เข้าสู่ระบบفي الليالي الثلاث التالية، كانت ديما تستلقي في فراشها ويداها معقودتان فوق بطنها بقلق. كانت تخشى أن يأتي "أنور" مجدداً، وأن تضطر لخوض تلك المعركة الطاحنة مع فضولها، خاصة بعد اكتشافها لذلك الثقب الشيطاني خلف اللوحة.
لكن... أنور لم يأتِ. مرت الليلة تلو الأخرى، وغرفة ندى هادئة تماماً. في البداية، تنفست ديما الصعداء وعادت لاتزانها النفسي، ووجهت كل تركيزها المشتت نحو دراستها. لكن، وفي زاوية مظلمة ومخفية من عقلها الباطن، كان هناك شعور مبهم وخافت بالخيبة... خيبة لم تجرؤ حتى على الاعتراف بها لنفسها. أثمرت عزلتها وتركيزها نجاحاً باهراً. ففي إعلانات نتائج امتحانات منتصف الفصل، تصدر اسم "ديما الدالي" لوحة الشرف بأعلى الدرجات. وقف أساتذتها في القاعات يشيدون بذكائها الاستثنائي، بل وجعلوها مثالاً يُحتذى به أمام مئات الطلاب. كانت ديما تبتسم بخجل، غير مدركة أن هذا الضوء الذي سُلط عليها فجأة، قد أيقظ وحوشاً في الظلام. في جامعة مليئة بالمظاهر، كانت "نوال" هي الملكة المتوجة للسطحية. فتاة شقراء، شديدة الجمال ولكن بملامح قاسية وشرسة، ترتدي أغلى الماركات، وتضع طبقات من مساحيق التجميل التي تجعلها تبدو كنجمة سينمائية. كانت نوال تتنقل بين أوسم شباب الجامعة وأغناهم، ولا ترضى بأن يسرق أحد انتباههم منها. وبالنسبة لها، أن يقوم الأساتذة بمدح فتاة ريفية بسيطة لا تضع حتى كحلاً في عينيها، كان إهانة شخصية لا تُغتفر. في فترة الاستراحة، كانت ديما تجلس وحيدة في زاوية منعزلة بكافتيريا الجامعة المزدحمة، تتناول شطيرتها بهدوء. فجأة، حُجب الضوء عنها. رفعت رأسها لتجد نوال تقف أمام طاولتها، محاطة بحاشيتها من الفتيات المتصنعات. نظرت نوال لديما من أعلى لأسفل باشمئزاز، ثم رفعت صوتها لتسمع الطاولات المجاورة: "إذن، هذه هي ديما الدالي؟ القروية البائسة التي يريد منا الأساتذة أن نتخذها قدوة؟" انفجرت إحدى فتيات حاشيتها بضحكة مصطنعة: "يا إلهي نوال! تخيلي أن أقتدي بها؟ انظري إلى وجهها الشاحب، إنها لا تعرف حتى ما هو أحمر الشفاه! عثة كتب منطوية ومملة." أضافت أخرى وهي تشير بأظافرها المطلية نحو ديما: "وانظري إلى فستانها! بحق السماء، هل نحن في العصور الوسطى؟ يبدو أنها ورثته عن جدتها المتوفاة!" احتقن وجه ديما بالدماء، وشعرت بغصة قاهرة في حلقها. لم تعتد على هذه القسوة الوقحة. وقفت بصعوبة، وحاولت أن تجعل صوتها ثابتاً: "ابتعدي عني لو سمحتِ... أنا لا أسمح لكِ بإزعاجي." اتسعت عينا نوال بغضب مصطنع، واقتربت خطوة مهددة: "ألا تسمحين لي؟ هل تجرؤين يا حثالة الريف على توجيه هذا الكلام لي؟" وقبل أن ترمش ديما، هوت يد نوال بصفعة مدوية على خدها. شهقت ديما وتراجعت للخلف، تاركة شطيرتها تسقط. لم تكتفِ نوال بذلك، بل أمسكت بكوب العصير البارد من على الطاولة، وسكبته بوحشية فوق ملابس ديما وكتبها. انطلقت ضحكات ساخرة من الحاشية، ورفعت نوال يدها لتوجه صفعة أخرى للفتاة التي وقفت ترتجف من الصدمة والإهانة... لكن الصفعة الثانية لم تصل