Share

الفصل 3

Author: ريو - Rio
last update publish date: 2026-06-06 17:20:28

في الليالي الثلاث التالية، كانت ديما تستلقي في فراشها ويداها معقودتان فوق بطنها بقلق. كانت تخشى أن يأتي "أنور" مجدداً، وأن تضطر لخوض تلك المعركة الطاحنة مع فضولها، خاصة بعد اكتشافها لذلك الثقب الشيطاني خلف اللوحة.

لكن... أنور لم يأتِ.

مرت الليلة تلو الأخرى، وغرفة ندى هادئة تماماً. في البداية، تنفست ديما الصعداء وعادت لاتزانها النفسي، ووجهت كل تركيزها المشتت نحو دراستها. لكن، وفي زاوية مظلمة ومخفية من عقلها الباطن، كان هناك شعور مبهم وخافت بالخيبة... خيبة لم تجرؤ حتى على الاعتراف بها لنفسها.

​أثمرت عزلتها وتركيزها نجاحاً باهراً. ففي إعلانات نتائج امتحانات منتصف الفصل، تصدر اسم "ديما الدالي" لوحة الشرف بأعلى الدرجات. وقف أساتذتها في القاعات يشيدون بذكائها الاستثنائي، بل وجعلوها مثالاً يُحتذى به أمام مئات الطلاب.

كانت ديما تبتسم بخجل، غير مدركة أن هذا الضوء الذي سُلط عليها فجأة، قد أيقظ وحوشاً في الظلام.

​في جامعة مليئة بالمظاهر، كانت "نوال" هي الملكة المتوجة للسطحية. فتاة شقراء، شديدة الجمال ولكن بملامح قاسية وشرسة، ترتدي أغلى الماركات، وتضع طبقات من مساحيق التجميل التي تجعلها تبدو كنجمة سينمائية. كانت نوال تتنقل بين أوسم شباب الجامعة وأغناهم، ولا ترضى بأن يسرق أحد انتباههم منها. وبالنسبة لها، أن يقوم الأساتذة بمدح فتاة ريفية بسيطة لا تضع حتى كحلاً في عينيها، كان إهانة شخصية لا تُغتفر.

​في فترة الاستراحة، كانت ديما تجلس وحيدة في زاوية منعزلة بكافتيريا الجامعة المزدحمة، تتناول شطيرتها بهدوء. فجأة، حُجب الضوء عنها.

رفعت رأسها لتجد نوال تقف أمام طاولتها، محاطة بحاشيتها من الفتيات المتصنعات.

نظرت نوال لديما من أعلى لأسفل باشمئزاز، ثم رفعت صوتها لتسمع الطاولات المجاورة: "إذن، هذه هي ديما الدالي؟ القروية البائسة التي يريد منا الأساتذة أن نتخذها قدوة؟"

​انفجرت إحدى فتيات حاشيتها بضحكة مصطنعة: "يا إلهي نوال! تخيلي أن أقتدي بها؟ انظري إلى وجهها الشاحب، إنها لا تعرف حتى ما هو أحمر الشفاه! عثة كتب منطوية ومملة."

أضافت أخرى وهي تشير بأظافرها المطلية نحو ديما: "وانظري إلى فستانها! بحق السماء، هل نحن في العصور الوسطى؟ يبدو أنها ورثته عن جدتها المتوفاة!"

​احتقن وجه ديما بالدماء، وشعرت بغصة قاهرة في حلقها. لم تعتد على هذه القسوة الوقحة. وقفت بصعوبة، وحاولت أن تجعل صوتها ثابتاً: "ابتعدي عني لو سمحتِ... أنا لا أسمح لكِ بإزعاجي."

اتسعت عينا نوال بغضب مصطنع، واقتربت خطوة مهددة: "ألا تسمحين لي؟ هل تجرؤين يا حثالة الريف على توجيه هذا الكلام لي؟"

​وقبل أن ترمش ديما، هوت يد نوال بصفعة مدوية على خدها.

شهقت ديما وتراجعت للخلف، تاركة شطيرتها تسقط. لم تكتفِ نوال بذلك، بل أمسكت بكوب العصير البارد من على الطاولة، وسكبته بوحشية فوق ملابس ديما وكتبها.

انطلقت ضحكات ساخرة من الحاشية، ورفعت نوال يدها لتوجه صفعة أخرى للفتاة التي وقفت ترتجف من الصدمة والإهانة...

​لكن الصفعة الثانية لم تصل أبداً.

اندفعت يد قوية من العدم، قبضت على معصم نوال بقسوة جعلتها تصرخ.

كانت ندى!

بعينيها المشتعلتين وملامحها العصبية، لوت ندى ذراع الشقراء، ثم بلمح البصر، وجهت لنوال صفعة عكسية قوية جعلتها تترنح للخلف.

