Beranda / الرومانسية / خلف جدار قسوته: ليلة خذلاني الأخيرة / الفصل الرابع: شفاء الندوب الغائرة

Share

الفصل الرابع: شفاء الندوب الغائرة

last update Tanggal publikasi: 2026-06-17 06:10:53

خلف زجاج نافذة عيادة التجميل الفاخرة القابعة في أحد الأحياء الراقية بالقاهرة، كانت حركة المرور تبدو باهتة ومشوّشة بفعل بقايا الضباب التشرينيّ. كان الهدوء في هذا المكان يبدو مصطنعاً، تعززه رائحة المعقمات الطبية الخفيفة والموسيقى الهادئة التي تبثها مكبرات الصوت في السقف، هدوء يتناقض تماماً مع الصراع المحموم الذي يدور في صدر سهر.

جلست سهر على المقعد الجلدي الأبيض داخل غرفة الفحص، ممسكةً بحقيبة يدها بقوة أدت إلى ابيضاض مفاصل أصابعها. كانت طوال السنوات الماضية تزور هذا المكان سراً، كمن يتردد على وكر لجريمة ما، هرباً من معرفة فارس، وهرباً من أن يرى محاولاتها المستميتة لإصلاح جسدها المشوه. كان فارس دائماً يغمرها بكلمات الشفقة والامتنان، ويخبرها أن تلك الحروق هي "أوسمة شرف" لأنها أنقذت شقيقته، لكن نظراته الباردة المتهربة من جسدها في الفراش كانت تقول عكس ذلك تماماً. كانت نظراته تذبح كبرياءها كل ليلة، وتؤكد لها أنها باتت مجرد جسد متضرر يثير الشفقة والواجب لا الرغبة.

دخل الطبيب، وهو جراح تجميل معروف، يرتدي معطفه الطبي الأبيض ويحمل ملفها التاريخي الممتلئ بالتقارير وجلسات الليزر المعقدة التي خضعت لها على مدار أشهر طويلة بصمت وتكتم. ابتسم الطبيب بوقار وهو ينظر إليها قائلاً بنبرة مطمئنة:

"مرحباً بكِ يا سهر.. اليوم هو موعد الفحص النهائي والتقييم الأخير بعد جلسة الليزر العميقة التي أجريناها الشهر الماضي."

أومأت برأسها دون أن تنطق، وبحركات آلية اعتادت عليها، أزاحت معطفها الدافئ ثم خفضت ياقة قميصها لتكشف عن كتفها الأيسر وأعلى ذراعها. مرر الطبيب أنامله الطبية، المكسوة بقفاز مطاطي، فوق بشرتها بفحص دقيق. كانت الندوب الغائرة والمتعرجة التي تركتها النيران ذات يوم قد تلاشت بنسبة كبيرة؛ لم يعد هناك ذلك اللون الأحمر الداكن القاسي، بل حلت مكانه بشرة جديدة، ناعمة، مالت إلى البياض، ولم يتبقَ من التشويه سوى خطوط دقيقة باهتة تكاد لا تُرى إلا لمن يمعن النظر.

تأملت سهر انعكاس كتفها في المرآة الصغيرة المثبتة أمامهما، وشعرت بغصة حارة تخنق أنفاسها. لقد تلاشت الندوب تقريباً، واستعاد جسدها رقته وأنوثته التي ظنت أنها دفنت تحت رماد الحريق، لكن هذا التعافي جاء متأخراً جداً.. جاء في الليلة التي اكتشفت فيها أن مشكلة فارس لم تكن يوماً مع حروق جسدها، بل كانت مع وجودها هي في حياته. هو لم يرَ تشويه جسدها عيباً، بل كان يرى زواجه منها بأكمله عقاباً يدفعه مكبلاً بالذنب والمسؤولية، بينما قلبه ينبض لامرأة أخرى.

تراجع الطبيب إلى الخلف، ونزع قفازه متبسماً بارتياح:

"النتائج ممتازة يا سهر، بل إنها فاقت توقعاتي الطبية. تجدد الخلايا كان سريعاً، والآن يمكننا القول إن بشرتكِ استعادت عافيتها ونعومتها بنسبة تتجاوز التسعين بالمئة. لم نعد بحاجة إلى أي جلسات إضافية، فقط بعض الكريمات المرطبة والمغذية."