أبداً. اندفعت يد قوية من العدم، قبضت على معصم نوال بقسوة جعلتها تصرخ. كانت ندى! بعينيها المشتعلتين وملامحها العصبية، لوت ندى ذراع الشقراء، ثم بلمح البصر، وجهت لنوال صفعة عكسية قوية جعلتها تترنح للخلف. "اسمعيني أيتها العاهرة البلاستيكية!" صرخت ندى بصوت جهوري أسكت الكافتيريا بأكملها. "إذا اقتربتِ من ديما مجدداً، سأمسح بكرامتك المزيفة بلاط هذه الجامعة! اغربي عن وجهي الآن!" تراجعت نوال وحاشيتها بخوف، فهن يعرفن أن ندى فتاة ذات لسان سليط ولا تتردد في افتعال معركة طاحنة. بمجرد ابتعادهن، التفتت ديما لندى. كانت الدموع تنهمر كالشلال من عينيها الواسعتين. ارتمت في حضن ندى، ودفنت وجهها في كتفها تبكي بحرقة كطفلة ضائعة، بينما أخذت ندى تربت على ظهرها وتهدئها. عندما هدأت ديما قليلاً ورفعت رأسها لتمسح دموعها، تجمدت في مكانها، وانقطعت أنفاسها في صدرها فجأة. كان يقف خلف ندى مباشرة. أنور! شهقت ديما بصوت مسموع وكأنها رأت شبحاً. ارتدت خطوة للخلف، وعيناها مثبتتان عليه. كان يرتدي قميصاً أسوداً أنيقاً، ويقف واضعاً يديه في جيوبه، يطيل النظر إليها. في تلك الليلة، لم ترَ ملامحه جيداً في الغرفة المظلمة، لكن الآن، في وضح النهار، رأت رجولته الطاغية وملامحه الحادة. وبمجرد أن تلاقت أعينهما، حدث شيء مرعب لجسد ديما. لم يتذكر عقلها الباطن أنه "صديق ندى"، بل تذكر صوته الخشن، أنفاسه اللاهثة، وصرخات ندى تحته! تذكرت الحلم الذي كان يخنقها فيه. فجأة، وبطريقة لم تستطع السيطرة عليها، سرت حرارة غريبة وحارقة في أسفل بطنها، ونبض خفي جعل فخذيها يرتجفان. لقد ربط جسدها الغض بين رؤيته، وبين تلك المتعة المجهولة والمحرمة التي كانت تسترق السمع إليها. "ديما، تعالي لنجلس،" قالت ندى وهي تسحبها بلطف نحو الطاولة، غير مدركة للعاصفة التي تضرب جسد صديقتها. جلست ديما، ولاحظت وجود شاب آخر يقف بجوار أنور. كان شاباً وسيم الطلعة، يرتدي ملابس بسيطة ومرتبة، لا تصرخ بالثراء كباقي طلاب الجامعة، بل تعكس هدوءاً وعمقاً. كانت عيناه البنيتان تنظران لديما بمزيج من العطف الشديد، والإعجاب الواضح بجمالها الباكي. ناولتها ندى منديلاً وقالت: "ديما، هذا أنور، صديقي الذي... حسناً، الذي تعرفتِ عليه بطريقة غريبة. وهذا صديقه المقرب، عمر." ابتسم عمر ابتسامة دافئة أضاءت وجهه، ومد يده نحوها. "مرحباً ديما." ترددت ديما للحظة. نظرت ليده، ثم لعينيه المحترمتين، فمدت يدها المرتجفة وصافحته بخجل. كانت يده دافئة ولطيفة. قال عمر بصوت هادئ: "لقد جئت مع ندى وأنور خصيصاً لأتعرف عليكِ وأهنئك. رأيت اسمك في لوحة الشرف... فوق اسمي مباشرة." ابتسمت ندى وأضافت: "عمر أيضاً من المتفوقين يا ديما، إنه العبقري الخاص بنا." رغم لطف عمر وكلماته الرقيقة، كانت حواس ديما كلها مشدودة نحو الجانب الآخر من الطاولة... حيث يجلس أنور. كانت تختلس النظر إليه، وتتوتر كلما التقت عيناها بعينيه. كانت ترتجف حرفياً، تسأل نفسها في سرها: لماذا غاب طوال تلك الأيام؟ أين كان؟ ثم ضربتها الحقيقة كصاعقة... يا إلهي، لقد افتقدته! لقد افتقدت وجوده في الغرفة المجاورة، افتقدت ذلك الصخب المحرم الذي كان يشعرها بأنها حية. أطرقت برأسها، تحترق خجلاً من أفكارها الماجنة. "يجب... يجب أن أذهب لتغيير ملابسي،" تمتمت ديما بصوت مرتبك، تلملم حقيبتها وكتبها المبللة. "شكراً لكِ يا ندى... وفرصة سعيدة يا عمر." قالتها دون أن تنظر لأنور، وفرت من أمامهم كفراشة مذعورة. بمجرد أن اختفت ديما عن الأنظار، ساد الصمت للحظات على الطاولة، قبل أن يبتسم أنور بمكر وينظر لندى. "إذن، هذه هي بطلة معركة المزهرية؟" قال أنور وهو يكتم ضحكته. "إنها تبدو كطائر مرعوب. ألم تخبريها بعد عما كنا نفعله في تلك الليلة؟" ضحكت ندى ورمت منديلاً بوجهه: "توقف عن السخرية يا أنور! ديما طيبة جداً. إنها عذراء، ليس جسدياً فقط، بل عقلياً. قسماً بالله إنها لم تلمس يد شاب في حياتها، ولم تعش قصة حب واحدة! إنها جاهلة تماماً بهذا العالم، لقد فوتت الكثير من المتعة." في تلك اللحظة، كان عمر يجلس صامتاً، يراقب الكلمات وهي تتطاير في الهواء. "لم تلمس يد شاب؟" تساءل عمر في سره، وهو ينظر نحو الباب الذي خرجت منه ديما. شرد ذهنه تماماً. تذكر عينيها الواسعتين المليئتين بالدموع، وجهها الخالي من المساحيق والذي يتفوق بجماله الطبيعي على كل فتيات الجامعة، حياءها وترددها في مصافحته، وتفوقها الكاسح في الدراسة. كانت ديما بالنسبة لعمر شيئاً نادراً، جوهرة نقية وسط بحر من الزيف والسطحية. شعر برغبة عارمة في حمايتها، في التعرف عليها أكثر، وفي أن يكون هو الشاب الأول الذي يلمس قلبها. بينما كان عمر يغرق في سحر ديما النقي، كان أنور يراقب الباب أيضاً. ورغم أنه ضحك على سذاجتها، إلا أن شيئاً ما في نظرات ديما المرتجفة نحوه، وتلك البراءة الريفية الصارخة، جعلته يكن لها احتراماً غريباً... وربما، فضولاً مظلماً لا يليق به.كانت ديما تظن أنها وجدت ملاذها الآمن بين ذراعي ندى. كانت تلك الليالي بالنسبة لها مجرد مسكن للألم، وملاذ مؤقت هربت إليه من وحشية الذكور التي أرعبتها. كلتاهما كانتا تعرفان في قرارة نفسيهما أنهما ليستا مثليتين، وأن أجسادهما خُلقت لتخضع لرجال، لكن هذا كان المتاح والأكثر أماناً في ظل هذا العالم المليء بالذئاب. لكن، كما يُقال: من يهرب من الذئب، قد يسقط في عرين الأسد. في ظهيرة أحد الأيام الكئيبة، رن هاتف ديما. كانت والدتها على الطرف الآخر، لكنها لم تكن تتحدث... كانت تصرخ وتنتحب بصوت يمزق نياط القلب. "ديما! أبوكِ يا ديما... أبوكِ يموت!" سقطت الكتب من يد ديما، وتسمرت في مكانها والدموع تنهمر كالشلال: "ماذا حدث يا أمي؟! أرجوكِ تحدثي!" من بين الشهقات، أخبرتها والدتها أن والدها الحبيب سقط مغشياً عليه في الحقل. قلبه المتعب خذله أخيراً، وهو الآن يرقد في العناية المركزة بين الحياة والموت. الأطباء كانوا حاسمين: يحتاج إلى معجزة للنجاة... عملية زراعة قلب عاجلة في مستشفى تخصصي، تكلفتها تتجاوز الـ 100 ألف دولار! مبلغ خيالي، رقم لم تره عائلتها يوماً حتى في أحلامها. أغلقت ديما الخط، وانهارت على أرض
