ANMELDENالفصل الرابع:
*ظلال الشك والرقصة الأولى* انسحبت "إيلينا" من قاعة الاجتماعات بخطوات موزونة، ورأسها مرفوع بثبات لم يترك مجالاً للريبة. لكن بمجرد أن أُغلق باب المصعد التنفيذي المغطى بالزجاج العاكس وتلاشت أنظار لورينزو وداميانو، أغمضت عينيها واستندت بظهرها إلى الجدار الفولاذي، وأطلقت زفيراً ساخناً محتبساً منذ ساعات. كانت ضربات قلبها تتسارع بنبض حاد، وعينها اليمنى لا تزال تحرقها جراء الانزلاق الوشيك للعدسة الرمادية. أخرجت مرآتها الصغيرة بآلية سريعة، وأعادت تثبيت العدسة بدقة متناهية وهي تتأمل وجهها الجديد. هذا الوجه المنحوت بالليزر والجراحة المجهرية على يد أشهر أطباء سويسرا، بدعم كامل من الملياردير العجوز الكونت "جوليان أنطونيو"، لم يترك أثراً واحداً لأثينا القديمة الرقيقة. لكن تلك القوة التي اكتسبتها خلال ست سنوات من الألم والتدريب الشاق كادت أن تتهاوى أمام نظرة واحدة من عيني لورينزو دي سانتيس الثاقبتين. "لورينزو ليس طعماً سهلاً كما ظننت..." همست أثينا لنفسها بنبرة خفيضة، مررّت يدها عبر شلال شعرها الأسود الطويل الحالك كسواد الليل، وترتيب أفكارها. "إنه لا يكتفي بالشك.. إنه يحلل كل حركة." في الطابق التنفيذي، لم تكن الأجواء أقل توتراً. كان داميانو يذرع المكتب جيئة وذهاباً بغضب مكتوم، بينما كانت أورورا تقف عند النافذة الزجاجية الضخمة التي تطل على ميلانو، تضع يدها على القلادة الزمردية التي سرقتها من أختها، وتحاول تهدئة روعها. "من تكون هذه المرأة؟ ومن أين ظهرت فجأة بملفات مالية وقانونية تدق عنق صفقة بيع الأصول؟" قال داميانو بصوت حاد وهو يلتفت نحو أورورا. التفتت إليه أورورا، وعلى الرغم من العدسات اللاصقة الملونة (الزرقاء والخضراء) التي ترتديها لتمثيل دور أثينا، إلا أن وجهها كان باهتاً. "داميانو... هناك شيء خفي في هذه الـ 'إيلينا'. طريقة وقوفها، نبرة صوتها الجافة... وحتى ذلك الشعر الأسود الحالك الممتد كالموت. أقسم لك أنني شعرت برعب لم أعرفه منذ ليلة الحادث على الجرف." سخر داميانو منها بقسوة: "أفقِ من أوهامكِ يا أورورا! أختكِ احترقت وجثتها التهمتها أسماك البحيرة قبل ست سنوات. إيلينا مجرد مستشارة مرتزقة أرسلها الكونت جوليان أو جهة منافسة لتعطيل الصفقة." لكن لورينزو دي سانتيس لم يكن يستمع لهراء أي منهما. كان يجلس خلف مكتبه، يمسك بالقلم الفضي الفاخر الذي أسقطته "إيلينا" عمداً وسهت عن رفعه في عجلة أمرها. رفعه نحو الضوء ونظر إلى شعرة سوداء واحدة طويلة فاحمة كانت قد علقت بكتف القلم عند سقوطه. تأمل لورينزو تلك الشعرة الطويلة الحالك سوادها، ثم سحب هاتف المكتب وطلب مساعده الخاص: "ماركو... أرسل لي الملف المغلق الخاص بحادثة موريتي قبل ست سنوات، وتأكد من جلب التقارير الطبية الكاملة الخاصة بالضحية. وبالمناسبة، أرسل دعوة خاصة ومباشرة باسم المستشارة 'إيلينا أنطونيو' لحفل التبرعات السنوي غداً. أريدها أن تكون ضيفتنا." حين أنهى المكالمة، نظر لورينزو إلى الشعرة بابتسامة غامضة: "وجه مستحيل التعرف عليه، ونسب يعود للكونت جوليان... ولكن طريقتها في حماية إرث موريتي تثير في عقلي ألف سؤال وسؤال." في المساء التالي... توهجت قاعة القصر الإمبراطوري بميلانو