الحادة المعتادة، اضطرابها المفاجئ في الرؤية. استدار نحوها كالصقر، بينما رمقتها أورورا وزوجها داميانو بنظرة شك وريبة مفاجئة. "سيدة إيلينا.." قال داميانو بعقدة بين حاجبيه وهو يخطو نحوها: "..هل تعانين من خطب ما في عينيكِ؟" في جزء من الثانية، وتداركاً للكارثة، تصرفت أثينا بذكاء خاطف؛ أسقطت قلمها الفضي عمداً على الأرض، وانحنت فوراً لتقوم بالتقاطه، ليغطي شعرها الطويل الفاحم كسواد الليل وجهها بالكامل كستار مظلم. وفي لحظة انحنائها المستورة بشعرها، عدلت العدسة الرمادية بإصبعها بلمسة سريعة ومتقنة وأعادتها لمكانها الصحيح. استقامت أثينا في وقفتها وهي ترجع شعرها للخلف، ونظرت بثبات حاد ومباشر في عيني لورينزو الحادتين: "مجرد إرهاق بسيط من مواجهة قراراتكم الجائرة يا سيد لورينزو." اتسعت ابتسامة لورينزو الخفيفة، ابتسامة رجل ذكي وجد أخيراً نداً حقيقياً يثير شغفه، لكن الشكوك في عقله اشتعلت كالنار الهادئة، وهمس لنفسه وهو يراقب خطواتها: *"هذه المرأة تخفي سراً يهدد بعاصفة.. وجهها جديد، لكن عينيها وشعرها يخفيان حقيقة لن أهدأ حتى أكتشفها."*الفصل الثاني والستون: أَقْنِعَةٌ فِي العَاصِمَةِ الزُّجَاجِيَّة تستقر باريس تحت غطاءٍ من المطر الخفيف المنسكب على شوارعها العتيقة، بينما تضيء كشافات برج إيفل الأفق بضوءٍ ذي بؤرة خافتة تحاكي غموض الليلة. في حي "سان جيرمان" الفاره، يقبع قصر "باليه دي روز"، الحصن الأريستقراطي الشاهق الذي يستضيف هذا المساء الحفل الخيري السنوي لجمعية "الفنون البحرية". غير أن هذا العنوان البراق ليس سوى واجهة كلاسيكية تخفي خلف أسوارها الاجتماع السري الأضخم لكبار تجار السلاح، والممولين الدوليين، ورؤساء كارتيلات حلف "السينديكات الأوروبي"، بدعوة خاصة ومشددة الحراسة من الدون فيكتور كالسيرا نفسه. خارج البوابة الحديدية الضخمة للقصر، كانت سيارات الـ "رولز رويس" والـ "مايباخ" السوداء تتوقف تباعاً، ويتدفّق منها كبار الشخصيات بملابسهم السهرة الفاخرة وسط حراسة أمنية مشددة، حيث يخضع الجميع لمسح بيومتري وتفتيش إلكتروني بدقة عالية جداً. داخل سيارة "بنتلي" ذات زجاج داكن متوقف على بعد أربعمائة متر في زاوية الشارع المظلمة، كان الجو مفعماً بالهدوء التكتيكي الحذر. جلست أثينا أمام المرآة الداخلية للسيارة وهي تضع اللمسات ال
الفصل الحادي والستون: صَدَمَةٌ فِي نِيس وَرَايَاتُ الحَرْب في أعالي تلال مدينة "نيس" الفرنسية، حيث تطل الجبال الخضراء على مياه البحر الأبيض المتوسط الدافئة، كان قصر "شاتو دي لوميير" يقبع كحصنٍ منيع يفيض بالفخامة والأريستقراطية الباردة. تحيط بالقصر حدائق غناء ممتدة، وتماثيل رخامية كلاسيكية شُيدت على الطراز الفرنسي القديم، تعطي الزائر إيحاءً بوابلي أنه أمام معلمٍ تاريخي، بينما