في إحدى الليالي، كانت ديما تسهر في غرفة ندى. كان الجو دافئاً، وكلتاهما ترتديان ملابس نوم صيفية خفيفة؛ ديما ترتدي قميصاً قطنياً بحمالات رفيعة، وندى ترتدي روباً حريرياً قصيراً. كانت ندى تتقلب على سريرها بضجر واضح، ويبدو أنها كانت تشتعل من الداخل بحرمان جسدي، فأنور لم يعد يزورها كثيراً كالسابق بعد أن أخذ عهداً على نفسه بالابتعاد. كانت ندى ترمق ديما بنظرات فاحصة، تتأمل نعومة بشرتها وانحناءات جسدها التي تبرز من تحت القماش الرقيق. نهضت ندى فجأة، واقتربت من ديما ببطء، وجلست بجوارها. وبحركة بدت عفوية في البداية، مدت يدها وبدأت تلامس ذراع ديما، ثم مررت أصابعها على كتفها العاري. ضحكت ديما بخفة، وأبعدت يدها بلطف قائلة: "ما بكِ يا ندى؟ هل جُننتِ؟ أنا ديما ولست أنور لتعوضي غيابه بي!" ابتسمت ندى ابتسامة ماكرة، ولم تبتعد، بل اقتربت أكثر حتى لامست ركبتها ركبة ديما، وردت بصوت خفيض: "أعرف أنكِ ديما... وأنتِ عندي أجمل وأشهى من ألف رجل. هل تثقين بي يا ديما؟" ردت ديما بابتسامة متسعة: "نعم بالطبع أثق بكِ." قالتها على سبيل المزاح، ظناً منها أن ندى تعبث وتمازحها كما تفعل الفتيات عادة. لكن ندى لم تكن
بالعودة إلى صخب المدينة وجدران السكن الجامعي، انقسمت حياة ديما إلى عالمين متناقضين لا يلتقيان. في النهار، كانت الأمور روتينية، بل ومملة أكثر من اللازم؛ حضور المحاضرات، تدوين الملاحظات، ثم الانغماس في ساعات طويلة من الدراسة العميقة بعد العصر. كانت تمثل دور "الطالبة المثالية" ببراعة، لكن تحت هذا القناع البارد، كان هناك بركان يغلي. كانت ديما تتشوق بجنون لغروب الشمس، تعد الساعات والدقائق لحلول الليل، كي تغلق باب غرفتها، وترتمي في أحضان "عشيقها الوهمي" عبر شاشة الهاتف. توالت الأيام على هذا الروتين السري. لكن، وكطبيعة أي رغبة لا تلجمها حدود، بدأ شريكها الافتراضي يطالب بالمزيد. في إحدى الليالي، وبعد محادثة نصية ساخنة، أرسل لها رسالة جعلت قلبها يقفز: "الكتابة لم تعد تكفي، والصور جامدة. أريد مكالمة فيديو... أريد أن أراكِ تتحركين وتتأوهين في بث مباشر." ترددت ديما كثيراً. كان هذا تجاوزاً لخط أحمر جديد. لكنه بدأ يمارس عليها لعبة الإقناع بمهارة شيطانية؛ أقنعها أن الأمر سيكون أكثر إثارة، حيث سيستطيعان رؤية استجابة بعضهما البعض في اللحظة ذاتها. وتحت تأثير الشهوة التي كانت تعمي بصيرتها، وبحكم أن
انقضت أيام الامتحانات النهائية ككابوس ثقيل، وحزمت ديما حقائبها لتعود إلى قريتها الوادعة لقضاء إجازة منتصف العام التي تمتد لأسبوعين. كانت تظن أن ابتعادها عن ضجيج المدينة، وعن أنور وعمر وأمجد، سيعيد إليها هدوءها القديم وصرامتها المعهودة. في الأيام الأولى، شعرت ديما ببعض السكينة وسط دفء عائلتها. لكن، بمجرد أن كان الليل يسدل ستائره، وتأوي إلى فراشها القطني القديم في غرفتها الصغيرة، كانت تواجه حقيقة مرعبة: عقلها ربما عاد للقرية، لكن جسدها بقي في المدينة. جسدها الذي استيقظ وتذوق طعم اللذة، أصبح يطالب