بأضواء الثريات الكريستالية الضخمة، واحتشدت فيها نخب المجتمع والسياسة والمال. كانت أورورا تتنقل بين الحضور بدبّتها الفاخرة، تدّعي دور الوريثة أثينا بثقة مصنّعة، بجانب داميانو الذي كان يتبادل الأنخاب مع كبار المستثمرين. وفجأة... خيّمت هيبة مفاجئة على مدخل القاعة الرئيسي. التفتت الأعناق ونظرات الكاميرات نحو السلم الرخامي. كانت أثينا (إيلينا) تهبط الدرج بتمهل وشموخ يسلب الأنفاس. ارتدت فستاناً أسود ملكياً عاري الكتفين، يحدد قوامها بدقة، بينما انسدل شعرها الأسود الطويل الفاحم كسواد الليل بحرية تامّة على ظهرها وكتفيها كشلال مظلم وساحر، يغطي أي أثر قديم ويزيد ملامح وجهها المنحوتة غروراً وغموضاً. شعرت أورورا ببرودة شديدة تسري في عروقها، وقبضت على يد داميانو بحدة وهي تتأمل تلك المرأة التي خطفت الأضواء من الجميع. تقدم لورينزو دي سانتيس بخطوات ثقيلة واثقة نحو أثينا، يرتدي بدلة التكسيدو السوداء ذات الهيبة الطاغية. امتدت يده بثبات، ونظر في عينيها الرماديتين بابتسامة تحمل تحدياً كتم الأنفاس: "سيدة إيلينا... شرفتينا. الموسيقى بدأت للتو، وهناك رقصة تدينين لي بها." نظرت أثينا إلى يده الممدودة، وتصاعدت دقات قلبها وهي ترى داميانو وأورورا يرقبان الحركة بنظرات متفحصة. وضعت يدها المكسوة بقفاز أسود حريري في يده: "يشرفني، سيد دي سانتيس." انسحبا إلى منتصف القاعة تحت أضواء خافتة مع أنغام فاينس كلاسيكية هادئة. وضع لورينزو يده القوية على خصرها، وقرّبها إليه بمقدار خطير، لتتلاقى أنفاسهما. كانت خطواتهما متناسقة ببراعة، لكن المعركة الحقيقية كانت تُدار بلغة الجسد للنظرات. "تحركاتكِ حذرة للغاية يا إيلينا،" همس لورينزو بصوت خفيض للغاية قرب أذنها بينما يدوران مع أنغام الموسيقى: "ولكنني أتساءل... ما الذي يجعل مستشارة نُسِبَت حديثاً لآل أنطونيو تحارب بشراسة لا تُرحم لحماية اسم آل 'موريتي'؟" حافظت أثينا على ثباتها وابتسامتها الجليدية تحت العدسات الرمادية: "أنا أحمي الحق والصفقات النظيفة يا سيد لورينزو. أم أنك تعتقد أن هناك دافعاً أعمق؟" في تلك اللحظة، وأثناء دورهما السريع في الرقصة، اقترب لورينزو أكثر، وبرقة مصنعة وأصابع ثابتة، رفع يده اليسرى ولمس خصلة من شعرها الطويل الفاحم كسواد الليل، يمررها بين أصابعه ببطء مستفز، بينما انحنى نحو أذنها وهمس بنبرة حادة جعلت القشعريرة تسري في جسدها: "وجهكِ غريب تماماً على ميلانو يا سيدة إيلينا... لكن هذا الشعر الفاحم، وهذه الطريقة المستميتة في حماية إرث 'أثينا موريتي'... تذكرني بامرأة قيل إنها ماتت منذ ست سنوات. أنا لا أؤمن بالصدف... وسأكتشف قريباً من تكونين حقاً."الفصل الثالث والأربعون: صدى الفجيعة وجنون الفاقد خيم صمت خانق على شقوق المصنع المهجور، كأن المكان كله يتنفس برعب مكتوم. انحسرت حركة الرياح في الخارج، ولم يعد يسمع سوى صوت قطرات المطر التي تسقط على الحديد الصدئ، تدق كأجراس الموت المحتوم. أشارت إيلينا (أثينا) بإشارة خفية لا تخطئها العين. في لحظة واحدة، انطلق حراس لورينزو الملثمون كالظلال المفترسة، يحاصرون داميانو وأورورا. وفي جلبة سريعة وعنيفة، قاموا بشل حركتهما وسحبهما نحو الغرفة المجاورة المغلقة بالأبواب الفولاذية، ليبقيا قيد الاحتجاز تحت حراسة مشددة، يتعصران هلعاً وجطلاً بما يجري في الخارج. لم يبق في هذه القاعة المظلمة سوى ثلاثة: فيكتور المنهار الممسك بصدره، ولورينزو المهاب الذي يقف كالصخرة، وإيلينا التي بدأت تخطو نحو عمها الخائن بخطوات موزونة والمقصلة في عينيها.