في الحقيقة هو المقر الرئيسي المصفح والسرّي لـ "الدون فيكتور كالسيرا"؛ المأوى الشيطاني الذي تُدار منه عمليات حلف "السينديكات الأوروبي". داخل جناح المكتب المصفح، والمكسو بأفخر أنواع الخشب النادر مع شاشات مراقبة سرية وستائر مخملية ثقيلة، كان الدون فيكتور يجلس خلف مكتبه الأبنوسي الشاهق. كان يرتدي بدلة إيطالية رمادية فاخرة، ويفرد يديه المكسوتين بالخواتم الذهبية النادرة، يرتشف نبيذه المعتّق بلذة ويتابع بابتسامة ثعلبية الشاشات الرقمية التي تعرض خطوط الملاحة البحرية. كان يتوقع في أية لحظة أن يستقبل اتصالاً مشفراً من ذراعه الأيمن وشريكه الميداني "ماركوس"، ليزفّ إليه خبر الخضوع الكامل لميناء "جنوة"، وتجميد أصول أثينا ولو
الفصل ستون: رَسَائِلُ الدَّمِ فِي مِيناءِ "جَنُوة" كانت الخريطة الرقمية الثلاثية الأبعاد تتوهج باللون الأزرق الخافت وسط العتمة النسبيّة للقاعة الرئاسية، بينما كانت أثينا تقف طريحة الصمت أمام الشاشة الكبرى، تعيد قراءة التقارير الواردة من جهاز الاستخبارات التابع لآل دي سانتيس. اقترب لورينزو بخطوات متزنة، يضع يديه في جيبي بنطاله الداكن، وقف بجانبها ينظر إلى ذات الملفات المفتوحة. أمالت أثينا رأسها نحو الشاشة، وبنبرة تملؤها التساؤلات التكتيكية، قالت: "فيكتور... أريد أن أفهم طبيعة هذا الرجل وكيف تداخلت خيوطه مع داميانو في الخفاء دون أن ينكشف أمرهما طوال تلك السنوات؟" شخصت عين لورينزو ببرود حاد، وثبت نظرته على ملف "الدون فيكتور كالسيرا"، قبل أن يبدأ بالشرح بتفصيل دقيق وافٍ: "فيكتور ليس مجرد تاجر سلاح عادي يا أثينا... إنه يتزعم 'السينديكات الأوروبي'، وهو حلف مظلم يتألف من أعتى أسر الجريمة المنظمة وتجار الموانئ في جنوب فرنسا، ومارسيليا، وشواطئ إسبانيا. طوال سنوات حكم والدكِ، كان فيكتور يبحث عن موطئ قدم في إيطاليا لمضاعفة أرباحه وتمرير شحنات السلاح الثقيل والأجهزة المحظورة عبر الموانئ الشم
الفصل التاسع والخمسون:ظِلالٌ عَبْرَ الحُدُودِ وَحَلَفُ الـ "سِنْدِيكَات" كان هدوء القلعة المتموضعة في أعالي جبال الشمال يماثل الهدوء الذي يسبق العواصف العاتية. الثلج يتساقط بكثافة وراء الزجاج الضخم للقاعة الرئاسية لآل دي سانتيس، ليكسوا جبال الألب برداء أبيض ناصع، بينما كان الداخل يعج بحرارة الحسابات التكتيكية والتحركات الاستخباراتية الشرسة. على الطاولة الأبنوسية العملاقة الممتدة في منتصف القاعة، أضاءت الشاشات الرقمية المتموضعة في الجدران بخطوط تشفير خضراء وحمراء. كانت الخرائط التفاعلية للحدود الإيطالية الفرنسية تعرض مسارات الشحن المائي والبري، إلى جانب التدفقات المالية المشبوهة التي بدأت تتعرض لتجميد وتحويلات مفاجئة عبر بنوك جنيف وزيورخ. كانت أثينا تقف عند النافذة، يلتف ثوبها المخملي الأسود حول جسدها كزيّ ملكي يفيض بالقوة والأريستقراطية. كانت تمسك بين أطراف أصابعها بكأس زجاجي يحتوي على القليل من النبيذ المعتّق، وتراقب انعكاس عينيها الرماديتين القاتلتين على الزجاج. لم تعد هناك مساحة للخوف في قلبها؛ فكل قطرة ألم عاشتها كـ "إيلينا" تحولت الآن إلى درع صلابة يكسر كل من يحاول المساس بإمب