لم تبتسم، ولم تظهر الفرحة التي طالما انتظرتها لسنوات. بقيت ملامحها لوحة من الجليد الصافي. أعادت قميصها إلى مكانه، ونظرت إلى الطبيب بعينين تشعان بقوة غريبة ونبرة فصحى بليغة حاسمة:

"أريد منكِ طلباً أخيراً يا دكتور.. أريد تقريراً طبياً نهائياً وشاملاً بحالتي، يثبت تعافي جسدي الكامل وتاريخ الجلسات، وأريده مختوماً وموثقاً باللغتين العربية والفرنسية."

عقد الطبيب حاجبيه بدهشة واستغراب من طلبها المفاجئ:

"بالفرنسية؟ ولماذا التوثيق الدولي يا سهر؟ هل تنوين استكمال العلاج في الخارج؟"

عدلت سهر حقيبتها، ووقفت مستقيمة الظهر، ممسكةً بملامحها الثابتة التي ولدت من رحم خذلان البارحة، وأجابت ببرود صلد:

"لا.. أنا مسافرة لبدء حياة جديدة تماماً في باريس. حياة لا مكان فيها للماضي، ولا مكان فيها للاختباء خلف جدران الشفقة. هذا التقرير هو وثيقة إعلان حريتي، وإثبات لنفسي وللعالم أنني لم أعد تلك المرأة المكسورة المشوهة."

أدرك الطبيب من نظراتها الحادة أن أمراً جسيماً قد تبدل في روح هذه المرأة الهادئة. لم يناقشها، بل أومأ برأسه احتراماً لكبريائها الطاغي، وبدأ في صياغة التقرير النهائي تحت نظراتها الجامدة التي كانت تتطلع نحو أفق جديد تماماً، أفق يقع وراء البحار، بعيداً عن سجن فارس المخملي.

في الطابق الأخير من برج الشركات الشاهق بوسط العاصمة، كان فارس النعمان يجلس خلف مكتبه الخشبي العريض المصنوع من خشب الأبنوس الداكن. كانت الغرفة شاسعة، تحيط بها واجهات زجاجية تكشف عن القاهرة بأكملها وهي تغرق في صخب نهارها التشريني الضبابي. وعلى الرغم من الأوراق والعقود الإستثمارية المليونية التي كانت تمتد أمامه وتتطلب توقيعه، إلا أن ذهنه كان تائهاً، تشتته فكرة غريبة لم تفارقه منذ الصباح.

صورة سهر الباردة.. صمتها المريب في المطبخ.. وتلك الطريقة القاسية التي تفادت بها لمسته وجعلت يده تسقط في الفراغ. كانت تلك التفاصيل البسيطة تدور في عقله كترس خشن يرفض الدوران بانتظام. شعر بوخزة قلق تتزايد في صدره؛ لم تكن سهر يوماً بهذا الجمود. اعتاد منها البكاء، العتاب الخافت، أو الهروب إلى غرفتها بملامح مكسورة تفيض عاطفة، لكن أن تنظر إليه دون أن تراه، وأن تتحدث معه بنبرة ميتة خالية من أي شجن، كان هذا أمراً يثير ريبته ويهدد كبرياءه كرجل اعتاد السيطرة على كل تفاصيل حياته.

حاول التركيز في الأوراق أمامه، لكن صوتاً خافتاً لإشعار من هاتفه الخاص قطعه. التقط الهاتف بآلية، وبمجرد أن فتح شاشة إنستغرام، تسمر في مكانه وتصلبت نظراته الحادة.

كان مقطع فيديو ينتشر كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي، مقطع يحمل وسماً تصدر القوائم في دقائق معدودة: "عودة رانيا قاسم".