"اسمعيني أيتها العاهرة البلاستيكية!" صرخت ندى بصوت جهوري أسكت الكافتيريا بأكملها. "إذا اقتربتِ من ديما مجدداً، سأمسح بكرامتك المزيفة بلاط هذه الجامعة! اغربي عن وجهي الآن!"

​تراجعت نوال وحاشيتها بخوف، فهن يعرفن أن ندى فتاة ذات لسان سليط ولا تتردد في افتعال معركة طاحنة.

بمجرد ابتعادهن، التفتت ديما لندى. كانت الدموع تنهمر كالشلال من عينيها الواسعتين. ارتمت في حضن ندى، ودفنت وجهها في كتفها تبكي بحرقة كطفلة ضائعة، بينما أخذت ندى تربت على ظهرها وتهدئها.

​عندما هدأت ديما قليلاً ورفعت رأسها لتمسح دموعها، تجمدت في مكانها، وانقطعت أنفاسها في صدرها فجأة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
طاحوس زز
يجنننننننن
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • خطيئة بريئة: الخضوع للشيطان.   الفصل 54

    غاب صوت محرك سيارة "خليل" المتهالكة في صمت الفجر الكئيب، مخلفاً وراءه فراغاً موحشاً وبرودة تخترق العظام داخل المصنع المهجور. ​على الكرسي الخشبي المتهالك، كانت "سمر" تنتفض بجنون، تتلوى كطير ذبيح. لقد استغل خليل لحظة صدمتها وانهيارها ليجر جسد جاد الضخم والفاقد للوعي بصعوبة بالغة نحو سيارته، قبل أن يفر من المكان كشيطان أنهى مهمته. ​بدموع تعمي بصرها، وغريزة يأس ترفض الاستسلام، بدأت سمر تحك الأربطة البلاستيكية القاسية التي تقيد معصميها بحافة مسمار صدئ وبارز من ظهر الكرسي. لم تأبه للحديد الذي كان يمزق جلدها ويُدمي معصميها، كانت تفرك يديها بوحشية حتى انقطع الرباط أخيراً. ​بمجرد أن تحررت يداها، أزالت الشريط اللاصق عن فمها بقسوة سلخت بشرتها، وانكبت على قدميها لتفك قيودها بأصابع مرتعشة. ما إن تحررت، حتى زحفت على ركبتيها نحو البقعة التي سقط فيها جاد. ​لم تجد جاد.. لم تجد سوى بركة داكنة ولزجة من الدماء التي تجمعت على الأرضية الخرسانية. ​مدت سمر يديها المرتجفتين، ولامست دماءه. شهقت بقوة وكأن خنجراً طعن حنجرتها، وأطلقت صرخة ممزقة، مدوية، ومحملة بكل آلام الأرض، صرخة شقت سكون المصنع المهجور

  • خطيئة بريئة: الخضوع للشيطان.   الفصل 53

    من بين الظلال الكثيفة خلف بقعة الضوء، ظهر "خليل" أخيراً. كان يبتعد عن سمر بضعة أمتار، ويقف بحذر خلف أحد الأعمدة الخرسانية الضخمة كفأر يخشى المواجهة المباشرة. كان يرتجف، وعيناه المحمرتان تدوران بجنون واضح، لكنه كان يبتسم بانتصار، منتشياً برؤية خصمه الأعظم أعزلاً. ​"لم أكن أصدق أن زعيم المافيا المرعب.. الوحش الذي يسحل المراهقين في وضح النهار دون أن يرف له جفن، سيأتي راكعاً بلا سلاح من أجل فتاة." ضحك خليل بصوت متشنج ومتقطع، تردد صداه كنباح ضبع. ​"لقد أتيت.." قال جاد بصوت هادئ، ولكنه يقطر تهديداً ووعيداً. رفع يديه عالياً ببطء ليثبت أنه أعزل تماماً، وعيناه لا تفارقان خليل. "هذه تصفية حسابات بيني وبينك يا خليل. أخرجها من هذه اللعبة القذرة، دعها ترحل الآن، وخذ ما تشاء مني." ​ابتلعت سمر دموعها وهي تستمع إلى نبرته الثابتة. الرجل الذي وصفته البارحة بالوحش القاتل، والذي كسرته بكلماتها وتركته ينزف، يقف الآن أمامها يعرض حياته ودمه للموت فداءً لها دون لحظة تردد واحدة! انهار قلبها من الداخل، وصرخت صرخة مكتومة وممزقة خلف الشريط اللاصق، وهي تلعن نفسها، وتلعن مثاليتها التي كانت السبب في جره إلى م