الفصل الثامن والخمسون: جَحيِمُ الشَّمالِ وَمَزَادُ الأَلَم في أقصى جبال الشمال، حيث تتكسر الرياح الثلجية على الجدران الصخرية لقلعة آل دي سانتيس القديمة، كان قبو التعذيب السفلي يربض تحت الأرض بعمق عشرين متراً. مكانٌ لم تشرق فيه الشمس يوماً، ولن تصل إليه استغاثة مخلوق. في منتصف القاعة السفلية المبنية من الحجر البركاني الأسود، كان داميانو معلقاً من معصميه بسلاسل حديدية مصممة لتسحب الجسد إلى الأعلى ببطء، بحيث تجعل أطراف أصابع القدمين تكاد تلمس الأرضية الرخامية الباردة. كان قميصه الأبيض الفاخر ممتلئاً بدماء جروحه السابقة، ووجهه الذي طالما افتخر بجماله في مجتمعات ميلانو الأريستقراطية بات متورماً وشاحباً، تكسوه ندوب الجلد المبرح والدم المجفف. ارتد صدى صرير الباب الحديدي الضخم في القبو، ليعلن وصول سيدَي الشمال. تجلت أثينا بثوبها الأسود الصارم، تحيط بها هيبة ملكية مرعبة، ويسير بجانبها لورينزو بمعطفه الجلدي الداكن، يمسك بيده قفازين جلديين سوداوين. خلفهما كان أنطونيو يتكأ على عصاه الأبنوسية، يتابع المشهد بوقار العرّاب الذي يرى حليفه وأميرته يستردان الدين بالكامل. فتح داميانو عينه المنت
الفصل السابع والخمسون: غُرْفَةٌ بَيْضَاءُ وَجَرِيمَةٌ فِي الظِّلِّ (وجهة نظر أورورا موريتي — مصحة "سانت مارغريت" للأمراض العقلية) الجدران بيضاء... بيضاء إلى الحد الذي يثقب العينين ويجعل الروح تقيئ وسخها. أجلس على هذه الأرضية المطاطية القاسية، أضم ركبتيّ إلى صدري المكبّل داخل هذا القميص الأبيض الضيق. أكمام القميص طويلة جداً، مربوطة خلف ظهري بإحكام ينزع النفس من رئتيّ. كلما أطبقت جفنيّ، أسمع صرير كعب "إيلينا"... أو "أثينا"... لا أعلم! أقسم لكم أنني لا أعلم من هي تلك المرأة! أمس... أو ربما قبل أسبوع — فلا وجود للوقت في هذه الحفرة الملعونة — دخل عليّ رجلان ببدلتين طبيتين زرقاوين. يحملان حقنة ضخمة ذات سائل شفاف. صرختُ في وجهيهما حتى تشققت حنجرتي: > "أنا أورورا موريتي! أنا سيدة ميلانو! أخرجوني من هنا أيها الكلاب!" لكن أحدهما نظر إلى الآخر بأسى ساخر، وزمّ شفتيه قائلاً: > "الحالة تزداد سوءاً... تتخيل نفسها من سلالة آل موريتي مجدداً. زيدوا جورة المهدئ." غرسوا الإبرة في رقبتي. شعر بجليدي يسري في عروقي، فتخدر لساني، وانطفأت أضواء عقلي لأستيقظ مجدداً في هذا البياض القاتل. يقولون إنني مج