ظهرت رانيا في الفيديو وهي تهبط من سلم الطائرة في مطار القاهرة الدولي بكامل أناقتها الفاضحة وضحكتها الصاخبة التي طالما زلزلت كيانه في أيام الجامعة. كانت محاطة بالمصورين والمعجبين، وتتحدث للكاميرات بثقة تامة عن عودتها الاستعراضية إلى البلاد لإحياء سلسلة من الحفلات الغنائية الضخمة برعاية شركات عالمية. وفي خلفية المقطع، تناهى إلى مسامعه ذلك الصوت الجماعي الذي هتف به أصدقاؤها البارحة في الحفل المغلق: "مرحباً بعودة رانيا! نحبكِ!".

سقطت يده بالهاتف فوق المكتب الخشبي. تراجعت أنفاسه المكتومة، وشعر بتشتت حاد يمزق كيانه إلى نصفين. نصف يعود به إلى الماضي، إلى رانيا، حبيبته الأولى ومعبودته التي طالما عبد صورتها في خياله وفي هاتفه السري، والتي عاش خمس سنوات يعتبر زواجه من سهر مجرد عقاب وكفارة عن ذنب الحادثة التي بترت ساقها وسلبتها قدرتها على الرقص بسببه. ونصف آخر، يربطه بحاضره البارد، بتلك الزوجة الساكنة كتمثال من رخام في قصره، والتي بدأت تثير رعباً خفياً في نفسه بصمتها غير المفهوم منذ ليلة البارحة.

أغمض فارس عينيه بعمق، وتنهد بتعب أحس معه بثقل جدران البرج فوق صدره. تذكر كلمات الرسالة الصوتية التي أرسلها لرانيا البارحة خفية في الحمام، وتذكر كيف كان يحدق بشغف محموم في صورتها بينما كانت زوجته سهر تنتظره في الغرفة الأخرى بشموع عيد زواجهما الذائبة. شعر بوخزة ذنب جديدة، لكنها هذه المرة لم تكن تجاه جسد سهر المشوه، بل كانت تجاه كبريائه هو؛ فهو الآن مشتت، تائه بين امرأتين؛ امرأة تملك ماضيه وتعود الليلة لتشعل الأضواء في مدينته، وامرأة تملك حاضره وتبني من صمتها جداراً جليدياً يكاد يخنقه.

قطع تشتته الرهيب صوت طرقات منتظمة على باب المكتب، قبل أن يدخل مساعده الشخصي بملامح مرتبكة ويضع أمامه مجلة فرنسية متخصصة في الموضة والأزياء تم شحنها عاجلاً هذا الصباح، قائلاً بنبرة منخفضة:

"باشمهندس فارس.. هناك تقرير غريب نُشر في هذه المجلة الدولية منذ ساعات، يتحدث عن مصممة مصرية غامضة ستكتسح أسبوع الموضة في باريس قريباً باسم مستعار، والمثير في الأمر.. أن خطوط التصاميم المرفقة تشبه تماماً اللوحات الفنية التي كانت السيدة سهر ترسمها في القصر."

تصلب فارس في مكانه، واتسعت عيناه بذهول وهو يسحب المجلة بعنف، لينظر إلى الخطوط والتواقيع المكتوبة بالفرنسية في أسفل الصفحات، شعور مباغت بالخطر والتشويق جعله يدرك أن صمت سهر هذا الصباح لم يكن مجرد نوبة غضب، بل كان غطاءً لعاصفة مدمرة أوشكت أن تقوض أركان عالمه بأكمله!

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • خلف جدار قسوته: ليلة خذلاني الأخيرة   الفصل الخامس والثمانون: تيجان الحرية وسُعار العشق السرمدي