بحقوقه كل ليلة بشراسة. لم يعد الأمر مقتصراً على التنصت على ندى وأنور، لقد تحولت الرغبة إلى جوع دائم يسكن أسفل بطنها. حاولت في إحدى الليالي المظلمة أن تلمس نفسها، أن تداعب أنوثتها دون أي حافز خارجي، لكن الأمر كان ميكانيكياً وبلا روح. لم تشعر بتلك الحرارة، ولم تصل للذروة. كانت بحاجة إلى وقود لتشتعل! في لحظة يأس وفراغ، سحبت هاتفها من تحت الوسادة. فتحت معرض الصور المخفي، وشغّلت ذلك الفيديو القصير الذي التقطته من ثقب الجدار لعضو أنور وهو يخترق ندى. توقعت أن تضربها تلك الصعقة الكهربائية المعتا
عادت ديما إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها بقوة، مستندة إليه بظهرها وهي تلهث. كانت مذهولة، غاضبة، بل وكارهة لنفسها ولكل ذرة أنوثة في جسدها. لقد تعرضت لهذا الموقف المرعب مرتين في أقل من أربع وعشرين ساعة! "من أيضاً يريد جسدي؟!" همست لنفسها بمرارة والدموع تتجمع في مقلتيها. "من أيضاً يريد افتراسي؟ هل سيعرض عليّ بقية رجال هذه المدينة اللعينة أن أمنحهم جسدي واحداً تلو الآخر؟ حتى حبيب صديقتي الوحيدة... وأستاذي في الجامعة؟ ألهذه الدرجة تعمي الشهوة بصائر الناس؟ ألا يفكرون في شيء سوى اللحم؟!" كانت تتحدث بغضب، وتجوب الغرفة وهي على وشك الانهيار التام. شعرت بأنها محاطة بقطيع من الذئاب، وأن براءتها التي جاءت بها من القرية تُنهش بلا رحمة. توقفت فجأة في منتصف الغرفة، ونظرت نحو تلك اللوحة المعلقة على الجدار. ذلك الثقب اللعين! إنه السبب في بداية تلوثها. سحبت الكرسي بقوة، وصعدت عليه. أحضرت شريطاً لاصقاً وقطعة ورق سميكة، وبحسم غاضب، سدت الثقب للأبد وأعادت اللوحة إلى مكانها. "انتهى الأمر،" هدرت بصوت حازم ودموعها تنهمر. "لن أسمح لأحد بأن يلمسني... ولا حتى أنا نفسي! سأعود ديما الصارمة، ديما التي لا تعر
وقفت ديما أمام باب مكتب أستاذها، طرقت الباب بخفة وانتظرت. كانت تشعر بالثقة، فقد أمضت ليلتها بالكامل تعمل على هذا البحث، وراجعت كل كلمة فيه لتضمن أنه خالٍ من الأخطاء. بصفتها طالبة مجتهدة، كانت تسعى دائماً لإثبات جدارتها الأكاديمية، خاصة أمام معيد صارم ودقيق مثل أمجد. "ادخل." جاء صوته هادئاً من الداخل. أدارت المقبض ودخلت. كان المكتب أنيقاً ومرتباً للغاية، يعكس شخصية صاحبه المنظمة بشكل صارم. كان أمجد يجلس خلف مكتبه، يرتدي قميصاً أسوداً مطوياً عند الساعدين، ويراجع بعض الأوراق بتركيز. تقدمت ديما بخطوات واثقة، وضعت ملف البحث على مكتبه وقالت بنبرة مهنية محترمة: "صباح الخير أستاذ أمجد. لقد أنهيت البحث المطلوب، وحرصت على تغطية كافة النقاط التي أشرت إليها في المحاضرة." رفع أمجد نظره إليها للحظة، ثم سحب الملف بهدوء وفتحه. وقفت ديما تنتظر بصمت. كانت تراقب عينيه وهما تمسحان الأسطر بسرعة وتركيز. شعرت ببعض الترقب الطبيعي لأي طالب ينتظر تقييم أستاذه، متمنية أن ينال جهدها إعجابه. وبعد دقائق معدودة، توقفت عيناه عن القراءة. أغلق الملف ببطء، وشبك أصابع يديه أمامه على المكتب، ورفع نظره إليها. ك