وقف لورينزو خلفها بمسافة قريبة، يحرس ظهرها ويتأملها بهوس وعظمة، ويده عالقة على حزامه، يستمتع برؤية إلهة الانتقام وهي تستعد لإصدار الحكم.جثا فيكتور على ركبتيه أمامها، يلتقط أنفاسه المنقطعة بصعوبة، يداه المرتجفتان تستجديان النجاة من هذه المس
:الفصل الثاني والأربعون: سُقُوطُ الخَائِنِينَ فِي المَجْهُولكان الصمت في المصنع المهجور أثقل من الحجارة، صمتاً يمزق الأعصاب ويكتم الأنفاس في أحشاء ميلانو المعتمة. قطرات المطر المتساقطة من الشقوق في السقف الخرساني كانت تسقط على الصفيح الصدئ برتم متكرر، كأنه عداد ثوانٍ يركض ببطء قاتل نحو المقصلة.كان الرعب ينبض في عيون "فيكتور"، و"داميانو"، و"أورورا" كأنهم يرون ملك الموت يقف أمامهم في هيئة رجل وامرأة.أمام الباب الحديدي المفتوح، كان "لورينزو دي سانتيس" يقف بمهابته المرعبة، معطفه الأسود ينسدل كجناحي غراب قادم من الجحيم. كانت يده الضخمة تلتف بإحكام حول يد "أثينا"، أصابعه تتخلل أصابعها بقوة وامتلاك، يضخم نبضها ويمنحها الثبات الفولاذيكان لورينزو ينظر إليها بعينين تشتعلان بهوس وتملك لا يرحم؛ فهو الوحيد في هذا العالم الذي يعرف سرها الشرير والجميل، يعرف أنها "أثينا" العائدة من القاع، ويستمتع بكونه حارس سرها والسيف الذي تسلطه على رؤوس أعدائها، بينما يغط الأعداء في جهل تام ويظنون أنها مجرد "المستشارة إيلينا".انحنى لورينزو على أذنها ببطء شديد، أنفاسه الحارقة تلام
:الفصل الأربعون: خيوط المؤامرة وضباب النجاةساد القاعة صمتٌ أثقل من الموت. كانت النظرات المشتعلة بين قادة العائلات الخمس تتنقل بين وثائق الخيانة المالية المكشوفة على الطاولة الرخامية، وبين أورورا وداميانو وفيكتور المنهارين على السجادة الحمراء تحت وطأة السلاسل.وقف فيكتور موريتي وهو يرتجف غضباً، وصرخ بصوت كريه مستنجداً بالمجلس الأعظم:"أيها العرّابون! لا تصدقوا هذه المستشارة الغريبة 'إيلينا'! هي لا تملك أي صفة شرعية لتتكلم عن ثروة آل موريتي! 'أثينا' هي الوريثة الوحيدة وتقف إلى جانبي!"في تلك اللحظة... ابتسمت إيلينا ابتسامة ساحرة ومسمومة، يحيط بها لورينزو بذراعه الفولاذية بمهابة وتملك مطلق.خطت إيلينا خطوات وئيدة ونزعت قفازها الجلدي الأسود ببطء، ثم رفعت ملفاً رسمياً، وقرأت منه ببرود جليدي حاد كالماس: "أتظن يا فيكتور... ويا داميانو... أن اختلاساتكم مستورة؟! هذه الأوراق تثبت أن المرأة القابعة بجانبكم هي 'أورورا'، التوأم التي وضعتموها في الواجهة باسم 'أثينا' بعد أن سرقتم الإرث والرسوم المالية لآل موريتي! لقد حوّلتم ثروة العائلة لحساباتكم الروسية الخاصة، وزوّرتم