    كان الصمت الذي خيّم على المستودع المهجور، الموشى ببريق كشافات الهالوجين الفوسفورية، أشبه بصقيع الموت الذي يسبق الانفجار العظيم. انقطعت الأنفاس في صدر فارس العريض، وتصلبت ملامحه القاسية برعب وحشي لم يعرفه حتى في أشد معاركه الاستثمارية ضراوة، وهو يستمع إلى كلمات "رائف قاسم" التي نزلت كالمقصلة الدولية لتشطر وجوده الوجداني إلى نصفين مدميين. كانت الوثيقة الرابعة المستقرة في يد النائب العام الدولي تلمع كشفرة مسمومة؛ فإما أن تحصل سهر النعمان على حريتها المطلقة وتستعيد تاج جدارتها الفنية لاسم (لمار القاضي) شريطة نفي فارس وزجه في زنزانة عسكرية بباريس مدى الحياة، وإما أن تختار البقاء في أحضانه المقيدة بالأغلال ليتحول صرحها الفني وتاريخها بأكمله إلى حطام اقتصادي يذروه الرماد قبل شروق الشمس الكلي.كان الصراع النفسي يطحن أحشاء الملكة الشرقية بلا هوادة. وقفت سهر وسط وميض الكشافات الباردة، ثوبها الأبيض النقي الموشى بالرماد يبدو كراية صمود جريح، ومسكها البارد ينتشر في فضاء المستودع ليزاحم عطر عوده الفاخر وصندله الصارم المنبعث من جسده الضخم المنهك. نظرت إلى فارس، إلى الضمادات الشاشية البيضاء الت

  • خلف جدار قسوته: ليلة خذلاني الأخيرة   الفصل الرابع والثمانون: فخ الخديعة المطلقة

    كانت العربة المصفحة التابعة لـ "تحالف بورصات الغرب المحظورة" تنهش أسفلت الطريق الصحراوي بسرعة جنونية، متجهة نحو مدارج الطائرات العسكرية السرية في أطراف العاصمة، وسط عتمة حالكة سحقت خيوط الشفق الكاذب. في الداخل، لم يكن الصمت هادئاً، بل كان يشبه غليان مرجل أسود طحن أحشاء فارس وهو يستلقي فوق المقعد الحديدي البارد، مقيداً بالأغلال الحديدية الثقيلة التي التفت حول معصميه الطويلين الارتعاشيين. كان تنفسه لاهباً، ومبتوراً، وملامحه العريضة المنحوتة من صخر الغطرسة قد تشوهت بقسوة وعذاب وجودي لا يرحم، بفعل الصدمة الكهربائية التي شلت جسده الضخم، ونزفت معها حروقه الشرسة تحت الضمادات الشاشية البيضاء التي تلتف حول كتفه وساعده فداءً لـ (لمار القاضي).غير أن الألم الجسدي لم يكن سوى رماد واهن أمام سعير صراعه النفسي وجنون تملكه المريض الذي استعر في سويداء قلبه. كان عقله يغلي بالغيرة العمياء التي أكلت خلايا روحه؛ فهو لا يدري في أي فضاء أو زنزانة متباعدة قبعت فيها سهر النعمان في هذه الأجزاء من الثانية. فكرة أن ملكته الطاهرة، بأنفاسها المتلاحقة ومسكها البارد، قد أُودعت بين أيدي رجال الكوماندوز المأجوري

  • خلف جدار قسوته: ليلة خذلاني الأخيرة   الفصل الثالث والثمانون: محراب العناق الحارق

    تحت غطاء ذلك الليل الذي استحال ستاراً كالحاً من الصقيع والأسر، طُوقت السيارة المصفحة كفريسة وقعت في شباك عنكبوتية نسجتها مخالب "تحالف بورصات الغرب المحظورة". كانت النبضة الكهرومغناطيسية قد أطفأت أنوار المحركات والشاشات، فلم يبقَ في فضاء المركبة سوى وميض خافت ينبعث من كشافات مصفحات الحصار الخارجية، ليرسم فوق وجه سهر النعمان ظلالاً تشبه القضبان. تداخلت أنفاسها المبتورة اللاهبة بمسكها البارد، الذي بات عاجزاً عن إخماد سعير الرعب والوجد المتأجج في أحشائها، بينما استقر فارس بجوارها كالجبل الشاحب المتصلب، وعروق يديه الطويلتين النافرتين تنبض برغبة وحشية في تمزيق هذا الطوق المفروض حول معصمي ملكته.كان الصراع النفسي يطحن صدره العريض؛ ففي ذات الثانية التي أعلن فيها اللاسلكي العسكري عن الحصار البري الشامل لاقتيادهما نحو جهة غير معلومة خارج حدود القارة، لم يكن فارس يفكر في إمبراطوريته المنهارة، ولا في التوقيع القديم الذي استغلته الأفعى الشقراء هيلين لتجريده من أصوله الاستثمارية داخل العاصمة. كان عقله وجنون تملكه المريض يتمحوران حول حقيقة واحدة عاتية: هناك أغراب يوشكون على اقتحام فضائه، ومد أ