  • خطيئة بريئة: الخضوع للشيطان.   الفصل 52

    كانت عجلات سيارة الدفع الرباعي السوداء تلتهم الأسفلت البارد بسرعة انتحارية، تتجاوز الإشارات الحمراء الميتة وتشق صمت الفجر كوحش جريح. خلف المقود، كان "جاد الحسيني" يقبض على عجلة القيادة بقوة كادت تهشمها، ومفاصل أصابعه ترتجف بالكامل من فرط التوتر والغضب الأعمى. لم يكن يرى الطريق المظلم أمامه، بل كان يرى فقط طيف "سمر". ​تردد صدى كلماتها الأخيرة في رأسه كتعويذة ملعونة: "أنت قاتل... أنا أرتعب منك". ​ابتسم جاد بمرارة قاسية وسخرية سوداء من نفسه. زعيم المافيا، الرجل الذي ترتعد لذكر اسمه أعتى العائلات، والذي أشغل الرأي العام ومسح أعداءه من الوجود بإشارة من إصبعه، يندفع الآن بكل طواعية نحو فخ مكشوف من أجل فتاة رفضته للتو. لكنه لم يهتم. كبرياؤه، إمبراطوريته، وحتى حياته.. كل ذلك بدا بلا أدنى قيمة إن مُسَّت شعرة واحدة منها بمكروه. لقد أدرك في هذه اللحظة، وتحت سماء هذه المدينة الباردة، أنه لم يعد يملك نفسه، بل أصبح أسيرها بالكامل. قلبه ينبض خارج صدره، ومحجوز الآن في قفص مريض نفسي. ​في أقصى الجنوب من المدينة، حيث لا توجد سوى أطلال المصانع القديمة التي التهمها الصدأ وهجرها البشر، كانت تقبع بناي

  • خطيئة بريئة: الخضوع للشيطان.   الفصل 51

    تلقف خليل جسد سمر المرتخي وهو يلهث بشدة، صدره يعلو ويهبط كمن أنهى ماراثوناً مميتاً. التفت يميناً ويساراً بجنون ليتأكد أن أحداً لم يلمح المشهد في هذا الشارع المهجور المحاط بالأشجار. وبمجرد أن تأكد من خلو المكان، سحب جسدها الفاقد للوعي ورفعه إلى داخل الجزء الخلفي المعتم من سيارة الفان. ​لم يضيع ثانية واحدة. رائحة الغبار والصدأ في السيارة كانت تزيده توتراً. أخرج أربطة بلاستيكية صناعية سوداء (Zip-ties) شديدة المتانة، وقيد معصميها خلف ظهرها بقسوة بالغة جرحت بشرتها البيضاء، ثم قيد كاحليها بإحكام، ووضع شريطاً لاصقاً عريضاً على فمها لضمان عدم خروج أي صوت منها إذا استيقظت قبل الأوان. ​كان يرتجف من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، لكنها كانت رجفة نشوة مريضة.. نشوة رجل يلوي أخيراً ذراع عدوه اللدود! ​قفز خارج السيارة ليلتقط حقيبتها المتناثرة، ثم وقعت عيناه على هاتفها الملقى على الإسفلت. التقط الهاتف، ونظر إلى جسد سمر في الداخل. بخطوات سريعة، صعد إلى الخلف مجدداً، وأمسك بإصبع إبهامها المرتخي، وضغطه بقوة على مستشعر البصمة في الشاشة. ​أضاءت الشاشة وفُتح الهاتف. ​ابتسم خليل بانتصار شيطاني شوه ملامح

  • خطيئة بريئة: الخضوع للشيطان.   الفصل 50

    كان صباح العاصمة بارداً وقاسياً بشكل استثنائي. سماء ملبدة بغيوم رمادية ثقيلة تحجب أشعة الشمس، وضباب خفيف يلامس أطراف الأرصفة وكأن المدينة بأكملها تشارك "سمر" حدادها الصامت. ​سارت سمر بخطوات مثقلة، تسحب قدميها على الرصيف المؤدي إلى الحرم الجامعي. لم تذق طعم النوم طوال الليل؛ كانت عيناها متورمتين وتحرقانها بشدة من فرط البكاء المستمر. لقد تركت "جاد".. تركت الرجل الوحيد الذي جعل قلبها ينبض بجنون، تركته وهو في قمة انكساره وعشقه لها. كان عقلها يصرخ مراراً وتكراراً بأنها اتخذت القرار الصحيح؛ فلا يمكنها بناء حياة آمنة في ظل رجل يعتبر القتل مجرد أداة لحل المشاكل، لكن قلبها الممزق كان يئن ألماً مع كل خطوة تبتعد فيها عن عالمه. ​لفت معطفها الصوفي حول جسدها المرتجف من برد الصباح وبرد الروح، واختارت أن تسلك طريقاً مختصراً كعادتها لتتجنب زحام الطلبة ونظراتهم الفضولية؛ زقاقاً ضيقاً وهادئاً تظلله أشجار سرو كثيفة يفصل بين الشارع العام والبوابة الجانبية للجامعة. لم يكن هناك أحد في الزقاق سواها، وصوت وقع حذائها يتردد بصدى موحش. ​لكنها لم تكن تعلم أنها لم تكن تمشي وحدها. ​على بعد عشرين متراً خلفها