الفصل التاسع والثلاثون: **أسطول الظلال وسيد ميلانو** على الطريق السريع الممتد من ساحل جينوا الضبابي نحو قلب "ميلانو"، كان الأفق يتوشح بلون رمادي بارد مع تباشير الصباح الأولى. لم يكن مجرد موكبٍ عابر، بل كان عرضاً عسكرياً سرياً يرهب كل من يلمحه على أطراف الطريق. أسطولٌ يتألف من أربع عشرة سيارة مصفحة سوداء بالكامل من طراز الميباخ والرينج روفر، تسير في تشكيلٍ سداسي مغلق، تحيط بالحافلة المصفحة المنتصفة التي يُقاد في داخلها "فيكتور موريتي" و"داميانو" و"أورورا" مكبلين بالأغلال الجلدية والحديدية، تحرسهم أعين نخبة آل دي سانتيس المسلحة حتى النخاع. في المقدمة، داخل السيارة الرئاسية السوداء ذات الزجاج المعتم القائم... كان الصمت في الداخل يقطر هيبةً ووقاراً. كان "لورينزو" يجلس ببدلته الإيطالية السوداء الفاخرة، المصممة خصيصاً لتقاسيم جسده الضخم، وزر أكمامه الماسي يلمع تحت الضوء الضئيل. كانت يده الضخمة تطوق يد "إيلينا" بتملكٍ هوسيّ ثقيل، لا يدع مجالاً لأن تبتعد عنه حتى لسنتمتر واحد. وبجانبه، كانت "إيلينا" تبدو كإلهة للانتقام والجمال المظلم. ترتدي فستاناً أسود
الفصل التاسع والثلاثون: **ليلة تحت سقف الرماد: هوسٌ في عتمة جينوا** **إنتباه الفصل يحتوي على مشاهد جريئة**لم تكن الغرفة العلوية في المقر مجرد ملاذٍ من الضباب الخارجي، بل كانت ساحة لعاصفة أخرى أكثر خطورة. كان صمت القبو الأسفل يرشح بقسوة الخيانة، لكن الهواء داخل جناح لورينزو المغلق كان مشبعاً برائحة التبغ المعتّق، والجلد الفاخر، وعطر التوت الأسود الذي يفاح من بشرة "إيلينا".كانت تجلس على حافة المكتب الخشبي العتيق، وساقاها الممشوقتان تتقاطعان ببرود قاتل. تلف السجارة الرفيعة بين أصابعها، ترقب أدخنتها وهي تتصاعد نحو السقف الخشبي المظلم.في الجهة المقابلة... كان "لورينزو" يقف كالجبل، معطفه الثقيل مُلقى على الأرض، وأزرار قميصه الأسود المفتوحة تكشف عن صدره المليء بالندوب القديمة. لم يكن ينظر إلى الخرائط ولا إلى شاشات المراقبة التي تنقل صور الخونة في القبو... كانت عيناه المظلمتان، المحاطتان بسواد الليل والهوس، تتغذيان على كل حركة تأخذها أنفاس إيلينا.خطا خطواته الثقيلة ببطء شديد، كوحشٍ مفترس ينسج شباكه حول طريدته التي يعرف أنها تملك أنياباً أشد قسوة من أنيابه.
الفصل الثامن والثلاثون: **العاصفة قبل المقصلة**خيم السكون على مقر جينوا الملطخ بالدماء، لكنه لم يكن سكون السلام، بل ذلك الصمت الثقيل والمريب الذي يسبق اقتلاع الجذور. كان وابل الرصاص قد انتهى، غير أن المعركة الحقيقية كانت قد بدأت للتو في ظلال عقولهم المتصارعة.سُحب "فيكتور موريتي" و"داميانو" و"أورورا" القابعة تحت قناع "أثينا" كالقتلى، واُقتيدوا تحت حراسة مشددة من رجال "لورينزو" إلى القبو الأسفل للمقر—حيث لا تصل أشعة الشمس، ولا ينفذ صوت الاستغاثة.في أعلى المقر، داخل المكتب المصفح الذي كان يدار منه نصف اقتصاد الشمال المشبوه...كانت "إيلينا" تقف عند النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف، ترقب الضباب القادم من الميناء وهو يبتلع أضواء المدينة ببطء شديد. كانت أصابعها الناعمة تطوق كاساً زجاجياً، وعيناها العسليتان تعكسان برودة غير بشرية.وجهها الذي نحته المشرط بعد حادثة المرفأ القديمة لم يكن يحمل أثراً واحداً للارتباك، لكن قلبها تحت القفص الصدري كان يدق بإيقاع ثائر كأنه طبول حرب لم تكتمل بعد.فجأة... شعرت بالدفء الخاطف الذي يخترق برودة الغرفة.اقترب لورينزو م