  • خلف جدار قسوته: ليلة خذلاني الأخيرة   الفصل الثاني والثمانون: صرير الأوراق الممزقة

    تحت سماء الطريق الصحراوي التي بدأت تتلون بلون الشفق القرمزي الحارق، بدا الصمت الذي أعقب ظهور الوثيقة الرقمية الجديدة كأنه نصل بارد يقطع ما تبقى من حبال الثقة والأنفاس. كانت الشاشة الصفراء تبث نداءها الحارق المباغت، معلنة أن توقيع سهر النعمان القديم، الذي خطته في فترات الغفلة الإدارية المشتركة مع رانيا قاسم، قد تحول في هذه الأجزاء من الثانية إلى مقصلة قانونية تمنح الأفعى الشقراء هيلين دو لوران حق السيطرة المطلقة والسطو الكامل على كافة حسابات فارس الاستثمارية وأصوله العقارية داخل العاصمة.تصلبت ملامح فارس برعب وحشي متجدد، وانقطع النفس في صدره العريض وهو يدرك أن اندفاعه لافتدائها بباريس والمحلة، وعودتها الحالية إلى محراب وجدانه، قد أطلق ثغرة قانونية ستجر إمبراطوريته السيادية إلى الخراب الشامل. غير أن الصراع النفسي الذي كان يطحن أحشاءه لم يكن خوفاً على ثروته المتبقية أو تيجان سيادته المالية؛ بل كان سُعار غيرة عمياء وجنون تملك مريض استعر في خلايا روحه وهو ينظر إلى سهر. كيف يتحول طهر أنثاه، بغير قصد منها، إلى سلاح بيد أعدائه؟ وكيف يرى في عينيها الواسعتين ذلك الشحوب الطارئ الذي يهدد بن

  • خلف جدار قسوته: ليلة خذلاني الأخيرة   الفصل الحادي والثمانون: اختطاف في الظلام

    لم يكن الظلام الذي أطبق على الجناح الطبي مجرد غياب للنور، بل كان رداءً أسود كالحاً نسجته خيوط مكيدة الكونت "دي لوسيه" ليخنق آخر أنفاس الطمأنينة التي تولدت من رحم النيران. تداخلت صفارات الإنذار المتقطعة برائحة الغاز المخدر اللزج الذي بدأ يتسلل عبر منافذ التهوية كالأفاعي الشقراء الباردة، ليزاحم عطر العود الملكي وصندل فارس الفاخر الذي جُبل برماد المحلة الكبرى. كان الصراع النفسي يطحن أحشاء فارس وهو يشعر بجسده الضخم، كالجبل الشاحب، يترنح تحت وطأة التخدير المباغت، بينما كانت أصابعه الطويلة الارتعاشية تتشبث بمعصم سهر النعمان الرقيق كأنها تقبض على جمر حياته الوجدانية.شعر بفضاء الغرفة يغلي بالحركة؛ خطوات عسكرية جافة، وقرع كعاب حديدية لرجال الكوماندوز المجهولين الذين اقتحموا العتمة كأشباح مرعبة. في تلك الأجزاء من الثانية، استعرت في صدره العريض غيرة التملك الأعمى وجنون العشق المرضي المسموم؛ كيف يسمح لهؤلاء الأغراب بانتزاع ملكته الطاهرة؟ كيف يجرؤ الغرب على مد أنامله نحو أنثاه وهو الذي عمد تاجه الفني (لمار القاضي) بحروق حية شرسة ما زالت تلتهم ساعده وكتفه تحت الضمادات الشاشية البيضاء؟صر