  • خطيئة بريئة: الخضوع للشيطان.   الفصل 49

    هبط موكب السيارات ذات الدفع الرباعي المظللة من الجبال الغربية عائداً إلى العاصمة. في المقعد الخلفي، كان "جاد الحسيني" يجلس واضعاً ساقاً فوق أخرى، وعيناه الداكنتان تتأملان شوارع المدينة التي خرج منها قبل أيام كشيطان رجيم. ​لكن المدينة لم تعد كما تركها. ​ابتسم جاد ببطء وهو يطالع الجدران التي شُوهت بالدهان الأحمر سابقاً. لقد حلت محلها الآن جداريات ضخمة ومتقنة رسمها شباب متمردون؛ إحداها كانت تصوره بسترته السوداء وهو يسحل "سيف"، مرسوماً بملامح قاسية وثورية تجعله يبدو كـ "تشي جيفارا" العصر الحديث، رمزاً للتمرد على القانون الذي يفشل في حماية الضعفاء. وفي الساحات، كانت الشاشات الإعلانية تتناقل تصاميم رقمية تظهره كفارس، وبعضها ألبسه عباءة "سوبرمان". ​لقد عاد جاد ليس كابن عائلة ثرية نجا من السجن، بل عاد كبطل شعبي، كأسطورة تُهتف باسمها حناجر الملايين. وكان يعلم جيداً من هي الساحرة التي نسجت هذه المعجزة. ​توجه الموكب مباشرة إلى مقر الشركة. صعد جاد إلى مكتبه في الطابق العلوي بخطوات واثقة، مشحونة بنشوة الانتصار، والأهم.. بشوق مجنون ومحرق لـ "سمر". لقد أثبتت له أنها بطلة تليق به، حاربت العال

  • خطيئة بريئة: الخضوع للشيطان.   الفصل 2

    جلست ندى على حافة سرير ديما، تربع ساقيها وتنظر إليها بعينين متسعتين وكأنها ترى كائناً فضائياً."هل تمزحين معي يا ديما؟ تسعة عشر عاماً ولم تلمسي حتى يد شاب؟ لم تعيشي قصة حب ولو مراهقة عابرة؟"​تراجعت ديما للخلف، تضم ركبتيها إلى صدرها وكأنها تحمي نفسها من كلمات ندى الجريئة. احمرت وجنتاها بشدة وقالت ب

  • خطيئة بريئة: الخضوع للشيطان.   الفصل 1

    ​كان صوت عجلات القطار وهي تضرب القضبان الحديدية أشبه بنبضات قلب "ديما" المتسارعة.جلست بجوار النافذة، تسند رأسها على الزجاج البارد، وتراقب قريتها الوادعة وهي تتلاشى في الأفق، ليحل محلها غابة من الأسمنت والزجاج. المدينة!لأول مرة في حياتها ذات التسعة عشر عاماً، تغادر ديما قريتها. ورغم فستانها القطني

  • خطيئة بريئة: الخضوع للشيطان.   الفصل 5

    ​كانت ديما تجوب غرفتها الضيقة جيئة وذهاباً كأنها نمرة حبيسة تحرث الأرض بقدميها. هذه المرة، لم يكن الصراع مجرد أفكار عابرة، بل كانت معركة طاحنة تمزقها من الداخل؛ بين تربيتها الريفية الصارمة وأخلاقها المحافظة من جهة، وبين ذلك الفضول الأسود والشهوة الغامضة التي استيقظت بداخلها من جهة أخرى. ​كانت تتش

  • خطيئة بريئة: الخضوع للشيطان.   الفصل 4

    بعد أيام في صباح يوم دراسي غير اعتيادي،​كان المدرج الرئيسي للجامعة يضج بالهمسات والترقب. الجميع يعلم أن المعيد الجديد ليس مجرد أكاديمي متفوق، بل هو "أمجد"، خريج الجامعة الاستثنائي، والابن الوحيد للملياردير الذي يمتلك نصف أسهم هذه الجامعة.​في الصف الأول، جلست "نوال" تضع ساقاً فوق أخرى، مرتدية تنور

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status