  • خلف جدار قسوته: ليلة خذلاني الأخيرة   الفصل الثمانون: رماد الثقة

    كان الصمت الذي أعقب كلمات الكونت "دي لوسيه" أشبه بجليد قطبي هبط دفعة واحدة فوق مرجل مشتعل؛ فجمد الأنفاس في الصدور، وحوّل فضاء الجناح الطبي المنعزل بمستشفى المحلة الكبرى إلى ساحة إعدام علنية للقلوب. غامت الرؤية في عيني سهر النعمان، وتصلبت ملامحها الشاحبة برعب وجودي وحشي طحن أحشاءها، وهي تنظر إلى الملف الطبي الجنائي الفرنسي المستقر فوق الطاولة الأبنوسية كأنه أفعى شقراء جديدة نفثت سمها لتنحر ما تبقى من طهر وجدانها.تراجعت سهر خطوتين إلى الخلف، ونزعت أناملها اليرقانية الرقيقة من بين أصابع فارس الطويلة الارتعاشية بجفاء قاطع زلزل كيانه. تحول مسكها البارد، الذي كان قبل دقائق يمتزج بعطر عوده الفاخر وصندله الصارم في عناق وجداني ملتهب، إلى صقيع كبريائي صارم غلف أنوثتها الجريحة. التفتت ببطء نحو فارس، وعيناها الواسعتان تشعان بنحيب صامت وعتب عاتٍ قطّع نياط روحه، ونطقت بصوت رخيم متحشرج، بحّ من فرط الصدمة النفسية الارتدادية:«أحقاً ما ينطق به هذا الملف يا فارس؟ أكنتَ أنتَ الحريق الأول الذي شوه جسدي ونحر بداياتي الفنية في العاصمة؟ أكان جنون تملككَ المريض وسُعار غيرتكَ العمياء يدفعانكَ لرميي

  • خلف جدار قسوته: ليلة خذلاني الأخيرة   الفصل التاسع: انتحار الكبرياء

    انقشعت غيوم الليل العاصف عن صباح تشرينيٍّ بارد، تسللت خيوطه الرمادية الشاحبة عبر ستائر الجناح الرئيسي الفاخر، لتلقي بظلالٍ باهتة على وجه فارس النعمان. فتح عينيه ببطء، وفي حلقه مرارة تشبه علقم ليلة البارحة. كانت أنفاسه ثقيلة، وجسده مثقلاً بتعب ذلك النزاع الصامت الذي دار بينه وبين سهر في طريق العود

  • خلف جدار قسوته: ليلة خذلاني الأخيرة   الفصل الثامن: صكوك الغفران

    عادت سهر إلى القصر والخطوات تتسارع في سباق محموم مع الزمن، كان الصمت في الردهات يزداد ثقلاً مع اقتراب الليل، وكأن الجدران الضخمة تشعر بالزلزال العاطفي الذي يوشك أن يقتلع أوتاد هذا المكان. دخلت الجناح الرئيسي، وكان عطر فارس الغني برائحة العود والصندل لا يزال عالقاً في الهواء، عطرٌ طالما ارتبط في ذ

  • خلف جدار قسوته: ليلة خذلاني الأخيرة   الفصل السابع: خيوط الرحيل

    انقشعت عتمة تلك الليلة الجائرة عن صباح تشرينيّ جديد، لم يحمل معه سوى رداء كثيف من الضباب الرمادي الذي غلّف شوارع القاهرة ككفن بارد. تحركت سهر في ردهات القصر الفسيح كطيف عابر بعد أن تأكدت من مغادرة فارس إلى مملكته التجارية. لم يكن في صدرها متسع للبكاء أو اجترار الخيبات؛ فالروح التي ذُبحت كرامتها ا

  • خلف جدار قسوته: ليلة خذلاني الأخيرة   الفصل السادس: خيوط الرحيل الصامت

    وفي تلك اللحظة المحددة من الانضغاط النفسي، انفتحت الأبواب الضخمة للقاعة بكامل اتساعها، وكأنها تعلن عن بدء المسرحية الهزلية. خفتت أضواء القاعة الرئيسية فجأة، وتسلطت بؤر الضوء المبهرة نحو المدخل، لتندلع موجة عارمة من فلاشات كاميرات الصحافة والصيحات الصاخبة التي هزت أركان المكان.كانت المفاجأة الصادمة

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status